بعدما حصل خلط و التباس لبعض الإخوة المُطَّلِعين ، في فهم عبارات الأستاذ سعيد التالية :"
فَاضطررنا لهذا التوضيح لإزالة الإلتباس فقلتُ :"
الحمدُ لله .. لو تدبّرنا بدقّةٍ عبارات حضرة الأسـتاذ سـعيد التي فتح الله عليه بها في هذا الجواب المُوفَّق لكَـفَـتْـنا أكثرَ التساؤلات المذكورة ... فقولُهُ أيّدهُ الله تعالى :" ... وَ الأينُ هو نسـبةٌ بين مُتحـيّـزَيْنِ .." إلى قوله :" فالعالم ليس له أينٌ بهذا المعنى " مع قوله :" أمّا العالَم فإنَّ تَحَيُّزَهُ مِنْ حقيقتِهِ و صفةٌ لازمةٌ لهُ .." إلى قولِهِ :" فالعالَم قابل لأن يكونَ لَهُ أينٌ لو تصوّرنا وجود نسـبةٍ بينهُ وَ بين مُتَحَيّزٍ غيرِهِ .." يُفهَمُ منه أنَّهُ نفى الأينيّة النسبيّة يعني على معنى نفي الجِهة ، لا نفي قابلِيّة التحيُّز عن العالم بالكُلّيّة "... كما يقتضيه الربط بين العبارات و النظر إلى المفهوم من مجموعها عموماً ... وَ ههُنا مقامٌ شـريفٌ يُنقِذُ من حَيرَةِ الضلال ، مَنْ سَـلَّمَ عندَهُ وَ قال :" بخلقِهِ - تعالى - لِلماء الأَوَّل (الذي جعلَهُ أَصلاً لجميع أنواع العالَمين) وُجِدَ المَكان" وَ الإحاطَةُ بِما وراءَ ذلك فلا مطمع فيه للخيال "، سَـلِمَ وَ دَخَلَ في حيرة التعظيم الأَبَدِيّة (المفهُومة من حقيقة لآ إلهَ إلاّ الله) ... فتبيّنَ أَنَّ الطامّةَ الكبرى عند أولئكَ المُكابِرِين إِصرارُهُم على اسـتصحاب الوهم إلى النهاية حتّى فيما بعد ما يَقصُرُ عنهُ الوَهمُ وَ يتجاوَزُ حدُودَهُ . وَ هذا من الشيطان فَخٌّ عظيم مرجعُهُ إلى الإصرار على التجسيم و قياس الخالق على المخلُوق ، فَإنَّ الوهم و ما يحصُلُ به من التصوّر لا يمكن أن يَتخَطّى المحسوسات المحدودات (أي ما يرجِعُ في إدراكِهِ إلى القياسِ على ما يُدرَكَ بإحدى الحواسّ الخمس لأنَّها في الدنيا ما أَلِفَت غيرها) أَمَّا ما وراء طَور الوهم و الخيال الذي هو العقلُ المُجَرَّد فَإِنَّهُ يَشهَدُ حَقّيّة أشياء لا يمكن للوهم أن يُدرِكَها و لا أن يتصَوَّرَها ، وَ إن كانَ العقلُ أيضاً قاصِراً عن الإستقلالِ بِاكتشافِها ابتداءاً من غير الوحيِ ...
وَلنُوضِح ذلك بمثال يتلازَمُ فيه العقل و النقل و يَقْصُرُ عنه الوهم : وَذلكَ أنَّ مولانا عزَّ وَجَلَّ أخبرَنا بأنَّهُ {جَعَلَ الظُلُماتِ وَ النُور) فلو وقفنا مع الوهم لما استطعنا تَصَوُّرَ حينٍٍ ما لا يُوجَدُ فيه ظُلْمَةٌ و لا ضِياء بل كلاهُما مَنفِيّان مَعاً في آنٍ واحِدٍ على السواء .. الوهم يقول "هذا غير مُمكِن فَإنَّهُ إن لم يكُن ضياء عمّت الظَلماء ، وَ إن كان ضياء تلاشت الظلماء " هنا تنتهي حدودُهُ ، فيقُولُ لَهُ العقل بَلى مُمكِن و لكنَّ طَورَكَ قاصِرٌ عن تصَوُّرِ ما لم تألَفْهُ ... وَ ها قد اعترفتَ بِأَنَّ وُجُودَ كُلٍّ منهُما مُمكِنٌ وَ لكنّ وجودَ أحدِهِما في آنٍ يرفض وجود الآخَر معَهُ في نفسِ الآن لا إمكانَ وُجُودِهِ مُطلَقاً .. إذَن فهما مُمكِنانِ مُتنافِرانِ فَإمّأ يتنافَيان وَ إمّا يَتعاقَبان وَ كفى بهذا دليلاً على حُدُوثِهِما ... فثبَتَ عدَمُ وُجُوبِ كِلَيهِما أو أَحَدِهِما ... وَ ثَبَتَ إمكانُ انتفائهِما معاً ... فَإِذا كان الوَهْمُ قاصِراً عن تصوّر زمانٍ ليس فيه ضياءٌ و لا ظُلمَةٌ بل يُصِرُّ على أَنَّهُ لا بُدّ من وُجُودِ أحدِهِما دائماً مع إقرارِهِ بإمكانِ انتفاءِ كُلٍّ منهما مُنفَرِداً أو إمكانِ تعاقُبِهِما ، مع قيام البرهانِ العقليّ القاطع على إمكان اتتفائهما معاً في آن واحد لاسـتحالَة أزَلِيَّتِهِما ، فكيف يستطيعُ (الوَهمُ) أن يتصوَّرَ العالَمَ الكُلِّيَّ حدَثَ مُتَحَيِّزاً لا بِجِهَةٍ من غيرِهِ ؟؟؟ ... !!! ثُمَّ إذا رجعنا إلى أصل المعنى من كلمة جِهَة فمن حيثُ أصل التركيب هي :" وْجِهَة " من وَجه كَــ :" وْدِيَة "(دِيَة) مِنْ وَدى (وِزاناً وَ بِناءً) ، وَ الإِتّجاهُ (وَ أصل بِنائه إِوِّجاهٌ) في الأصلِ : إنطِلاقُ مَحدُودٍ نَحوَ مَحدُودٍ قِبَلَهُ ، فَلَمّا ابتُدِعَ أَوَّلُ مَحدُودٍ وَ أُحدِثَ وَحدَهُ (وَهُوَ الماءُ الأَوَّلُ الذي شاء اللهُ تعالى أن يجعلَهُ أصلَ العوالِم) لم يلزَم بل وَلا يُتَصَوَّرُ عقلاً وَ حقيقةً أن يكُونَ في جِهَةٍ لأنَّهُ لم يُصادِفْ مَحدُوداً غيرَهُ ... فلا تسـمَح للشيطان هنا أن يُلزِمَكَ بوُجوب إحاطة الوهم بما هو وراءَ طَورِهِ أو يُوقِعَكَ في دَوّامَةِ اشـتراطِ حَيِّزاتٍ مُتَسَلسِلَةٍ إلى ما لا نهايَةَ لَهُ من جانب الماضي وَ قد قامت البراهينُ العقلِيَّةُ على بُطلانِ ذلك ... فالحَمدُ لله ، وَ ما توفيقُنا إلاّ بالله ، عليه توكَّلنا وَ إلَيْهِ نُنيب.
ثُمَّ عقّبناها بتنبيهٍ لتوضيح ما في هذا الإقتباس :"
فقلتُ :"
- بقي إزاحةُ إِشـكالٍ آخَرَ ناجِمٍ عن المغالطة في اسـتعمال الإصطلاح ... فالعالَمُ عندَنا معشَرَ أهل السُـنَّةِ هُوَ كُلُّ ما سِـوى الله تعالى ، فمهما كَثرَت أنواعُهُ أو تعدَّد وَضعُ إحداثِهِ فكل ذلكَ من حيث المجموع داخِلٌ في معنى العبارَةِ المُشـيرَةِ إلَيْهِ بلفظة : " العالَم " .. أَمّا العبارة التي مفادُها تصورُ مُتَحَيّزٍ آخَر إفترضناهُ خارِجَهُ - ليصيرَ العالَمُ بِجِهَةٍ منهُ ، فقد جاءت على الإفتراضِيّة الجَدَلِيّة لا على مُوافقةِ تَطابُقِ الواقع و المُصطَلَح ... فَإِنّا لو فرضنا مَثَلاً حَدُوثَ زِيادَةٍ على العالَمِ المَوجُودِ الآنَ وَ لو أكبَرَ منهُ (سـواء بتقديرِ خلاءٍ بينهما أو مَلاءٍ آخَرَ أو تلاصُقٍ) فَإِنَّ كُلَّ ذلكَ المُفتَرَضَ مُلحَقٌ بالعالَمِ أيضاً حقيقَةً ، وَ لا تَعَدُّدَ إلاّ في تسـمِيَةِ المُفتَرضاتِ ، عندَ التحقيق .. ... ثُمَّ إنَّ ما ينطبِقُ على كُلّ جُزْءٍ من أجزاء العالم من الإتّصاف بالحدّ و التحيُّزْ و قبول الكون في جهة من جُزْء آخَرينطبِقُ على العالم كُلّهِ بِجُملَتِهِ كما لا يخفى ، وَ لكِن لَمّا كانَ العالَمُ هو جُمْلَةُ كُلِّ ماسوى اللهِ عَزَّ وَجلَّ لم يُمكِنْ أن يكُونَ العالَمُ في جهةٍ من غيرِهِ في الواقع لا لأنَّهُ غَيْرُ قابِلٍ لذلكَ وَ لكن لأنَّهُ بِجُملَتِهِ لا يُمكِنُ أَنْ يُصادِفَ مُتَحَيِّزاً آخَرَ ، كما سبق بيانُهُ ... ثُمَّ أَنّى يُطيقُ المحدُودُ احتواءَ الذي هو غبر محدود وَ تعالى وَ تقَدَّسَ عن الحدود ، وَ أنّى يُناسِبُ المُحدَثُ حُلُولَ الأزَليّ فيه ؟؟؟
فَلْـيُـتَنَبَّـهْ لِذلكَ وَ لْيُغتَنَمْ فَإِنَّهُ - على بسـاطَتِهِ نفِيسٌ يُنقِذُ مِنْ مضائِقَ وَ مَزالِق ، وَ مِنَ الوقوع في تَضارُبٍ وَ مَآزِق ... وَ اللهُ وَلِيُّ النِعمَةِ وَ التَوفِيق ...
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الأستاذ سعيد فودة
... ... والأين هو نسبة بين حيزين أو متحيزين، أو مكانين. وأما العالم، فله في نفسه حيز، فحيزه صفة نفسية له، وهذا منفي عن الله تعالى، ولكن لما لم يكن هناك موجود آخر متحيز غير العالم ، لم يحصل إثبات نسبة الأين بين العالم وبين غيره، فالعالم ليس له أينٌ، بهذا المعنى ... ... ... فالله تعالى موجود بلا تحيز ... أما العالم فإن تحَـيُّـزَهُ مِنْ حقيقـتِهِ ، بل هو صفة نفسية له لا يمكن تصور وجوده بدونها. فظهر الفرق العظيم بين الأمرين. فالعالم قابل لأن يكون له أين لو تصورنا وجود نسبة بينه وبين متحيز غيره. ولكن الإله لا يقبل في وجوده الأين أصلا لاستحالته عليه في نفسه (لم يَزَلْ مُتَقَدِّساً عنه بذاتِهِ لِذاتِهِ) ، فشتان ما بين المحدث وما بين القديم . وهيهات أن يستوي الغني و الفقير.
... ... والأين هو نسبة بين حيزين أو متحيزين، أو مكانين. وأما العالم، فله في نفسه حيز، فحيزه صفة نفسية له، وهذا منفي عن الله تعالى، ولكن لما لم يكن هناك موجود آخر متحيز غير العالم ، لم يحصل إثبات نسبة الأين بين العالم وبين غيره، فالعالم ليس له أينٌ، بهذا المعنى ... ... ... فالله تعالى موجود بلا تحيز ... أما العالم فإن تحَـيُّـزَهُ مِنْ حقيقـتِهِ ، بل هو صفة نفسية له لا يمكن تصور وجوده بدونها. فظهر الفرق العظيم بين الأمرين. فالعالم قابل لأن يكون له أين لو تصورنا وجود نسبة بينه وبين متحيز غيره. ولكن الإله لا يقبل في وجوده الأين أصلا لاستحالته عليه في نفسه (لم يَزَلْ مُتَقَدِّساً عنه بذاتِهِ لِذاتِهِ) ، فشتان ما بين المحدث وما بين القديم . وهيهات أن يستوي الغني و الفقير.
الحمدُ لله .. لو تدبّرنا بدقّةٍ عبارات حضرة الأسـتاذ سـعيد التي فتح الله عليه بها في هذا الجواب المُوفَّق لكَـفَـتْـنا أكثرَ التساؤلات المذكورة ... فقولُهُ أيّدهُ الله تعالى :" ... وَ الأينُ هو نسـبةٌ بين مُتحـيّـزَيْنِ .." إلى قوله :" فالعالم ليس له أينٌ بهذا المعنى " مع قوله :" أمّا العالَم فإنَّ تَحَيُّزَهُ مِنْ حقيقتِهِ و صفةٌ لازمةٌ لهُ .." إلى قولِهِ :" فالعالَم قابل لأن يكونَ لَهُ أينٌ لو تصوّرنا وجود نسـبةٍ بينهُ وَ بين مُتَحَيّزٍ غيرِهِ .." يُفهَمُ منه أنَّهُ نفى الأينيّة النسبيّة يعني على معنى نفي الجِهة ، لا نفي قابلِيّة التحيُّز عن العالم بالكُلّيّة "... كما يقتضيه الربط بين العبارات و النظر إلى المفهوم من مجموعها عموماً ... وَ ههُنا مقامٌ شـريفٌ يُنقِذُ من حَيرَةِ الضلال ، مَنْ سَـلَّمَ عندَهُ وَ قال :" بخلقِهِ - تعالى - لِلماء الأَوَّل (الذي جعلَهُ أَصلاً لجميع أنواع العالَمين) وُجِدَ المَكان" وَ الإحاطَةُ بِما وراءَ ذلك فلا مطمع فيه للخيال "، سَـلِمَ وَ دَخَلَ في حيرة التعظيم الأَبَدِيّة (المفهُومة من حقيقة لآ إلهَ إلاّ الله) ... فتبيّنَ أَنَّ الطامّةَ الكبرى عند أولئكَ المُكابِرِين إِصرارُهُم على اسـتصحاب الوهم إلى النهاية حتّى فيما بعد ما يَقصُرُ عنهُ الوَهمُ وَ يتجاوَزُ حدُودَهُ . وَ هذا من الشيطان فَخٌّ عظيم مرجعُهُ إلى الإصرار على التجسيم و قياس الخالق على المخلُوق ، فَإنَّ الوهم و ما يحصُلُ به من التصوّر لا يمكن أن يَتخَطّى المحسوسات المحدودات (أي ما يرجِعُ في إدراكِهِ إلى القياسِ على ما يُدرَكَ بإحدى الحواسّ الخمس لأنَّها في الدنيا ما أَلِفَت غيرها) أَمَّا ما وراء طَور الوهم و الخيال الذي هو العقلُ المُجَرَّد فَإِنَّهُ يَشهَدُ حَقّيّة أشياء لا يمكن للوهم أن يُدرِكَها و لا أن يتصَوَّرَها ، وَ إن كانَ العقلُ أيضاً قاصِراً عن الإستقلالِ بِاكتشافِها ابتداءاً من غير الوحيِ ...
وَلنُوضِح ذلك بمثال يتلازَمُ فيه العقل و النقل و يَقْصُرُ عنه الوهم : وَذلكَ أنَّ مولانا عزَّ وَجَلَّ أخبرَنا بأنَّهُ {جَعَلَ الظُلُماتِ وَ النُور) فلو وقفنا مع الوهم لما استطعنا تَصَوُّرَ حينٍٍ ما لا يُوجَدُ فيه ظُلْمَةٌ و لا ضِياء بل كلاهُما مَنفِيّان مَعاً في آنٍ واحِدٍ على السواء .. الوهم يقول "هذا غير مُمكِن فَإنَّهُ إن لم يكُن ضياء عمّت الظَلماء ، وَ إن كان ضياء تلاشت الظلماء " هنا تنتهي حدودُهُ ، فيقُولُ لَهُ العقل بَلى مُمكِن و لكنَّ طَورَكَ قاصِرٌ عن تصَوُّرِ ما لم تألَفْهُ ... وَ ها قد اعترفتَ بِأَنَّ وُجُودَ كُلٍّ منهُما مُمكِنٌ وَ لكنّ وجودَ أحدِهِما في آنٍ يرفض وجود الآخَر معَهُ في نفسِ الآن لا إمكانَ وُجُودِهِ مُطلَقاً .. إذَن فهما مُمكِنانِ مُتنافِرانِ فَإمّأ يتنافَيان وَ إمّا يَتعاقَبان وَ كفى بهذا دليلاً على حُدُوثِهِما ... فثبَتَ عدَمُ وُجُوبِ كِلَيهِما أو أَحَدِهِما ... وَ ثَبَتَ إمكانُ انتفائهِما معاً ... فَإِذا كان الوَهْمُ قاصِراً عن تصوّر زمانٍ ليس فيه ضياءٌ و لا ظُلمَةٌ بل يُصِرُّ على أَنَّهُ لا بُدّ من وُجُودِ أحدِهِما دائماً مع إقرارِهِ بإمكانِ انتفاءِ كُلٍّ منهما مُنفَرِداً أو إمكانِ تعاقُبِهِما ، مع قيام البرهانِ العقليّ القاطع على إمكان اتتفائهما معاً في آن واحد لاسـتحالَة أزَلِيَّتِهِما ، فكيف يستطيعُ (الوَهمُ) أن يتصوَّرَ العالَمَ الكُلِّيَّ حدَثَ مُتَحَيِّزاً لا بِجِهَةٍ من غيرِهِ ؟؟؟ ... !!! ثُمَّ إذا رجعنا إلى أصل المعنى من كلمة جِهَة فمن حيثُ أصل التركيب هي :" وْجِهَة " من وَجه كَــ :" وْدِيَة "(دِيَة) مِنْ وَدى (وِزاناً وَ بِناءً) ، وَ الإِتّجاهُ (وَ أصل بِنائه إِوِّجاهٌ) في الأصلِ : إنطِلاقُ مَحدُودٍ نَحوَ مَحدُودٍ قِبَلَهُ ، فَلَمّا ابتُدِعَ أَوَّلُ مَحدُودٍ وَ أُحدِثَ وَحدَهُ (وَهُوَ الماءُ الأَوَّلُ الذي شاء اللهُ تعالى أن يجعلَهُ أصلَ العوالِم) لم يلزَم بل وَلا يُتَصَوَّرُ عقلاً وَ حقيقةً أن يكُونَ في جِهَةٍ لأنَّهُ لم يُصادِفْ مَحدُوداً غيرَهُ ... فلا تسـمَح للشيطان هنا أن يُلزِمَكَ بوُجوب إحاطة الوهم بما هو وراءَ طَورِهِ أو يُوقِعَكَ في دَوّامَةِ اشـتراطِ حَيِّزاتٍ مُتَسَلسِلَةٍ إلى ما لا نهايَةَ لَهُ من جانب الماضي وَ قد قامت البراهينُ العقلِيَّةُ على بُطلانِ ذلك ... فالحَمدُ لله ، وَ ما توفيقُنا إلاّ بالله ، عليه توكَّلنا وَ إلَيْهِ نُنيب.
ثُمَّ عقّبناها بتنبيهٍ لتوضيح ما في هذا الإقتباس :"
فالعالَم قابل لأن يكونَ لَهُ أينٌ لو تصوّرنا وجود نسـبةٍ بينهُ وَ بين مُتَحَيّزٍ غيرِهِ .. ... ... حدَثَ مُتَحَيِّزاً لا بِجِهَةٍ من غيرِهِ ... !!! ثُمَّ إذا رجعنا إلى أصل المعنى من كلمة جِهَة فمن حيثُ أصل التركيب هي :" وْجِهَة " من وَجه كَــ :" وْدِيَة "(دِيَة) مِنْ وَدى (وِزاناً وَ بِناءً) ، وَ الإِتّجاهُ (وَ أصل بِنائه إِوِّجاهٌ) في الأصلِ : إنطِلاقُ مَحدُودٍ نَحوَ مَحدُودٍ قِـبَـلَهُ ، فَلَمّا ابتُدِعَ أَوَّلُ مَحدُودٍ وَ أُحدِثَ وَحدَهُ (وَ هُوَ الماءُ الأَوَّلُ الذي شاء اللهُ تعالى أن يجعلَهُ أصلَ العوالِم) لم يلزَم بل وَلا يُتَصَوَّرُ عقلاً وَ حقيقةً أن يكُونَ في جِهَةٍ لأنَّهُ لم يُصادِفْ مَحدُوداً غيرَهُ ... فلا تسـمَح للشيطان هنا أن يُلزِمَكَ بوُجوب إحاطة الوهم بما هو وراءَ طَورِهِ أو يُوقِعَكَ في دَوّامَةِ اشـتراطِ حَيِّزاتٍ مُتَسَلسِلَةٍ إلى ما لا نهايَةَ لَهُ من جانب الماضي وَ قد قامت البراهينُ العقلِيَّةُ على بُطلانِ ذلك ... فالحَمدُ لله ، وَ ما توفيقُنا إلاّ بالله ، عليه توكَّلنا وَ إلَيْهِ نُنيب.
- بقي إزاحةُ إِشـكالٍ آخَرَ ناجِمٍ عن المغالطة في اسـتعمال الإصطلاح ... فالعالَمُ عندَنا معشَرَ أهل السُـنَّةِ هُوَ كُلُّ ما سِـوى الله تعالى ، فمهما كَثرَت أنواعُهُ أو تعدَّد وَضعُ إحداثِهِ فكل ذلكَ من حيث المجموع داخِلٌ في معنى العبارَةِ المُشـيرَةِ إلَيْهِ بلفظة : " العالَم " .. أَمّا العبارة التي مفادُها تصورُ مُتَحَيّزٍ آخَر إفترضناهُ خارِجَهُ - ليصيرَ العالَمُ بِجِهَةٍ منهُ ، فقد جاءت على الإفتراضِيّة الجَدَلِيّة لا على مُوافقةِ تَطابُقِ الواقع و المُصطَلَح ... فَإِنّا لو فرضنا مَثَلاً حَدُوثَ زِيادَةٍ على العالَمِ المَوجُودِ الآنَ وَ لو أكبَرَ منهُ (سـواء بتقديرِ خلاءٍ بينهما أو مَلاءٍ آخَرَ أو تلاصُقٍ) فَإِنَّ كُلَّ ذلكَ المُفتَرَضَ مُلحَقٌ بالعالَمِ أيضاً حقيقَةً ، وَ لا تَعَدُّدَ إلاّ في تسـمِيَةِ المُفتَرضاتِ ، عندَ التحقيق .. ... ثُمَّ إنَّ ما ينطبِقُ على كُلّ جُزْءٍ من أجزاء العالم من الإتّصاف بالحدّ و التحيُّزْ و قبول الكون في جهة من جُزْء آخَرينطبِقُ على العالم كُلّهِ بِجُملَتِهِ كما لا يخفى ، وَ لكِن لَمّا كانَ العالَمُ هو جُمْلَةُ كُلِّ ماسوى اللهِ عَزَّ وَجلَّ لم يُمكِنْ أن يكُونَ العالَمُ في جهةٍ من غيرِهِ في الواقع لا لأنَّهُ غَيْرُ قابِلٍ لذلكَ وَ لكن لأنَّهُ بِجُملَتِهِ لا يُمكِنُ أَنْ يُصادِفَ مُتَحَيِّزاً آخَرَ ، كما سبق بيانُهُ ... ثُمَّ أَنّى يُطيقُ المحدُودُ احتواءَ الذي هو غبر محدود وَ تعالى وَ تقَدَّسَ عن الحدود ، وَ أنّى يُناسِبُ المُحدَثُ حُلُولَ الأزَليّ فيه ؟؟؟
فَلْـيُـتَنَبَّـهْ لِذلكَ وَ لْيُغتَنَمْ فَإِنَّهُ - على بسـاطَتِهِ نفِيسٌ يُنقِذُ مِنْ مضائِقَ وَ مَزالِق ، وَ مِنَ الوقوع في تَضارُبٍ وَ مَآزِق ... وَ اللهُ وَلِيُّ النِعمَةِ وَ التَوفِيق ...
تعليق