خلال مرور خاطف في منتدى التصوف رأيت بعض الأخوة جزاه الله خيرا نبه لأمور بشأن الصوفية نهلها من معين الشيخ سعيد أعلى الله رتبه برضوانه، وذكر خطأ من يقول بوجود عقيدتين: عقيدة الخاصة وعقيدة العامة، وجعله من السفسطة، وأرجو التنبه لأمر:
القول بوجود عقيدتين عقيدة الخاصة وعقيدة العامة قد يكون أمرا فيه ضعف في التعبير، أما وجود تباين بين العامة والخاصة في العقيدة فهذا أمر لا أظن وقوع خلاف فيه إن فهمنا المراد منه، نعم العقيدة واحدة، ولكن الاعتقاد يختلف اختلافا كبيرا بين رجل وآخر، بل يمكننا القول: الاعتقاد لا يتكرر أبدا، بمعنى أن لكل واحد منا اعتقاد مباين للآخر على درجات عددها بعدد الخلائق، فأفعال الله واحدة، ولا يتصور في ملكه فعلان من جنس واحد.
وعندما نقف في كتب القوم على عبارة تذكر تباين عقيدة العوام وعقيدة الخواص، فإنما المراد به هيئة الاعتقاد لا لبنات العقيدة، فالصفات العشرون التي أثبتها علماؤنا كالمرزوقي في عقيدة العوام لا تنقلب إلى معان جديدة في العقيدة التي دونها القوم ونسبوها للخواص، فالواحدنية الوحدانية، والقدرة القدرة، والسلوب سلوب، والمعنوية معنوية، وما هذا مراد القوم، فليس هناك عقائد سرية باطنية وعلنية ظاهرية، حاشا أن يقع ذلك، وهذا أمر بحث فيه الحجة في إحيائه في كتابه الثاني منه، وبين معنى الممايزة في هذا الباب.
نعم هناك أمور تكتم لقصور الفهم عنها، لا لكونها باطنية، كما نكتم الحديث عن المتشابهات أمام العامة عموما، وهذه تنظير، ولكن معرفة الله تعالى لا نهاية لها، وقبول الإيمان للزيادة والنقصان هو ما عناه القوم، والجنة درجات حسب الاعتقاد كما ذكر الغزالي، وهناك أسرار تكتم ولا تباح ضنا بها، والله تعالى إنما كلفا بالإيمان ، ولم يكلفنا بالوقوف على الحقائق، بل الوقوف على الحقائق رتبة لها أهلها، من أراد أن يكون من هؤلاء الأهلين لا يمنع من ذلك، بل هو مبذول، لكن لمن فتح عين قلبه بعد عين عقله، لا أن الله حكر هذا لقوم دون قوم ، أو أن العامة لا طريق لهم للوصول إلى رتبة الخاصة، بل إنما الخاصة أول أمرهم من العامة، قال الحجة الغزالي:
(وقال صلى الله عليه وسلم : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فليت شعري إن لم يكن ذلك سرا منع من إفشائه لقصور الأفهام عن إدراكه أو لمعنى آخر فلم لم يذكره لهم ولا شك أنهم كانوا يصدقونه لو ذكره لهم؟!
وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن : لو ذكرت تفسيره لرجمتموني.وفي لفظ آخر لقلتم: إنه كافر.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر لو بثثته لقطع هذا الحلقوم.
وقال صلى الله عليه وسلم: ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بسر وقر في صدره رضي الله عنه ، ولا شك في أن ذلك السر كان متعلقا بقواعد الدين غير خارج منها، وما كان من قواعد الدين لم يكن خافيا بظواهره على غيره.
وقال سهل التستري رضي الله عنه للعالم ثلاثة علوم: علم ظاهر يبذله لأهل الظاهر :وعلم باطن لا يسعه إظهاره إلا لأهله، وعلم هو بينه وبين الله تعالى لا يظهره لأحد.
وقال بعض العارفين: إفشاء سر الربوبية كفر.
وقال بعضهم: للربوبية سر لو أظهر لبطلت النبوة ، وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم ، وللعلماء بالله سر لو أظهروه لبطلت الأحكام ، وهذا القائل إن لم يرد بذلك بطلان النبوة في حق الضعفاء لقصور فهمهم فما ذكره ليس بحق، بل الصحيح أنه لا تناقص فيه، وأن الكامل من لا يطفي نور معرفته نور ورعه، وملاك الورع النبوة).
وأنت ترى الانسجام الكامل بين هذا الكلام وكلام المتكلمين، فلا هذا يرفع هذا ، ولا ذاك ذاك، وإنما الحيصة عند ضعفاء الفريقين، يفهم كلام الآخر على ما وسعه عقله، ولو سأل لشفاه أهل الذكر والعلم.
ولقد انجر الغزالي بنفسه لبيان هذا الإشكال الذي يثار في تباين الخاصة والعامة في العقيدة والعمل، فقال:
( فإن قلت: هذه الآيات والأخبار يتطرق إليها تأويلات، فبين لنا كيفية اختلاف الظاهر والباطن، فإن الباطن إن كان مناقضا للظاهر ففيه إبطال الشرع ، وهو قول من قال: إن الحقيقة خلاف الشريعة ،وهو كفر ؛لأن الشريعة عبارة عن الظاهر والحقيقة عبارة عن الباطن ، وإن كان لا يناقضه ولا يخالفه فهو هو ، فيزول به الانقسام ، ولا يكون للشرع سر لا يفشى ، بل يكون الخفي والجلي واحد ؟
فاعلم أن هذا السؤال يحرك خطبا عظيما وينجر إلى علوم المكاشفة ، ويخرج عن مقصود علم المعاملة، وهو غرض هذه الكتب، فإن العقائد التي ذكرناها من أعمال القلوب وقد تعبدنا بتلقينها بالقبول والتصديق بعقد القلب عليها لا بأن يتوصل إلى أن ينكشف لنا حقائقها فإن ذلك لم يكلف به كافة الخلق، ولولا أنه من الأعمال لما أوردناه في هذا الكتاب، ولولا أنه عمل ظاهر القلب لا عمل باطنه لما أوردناه في الشطر الأول من الكتاب، وإنما الكشف الحقيقي هو صفة سر القلب وباطنه ، ولكن إذا انجر الكلام إلى تحريك خيال في مناقضة الظاهر للباطن فلا بد من كلام وجيز في حله.
فمن قال: إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يناقض الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، بل الأسرار التي يختص بها المقربون بدركها ولا يشاركهم الأكثرون في علمها ويمتنعون عن إفشائها إليهم ترجع إلى خمسة أقسام).
ثم بين هذا الأقسام الخمسة ، وأترك إيرادها لحماسك أخي القارئ بالعودة إلى الإحياء تقرأ منه على مهل وروية.
ولقد قرأت لفضيلة الأستاذ البارع الشيخ سعيد فودة حفظه الله وأمتع بحياته، فما رأيت له ما يخالف هذا النهج، نعم ، له رأي في بعضه، وهذا الرأي لا يذهب بجملته كله، وإنما هو موطن بحث وأخذ ورد.
فحذار أيها الأخوة في الله تعالى أن نجازف بنفي تقسيم ما يقبل القسمة في ذاته، بل هو متصور، بل واقع كما أراه وأعاينه، فإني أعلم أناسا اليوم يهزؤن بالحجة الغزالي في تقاسيم كتب الإحياء إلى العامة والخاصة وخاصة الخاصة، ولو فطن المعترض لرأى أن المراد حقيقة التفاعل بين المرء وما يحدث عنه من مقام ونحوه، فاعتقاد وحدانية الله تعالى له مراتب لا حدود لها، إلى أن يصل كما قال إمامنا الغزالي في منقذه إلى رتبة تضيق العبارة عنها فيقع في الحلول والاتحاد وما ذاك بمراد، ولو أراده لكان الغزالي وأنا تحت نعله من أوائل من يبرأ إلى الله منه.
إنما أحببت التنبيه لهذا لأن لكلام الصوفية دقائق واصطلاحات لا يجوز المرور فوقها، أما الحديث عن وحدة الوجود وأن الصوفية على ضربين فذاك مهيع واسع، وحديثي هنا عن الصوفية المتمثلة بمدرسة الغزالي، ولا شأن لي بما سواها، ولكني أعلم أن صوفية وحدة الوجود اليوم إنما هم ممن يتكلم بكلامهم، ولا أعلم من علمائهم إلا النزر اليسير، وهم أيضا ممن يبرؤن من أتباعهم الذين يلوكون الكلام ولا يعون ما يقولون.
أرجو أن يكون الأمر قد اتضح، وعرف المراد، وما قال بتمايز العقائد إلا الباطنية، فالعامة لهم عقيدة تخالف حقا عقيدة خاصتهم، أما السادة الصوفية فلا يعنون وراء هذا التقسيم إلا ما ذكرت لك.
القول بوجود عقيدتين عقيدة الخاصة وعقيدة العامة قد يكون أمرا فيه ضعف في التعبير، أما وجود تباين بين العامة والخاصة في العقيدة فهذا أمر لا أظن وقوع خلاف فيه إن فهمنا المراد منه، نعم العقيدة واحدة، ولكن الاعتقاد يختلف اختلافا كبيرا بين رجل وآخر، بل يمكننا القول: الاعتقاد لا يتكرر أبدا، بمعنى أن لكل واحد منا اعتقاد مباين للآخر على درجات عددها بعدد الخلائق، فأفعال الله واحدة، ولا يتصور في ملكه فعلان من جنس واحد.
وعندما نقف في كتب القوم على عبارة تذكر تباين عقيدة العوام وعقيدة الخواص، فإنما المراد به هيئة الاعتقاد لا لبنات العقيدة، فالصفات العشرون التي أثبتها علماؤنا كالمرزوقي في عقيدة العوام لا تنقلب إلى معان جديدة في العقيدة التي دونها القوم ونسبوها للخواص، فالواحدنية الوحدانية، والقدرة القدرة، والسلوب سلوب، والمعنوية معنوية، وما هذا مراد القوم، فليس هناك عقائد سرية باطنية وعلنية ظاهرية، حاشا أن يقع ذلك، وهذا أمر بحث فيه الحجة في إحيائه في كتابه الثاني منه، وبين معنى الممايزة في هذا الباب.
نعم هناك أمور تكتم لقصور الفهم عنها، لا لكونها باطنية، كما نكتم الحديث عن المتشابهات أمام العامة عموما، وهذه تنظير، ولكن معرفة الله تعالى لا نهاية لها، وقبول الإيمان للزيادة والنقصان هو ما عناه القوم، والجنة درجات حسب الاعتقاد كما ذكر الغزالي، وهناك أسرار تكتم ولا تباح ضنا بها، والله تعالى إنما كلفا بالإيمان ، ولم يكلفنا بالوقوف على الحقائق، بل الوقوف على الحقائق رتبة لها أهلها، من أراد أن يكون من هؤلاء الأهلين لا يمنع من ذلك، بل هو مبذول، لكن لمن فتح عين قلبه بعد عين عقله، لا أن الله حكر هذا لقوم دون قوم ، أو أن العامة لا طريق لهم للوصول إلى رتبة الخاصة، بل إنما الخاصة أول أمرهم من العامة، قال الحجة الغزالي:
(وقال صلى الله عليه وسلم : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فليت شعري إن لم يكن ذلك سرا منع من إفشائه لقصور الأفهام عن إدراكه أو لمعنى آخر فلم لم يذكره لهم ولا شك أنهم كانوا يصدقونه لو ذكره لهم؟!
وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن : لو ذكرت تفسيره لرجمتموني.وفي لفظ آخر لقلتم: إنه كافر.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر لو بثثته لقطع هذا الحلقوم.
وقال صلى الله عليه وسلم: ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بسر وقر في صدره رضي الله عنه ، ولا شك في أن ذلك السر كان متعلقا بقواعد الدين غير خارج منها، وما كان من قواعد الدين لم يكن خافيا بظواهره على غيره.
وقال سهل التستري رضي الله عنه للعالم ثلاثة علوم: علم ظاهر يبذله لأهل الظاهر :وعلم باطن لا يسعه إظهاره إلا لأهله، وعلم هو بينه وبين الله تعالى لا يظهره لأحد.
وقال بعض العارفين: إفشاء سر الربوبية كفر.
وقال بعضهم: للربوبية سر لو أظهر لبطلت النبوة ، وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم ، وللعلماء بالله سر لو أظهروه لبطلت الأحكام ، وهذا القائل إن لم يرد بذلك بطلان النبوة في حق الضعفاء لقصور فهمهم فما ذكره ليس بحق، بل الصحيح أنه لا تناقص فيه، وأن الكامل من لا يطفي نور معرفته نور ورعه، وملاك الورع النبوة).
وأنت ترى الانسجام الكامل بين هذا الكلام وكلام المتكلمين، فلا هذا يرفع هذا ، ولا ذاك ذاك، وإنما الحيصة عند ضعفاء الفريقين، يفهم كلام الآخر على ما وسعه عقله، ولو سأل لشفاه أهل الذكر والعلم.
ولقد انجر الغزالي بنفسه لبيان هذا الإشكال الذي يثار في تباين الخاصة والعامة في العقيدة والعمل، فقال:
( فإن قلت: هذه الآيات والأخبار يتطرق إليها تأويلات، فبين لنا كيفية اختلاف الظاهر والباطن، فإن الباطن إن كان مناقضا للظاهر ففيه إبطال الشرع ، وهو قول من قال: إن الحقيقة خلاف الشريعة ،وهو كفر ؛لأن الشريعة عبارة عن الظاهر والحقيقة عبارة عن الباطن ، وإن كان لا يناقضه ولا يخالفه فهو هو ، فيزول به الانقسام ، ولا يكون للشرع سر لا يفشى ، بل يكون الخفي والجلي واحد ؟
فاعلم أن هذا السؤال يحرك خطبا عظيما وينجر إلى علوم المكاشفة ، ويخرج عن مقصود علم المعاملة، وهو غرض هذه الكتب، فإن العقائد التي ذكرناها من أعمال القلوب وقد تعبدنا بتلقينها بالقبول والتصديق بعقد القلب عليها لا بأن يتوصل إلى أن ينكشف لنا حقائقها فإن ذلك لم يكلف به كافة الخلق، ولولا أنه من الأعمال لما أوردناه في هذا الكتاب، ولولا أنه عمل ظاهر القلب لا عمل باطنه لما أوردناه في الشطر الأول من الكتاب، وإنما الكشف الحقيقي هو صفة سر القلب وباطنه ، ولكن إذا انجر الكلام إلى تحريك خيال في مناقضة الظاهر للباطن فلا بد من كلام وجيز في حله.
فمن قال: إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يناقض الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، بل الأسرار التي يختص بها المقربون بدركها ولا يشاركهم الأكثرون في علمها ويمتنعون عن إفشائها إليهم ترجع إلى خمسة أقسام).
ثم بين هذا الأقسام الخمسة ، وأترك إيرادها لحماسك أخي القارئ بالعودة إلى الإحياء تقرأ منه على مهل وروية.
ولقد قرأت لفضيلة الأستاذ البارع الشيخ سعيد فودة حفظه الله وأمتع بحياته، فما رأيت له ما يخالف هذا النهج، نعم ، له رأي في بعضه، وهذا الرأي لا يذهب بجملته كله، وإنما هو موطن بحث وأخذ ورد.
فحذار أيها الأخوة في الله تعالى أن نجازف بنفي تقسيم ما يقبل القسمة في ذاته، بل هو متصور، بل واقع كما أراه وأعاينه، فإني أعلم أناسا اليوم يهزؤن بالحجة الغزالي في تقاسيم كتب الإحياء إلى العامة والخاصة وخاصة الخاصة، ولو فطن المعترض لرأى أن المراد حقيقة التفاعل بين المرء وما يحدث عنه من مقام ونحوه، فاعتقاد وحدانية الله تعالى له مراتب لا حدود لها، إلى أن يصل كما قال إمامنا الغزالي في منقذه إلى رتبة تضيق العبارة عنها فيقع في الحلول والاتحاد وما ذاك بمراد، ولو أراده لكان الغزالي وأنا تحت نعله من أوائل من يبرأ إلى الله منه.
إنما أحببت التنبيه لهذا لأن لكلام الصوفية دقائق واصطلاحات لا يجوز المرور فوقها، أما الحديث عن وحدة الوجود وأن الصوفية على ضربين فذاك مهيع واسع، وحديثي هنا عن الصوفية المتمثلة بمدرسة الغزالي، ولا شأن لي بما سواها، ولكني أعلم أن صوفية وحدة الوجود اليوم إنما هم ممن يتكلم بكلامهم، ولا أعلم من علمائهم إلا النزر اليسير، وهم أيضا ممن يبرؤن من أتباعهم الذين يلوكون الكلام ولا يعون ما يقولون.
أرجو أن يكون الأمر قد اتضح، وعرف المراد، وما قال بتمايز العقائد إلا الباطنية، فالعامة لهم عقيدة تخالف حقا عقيدة خاصتهم، أما السادة الصوفية فلا يعنون وراء هذا التقسيم إلا ما ذكرت لك.
أخ حاتم مشاركة جميلة ....
تعليق