الفرق بين استقبال القبلة وعبادة الآلهة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مدثر جمال التونسوي
    طالب علم
    • May 2011
    • 23

    #1

    الفرق بين استقبال القبلة وعبادة الآلهة

    بقلم : الإمام محمد قاسم النانوتوي المتوفى 1297هـ/1880م
    تعريب : الأستاذ محمد ساجد القاسمي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم إلى يوم الدين.



    خلفية تأليف الكتاب

    أما بعد: فيقول العبد العاصي محمد قاسم لقراء الكتاب: إنه ورد الباندت "ديا نند سرسوتي"([i]) بمدينة "روركي" في أواخر رجب عام1295هـ، ووجّه اعتراضات إلى الإسلام على رؤوس الأشهاد. فبناءً على طلب من بعض معارفي وأحبائي، وغيرةًعلى الإسلام وصلت إليها في أوائل شعبان،ومكثت فيهابضعة عشر يومًا رغبةً في المناظرة؛ وقد أحببت أن أسمع الاعتراضات من الباندت نفسه، وأجيب عنها على رؤوس الأشهاد. غير أنه لم يجرُؤ على أن ينزل إلى ساحة المناظرة؛ فافتنّ في المكر، وتلطف في الحيل التي لم تخطر على بال تفاديًا من المناظرة. إنه اعترض في الجمع الغفير من الناس، فلما رأى أنه قدحان افتضاحه اشترط ألايكون في مجلس المناظرة أكثرمن خمسين رجلا، فلما سئل عن السبب قال: خشيةَ الفتنة و الاضطراب. فلما ذكرنا له المناظرات([ii]) التي عُقدت في الماضي وتمت فعالياتها و مداولاتها بهدوء وطمانينة، وذكرنا الاستعدادات التي تتخذها الحكومة، لم يحر جوابًا. وإنما أصرَ على دعواه دونما دليل فرارًا من المناظرة.

    وكان يعرف أنه سيُظِلُّ رمضان، فيظن أنه إن انقضت أيام فإنهم يغادرون ألبتة؛ فالتمسناه، وعيّرناه، وناقشناه، وراسلناه، ولكنه أبى كلَّ الإباء. وأخيرًا رضي بحضور مأتي رجلٍ في مجلس المناظرة دون الجمع الغفيرمن الناس، وذلك بعد جهود مكثفة بذلناها في إرضائه، كما لم يرضَ بعقد المناظرة إلا في منزله الضيق، وحدّد موعد المناظرة السادسةَ مساءً بدلاً من الصباح، فلما شكوناه قلةَ الوقت وسّع إلى التاسعة ليلاً. كان غرضه من وراء ذلك إزعاجنا؛ لأنّ محط رحالنا كان بعيدًا عن منزله بنحو ميل ونصف، فإن نفرغ من المناظرة في التاسعة نصل إلى محط رحالنا في العاشرة، ثم صلاة العشاء تستغرق ساعة.

    فحينئذ فلا المطاعم مفتوحة؛ فنشتري الطعام ولا فينا قوة فنُعده؛ ثم إنّ الفصل فصل الأمطار، فإن نزل المطركان ذلك أدهى وأمرّ.

    جملة القول أنه كان غرضه أن نضيق به ذرعًا فنتركَه وشأنه ونرتحل عنه، فيفرح هو ويفخر. لم يكن في الوقت المحدد سعة لتوسط صلاة المغرب واتخاذ هذه الحيلة. غيرأننا لما وافقنا على ذلك كله باسم الله وبركته كان من شرائط المناظرة أنه صدر الأمر الحكومي بأن لا تعقد المناظرة في منزله بل و لا في حدود المعسكر ومدينة "روركي"، وإنما تعقد خارجهما.([iii])



    الباندت يلوذ بالفرار:

    فطلبنا منه أن يتفضل إلى ساحة مصلى العيد، فأوجس خيفةً من افتضاحه وانكشاف سوءته، فلم يجد بدًا من الإنكار والإباء، فاضطررنا أن نطلب منه بأن يرسل إلينا اعتراضاته،حتى نجيب عنها في جماهير من الناس، وإن شاء فليحضر حتى أناظره تحريريا. ففضلا عن أن يرد أخذ عربته وولى هاربًا ولم يعقب.



    يلقي الشيخ محمد قاسم النانوتوي كلمته:

    فقررنا اضطرارًا بأن نرد على الاعتراضات التي سمعناها من أفواه الناس، في جماهير من الناس، ولما كان الرد عليها لاتكفيه جلسة؛ لأني كنت أريد أن ألقي كلمة في التوحيد والنبوة وأساسيات الدين، وكان ازدحام الناس ونزول المطر وتوحل الطرق وإظلال رمضان لايسمح لي بالمكث كثيرًا، فألقيت كلمة في الرد على أعقد الاعتراضات وأصعبها في جلسة،كما ألقيت كلمة في التوحيد والنبوة. ثم غادرت "روركي" في الثالث والعشرين من شعبان، ومكثت في "منغلور" يومًا وفي "ديوبند" يومين أو ثلاثة حتي وصلت مسقط رأسي "نانوته" في السابع والعشرين منه.



    ابتداء تأليف الكتاب:

    فلماوصلت "نانوته" أردت أن أكتب الرد على الاعتراضات التي أثارها الباندت باسم الله وبركته، وأقدمها إلى القراء حتى أنال صالح دعواتهم، وأفوز برحمة الله وغفرانه، فحقق الله ما أردتُّ، وألهمني ما رددت به على اعتراضاته. والآن أذكر الاعتراض الأول وأرد عليه.



    الاعتراض الأول: استقبال الكعبة هوعبادة الآلهة:

    يدعو المسلمون الهندوس عبادالأصنام، وهم أنفسهم يسجدون بيتا الكعبة فيه أحجار كثيرة، فنجيب المسلمين بما يجيبوننا؛ فالمسلمون ليسوا بأقل من عُبَّاد الأصنام.



    الردالأول:أسفًا على عقله:

    أسفًا على أسف! إن فضائل الباندت ومواهبه مشهورة في الهندوس،حتى لقّبوه بـ"سرسوتي" إلـٰـهة العلوم والفنون([iv]) .بالرغم من هذا يسوي بين الأرض والسماء واستقبال الكعبة وعبادة الآلهة، فإن كان لايعرف الفرق بين مثل هذه الأمور فما معنى مواهبه المشهورة؟ وإن كان شأنه هذا عن عمد فلا أقول شيئا، وإنما يعرف العقلاء هذا كلَّ المعرفة.

    فإيضاحًا لواقع الأمر أذكر في الصفحات الآتية أمورًا مما يعرف به الفرق بين استقبال الكعبة و عبادة الآلهة؛ لعل ذافهم ونصفة يعترف، ويطلع على سخافة رأ الباندت، فيفكر في الآخرة.



    معنى استقبال الكعبة وعبادة الآلهة:

    الأول: لفظة "استقبال الكعبة" ولفظة "عبادة الآلهة" هما اللتان تدلان على أنَّ التوجه إلى الكعبة ليس له أي علاقة مع عبادة الآلهة. فاللفظة الأولى وهي استقبال الكعبة إنما تعني التوجه إلى الكعبة. أماعبادة الآلهة فهي عبارة عن اتخاذ الأصنام آلهة([v]). فلو كان المسلمون يدّعون عبادة الكعبة لكان اعتراض الباندت صوابًا، فاسئلوا من شئتم من المسلمين، فإنه لايعرف معنى عبادة الكعبة.



    لايشترط النية في استقبال الكعبة:

    الثاني: يجب التوجه إلى الكعبة في الصلاة عندالمسلمين، ولايشترط فيه النية فضلاً عن نية عبادتها، إنما يجب نية عبادة الله، فإن لم تكن نية عبادته لاتصح الصلاة عند المسلمين؛ مما يتضح أن المسلمين يعبدون الله ولايعبدون الكعبة. أما عبادة الأصنام فيشترط فيها نية عبادتها، فإن كان يشك فيما أقول، فليسئل من يسكن في الهند من آلاف مؤلفة من عباد الأصنام؛ غير أن العقلاء ليس لهم حاجة إلى السؤال عن هذا ولا الإجابة عنه ؛ لأنه واضح بين.

    الثالث: ليس في الصلاة من أولها إلى آخرها كلمة تشعر بتعظيم الكعبة، وإنما كل كلمة من كلماتها وكل عمل من أعمالها تشعر بتعظيم الله.

    فأولا يستوي المصلي قائما، ثم يكبرالله، وهذه هي تكبيرة الإحرام، وهي تنبئ عن عظمة الله وكبريائه... ثم يقرأ "سبحانك اللهم الخ" ففيه تسبيح الله وتحميده وذكربركة اسمه وعلوشأنه وتوحيده. ثم يستعيذ بالله من شرالشيطان وفتنته. ثم يسمي الله، فيستعين به. ثم يقرأ سورة الفاتحة، وهي تشتمل على حمد الله وربوبيته الشاملة، ورحمته العامة والخاصة، ومالكيته واختياره في الجزاء والعقاب؛ ثم يسئله هدايته.

    ثم يقرأ ما يتيسرمن القرآن؛ حتى يظهر مما يقرأه الإمام والمنفرد من مرسوم الله أنه طوع أمره ورهين إشارته، ولذلك يركع بعده ويسجد؛ كيلا تكون قراءته وسماعه لمرسوم الله كقراءة قصة أو كتاب من كتب اللغة.

    معنى ذلك أنه يركع أولا، والركوع عبارة عن الانحناء واضعا يديه على ركبتيه. فيظهر بهذه الهيئة حقارة نفسه، ثم يقول: "سبحان ربي العظيم" ثم يستوي قائما، قائلا: "سمع الله لمن حمده" ثم يسجد، و السجود عبارة عن وضع الركبتين والكفين و الجبهة على الأرض. فيظهر بهذه الهيئة ضآلة نفسه وعجزه وذله ثم يقول: "سبحان ربي الأعلى" فإذا انتقل إلى الركوع والسجود ورفع رأسه منه قال: "الله أكبر"، وقد ذكرمعناه.

    ثم يقوم قائلا: الله أكبر، ويفعل مافعل في الركعة الأولى، ثم يقعد و يتشهد، و معنى التشهد أن العبادات القلبية والبدنية والمالية بحذافيرها لله تعالى.

    ثم يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم و يسلم عليه ويدعوله بالرحمة والبركة عرفانًا لجميله، كما يدعو لعباد الله الصالحين ولوالديه وللمسلمين جميعا بالمغفرة والهداية، ثم ينهي صلاته ملتفتا إلى يمينه ويساره قائلا: السلام عليكم ورحمة الله.

    فإن كان يريد أن يطيل الصلاة يقوم بعد ما يتشهد قائلا: الله أكبر، ويفعل ما فعل في الركعتين الأوليين، ثم يجلس ويتشهد ويصلي ويدعو وينهي صلاته مسلما على يمينه ويساره. وهذا السلام يشير إلى أن المصلي كان في جناب الله خارج هذا العالم، فلما عاد إلى هذا العالم سلم على أهله متّبعا أدب القادمين.

    ثم يسأل الله رافعا يديه عاجزا متضرعا مبتهلا أن يحقق أمانيه ويقضي حاجاته، وينهي دعاءه حامدًا لله ومثنيا عليه ومسبّحا ومكبرا و موحدا.

    الغرض من وراء ذكر الصلاة بشكل موجز، أنها من أولها إلى آخرها تشتمل على إظهار عظمة الله وكبريائه والإقرار بضآلة نفسه وعجزه و ذله أمامه؛ ولاتذكر فيها الكعبة أصلا. وأما عبادة الأصنام فهي من أولها إلى آخرها تشتمل على عظمة الأصنام والتملق منها والاعتراف بالذل والعجز أمامها.

    فعبادة الأصنام فيها تعظيم الأحجار والأوثان التي يسميها عبادها "مهاديو" و"وشنو" و في "غايتري" تعظيم الشمس وإظهار العجز والذل أمام الأحجار.

    فأين عبادة الآلهة من الصلاة؟ وأين الأرض من السماء؟ إلا أن دقة ملاحظة الباندت وذكاءه كيف سوى بين الصلاة وعبادة الآلهة؟!


    * * *

    الهوامش

    (1) سوامي ديانند سرسوتي أحد رجال الفكر في الديانة الهندوسية المشهورين، و صاحب المؤلفات المشهورة، ومؤسس حركة "آريه سماج". جرت مناظرات ومحاورات بينه وبين العديد من علماء المسلمين لاسيما الشيخ محمد قاسم النانوتوي. ولد في قرية "موروي" من أعمال "أحمدآباد" بولاية "غوجرات" في الهند، عام 1824م، واشتهر بـ "سوامي ديانند". ترك عبادة الأصنام، وقرأ "فيدا" أحد الكتب المقدسة لدى الهندوس على "سوامي درجانند" وطوّف في بلاد الهند كلها لنشر الديانة الهندوسية. أسس حركة "آريه سماج" عام 1874م، وقضى ما بقي من أيام حياته في ترقيتها وتطويرها. مات في30/ أكتوبر عام1883م

    (2) هي المناظرات التي جرت في "مهرجان معرفة الذات الإلهية" المنعقد في "تشاندا فور" بمديرية "شاه جهان فور" في ولاية أترابراديش الهندية، والتي وجه فيها القساوسة والباندت نفسه اعتراضات لاذعة إلى الإسلام، وكان كل ذلك بمحضر من جماهير الناس، وبمرأى ومسمع من آلاف من المسلمين، غير أن المسلمين لازموا الصمت، ولم يحدث اضطراب ولافتنة۔

    (3) كان الحكام الإنجليز يؤيدون الباندت في خطته المعادية للإسلام تأييدَا، يقدر مداه من هذا المرسوم الحكومي الذي منع فيه عقد مجلس المناظرة في حدود المعسكر، وقد كان الباندت نفسه شرط عقدها في منزله، غير أن الحكام منعوا حينما حان الموعد .

    (4) اشتهر الباندت بلقب "سرسوتي" وأصبح هذا اللقب جزءا لايتجزى من اسمه، وهواسم إلـٰـهة من إلهات الهندوس، وكانت زوجة "برهما" ويزعم الهندوس أنها مبتكرة العلوم والفنون، وأنها العقل الكامل. اختار الباندت لنفسه هذا اللقب، ومن المؤسف أن الباندت رغم كونه عقلا كاملا يتكلم بهراء ويِثرثر ثرثرةً فارغةً۔

    (5) وجه الباندت أحد عشر اعتراضًا إلى الإسلام في مدينة "روركي" وقد رد الشيخ محمد قاسم النانوتوي على عشرة منها في كتابه "ردود على ما وجه من الاعتراضات إلى الإسلام" أما الاعتراض الحادي عشر الذي سوى فيه بين استقبال القبلة وعبادة الآلهة فقد رد الشيخ عليه في هذا الكتاب ردين: أحدهما سهل قريب التناول، ثانيهما علمي صعب ۔

    جاری الاتصال ۔ ۔ ۔
  • مدثر جمال التونسوي
    طالب علم
    • May 2011
    • 23

    #2
    لايجب في استقبال الكعبة إصابة جدارها

    بل إصابة جهتها:

    الرابع: لا يشترط عند المسلمين في الصلاة إصابة جدران الكعبة ؛ فإن هدمت جدرانها فرضًا تقام الصلاة على جهة الكعبة كذلك؛ فقد كان هدمها عبد الله بن الزبير حتى قواعدها تجديدًا لبنائها، فجدد بناءها وفقاً لما أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم و أحب. وخلال هذه المدة ما زال المسلمون يقيمون الصلاة كعادتهم.

    فلو كان جدار الكعبة معبودًا و مسجودًا و مطلوبًا لأوقفت الصلاة في تلك الأيام. و أقصى ما فعلوا لوفعلوا قضوا ما فاتهم من الصلاة في هذه المدة بعد الانتهاء من بنائها.

    وأما عبادة الآلهة فالمطلوب و المعبود و المسجود فيها هي الآلهة؛ لذلك إن أخرجت الآلهة من معبد إلى مكان تؤدى الطقوس الدينية كلها فيه، ويترك المكان الأول.

    الخامس: أن المسلمين يطلقون على الكعبة بيت الله لا الله أو الإله، وبدهيٌّ أن رجلاً إذا ذهب إلى منزل فقَصْدُه ربُّ المنزل لا المنزل، وما يقوم به الرجل من آداب و تقاليد نحوالمنزل يعُدُّه كلُّ واحد من الناس لرب المنزل لا للمنزل.

    فإذا حيّا أحد رجلاً جالسًا على سرير فالتحية للرجل لا للسرير، وهذا واضح غاية الوضوح، لا يشك فيه حتى سفيه أو مجنون. وهكذا اعتَبـِـرواالعبادة نحو الكعبة، ولا تستخرجوا فيها احتمالاً آخر عن عمد.

    جملة القول أن لفظة "بيت الله" إذا أعمل العقل و الفهم في فهمها تشير إلى أن المقصود هو رب البيت لا البيت. وأما عباد الأصنام فهم لا يعتقدون الأصنام بيت الله و لا كرسيه ولا سريره، وإنما يعتقدونها "مهاديو" و"فيشنو" (Vishnu) و"غنيش" (Ganesh)، و لما كان عباد الآلهة في الهند يعتقدونهم مستحقين للعبادة فالمقصود في عبادة الآلهة هو الآلهة.



    المسلمون لا يعبدون الكعبة و إنما يعبدون ربها:

    السادس: إنما يستحق العبادة عند المسلمين من كان موجودًا بذاته، وما سواه يحتاج إليه في وجوده و بقائه، مالكاً للنفع و الضرر، وغيره لايضره ولا ينفعه، ذاتي الكمال و الجمال و الجلال، وما سواه مستعار الكمال والجمال و الجلال. والموصوف بهذه الصفات كما يشهد العقل و النقل هو الذات الإلهية لا غير. ويعتقدون أن محمدًا أفضل الناس جميعًا بعدالله تعالى، لا يعادله رجل ولا ملك ، كما لايماثله العرش و الكرسي و لا الكبعة. رغم ذلك يعتقدونه محتاجاً إلى الله كل الاحتياج، لايملك أن يخلق ذرة أو يضر أحدًا مثقال حبة، فخالق الكون وما فيه هو الله تعالى لا محمد صلى الله عليه و سلم. فكلمة التوحيد التي عليها مناط الإيمان، و هي لا إله إلا الله محمد رسول الله، يقرون فيها بوحدانية الله وعبودية محمد صلى الله عليه و سلم ورسالته.

    على هذا فالمسلمون لايعبدون إلا الله، ولو جاز أداء العبادة لغير الله لجاز لمحمد صلى الله عليه و سلم، إلا أنهم يعتقدونه عبدًا لامعبودًا، بل واعتبروا سبب أفضليته عبوديتَه الكاملة، فكيف تكون الكعبة معبودًا لهم و مسجودًا؟ وهل هذا إلااتهام أو جهل وقلة فهم؟!



    للطاعة سببان:

    عند عباد الآلهة بل عند معظم الهندوس أن الله تعالى لايستحق العبادة، وإنما يستحقها عندهم "مهاديو" و "فيشنو" و "برهما" لأنهم يعتقدون أن الله عاطل و عاجز و مكتوف اليد،و شؤون العالم كلها بيد "مهاديو" وهو مالك للنفع و الضرر و الخير و الشر. واضح أن العبادة عبارة عن الطاعة، وإنما تؤدى الطاعة للمطاع إما أملاً في نفعه و إما خوفًا من ضرره، فالموظفون يطيعون رؤساءهم أملاً في النفع، والمظلومون يطيعون من يستولي عليهم خوفًا من الضرر.



    شبهة و الرد عليها:

    أما طاعة المحب حبيبه، فهي وإن لم تكن كطاعة الموظفين أملاً في النفع أو المظلومين خوفًا من الضرر، غير أنا لما رأينا أن الأمل هو تمني حصول أمر مرغوب فيه و الخوف هوخشية زوال أمر مرغوب فيه فتعريف الطاعة ينطبق على طاعة المحبين كل الانطباق.

    جملة القول أن مناط الطاعة على الأمل و الخوف، فعباد الآلهة بل معظم الهندوس يعلقون الأمل و الخوف حسب معتقداتهم بـ"مهاديو" و "فيشنو" ولا يعلقونهما بالله؛ فلزم أن يكون "مهاديو" مستحقًا للعبادة عندهم، و لايستحقها الله.

    فعند المسلمين لاتستحق الكعبة العبادة، والآلهة المصطنعة تستحق العبادة عند الهندوس؛ لأنهم يرونهم "مهاديو" وغيرهم وفقاً لمعتقداتهم. على هذا فالكعبة ليست معبودًا و مسجودًا و إنما هي جهة السجود و العبادة. ولزم القول بكون الآلهة معبودًا و مسجودًا حسب معتقدات الهندوس. فبين استقبال الكعبة و عبادة الآلهة فرق شاسع و بون بعيد.

    السابع: الفعل قديكون تابعاً لكيفية من كيفيات الفاعل وقديكون تابعاً لكيفية من كيفيات المفعول، فلما تأملنا في العلم و الحكم وجدنا أن العلم تابع للمعلوم والحكم تابع للحاكم.



    الفرق بين العلم و الحكم:

    معناه أن العالم ليس لرضاه واختياره مدخل في العلم، فالعلم يكون موافقًا للمعلوم، فإن كان مخالفاً له فليس بعلم حقيقة، وإنما هو علم اسميًّا. وأما الحكم ففيه مدخل لاختيار ورضا الحاكم، فيحكم ما يشاء، ولا مدخل للمحكوم فيه، بل يجب على المحكوم أن يخضع لحكم الحاكم و لايُعْمِل رضاه فيه، فإذا سمع الحكم أسرع إلى امتثاله دونما سؤال ونقاش، و رأى كأنه جاء الأجل و حم القضاء.

    نعم! إذا كان الحكم مؤسسًا على علم وعقيدة تخالف الواقع فهذا الحكم دونما شك غواية من الشيطان، ولايخطر بالبال أنه حكم من أحكام الله، فيفتش عنه؛ لأن العلم تابع للمعلوم، وليس تابعاً للعالم كالحكم ، فيمتثله رغم كونه مخالفًا للواقع.



    استقبال القبلة سببه الوحدة و التضامن:

    على هذا فقد لزم امتثال الأمر في استقبال القبلة ألبتة، وإنما يجب التأكد من أنه أ هو أمر الله أم لا. لأن استقبال القبلة ليس مؤسسًا على عقيدة تخالف الواقع، بل هذا لايحتاج إلى عقيدة، وإنما يحتاج إلى أمر الله به؛ لأن معنى استقبال الكعبة لايعدو أن يؤدى القيام و الركوع والسجود في العبادة متوجهاً إليها، فهذا لايحتاج إلى عقيدة و إنمايحتاج إلى أمرالله به.

    فلو كان عند المسلمين في استقبال الكعبة عبادتُها لوجب فيه الاعتقاد بأن الكعبة مستحقة للعبادة كعبادة الآلهة. غيرأن استقبال الكعبة وفقاً لعقائد المسلمين معناه أداء عبادة الله متوجهًا إليها. والسبب في تحديد هذه الجهة و إن كان في الحقيقة أنه مهبط الأنوار الإلهية كما سنبين في الرد الثاني إن شاء الله غير أنه يكفينا أن نقول: إن الله منزه عن الجهة والإنسان مقيد بها، فلو أمر الله الإنسان بأن يمارس العبادة البدنية منزهاً عن الجهة لكان تكليف ما لا يطاق، ولايرجى هذا الإعنات و المشقة نظرًا إلى رحمة الله وألطافه. ولو أمره أن يعبده متوجهاً إلى أي جهة شاء لأخل بالوحدة و التضامن.

    ومن الواضح أن الائتلاف و التضامن في بني آدم لاسيما في أمور دينهم أمر مستحسن، حتى ولو ظفرنا بشكله وصولاً إلى حقيقته. ومثال ذلك أن نطلب الإنسانية في صورة إنسان، معناه أن الإنسانية توجد في صورة الإنسان لا في صورة الفرس و الحمار، كذلك الائتلاف و التضامن لايوجد إلا في صورته.

    خلاصة القول أن الائتلاف و التضامن في أمور الدين أمرلازم، وإلا أدى الاختلاف فيها إلى القتل و سفك الدماء و الفساد العريض. و أما الائتلاف والتضامن فلايوجد إلا في صورته. فوجب الاتحاد في استقبال القبلة حفاظا على الائتلاف والتضامن.

    وأما إذا شطبنا العبادة البدنية من الحساب فمثال ذلك كمثل رجل مملوء قلبه رحمةً و سخاءً غير أنه مغلول اليدين، ورجل يحمل بين جنبيه قلبًا شجاعاً ولايحرك يديه ورجليه إذا جد الجد و حزبه الأمر.

    جملة القول أن العبادة البدنية لاتشطب من الحساب، ولايسمح لكل أحد من الناس أن ينفرد بقبلته، فحدد الله تعالى جهة، وأما الحكمة في تحديدها فهو أعلم بها وأما نحن فمأمورون لاغير.

    فاستقبال الكعبة تكون فيها نية عبادة الله تعالى، وأما تحديد الله الجهة فدفعًا للحرج وحفاظاً على النظام، وليس فيه عبادة غير الله كالوثنية، حتى يصعب علينا أن نسميه أمر الله لكونه مبنياً على عقيدة تخالف الواقع.

    وأما عبادة الأصنام والشمس والنار فيجب فيها الاعتقاد أولاً بأن هذه الأشياء تستحق العبادة وتملك النفع والضررو أنها ذات الاختيار المطلق.



    فرق آخر بين استقبال الكعبة وعبادة الآلهة:

    والسبب في ذلك أن الخضوع لأحد و التبعية له إنما يتم إما أملاً في النفع كأمل الشحاذين والموظفين من الأثرياء والرؤساء، وإما خوفاً من فوات المطلوب، كا لمظلومين والرعية يخافون الظالمين والحكام، ولولا هذان الأمران لما أطاع أحد غيره ولماخضع له.

    وأما طاعة المحبوب فهي ترجع إلى الرضا والسخط؛ فرضا المحبوب من قبيل تحقيق الأمل، وسخطه من باب اليأس. ولما كان مناط الأمرعلى اختيار النفع و الضرر في باب الألوهية لزم أن نعترف بأن هذه الأشياء الآلهة تملك الوجود، وذلك لايتصورإلا إذا كان وجودها من صنع ذاتها، لامعارًا من غيرها، أي أن تكون هي خالقة لا مخلوقة.

    وواضح أن هذا الاعتقاد عن غير الله يخالف الواقع كل المخالفة. إن التغيير والتبديل في مراتب الممكنات من صغار الأمورعام ومطرد، فمثلاً إذا أخبرنا عن حمار مكان إنسان فذلك لايعدو أننا وضعنا ممكنًا مخلوقاً مكان ممكن مخلوق. وأما إذا وضعنا مخلوقًا مكان خالق فقد وضعنا ممكنًا مكان واجب.



    عبادة الأسماء لا عبادة الآلهة:

    جملة القول أن هذا يخالف الواقع كل المخالفة. والطريف في عبادة الأصنام_علاوة على الاعتقاد المذكور أنها الأصنام التي هي ذات الاختيار المطلق لدى الهندوس ليست مخلوقات، وإنما هي صور بل أسماء سموها. ونقول بنفس القول فيما إذا كانت الصور آلهة، فأصحاب هذه الصور من "مهاديو" وغيرهم كانوا معبودين لدى الهندوس لاعتقادهم بأنهم أصحاب الاختيار المطلق،و لم يكونوا معبودين لأنها صورلهم.

    هذا إلى أن الأصنام التي تعبد اليوم ليست صورًا لهم، ولاندري كيف كانت تكون صورهم؟ أما الآن فهم يأخذون حجرًا طويلاً، ويسمونه "مهاديو" ويعبدونه، ولانستطيع أن نسمي ذلك عبادة للصورة، وإنما نسميه عبادة الاسم. وهذا يعني أن يعامل الاسم معاملة المسمى؛ فلايمنع سمي الأب من الاجتماع بالأم، وسمي الصهر من الاجتماع بالبنت أو الأخت.



    شيء عن " فيدا " الكتاب المقدس لدى الهندوس:

    فذلكة الكلام أن بين عبادة الآلهة و استقبال الكعبة من الفرق ما بين الأرض و السماء، فأين الثرى من الثريا؟ وأما عبادة غير الله فلن تكون مأمورًا بها من الله تعالى. على هذا فمن المؤكد أن "فيدا" الكتاب المقدس لدى الهندوس ليس كلام الله، أودخله التحريف على أيدي المزورين. ولكون "فيدا" كلام الله يتطلب أن يدعي "برهما" النبوة و أن يدعي أن "فيدا" كلام الله و أن يتناقله الرواة الثقات نقلاً متواترًا.

    فإن هجس ببال أحد مثل هذا الهاجس عن القرآن، فيشك في أحكامه لاسيما استقبال الكعبة، أقول له: قد جاء في القرآن أنه كلام الله و أن محمدًا نبيه و رسوله. ثم إنه نقله آلاف من الحفظة في كل قرن نقلاً متواترًا.


    جاری الاتصال ۔ ۔ ۔ ۔

    تعليق

    • مدثر جمال التونسوي
      طالب علم
      • May 2011
      • 23

      #3
      جاری الاتصال ۔ ۔۔ ۔

      تعليق

      • مدثر جمال التونسوي
        طالب علم
        • May 2011
        • 23

        #4
        بعد معرفة هذه الفروق السبعة، يتضح لأولي الفهم والعقل أنَّ استقبال القبلة وعبادة الآلهة، بينهما من الفرق ما بين الأرض والسماء؛ وإن كان الباندت لجهله يراهما أمرين متساويين.

        وأما الفرق الثامن الذي لم أذكره حتى الآن، والذي هو عليه مناط الفروق المذكورة فذكره لازم وضروري. ولما كان الفرق الثامن يتضمن إلى بيان الفرق بينهما سببَ استقبال القبلة، وعدم أهلية الأصنام للاستقبال، فضلاً عن العبادة ؛ رأيت أن أفرده بالذكر؛ لأنَّ معرفة سبب استقبال القبلة كانت لازمة، وإن لم توجد عبادة الآلهة في العالم.

        جملة القول أنَّ الغرض من وراء الرد الأول هو بيان الفرق بين استقبال القبلة وعبادة الآلهة، وهو يتلخص في أنَّ عبادة الآلهة عبارة عن عبادة غير الله، واستقبال القبلة عبارة عن عبادة الله؛ وقد تواطأ العقلاء على حسن عبادة الله، وقبح عبادة غير الله، فكان الرد إلزاميًّا.

        وأما الرد الثامن ولوفرضنا أنه لم تكن حاجة إلى بيان الفرق بينهما ولم يوجد معترضون على استقبال القبلة فالحاجة ماسة إلى بيان سبب استقبال القبلة؛ لتطمئن قلوب المسلمين. فيكون هذا الرد تحقيقيًّا. فرأيت أن أفرده بالذكر. ولما كان هذا الرد طويل النَّفَس، فإن أحطته بجميع جوانبه يضيق القراء ذرعَا، وإن أوجزته يبقى في قلوب المولعين بالتفاصيل حاجة لاتقضى؛ رددت رَدَّين، أحدهما: موجز، وثانيهما مفصل؛ حتى يجد كلا النوعين من القراء ما يوافق ذوقه، فيعرف الحق من الباطل وينصف ويدعولي بالخير.



        الكعبة مهبط تجليات الله:

        لانعتقد أنَّ الكعبة معبودنا، وإنما نعتقد بأنها مهبط تجليات الله؛ ولما كان التجلي أي انعكاس عينَ ذي انعكاس أو صورة عين ذي صورة فالسجود إلى ذلك التجلي عين السجود إلى الله .

        والسبب في كون انعكاسٍ عينَ ذي انعكاس أو صورة ٍعينَ ذي صورة هو أنه لولم يكن عينه وإنما كان غيره لما أمكن معرفة ذي الانعكاس أوذي الصورة بالانعكاس والصورة؛ وكان كل شيء صورة لشيء آخر، أي إذا لم يكن شرط الاتحاد بين الانعكاس وذي الانعكاس أو الصورة وذي الصورة، فكيف يعرف بالرغم من المغايرة ذو الانعكاس بالانعكاس أو ذو الصورة بالصورة، ولايعرف عمرو بصورة زيد؟

        نعم ! لو قلنا: إنَّ الصورة في كلا الموضعين واحدة، غير أنَّ ذي الصورة منفرد، أو قلنا: إنَّ مظاهره مختلفة؛ لصح القول بالمعرفة و اتضح معنى المغايرة وعرفنا لماذا يطلق الناس على صورة بأنها عين فلان؟

        فالقول بالعينية التي ترسخ في قلوب الناس وتلهج به ألسنتهم سببه الاتحاد في الصورة والعينية. وأما كون الكعبة مهبط تجليات الله ، فالسبب في ذلك أنَّ الفضاء وهو الخلاء الذي ما بين الأرض والسماء والذي يسع الأجسام كلها بالنسبة إلى الوجود، كالمرآة بالنسبة إلى النور. ومعنى ذلك أنَّ الأجسام كلها يعرضها النور؛ فتُحسُّ، ولولا ذلك لما كان إلى الإحساس بالأشكال والأجسام، ورؤية ألوانها من سبيل.

        ما يُحسُّ بالبصر هو النور، واختلافه يدعى الألوان. وبالرغم من هذا الاشتراك، أنَّ علاقة الأجسام مع النور ليست كعلاقة المرآة معه؛ فالنور محسوس و المرآة محسوسة كذلك ، والنور ذو شفافية لا يمنع نفوذ البصر. أما الهواء وإن كان فيه شفافية فلايحس، أي لايشاهد. وأما الأجسام فهي تحسُّ ، ولا شفافية فيها. فبفضل الشفافية والإحساس تصبح المرآة متجلى النور، فالمحسوس بالبصرفي النور إذا قابل المرآة ينعكس فيها.

        قياسًا على هذا فالمخلوقات كلها يعرض لها الوجود، فتنطبق عليها أحكام الوجود، وإلا فلو كانت المخلوقات موجودةً من صنع ذاتها لكانت كالموجود الأصلي وهو الوجود لايعرض لها الفناء والعدم. غيرأنَّ المخلوقات كلها، وإن كانت تشترك في كونها معروضة للوجود إلا أنّ الفضاء المذكور له من العلاقة مع الوجود ما ليس للمخلوقات الأخرى.

        بيان هذا الإجمال يتلخص في الأمور التالية:

        1- كما أنَّ الوجود هو المحتاج إليه العام والمستغني عن غيره في عالم الكون، والمخلوقات هي الأخرى محتاجة إليه، كذلك الفضاء المذكور هوالمحتاج إليه المستغني عنه في عالم الأبعاد؛ فأشياء ذات الأبعاد تحتاج إليه في الوجود.

        2- كما أنَّ الوجود غير محدود وغير متناهٍ، كذلك الفضاء غير محدود وغير متناهٍ.

        والسبب في كون الوجود غير متناهٍ هو أنه إن كان متناهيًا كان ضمن دائرة، والدائرة إنما تتصور إذا قطع شيء صغيرمن شيء أكبر؛ لذلك يفرض أولاً شيء أوسع وأكبر، ثم تحصل دائرة. بناءً على هذا يجب لكل مقيد مطلق؛ كذلك الشأن في المتناهي، أي حيثما يوجد متناهٍ يوجد غيرمتناهٍ يقطع منه متناهٍ بالحد أو الدائرة. فلما رأينا الوجود لم نجد شيئًا أوسع منه؛ فلايكون محدودًا.

        فإذا قلنا أنَّ الوجود محدود لزم أن يكون فوقه شيء أوسع وأشمل. فإن كان الوجود محدودًا بهذا السبب، كان الفضاء محدودًا كذلك. وإلا لزم أن نسلم بامتداد غير متناهٍ فوق الفضاء.

        جملة القول أنه إن لم يكن الفضاء غيرمتناهٍ لزم أن نسلم لهذا الفضاء فضاءً غيرمتناهٍ؛ فالأحسن أن نعتبر هذا الفضاء غيرمتناهٍ، وإلا لزم التسلسل؛ فللفضاء فضاء وللحرارة حرارة وللبرودة برودة وللوجود وجود و للعدم عدم وهلمَّ جرًا.

        3- كما أنَّ الوجود ليس صالحًا للحركة، كذلك الفضاء ليس صالحًا للحركة. وأما عدم كون الفضاء صالحًا للحركة فأولاً أنه معقول وثانيًا أنه يجب للحركة أن تكون الأجسام مظروفًا والفضاء ظرفًا لها، فتتحرك الأجسام فيها؛ كذلك الفضاء يجب إذا سلمنا له حركة أن يكون مظروفًا لفضاء آخر، والفضاء الآخر ظرفًا له؛ ليتحرك فيه.

        قياسًا على هذا فإذا كان الوجود متحركًا وجب أن يكون له شيء يحيط به؛ وقد سبق أن ذكرت أنه ليس له دائرة تحيط به، ولا فضاء يشمله.

        4- كما أنَّ الوجود لا يكون فيه خرق والتئام، كذلك الفضاء لايكون فيه خرق والتئام؛ وذلك أنَّ الخرق والالتئام يقتضي أن ينفلق الفضاء فلَقَتَين عند الخرق، وأن يفصل بينهما فاصل. وقد أسلفت أنَّه لا يتصور ذلك في الفضاء.

        وهنا كثير من وجوه الشبه بين الفضاء والوجود، غير أنّي أكتفي بهذه الأربعة خوفًا من الإطالة.

        وبعد فأقول: لما كانت هذه الأربعة تعمّ الوجود والفضاء دون غيرهما من الأشياء ذات الأبعاد كالأجسام ؛ قلنا بأنّ ما كان بين النور والمرآة من علاقة ؛ فأصبحت المرآة بسبب العلاقة المذكورة مهبط النور، كذلك الفضاء بسبب العلاقة المذكورة هو مهبط الوجود؛ فإذا قابل ما في الوجود من أشياء الفضاءَ انعكس فيه.

        فلما تأملنا في وجود الله، وجدنا له علاقة مع جمال الله؛ كعلاقة الأشعة مع الشمس. معنى ذلك أنَّ الأشعة لاتنفك عن الشمس، والأجسام إذا عرضت لها الأشعة أو وقعت عليها أو اتصلت بها تتنوَّر، وهي منفكة عنها كسيرتها الأولى. كذلك وجود الله ينفك عنه دائمًا، فما عرض له الوجود أو اتصل به أو وقع عليه من مخلوقات وممكنات، يصير موجودًا، وأما الوجود فهو كما كان منفكًا عنها من قبلُ، كذلك ينفك عنها بعدُ؛ لذا تفنى المخلوقات.



        للانعكاس شرطان:

        فلما كان الأمر كذلك، فكما أنَّ الأشعة تحيط بالشمس، كذلك الوجود يحيط بجمال الله، وكان الفضاء صالحًا لانطباع الوجود فيه وانعكاسه عليه. غير أنَّ المرآة يجب للانعكاس فيها أن تكون المرآة مصقولة ومقابَلَة للشيء المنعكس فيها. كذلك الفضاء يجب فيه للانعكاس التقابل ، وأمر آخر مكان الصقل يمنع نفوذ البصر، بل يرجعه كالكرة إذا ضُرِبَت على شيء صلب تعود واثبةً فيستقر على الشيء الأصلي، فتنعكس فيه الصورة.

        جملة القول أنّ الصقل شيء مظلم للبصر الظاهري، كذلك لابد للبصيرة من شيء مظلم، والشيء المظلم هو العدم الذي يحيط بالموجودات الخاصة المقيدة ومنها الفضاء المذكور كإحاطة الظل بنور الشمس المنتشر في فناء الدار. والعدم ظلمة ليس فوقه ظلمة. أما التقابل فكما أنَّ الشمس هي مبدأ أشعتها، كذلك جمال الله مبدأ هذ ا الوجود.



        الكعبة مبدأ أجسام العالم:

        فلما رأينا كعبة الله وجدناها مبدأ أجسام العالم؛ وهذا الحادث عريق في الماضي، ولا سبيل إلى الاطلاع على حوادث الماضي و وقائعه إلا بالرجوع إلى الأخبار المتواترة والرواة الموثوق بهم؛ فما وجدنا في هذا الشأن كتابًا ولا رواة أفضل من القرآن والرواة المسلمين.

        أما حفظ القرآن وصيانته فقد توجد آلاف من حفظة القرآن في هذا الزمان؛ فعرفنا من ذلك أنَّ حفظ القرآن بهذا الأسلوب تقليد قديم كان متبعًا في القرون الماضية. وأما حفظ الأحاديث فقد بلغت العناية في هذا الشأن، أن دُوّن أسماء الرواة وأنسابهم ومساكنهم وحفظهم وذكاؤهم وأمانتهم و زهدهم و تقواهم وقرونهم وطبقاتهم. وكل هذا يؤخذ في عين الاعتبار عند تنقيح الروايات.

        وقد جاء في القرآن: "إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُّضِعَ لِلنَّاسِ لَلّذِيْ بِبَكَّةَ"(1) وجاء في الحديث ما معناه: كان هنا ماء قبل خلق الأجسام الموجودة، فارتفع حباب حيث الكعبة اليوم، ثم دُحيت منه الأرضُ.(2)

        عرفنا من الآية والحديث أنَّ الكرة الأرضية والكعبة مبدأ كل شيء، فقابل مبدأ الكون مبدأَ الأرض والسماء وهو فضاء الكعبة، ولم يحل بينهما حا ئل كما لاتصل أشعة الشمس إلى الأرض إذا حيل بينهما فيصعبَ فيما إذا حيل بينهما بقاء الموجودات.



        فضاء الكعبة مهبط تجليات الله:

        وجملة القول أنه ليس هنا حائل، وأنه يوجد التقابل والانعكاس والشيء المظلم، فما يمنع الانعكاس؟ فعرفنا أنَّ فضاء الكعبة مهبط تجليات الله، وأنَّ تجلياته ليست مقيدةً في الفضاء ولا في الجهة، وإلا لزم القول بتقييد انعكاس الشمس في المرآة، مع أنَّ المرآة لا تسع الشمس ولاانعكاسها، إنما هي معرض للشمس،لا أصلها ولا انعكاسها. كذلك الفضاء المذكور ليس محيطًا بوجود الله، فيوهم زوال التنزيه.



        الكعبة هي المسجود إليها لا المسجود:

        فالمسجود هو التجلي، والفضاء هو معرضه و جدرانها هي حدوده، لا المسجود، وإنما هي المسجود إليها أي القبلة. فلما لم تكن جدرانها مسجودًا ومعبودًا، كان اعتبار استقبال الكعبة وثنية والتسوية بينهما أمرًا باطلاً.

        ومن الخطأ أن يقال قياسًا على هذا أنَّ الأصنام هي المسجود إليه، لا المسجود و المعبود؛ فأولاً لفظة "عبادة الأصنام" و نية عبّادها تدل على بطلانه، وثانيًا أنَّ الأصنام لاتصلح أن تكون مهبط تجليات الله؛ لأنها ليست لها علاقة، كعلاقة الكعبة مع وجود الله ؛ فتكون معرضًا لتجلياته.

        ومماعرفنا من فقدان وجوه العلاقة الذي ذكرناه آنفًا، لايقال: أنَّ عبادة الأصنام كفر وشرك وإلحاد؛ لأنَّ الجهال اتخذوا الأصنام مسجودًا ومعبودًا، مكان المسجود إليه، ولابأس بأن يعبدوا الأصنام معتبرين إياها مسجودًا إليها.

        جملة القول أنَّه لابد أن يكون المسجود إليه متجلى المسجود، وإلا لا يكون المسجود إليه مسجودًا إليه. فلما تقرر بإنه لابد لكل مسجود إليه من مسجود يتجلى فيه، وأما الأصنام فلا تصلح أن تكون متجلى، فهذا الاعتذار عن الجهال وعباد الأصنام كان أسوء وأسخف.

        * * *

        الهوامش :

        (1) سورة آل عمران/96

        (2) روي عن كعب أنَّ البيت كانَ غثاءً على الماء، قبل أن يخلق الأرض بأربعين سنة، ومنه دحيت الأرض (مصنف عبدالرزاق باب بنيان الكعبة رقم الحديث: 9098). وقال ابن عباس:إنَّ الله لما بسط الأرض على الماء، مالت كالسفينة، فأرساها بالجبال الثقال، لئلا تميل بأهلها. (روح المعاني للآ لوسي: تفسير آية ألقى في الأرض رواسي) وعن ابن عباس قال: وضع الله البيت على أركان الماء: على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.(تفسير ابن كثير: آية إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت)


        منقول من مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند

        تعليق

        يعمل...