السلوك العقدي للكفار ومماثلته لسلوك التوابع الجيبية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد سليمان الحريري
    طالب علم
    • Oct 2011
    • 641

    #1

    السلوك العقدي للكفار ومماثلته لسلوك التوابع الجيبية

    قد يسأل الكثير من الناس:
    هل من الحكمة وهل من العدل أن يعذب الله تعالى الكفار إلى أبد الآبدين، في حين أنهم كفروا به وعصوه لمدة محدودة قصيرة؟

    والجواب: أن الكافر يعتقد ما يعتقده على الدوام، لا يتحول عنه أبدًا، فجعل عذابه أبدًا جزاءً وفاقًا.

    والجواب السابق يمكن تمثيله رياضيًا بالتوابع الجيبية، كتابع الجيب (sin) وتابع تمام الجيب (cos)، فمثل هذه التوابع تكون معرفة على مجال لا نهائي، لكنَّ علماء الرياضيات راقبوا تغيرات هذه التوابع، فوجدوا أن هذه التوابع تعيد رسم المنحني نفسه، أي تعيد التغيرات نفسها في المجالات التي بعده والتي طول كل منها (2π)، لذلك رأى العلماء الاقتصار على دراسة تغيرات التوابع الجيبية على أي مجال طوله (2π) وهو مجال قصير، لأنها نفسها على المجال اللانهائي.

    وكذلك الأمر بالنسبة للكافر: فعقديته التي اعتنقها في هذه المدة القصيرة التي قضاها في الدنيا، كان سيعيد اعتناقها لو عاش غيرها إلى ما لا نهاية من السنين، فتكون هذه المدة التي يعيشها في الدنيا معبرة عن عقيدته فيما لو عاش إلى اللانهاية، فلذلك أتى الجزاء بالعذاب إلى اللانهاية (أي بالخلود) وهو جزاء من جنس العمل.

    ولقد عبر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بالآية الكريمة: ((وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)). [الأنعام: 27 _ 28].

    فهم قد طلبوا العودة للحياة الدنيا ليتداركو تقصيرهم ويؤمنوا بالله على حد زعمهم، لكن الله تعالى وهو العليم الخبير قد كذَّبهم، وأخبرنا بأنه لو أعادهم إلى الدنيا فلسوف يعودون للكفر.

    وحتى لا يشكك أحد في صحة تكذيب الله تعالى للكفار، فالله تعالى قد رسم لنا في القرآن الكريم صورة مصغرة للقضية السابقة، ويمكن لكل مدقق أن يلاحظ وجودها بكثرة في الكون المحيط به، وهي ما عبر الله تعالى عنها في أكثر من موضع من كتابه، كما في قوله جل شأنه: ((وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ)).
    sigpic
    قال حافظ الشام ابن عساكر:
    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



  • نوران محمد طاهر
    طالب علم
    • Nov 2010
    • 139

    #2
    تمثيل جميل وبديع، ومع هذا عدل الله لا يجوز تصويره بالمقاصة ونحوها، بل يجب أن يفهم كل مسلم معنى العدل حتى لا يشتبه عليه مثل هذا، ثم أفعال الله هي عين الحكمة، لذا أرى أمثال هذه التصويرات نافعة على عرج، بمعنى أن الإيمان لا ينمو نموا طبيعيا بها، وازدياد الإيمان إنما يكون بالتعرف على صفات الحق التي تنماث أمامها هذه الأسئلة البلهاء.
    نعم الحق تعالى أظهر بعض حكمه وطوى عنا بحارها التي لا حدود لها، ولكن مثلا لو اقتنع المخاطب بهذه التصورات وعدَّها نوعا من التعليل فقد أشرف على مهالك الكفر، فأرى أن بيان الأصل قبل التشبيه أمر لازم.
    قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

    تعليق

    • محمد سليمان الحريري
      طالب علم
      • Oct 2011
      • 641

      #3
      أخي الكريم نوران:
      لا أرى أنه مجرد تشبيه وتمثيل، لأنه بمثابة تفسير للآية التي ذكرتها.
      بارك الله فيك.
      فقولك:
      لذا أرى أمثال هذه التصويرات نافعة على عرج
      هذا إذا كان من محض رأسي، لكنه كما لاحظت أسلوب قرآني، فكل ما وصف به هذا الأسلوب هو في الحقيقة وصف للآية الكريمة، لأنه تطبيق عملي رياضي لها.
      ولا أرى فرقًا بينه وبين استدلال أهل السنة بقول الله تعالى حكاية عن سيدنا الخليل: ((فلما أفل قال لا أحب الآفلين)) على نفي الألوهية عن كل ما شأنه التغير والتبدل.
      والأهم في الأمر أن الخطاب موجه للمخالفين، أما المؤمنون فيعلمون أنهم عبيد مقهورون تحت سلطان الجليل، ومهما فعل بهم فلا تجاوز لحد العدل في ذلك، لأن الظلم إنما يتصور عند تجاوز الصلاحيات، أو عند التصرف في حق أو ملك الغير، وهذا لا يمكن وجوده عند الكلام عن الإله الحق جل جلاله.

      ولكن مثلا لو اقتنع المخاطب بهذه التصورات وعدَّها نوعا من التعليل فقد أشرف على مهالك الكفر

      ولكن لا يخفى عليك أن مرحلة القناعة العقلية المحضة، هي مرحلة لا بد _في الغالب_ للمتشكك من المرور فيها، قبل أن يصل إلى بر الإذعان والتسليم، ولذلك فقد راعى الله تعالى ضعف البشر، وخاطبهم بمثل هذه الأساليب تلطفًا منه تعالى ورحمة بهم.
      وأما مطالبة المخالف بالإذعان مباشرة، ففيها مخاطرة كبيرة، وابتعاد عن أسلوب البرهان والجدال الذي أمرنا به الله تعالى.
      فالأديان كلها تطالبه بالإذعان لها، فما المرجح إذن؟؟
      بديهي أنه الدليل والبرهان.
      sigpic
      قال حافظ الشام ابن عساكر:
      فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
      أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
      أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



      تعليق

      • نوران محمد طاهر
        طالب علم
        • Nov 2010
        • 139

        #4
        بارك الله فيك، وأذاقنا مولانا برد اليقين بمنه وكرمه.
        قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

        تعليق

        • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
          مـشـــرف
          • Jun 2006
          • 3723

          #5
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

          جزاك الله خيراً سيدي محمد، تقريب جميل.

          وبارك الله فيك أخي نوران.
          فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

          تعليق

          • محمد سليمان الحريري
            طالب علم
            • Oct 2011
            • 641

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة نوران محمد طاهر
            بارك الله فيك، وأذاقنا مولانا برد اليقين بمنه وكرمه.
            وفيكم سيدي الفاضل، وجعلنا وإياكم والمسلمين أجمعين من أهل قربه.
            sigpic
            قال حافظ الشام ابن عساكر:
            فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
            أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
            أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



            تعليق

            • محمد سليمان الحريري
              طالب علم
              • Oct 2011
              • 641

              #7
              جزاكم الله خيرًا سيدي الشيخ محمد أكرم، ونفعنا بكم.
              sigpic
              قال حافظ الشام ابن عساكر:
              فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
              أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
              أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



              تعليق

              يعمل...