تحصينا لبلادنا العزيزة تونس من عقائد الوهابية:
بجملة واحدة من كلام الإمام ابن بطة العكبري ( 304-387 هـ) تُهدَم عقائد الوهابيّة.
قال الله تعالى: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ)[العنكبوت: 41] وهذا منطبق على عقائد الوهابية في باب الإلهيات خصوصًا، فإنهم التزموا أصولا باطلة وبنوا عليها الكثير من العقائد، وتلك الأصول عند التأمل والنظر يتبين أنها أوهن من بيت العنكبوت، وإذا ثبت بطلانها انهدم جميعُ بنوه على تلك الأصول الباطلة.
ومن الأصول الباطلة التي بنى عليها الوهابيةُ عقائدهم: جوازُ اتصاف الله تعالى بصفات حادثة توجد بعد العدم شيئا فشيئا، ففرَّعوا على هذه القاعدة اتصاف الله تعالى بالكلام المحدَث والحروف والأصوات المُحدَثة، وخالفوا في ذلك جميع أئمة أهل السنة، ودانوا بعقيدة خَلْق القرآن، ولكنهم اعتقدوا أنه مخلوقٌ في ذات الله، وتحاشَوْا فقط من إطلاق لفظ المخلوق، وأطلقوا مكانه لفظ المُحْدَث والحدوث، ومعلوم أنهما شيءٌ واحد لغةً وعقلا.
ويتجلى هذا المعتقد الباطل في كتابات كثير من الوهابية، ونخص بالذكر منهم "ابن عثيمين" القائل في شرحه لمعة الاعتقاد: «كلامُ الله قديم النوع حادِث الآحاد». ثم قال: «ومعنى حادث الآحاد أن آحاد كلامه ـ أي الكلام المعين المخصوص ـ حادِثٌ؛ لأنه متعلق بمشيئته، متى شاء تكلم بما شاء كيف شاء. (ص 74)
ومنهم «الفوزان» الذي لم يعجبه تصريح ابن قدامة بقِدَمِ كلام الله تعالى فقال مستدركاً عليه: «قديم النوع، ولا يقال قديمٌ مطلقاً هكذا، وإنما هو قديم النوع حادِثُ الآحاد، يعني جنس الكلام قديم، وأما أنواعه فهي تتجدد وتَحدُثُ متى شاءَ الله.(شرح لمعة الاعتقاد، ص 108)
ودون الدخول في التفاصيل، فالوهابية عند من درس علم أصول الدين أعادوا إحياء القول بخَلْق القرآن، فغيروا فقط لفظ الخَلْق وبدلوه بلفظ الحدوث، ولم يعتقدوا كالمعتزلة أن الله خلق حروفا وأصواتاً في شجرةٍ أو جرمٍ، وإنما اعتقدوا أنه أحدثهُ في ذاته، تعالى عن قولهم.
ثم اخترعوا فلسفة القول بحدوث آحاد الكلام وقدم نوعه كما ترى عند ابن عثيمين والفوزان وغيرهما، وهي نظرية فلسفية باطلة مقتبسة من قول الفلاسفة بأنّ آحاد حركات الافلاك حادثة ونوعها قديمٌ، وهذا القول قاله الفلاسفة للتخلص من القول بحدوث الأفلاك لأنهم اعتقدوا قِدَمها، والوهابية تبعوهم لكي لا يلتزموا القول بحدوث ذات الله، تعالى عن قولهم، ولكنه لازم لهم، والخلاف في لازم القول معروف.
والدليل على بطلان ما أصّلوه يتقرر بجُملة واحدة صدرت من الإمام الفقيه الحنبلي ابن بطة العكبري في الإبانة الذي ردّ على أصحاب هذا المعتقد الباطِل قبل أكثر من ألف سنة فقال : كُلُّ مَنْ حَدَثَتْ صِفَاتُهُ فَمُحْدَثٌ ذَاتُهُ، وَمَنْ حَدَثَ ذَاتُهُ وَصِفَتُهُ فَإِلَى فَنَاءٍ حيَاتُه، وتَعالَى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً.الإبانة (ج2/ص183)
فها هو الإمام المحدِّث الفقيه الحنبلي الذي أدرك القرون الأولى يهدم قواعد الوهابية من أساسها، ويبين أن القول بحدوث القرآن في ذات الله تعالى يؤدي إلى القول بحدوث الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.
وهذا ليس قول ابن بطة فحسب، وإنما هو قول جميع أهل السنة سلفاً وخلفاً، محدثهم وفقيههم متكلمهم، ويكفي أن تعلم أن إمام المفسرين ابن جرير الطبري قال في هدم عقائد سلف الوهابية: "مَا لَـمْ يَـخْلُ مِنَ الحَدَثِ لَا شَكَّ أَنَّهُ مُحدَثٌ" (التاريخ (ج1/ص28) الوهابية يعتقدون أن الله تعالى لا يخلو من الصفات والأفعال الحادثة، وقد قرأت قول ابن العثيمين والفوزان في ذلك.
والخلاصة أن الوهابية عقائدهم في باب الإلهيات غاية في البطلان، ونهاية في الخطورة، وهي محاولة لإحياء عقائد قديمة بالية تجاوزها الزمان وتجازها العقل المسلم المستنير بنور العلم والإيمان، ولا عذر للجاهل في تقليدهم، فإن أئمة أهل السنة قد بينوا الحقّ في جميع أبواب العقائد بابا باباً، حتى انقرضت تلك العقائد الباطلة قرونا طويلة قبل أن تظهر مرة أخرى في عصرنا فتنةً وابتلاءً.
وأيضاً فإن هذا الأصل الذي بنى عليه الوهابية عقائدهم في الإلهيات والذي بينا بكلام الإمام ابن بطة والإمام الطبري بطلانه، إذا هُدِم هدمت بإثره فروع كثيرة، وأبرزها التجسيميات الوهابية التي يصرحون بها كقولهم بأنه الله ـ تعالى عن قولهم ـ ينزل بذاته إلى سماء الدنيا نزول حركة، ويجيء ويمشي ويهرول وغير ذلك مما يسمونه أفعالا اختيارية، أي أنه يحدث في ذاته ما يشاء من الحروف والأصوات وغير ذلك، وهذا كله فرع اتصافه بالصفات والأفعال الحادثة، وقد نص الأئمة على بطلانه، فبطل جميع ما فرعوه عليه.
والذي يدفعنا للكتابة مرة أخرى في هذه المسائل أنّ الوهابية في عصرنا يحاولون نشر هذه العقائد بين جميع المسلمين، ويحاولون فعل ذلك في تونس بلد أهل السُّنة المالكية الأشعرية لأكثر من ألف سنَة، مثيرين بذلك الفتن والفرقة بين أبناء الوطن الواحد، ومبشرين بعقائد التجسيم والتكفير وما يتبعهما مما هو أخطر، والأدهى والأمرّ أنهم يدجون غطاءً من بعض الساسة الذين يستغلونهم لأهداف حزبية، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ؛ لأنهم لم يعرفوا أن تونس محفوظة بحفظ الله تعالى من عقائد أهل الزَّيغ والبِدَع، وأنَّهَا تَنْفِي خَبَثهَا وَشِرَارهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَث الْحَدِيد، والتاريخ الطويل يشهد على ذلك.
كتبه: نزار حمادي.
بجملة واحدة من كلام الإمام ابن بطة العكبري ( 304-387 هـ) تُهدَم عقائد الوهابيّة.
قال الله تعالى: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ)[العنكبوت: 41] وهذا منطبق على عقائد الوهابية في باب الإلهيات خصوصًا، فإنهم التزموا أصولا باطلة وبنوا عليها الكثير من العقائد، وتلك الأصول عند التأمل والنظر يتبين أنها أوهن من بيت العنكبوت، وإذا ثبت بطلانها انهدم جميعُ بنوه على تلك الأصول الباطلة.
ومن الأصول الباطلة التي بنى عليها الوهابيةُ عقائدهم: جوازُ اتصاف الله تعالى بصفات حادثة توجد بعد العدم شيئا فشيئا، ففرَّعوا على هذه القاعدة اتصاف الله تعالى بالكلام المحدَث والحروف والأصوات المُحدَثة، وخالفوا في ذلك جميع أئمة أهل السنة، ودانوا بعقيدة خَلْق القرآن، ولكنهم اعتقدوا أنه مخلوقٌ في ذات الله، وتحاشَوْا فقط من إطلاق لفظ المخلوق، وأطلقوا مكانه لفظ المُحْدَث والحدوث، ومعلوم أنهما شيءٌ واحد لغةً وعقلا.
ويتجلى هذا المعتقد الباطل في كتابات كثير من الوهابية، ونخص بالذكر منهم "ابن عثيمين" القائل في شرحه لمعة الاعتقاد: «كلامُ الله قديم النوع حادِث الآحاد». ثم قال: «ومعنى حادث الآحاد أن آحاد كلامه ـ أي الكلام المعين المخصوص ـ حادِثٌ؛ لأنه متعلق بمشيئته، متى شاء تكلم بما شاء كيف شاء. (ص 74)
ومنهم «الفوزان» الذي لم يعجبه تصريح ابن قدامة بقِدَمِ كلام الله تعالى فقال مستدركاً عليه: «قديم النوع، ولا يقال قديمٌ مطلقاً هكذا، وإنما هو قديم النوع حادِثُ الآحاد، يعني جنس الكلام قديم، وأما أنواعه فهي تتجدد وتَحدُثُ متى شاءَ الله.(شرح لمعة الاعتقاد، ص 108)
ودون الدخول في التفاصيل، فالوهابية عند من درس علم أصول الدين أعادوا إحياء القول بخَلْق القرآن، فغيروا فقط لفظ الخَلْق وبدلوه بلفظ الحدوث، ولم يعتقدوا كالمعتزلة أن الله خلق حروفا وأصواتاً في شجرةٍ أو جرمٍ، وإنما اعتقدوا أنه أحدثهُ في ذاته، تعالى عن قولهم.
ثم اخترعوا فلسفة القول بحدوث آحاد الكلام وقدم نوعه كما ترى عند ابن عثيمين والفوزان وغيرهما، وهي نظرية فلسفية باطلة مقتبسة من قول الفلاسفة بأنّ آحاد حركات الافلاك حادثة ونوعها قديمٌ، وهذا القول قاله الفلاسفة للتخلص من القول بحدوث الأفلاك لأنهم اعتقدوا قِدَمها، والوهابية تبعوهم لكي لا يلتزموا القول بحدوث ذات الله، تعالى عن قولهم، ولكنه لازم لهم، والخلاف في لازم القول معروف.
والدليل على بطلان ما أصّلوه يتقرر بجُملة واحدة صدرت من الإمام الفقيه الحنبلي ابن بطة العكبري في الإبانة الذي ردّ على أصحاب هذا المعتقد الباطِل قبل أكثر من ألف سنة فقال : كُلُّ مَنْ حَدَثَتْ صِفَاتُهُ فَمُحْدَثٌ ذَاتُهُ، وَمَنْ حَدَثَ ذَاتُهُ وَصِفَتُهُ فَإِلَى فَنَاءٍ حيَاتُه، وتَعالَى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً.الإبانة (ج2/ص183)
فها هو الإمام المحدِّث الفقيه الحنبلي الذي أدرك القرون الأولى يهدم قواعد الوهابية من أساسها، ويبين أن القول بحدوث القرآن في ذات الله تعالى يؤدي إلى القول بحدوث الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.
وهذا ليس قول ابن بطة فحسب، وإنما هو قول جميع أهل السنة سلفاً وخلفاً، محدثهم وفقيههم متكلمهم، ويكفي أن تعلم أن إمام المفسرين ابن جرير الطبري قال في هدم عقائد سلف الوهابية: "مَا لَـمْ يَـخْلُ مِنَ الحَدَثِ لَا شَكَّ أَنَّهُ مُحدَثٌ" (التاريخ (ج1/ص28) الوهابية يعتقدون أن الله تعالى لا يخلو من الصفات والأفعال الحادثة، وقد قرأت قول ابن العثيمين والفوزان في ذلك.
والخلاصة أن الوهابية عقائدهم في باب الإلهيات غاية في البطلان، ونهاية في الخطورة، وهي محاولة لإحياء عقائد قديمة بالية تجاوزها الزمان وتجازها العقل المسلم المستنير بنور العلم والإيمان، ولا عذر للجاهل في تقليدهم، فإن أئمة أهل السنة قد بينوا الحقّ في جميع أبواب العقائد بابا باباً، حتى انقرضت تلك العقائد الباطلة قرونا طويلة قبل أن تظهر مرة أخرى في عصرنا فتنةً وابتلاءً.
وأيضاً فإن هذا الأصل الذي بنى عليه الوهابية عقائدهم في الإلهيات والذي بينا بكلام الإمام ابن بطة والإمام الطبري بطلانه، إذا هُدِم هدمت بإثره فروع كثيرة، وأبرزها التجسيميات الوهابية التي يصرحون بها كقولهم بأنه الله ـ تعالى عن قولهم ـ ينزل بذاته إلى سماء الدنيا نزول حركة، ويجيء ويمشي ويهرول وغير ذلك مما يسمونه أفعالا اختيارية، أي أنه يحدث في ذاته ما يشاء من الحروف والأصوات وغير ذلك، وهذا كله فرع اتصافه بالصفات والأفعال الحادثة، وقد نص الأئمة على بطلانه، فبطل جميع ما فرعوه عليه.
والذي يدفعنا للكتابة مرة أخرى في هذه المسائل أنّ الوهابية في عصرنا يحاولون نشر هذه العقائد بين جميع المسلمين، ويحاولون فعل ذلك في تونس بلد أهل السُّنة المالكية الأشعرية لأكثر من ألف سنَة، مثيرين بذلك الفتن والفرقة بين أبناء الوطن الواحد، ومبشرين بعقائد التجسيم والتكفير وما يتبعهما مما هو أخطر، والأدهى والأمرّ أنهم يدجون غطاءً من بعض الساسة الذين يستغلونهم لأهداف حزبية، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ؛ لأنهم لم يعرفوا أن تونس محفوظة بحفظ الله تعالى من عقائد أهل الزَّيغ والبِدَع، وأنَّهَا تَنْفِي خَبَثهَا وَشِرَارهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَث الْحَدِيد، والتاريخ الطويل يشهد على ذلك.
كتبه: نزار حمادي.
تعليق