أولاً: الإمام أبو الحسن الأشعري:
[ALIGN=JUSTIFY]أولاً: الإمام أبو الحسن الأشعري:
سنذكر هنا بعض ما ذكره الإمام الأشعري من أصول المجسمة على اختلاف فرقهم، كما أشار إليه في كتابه المشهور » مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين«(1):
» هذا شرح اختلاف الناس في التجسيم.
قد أخْبَرْنا عن المنكرين للتجسيم أنهم يقولون إن البارئ جل ثناؤه ليس بجسم ولا ذي نهاية(2)، ونحن نخبر أقاويل المجسمة واختلافهم في التجسيم.
فقال هشام بن الحكم: إن الله جسم محدود عريض عميق طويل، طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه، نور ساطع له قدر من الأقدار بمعنى أن له مقدارًا في طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه في مكان دون مكان، كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ومجسَّة، لونه هو طعمه وهو رائحته وهو مجسَّه، وهو نفسه لون، ولم يثبت لونًا غيره، وأنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد «.
ثم قال: » وحكي عنه ابن الراوندي أنه زعم أن الله سبحانه يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات ولولا ذلك ما دلَّت عليه «.اهـ.
سترى أن معظم ما نقله الإمام الأشعري عن هذا المجسم المشهور فابن تيمية يقول بكثير منه صراحة، وينسبه إلى السلف الصالح إلا إنني لم أجد له نصًا يقول فيه بأن طوله مثل عرضه مثل عمقه، ولا أنه كالسبيكة الصافية.
فقد عرفنا الآن سلفه.
وأما أن الله يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات فإن ابن تيمية قد نص على ذلك في أكثر من موضع، بل إن مذهبه قائم على هذا الأصل.
ثم قال الأشعري ص208: » وقد ذُكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت البارئ ملوَّنًا ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجّسة، وأن يكون طويلاً وعريضًا وعميقًا، وزعم أنه في مكان دون مكان متحرك من وقت خلق الخلق.
وقال قائلون: إن البارئ جسم وأنكروا أن يكون موصوفًا بلون أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصف به » هشام « غير أنه على العرش مماسٌ له دون ما سواه «.
وسوف ترى أن ابن تيمية قد نسب إلى أهل السنة كون الله مماسًا للعرش وجعله أحد أقوالهم.
وأمّا الحركة فقد أثبتها كذلك ابن تيمية، واللازم على مذهبه أن تكون قديمة النوع حادثة الإفراد، فيلزم إذن موافقته لهؤلاء في كونه تعالى متحركًا من وقت خلق الخلق.
قال الأشعري: » واختلفوا في مقدار الباري بعد أن جعلوه جسمًا.
فقال قائلون: هو جسم وهو في كل مكان وفاضل عن جميع الأماكن، وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكثر من مساحة العالم لأنه أكبر من كل شيء.
وقال بعضهم: مساحته على قدر العالم، وقال بعضهم إن الباري جسم له مقدار في المساحة ولا ندري كم ذلك القدر.
وقال بعضهم هو في أحسن الأقدار وأحسن أن يكون ليس بالعظيم الجافي ولا القليل القميء، وحكي عن هشام بن الحكم أن أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه «. اهـ.
قلت: إذن فالمجسمة كلهم اتفقوا على وجود قدر لله، والقدر في اصطلاحهم هو الحَجْمُ كما ترى من هذه العبارات.
ثم قال الأشعري: » وقال بعضهم: ليس لمساحة البارئ نهاية ولا غاية وأنه ذاهب في الجهات الستَ اليمين والشمال والخلف والفوق والتحت.
قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم، ولا طويل ولا عريض ولا عميق، وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب «. اهـ.
وهذا القول الأخير ستعلم في هذا الكتاب أنه أحد قولي القاضي أبي يعلي المجسم المشهور أحد الذين ردَّ الإمام ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه.
ثم قال الإمام الأشعري: » وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان، إن الله جسم وإنه جثة على صورة الأنسان لحم ودمٌ وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره«. اهـ.
واعلم أن الشطر الأول من قول الجواربي هذا اقصد أنه من لحم ودم، هو القولُ الوحيدُ الذي نفاه ابن تيمية بشدة ولم يجعله محل خلاف في النفي.
أما أن لله أعضاءً هي ما ذكرها هنا أثبتها ابن تيمية كما ستراه في هذا الكتاب.
قال الأشعري: » وحُكَي عن الجواربي أنه كان يقول: أجوف من فيه إلى صدره، ومصمت ما سوى ذلك « ا هـ.
استمع إلى هذا الكفر الصريح كيف يقول أن الله أجوف من فيه أي من فمه؟! إلى صدره، ومصمت ما سوى ذلك.
ثم قال: » وكثير من الناس يقولون: هو مصمت ويتأولون قول الله: اللهُ الصَّمَدُ ، المصمت الذي ليس بأجوف «. اهـ.
وهذا القول في تفسير قوله تعالى: : اللهُ الصَّمَدُ هو نفس قول ابن تيمية، وقد أفردنا لتفسيره هذه الآية مسألة خاصة.ثم ذكر الإمام الأشعري اختلافهم في البارئ عز وجل هل هو في مكان دون مكان أم لا في مكان أم في كل مكان، وهل تحمله الحملة أم يحمله العرش.
فقال في هذا الباب ض210: » وقال قائلون هو جسم خارج من جميع صفات الجسم ليس بطويل ولا عريض ولا عميق ولا يوصف بلون ولا طعم ولا مجسّة ولا شيء من صفات الأجسام وأنه ليس في الأشياء ولا على العرش إلا على معنى أنه فوقه غير مماس له وأنه فوق الأشياء وفوق العرش، ليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها «. اهـ.
هذا هو قول هؤلاء المجسمة، وهم ليسوا مُغْرقينَ في التشبيه، بل يمكن أن يقال إنهم مجسمة معتدلون وقولهم هذا قريبٌ من قولِ بعض الحنابلة.
ولنر الآن قول هشام بن الحكم، قال الأشعري: » وقال هشام بن الحكم إن ربه في مكان دون مكان وإن مكانه هو العرش وأنه مماس للعرش وإن العرش قد حواه وحدَّه «. اهـ.
وهذا القول سترى أنَّه هُوَ عَيْنُ قول ابن تيمية بالضبط إلا قوله أن العرش قد حواه فلم يذكره ابن تيمية حسب علمي صراحةً.
قال الأشعري يحكي مذاهبهم: » وقال بعض أصحابه إن الباري قد ملأ العرش وإنه مماسٌ له «. اهـ.
وهذا القول أقرب إلى قول ابن تيمية، فهو يقول: إن العرش لا يخلو منه الله، وهذا قريب من معنى كون البارئ قد ملأ العرش.
قال الأشعري: » وقال بعض أصحابه ممن ينتحل الحديث إن العرش لم يمتلئ به وإنه يُقعد نبيَّه عليه السلام معه على العرش «. اهـ.
وهذا القول هو نفس ما سننقله عن ابن تيمية، وقد نسبه إلى العلماء المقبولين من الأمة.
وقد ذكرنا هناك تعليق الإمام الطبري على هذا القول، بعد أن حكاه عن مجاهد.
واستمع الآن كيف وضح الإمام الأشعري قول أهل السنة وأصحاب الحديث، فقد قال ص211: » وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء «. اهـ.
وذكر أنهم أجروا الآيات كما وردت وفوضوا معانيها إلى الله تعالى وخالفوا بذلك المجسمة ثم قال الأشعري مكملاً شرح أقوال المجسمة: » وقال بعض الناس: الاستواء القعود والتمكن «. اهـ.
وهو قول ابن تيمية كما وضحناه في محله.
ثم أكمل توضيح مذاهب الناس في حملة العرش فقال: » واختلف الناس في حملة العرش ما الذي تحمل.
فقال قائلون: الحملة تحمل الباري، وأنه إذا غضب ثقل على كواهلهم وإذا رضي خف فيتبينون غضبه من ضاه، وأن العرش له أطيط إذا ثقل عليه كأطيط الرَّحْل، وقال بعضهم ليس يثقل الباري ولا يخف، ولا تحمله الحملة ولكن العرش هو الذي يخف ويثقل وتحمله الحملة «. اهـ.
القول الأول من هذين هو: قول ابن تيمية ونسبه إلى السنة، والقول الثاني هو: قول القاضي أبي يعلي كما رواه عنه ابن تيمية.
ونقل عن بعضهم أنهم قالوا في رؤية الله: » نرى جسمًا محدودًا مقابلاً لنا في مكان دون مكان « . اهـ.
وهو عين قول ابن تيمية.
وقال في مذهبهم في اليد والعين والوجه ص217: » فقالت المجسمة: له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى الجوارح والأعضاء «.
وهذا هو حاصل قول ابن تيمية بالضبط وإن لم يصرح به بهذا الوضوح.
ثم وضح الأشعري قول أصحاب الحديث فقال: » وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله عز وجل أو جاءت به الرواية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف «. اهـ.
هل رأيت كيف ينقل الإمام الأشعري أن مذهب أصحاب الحديث نفي الكيف، وهذا خلاف ما ينسبه ابن تيمية إليهم فيدعي أنهم قائلون بوجود كيفية لهذه الصفات، أي أنها أعضاء وجوارح، ولكن ينفي علمه وعلمهم بالكيفية هذه.
ومن هذا تعلم أن ابن تيمية يلبِّسُ على الناس، فيدعي أن أقوال المجسمة هي بعينها أقوال أهل السنة والحديث وهو غير معيب في ذلك.
والآن فلننظر في هذا النص الخطير الذي يوضح التشابه الكبير بين مذهب ابن تيمية ومذهب هشام بن الحكم المجسم المعروف فقد قال الأشعري ص213: » فزعم هشام إن حركة الباري هي فعله الشيء، وكان يأبى أن يكون البارئ يزول مع قوله يتحرك «. اهـ.
فانظر في القسم الأول من مقالة هشام، فإن كلامه هو عين كلام ابن تيمية فحركة الباري هي فعله، والباري يفعل الشيء بحركة، فيحرك إما ذاته أو يديه، فالاستواء والنزول مثلاً أفعال يحرك فيها ذاته، وخَلْقُ آدم وغَرْسُ الجنةِ مثلا أفعالٌ يحرِّك فيها يديه .
وأما القسم الثاني الذي نفاه هشام، فهو مطابق لما ذكره ابن تيمية في شرح حديث النزول حيث قال إن نزول الله حركة ولكن لا يترتب على حركة الله خلو العرش منه وزواله عنه.
بل حال كون الله متحركًا إلى السماء الدنيا فهو لا يزال مستويًا على العرش.ويحق للواحد حين يسمع هذا الكلام أن يتصور الإنسان الجالس على الكرسي ينزل بنصف جسمه إلى الأرض لكي يتناول شيئًا منها وهو ما يزال مستويًا على كرسيه الذي هو عرش له، وإلا فما معنى هذا الكلام؟ فالله تعالى يكون بحالة هذا الإنسان في نزوله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل.
وهذا تجسيم محض.
ونقل الإمام الأشعري عن كثير من المجسمة ما يلي ص212: » وزعم كثير من المجسمة أن الباري كان قبل أن يخلق الخلق ليس بعالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا مريد ثم أراد «. اهـ.
وهذا القول في جانب منه هو عين قول ابن تيمية، لأنه يقول بأن سمع الله يحدث فيه بعد وجود المسموع، وبصره يحدث فيه بعد وجود المبصرات وهكذا حتى أحد نوعي علمه كما وضحناه في محله، وهو العلم الحادث، وأما الإرادة فابن تيمية يصرح بكل وضوح بأنها ليست قديمة بل حادثة كما يقول المجسمة.
والحق أنه بعد مُجَرَّد الاطلاع على كتب الفرق وملاحظة كلام وعقائد المجسمة، فإن الواحد لا يبقى في قلبه شك في أن ابن تيمية مجسم حقيقي.
خلاصة ما ذكره الإمام الأشعري:
نستطيع أن نلخص بعض الأصول التي اجتمع عليها كثير مِنَ المجسمة، وذلك بالاعتماد على كلام الإمام الأشعري عنهم، وذلك كما يلي:
أولاً: الله تعالى له قدر أي حجم أي طول وعرض وارتفاع
ثانيًا: الله يمكن أن يحس غيره ويمسه، ويمكن للأجسام المخلوقة أن تحس الله وتمسّه.
ثالثًا: الله مماسٌ للعرش، والملائكة يحملونه على العرش.
والعرش مكان لله.
رابعًا: لله تعالى أعضاء وأركان وأدوات مثل الوجه واليد والعين.
خامساً: الله محدود من جميع الجهات الست، أو له حيز غير متناهي الأبعاد.
سادسًا: سمع الله وبصره وعلمه وغير ذلك تحدث في الله بعد وجود الأشياء.
سابعًا: فعل الله يقتضي حركته.[/ALIGN]
_______________________
(1) مقالات الإسلاميين، 207، طبعة دار إحياء التراث العربي بتصحيح هلموت ريتر.
(2) لاحظ كيف يُصَرِّح الإمام الأشعري بأن المنكرين للتجسيم ينفون كون الله جسمًا وينفون أن يكون محدودًا وذا نهاية، هو معنى نفي المجسمة والحدود والنهايات عن الله تعالى، ويفهم من هذا أن المجسمة يثبتون كل ذلك لله تعالى.
[ALIGN=JUSTIFY]أولاً: الإمام أبو الحسن الأشعري:
سنذكر هنا بعض ما ذكره الإمام الأشعري من أصول المجسمة على اختلاف فرقهم، كما أشار إليه في كتابه المشهور » مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين«(1):
» هذا شرح اختلاف الناس في التجسيم.
قد أخْبَرْنا عن المنكرين للتجسيم أنهم يقولون إن البارئ جل ثناؤه ليس بجسم ولا ذي نهاية(2)، ونحن نخبر أقاويل المجسمة واختلافهم في التجسيم.
فقال هشام بن الحكم: إن الله جسم محدود عريض عميق طويل، طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه، نور ساطع له قدر من الأقدار بمعنى أن له مقدارًا في طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه في مكان دون مكان، كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ومجسَّة، لونه هو طعمه وهو رائحته وهو مجسَّه، وهو نفسه لون، ولم يثبت لونًا غيره، وأنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد «.
ثم قال: » وحكي عنه ابن الراوندي أنه زعم أن الله سبحانه يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات ولولا ذلك ما دلَّت عليه «.اهـ.
سترى أن معظم ما نقله الإمام الأشعري عن هذا المجسم المشهور فابن تيمية يقول بكثير منه صراحة، وينسبه إلى السلف الصالح إلا إنني لم أجد له نصًا يقول فيه بأن طوله مثل عرضه مثل عمقه، ولا أنه كالسبيكة الصافية.
فقد عرفنا الآن سلفه.
وأما أن الله يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات فإن ابن تيمية قد نص على ذلك في أكثر من موضع، بل إن مذهبه قائم على هذا الأصل.
ثم قال الأشعري ص208: » وقد ذُكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت البارئ ملوَّنًا ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجّسة، وأن يكون طويلاً وعريضًا وعميقًا، وزعم أنه في مكان دون مكان متحرك من وقت خلق الخلق.
وقال قائلون: إن البارئ جسم وأنكروا أن يكون موصوفًا بلون أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصف به » هشام « غير أنه على العرش مماسٌ له دون ما سواه «.
وسوف ترى أن ابن تيمية قد نسب إلى أهل السنة كون الله مماسًا للعرش وجعله أحد أقوالهم.
وأمّا الحركة فقد أثبتها كذلك ابن تيمية، واللازم على مذهبه أن تكون قديمة النوع حادثة الإفراد، فيلزم إذن موافقته لهؤلاء في كونه تعالى متحركًا من وقت خلق الخلق.
قال الأشعري: » واختلفوا في مقدار الباري بعد أن جعلوه جسمًا.
فقال قائلون: هو جسم وهو في كل مكان وفاضل عن جميع الأماكن، وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكثر من مساحة العالم لأنه أكبر من كل شيء.
وقال بعضهم: مساحته على قدر العالم، وقال بعضهم إن الباري جسم له مقدار في المساحة ولا ندري كم ذلك القدر.
وقال بعضهم هو في أحسن الأقدار وأحسن أن يكون ليس بالعظيم الجافي ولا القليل القميء، وحكي عن هشام بن الحكم أن أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه «. اهـ.
قلت: إذن فالمجسمة كلهم اتفقوا على وجود قدر لله، والقدر في اصطلاحهم هو الحَجْمُ كما ترى من هذه العبارات.
ثم قال الأشعري: » وقال بعضهم: ليس لمساحة البارئ نهاية ولا غاية وأنه ذاهب في الجهات الستَ اليمين والشمال والخلف والفوق والتحت.
قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم، ولا طويل ولا عريض ولا عميق، وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب «. اهـ.
وهذا القول الأخير ستعلم في هذا الكتاب أنه أحد قولي القاضي أبي يعلي المجسم المشهور أحد الذين ردَّ الإمام ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه.
ثم قال الإمام الأشعري: » وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان، إن الله جسم وإنه جثة على صورة الأنسان لحم ودمٌ وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره«. اهـ.
واعلم أن الشطر الأول من قول الجواربي هذا اقصد أنه من لحم ودم، هو القولُ الوحيدُ الذي نفاه ابن تيمية بشدة ولم يجعله محل خلاف في النفي.
أما أن لله أعضاءً هي ما ذكرها هنا أثبتها ابن تيمية كما ستراه في هذا الكتاب.
قال الأشعري: » وحُكَي عن الجواربي أنه كان يقول: أجوف من فيه إلى صدره، ومصمت ما سوى ذلك « ا هـ.
استمع إلى هذا الكفر الصريح كيف يقول أن الله أجوف من فيه أي من فمه؟! إلى صدره، ومصمت ما سوى ذلك.
ثم قال: » وكثير من الناس يقولون: هو مصمت ويتأولون قول الله: اللهُ الصَّمَدُ ، المصمت الذي ليس بأجوف «. اهـ.
وهذا القول في تفسير قوله تعالى: : اللهُ الصَّمَدُ هو نفس قول ابن تيمية، وقد أفردنا لتفسيره هذه الآية مسألة خاصة.ثم ذكر الإمام الأشعري اختلافهم في البارئ عز وجل هل هو في مكان دون مكان أم لا في مكان أم في كل مكان، وهل تحمله الحملة أم يحمله العرش.
فقال في هذا الباب ض210: » وقال قائلون هو جسم خارج من جميع صفات الجسم ليس بطويل ولا عريض ولا عميق ولا يوصف بلون ولا طعم ولا مجسّة ولا شيء من صفات الأجسام وأنه ليس في الأشياء ولا على العرش إلا على معنى أنه فوقه غير مماس له وأنه فوق الأشياء وفوق العرش، ليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها «. اهـ.
هذا هو قول هؤلاء المجسمة، وهم ليسوا مُغْرقينَ في التشبيه، بل يمكن أن يقال إنهم مجسمة معتدلون وقولهم هذا قريبٌ من قولِ بعض الحنابلة.
ولنر الآن قول هشام بن الحكم، قال الأشعري: » وقال هشام بن الحكم إن ربه في مكان دون مكان وإن مكانه هو العرش وأنه مماس للعرش وإن العرش قد حواه وحدَّه «. اهـ.
وهذا القول سترى أنَّه هُوَ عَيْنُ قول ابن تيمية بالضبط إلا قوله أن العرش قد حواه فلم يذكره ابن تيمية حسب علمي صراحةً.
قال الأشعري يحكي مذاهبهم: » وقال بعض أصحابه إن الباري قد ملأ العرش وإنه مماسٌ له «. اهـ.
وهذا القول أقرب إلى قول ابن تيمية، فهو يقول: إن العرش لا يخلو منه الله، وهذا قريب من معنى كون البارئ قد ملأ العرش.
قال الأشعري: » وقال بعض أصحابه ممن ينتحل الحديث إن العرش لم يمتلئ به وإنه يُقعد نبيَّه عليه السلام معه على العرش «. اهـ.
وهذا القول هو نفس ما سننقله عن ابن تيمية، وقد نسبه إلى العلماء المقبولين من الأمة.
وقد ذكرنا هناك تعليق الإمام الطبري على هذا القول، بعد أن حكاه عن مجاهد.
واستمع الآن كيف وضح الإمام الأشعري قول أهل السنة وأصحاب الحديث، فقد قال ص211: » وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء «. اهـ.
وذكر أنهم أجروا الآيات كما وردت وفوضوا معانيها إلى الله تعالى وخالفوا بذلك المجسمة ثم قال الأشعري مكملاً شرح أقوال المجسمة: » وقال بعض الناس: الاستواء القعود والتمكن «. اهـ.
وهو قول ابن تيمية كما وضحناه في محله.
ثم أكمل توضيح مذاهب الناس في حملة العرش فقال: » واختلف الناس في حملة العرش ما الذي تحمل.
فقال قائلون: الحملة تحمل الباري، وأنه إذا غضب ثقل على كواهلهم وإذا رضي خف فيتبينون غضبه من ضاه، وأن العرش له أطيط إذا ثقل عليه كأطيط الرَّحْل، وقال بعضهم ليس يثقل الباري ولا يخف، ولا تحمله الحملة ولكن العرش هو الذي يخف ويثقل وتحمله الحملة «. اهـ.
القول الأول من هذين هو: قول ابن تيمية ونسبه إلى السنة، والقول الثاني هو: قول القاضي أبي يعلي كما رواه عنه ابن تيمية.
ونقل عن بعضهم أنهم قالوا في رؤية الله: » نرى جسمًا محدودًا مقابلاً لنا في مكان دون مكان « . اهـ.
وهو عين قول ابن تيمية.
وقال في مذهبهم في اليد والعين والوجه ص217: » فقالت المجسمة: له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى الجوارح والأعضاء «.
وهذا هو حاصل قول ابن تيمية بالضبط وإن لم يصرح به بهذا الوضوح.
ثم وضح الأشعري قول أصحاب الحديث فقال: » وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله عز وجل أو جاءت به الرواية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف «. اهـ.
هل رأيت كيف ينقل الإمام الأشعري أن مذهب أصحاب الحديث نفي الكيف، وهذا خلاف ما ينسبه ابن تيمية إليهم فيدعي أنهم قائلون بوجود كيفية لهذه الصفات، أي أنها أعضاء وجوارح، ولكن ينفي علمه وعلمهم بالكيفية هذه.
ومن هذا تعلم أن ابن تيمية يلبِّسُ على الناس، فيدعي أن أقوال المجسمة هي بعينها أقوال أهل السنة والحديث وهو غير معيب في ذلك.
والآن فلننظر في هذا النص الخطير الذي يوضح التشابه الكبير بين مذهب ابن تيمية ومذهب هشام بن الحكم المجسم المعروف فقد قال الأشعري ص213: » فزعم هشام إن حركة الباري هي فعله الشيء، وكان يأبى أن يكون البارئ يزول مع قوله يتحرك «. اهـ.
فانظر في القسم الأول من مقالة هشام، فإن كلامه هو عين كلام ابن تيمية فحركة الباري هي فعله، والباري يفعل الشيء بحركة، فيحرك إما ذاته أو يديه، فالاستواء والنزول مثلاً أفعال يحرك فيها ذاته، وخَلْقُ آدم وغَرْسُ الجنةِ مثلا أفعالٌ يحرِّك فيها يديه .
وأما القسم الثاني الذي نفاه هشام، فهو مطابق لما ذكره ابن تيمية في شرح حديث النزول حيث قال إن نزول الله حركة ولكن لا يترتب على حركة الله خلو العرش منه وزواله عنه.
بل حال كون الله متحركًا إلى السماء الدنيا فهو لا يزال مستويًا على العرش.ويحق للواحد حين يسمع هذا الكلام أن يتصور الإنسان الجالس على الكرسي ينزل بنصف جسمه إلى الأرض لكي يتناول شيئًا منها وهو ما يزال مستويًا على كرسيه الذي هو عرش له، وإلا فما معنى هذا الكلام؟ فالله تعالى يكون بحالة هذا الإنسان في نزوله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل.
وهذا تجسيم محض.
ونقل الإمام الأشعري عن كثير من المجسمة ما يلي ص212: » وزعم كثير من المجسمة أن الباري كان قبل أن يخلق الخلق ليس بعالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا مريد ثم أراد «. اهـ.
وهذا القول في جانب منه هو عين قول ابن تيمية، لأنه يقول بأن سمع الله يحدث فيه بعد وجود المسموع، وبصره يحدث فيه بعد وجود المبصرات وهكذا حتى أحد نوعي علمه كما وضحناه في محله، وهو العلم الحادث، وأما الإرادة فابن تيمية يصرح بكل وضوح بأنها ليست قديمة بل حادثة كما يقول المجسمة.
والحق أنه بعد مُجَرَّد الاطلاع على كتب الفرق وملاحظة كلام وعقائد المجسمة، فإن الواحد لا يبقى في قلبه شك في أن ابن تيمية مجسم حقيقي.
خلاصة ما ذكره الإمام الأشعري:
نستطيع أن نلخص بعض الأصول التي اجتمع عليها كثير مِنَ المجسمة، وذلك بالاعتماد على كلام الإمام الأشعري عنهم، وذلك كما يلي:
أولاً: الله تعالى له قدر أي حجم أي طول وعرض وارتفاع
ثانيًا: الله يمكن أن يحس غيره ويمسه، ويمكن للأجسام المخلوقة أن تحس الله وتمسّه.
ثالثًا: الله مماسٌ للعرش، والملائكة يحملونه على العرش.
والعرش مكان لله.
رابعًا: لله تعالى أعضاء وأركان وأدوات مثل الوجه واليد والعين.
خامساً: الله محدود من جميع الجهات الست، أو له حيز غير متناهي الأبعاد.
سادسًا: سمع الله وبصره وعلمه وغير ذلك تحدث في الله بعد وجود الأشياء.
سابعًا: فعل الله يقتضي حركته.[/ALIGN]
_______________________
(1) مقالات الإسلاميين، 207، طبعة دار إحياء التراث العربي بتصحيح هلموت ريتر.
(2) لاحظ كيف يُصَرِّح الإمام الأشعري بأن المنكرين للتجسيم ينفون كون الله جسمًا وينفون أن يكون محدودًا وذا نهاية، هو معنى نفي المجسمة والحدود والنهايات عن الله تعالى، ويفهم من هذا أن المجسمة يثبتون كل ذلك لله تعالى.
تعليق