المنهج القرآني النبوي في تقرير العقائد للعوام ( الإمام الرازي )

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أشرف سهيل
    طالب علم
    • Aug 2006
    • 1843

    #1

    المنهج القرآني النبوي في تقرير العقائد للعوام ( الإمام الرازي )

    بسم الله الرحمن الرحيم


    قال رحمه الله في المطالب العالية:


    واعلم: أن هذا الذي ذكرناه يتفرع عليه أنواع من البحث:

    النوع الأول: لا يليق بصاحب الدعوة إيراد هذه المطالب، كما يورده أهل الجدل والاستدلال. لأن ذلك الطريق يحمل السامعين على الاعتراض عليه، وعلى إيراد الأسئلة عليه. فإذا اشتغل بالجواب عنها، فربما أوردوا على تلك الأجوبة: أسئلة اخرى. ويحصل فتح باب المشاغبات والمجادلات. ولا يحصل المقصود البتة. بل الواجب إيراد البيانات البرهانية مخلوطة بطريقة الخطابة من الترغيب والترهيب، فإن بسبب ما فيه من [قوة المقدمات البرهانية يبقى مستعظما في العقول، وبسبب ما فيه من [2]] طريقة الخطابة يكون تأثيره في القلوب أكمل، ويكون بعد السامعين عن سوء الأدب الذي يحصل بسبب المشاغبات أتم.


    النوع الثاني: أنه لا يجوز أن يصرح بالتنزيه المحض، لأن قلوب أكثر الخلق، تنفر عن قبول مثل هذا الكلام. فإذا وقع التصريح به، صار ذلك سببا لنفرة أكثر الخلق عن متابعته. بل الواجب عليه أن يبين أنه سبحانه وتعالى منزه عن مشابهة المحدثات، ومناسبة الممكنات. كما قال تعالى: ليْس كمِثْلِهِ شيْءٌ،
    [117] وهُو السّمِيعُ الْبصِيرُ [1] ثم بعد ذلك يقول: وهُو الْقاهِرُ فوْق عِبادِهِ [2] إِليْهِ يصْعدُ الْكلِمُ الطّيِّبُ [3] الرّحْمنُ على الْعرْشِ اسْتوى [4].

    ويمنعهم عن البحث في هذه المضائق والخوض في هذه الدقائق

    إلا إذا كان من الأذكياء المحققين، والعقلاء المفلقين فإنه بعقله الوافر يقف على حقائق الأشياء.


    وأيضا يبين لهم: كون العبد صانعا فاعلا، قادرا على الفعل والترك، والخير والشر. ويبالغ فيه، فإنه إن ألقى إليهم الخير المحض تركوه، ولم يلتفتوا إليه.

    ويبين لهم أيضا: أنه وإن كان الأمر كذلك، إلا أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره، فلا يعزب عن علمه وحكمه: مثقال ذرة في السموات والأرض، ثم يمنعهم بأقصى الوجوه عن الخوض في هذه الدقائق، فإن طباع أكثر الخلق بعيدة عن هذه الأشياء.


    وبالجملة: فأحسن الطرق في دعوة الخلق إلى عبودية الحق. هو الطريق الذي جاء به سيد الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام. وذلك لأنه يبالغ في تعظيم الله تعالى في جميع الوجوه على سبيل الإجمال، ويمنعهم من الخوض في التفصيل.



    فيذكر في إثبات التنزيه قوله: { واللهُ الْغنِيُّ وأنْتُمُ الْفُقراءُ } وإذا كان غنيا على الإطلاق، امتنع كونه مؤلفا من الأجزاء، وإذا كان كذلك، امتنع أن يكون متحيزا. وإذا كان كذلك، امتنع أن يكون حاصلا في الأمكنة والأحياز.

    وذكر أيضا قوله: { ليْس كمِثْلِهِ شيْءٌ} ولو كان جسما، لكان ذاته مثلا لسائر الأجسام، بناء على قولنا: إن الأجسام بأسرها متماثلة.



    ثم إنه ذكر في جانب الإثبات: ألفاظ كثيرة، وبالغ فيها. وهذا هو الواجب. لأنه لو لم يذكر هذه الألفاظ، لما قرر عند الأكثرين كونه موجودا.

    وأيضا: بالغ في تقرير كونه عالما بجميع المعلومات، فقال: { وعِنْدهُ مفاتِحُ الْغيْبِ لا يعْلمُها إِلّا هُو }
    وقال: { اللهُ يعْلمُ ما تحْمِلُ كُلُّ أُنْثى، وما تغِيضُ الْأرْحامُ }
    ثم لم يقع في بيان أنه عالم لذاته، أو بالعلم. وأيضا بين كون العبد فاعلا وعاقلا وصانعا وخالقا ومحدثا، في آيات كثيرة.

    ثم بين في سائر الآيات: أن الخير والشر كله من الله تعالى، ولم يبين أنه كيف يجمع بين هذين القولين، بل أوجب الإيمان بهما على سبيل الإجمال.


    وأيضا: بين أنه لا يعزب عن مشيئة الله تعالى، وإرادته وقضائه وتقديره شيء البتة

    ثم بين أنه لا يريد الظلم والعبث والباطل ولا يفعله.


    فالحاصل: أن طريقة نبينا في الدعوة هي تعظيم الله تعالى من جميع الجهات المعقولة، والمنع من الخوض في بيان أن تلك الجهات هل تتناقض أم لا؟


    فإنا إن قلنا: القبائح من أفعال العباد، وحصلت بتخليق الله تعالى، فقد عظمناه بحسب القدرة، لكن ما عظمناه في الحكمة.
    وإن قلنا: إنها ليست من الله تعالى، فقد عظمناه بحسب الحكمة، ولكن ما عظمناه بحسب القدرة.

    وأما القرآن فإنه يدل على تعظيم الله تعالى بحسب القدرة وبحسب الحكمة معا،

    فقال في الأول { قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ }
    وقال في الثاني: { ما أصابك مِنْ حسنةٍ فمِن اللهِ، وما أصابك مِنْ سيِّئةٍ فمِنْ نفْسِك }

    ثم منع الناس من أن يخوضوا في تقرير هذا التعارض وفي إزالته.


    بل الواجب على العوام:
    الإيمان المطلق بتعظيم الله تعالى في القدرة وفي الحكمة. وفي الحقيقة، فالذي قاله هو الصواب. فإن الدعوة العامة لا تنتظم إلا بهذا الطريق. اهـ
    اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين
  • أشرف سهيل
    طالب علم
    • Aug 2006
    • 1843

    #2
    ففي هذا النقل:

    تفصيل وبيان مراد الإمام الرازي بأن طريق القرآن هو أقوم طريق وأعدله ، الذي أشار إليه في وصيته ، والتي يشغب به التيمية مريدين تراجعه عن البحث في المسائل الكلامية أو حتى عن العقائد السنية الأشعرية !

    وتحذير لعلماء أصول الدين من أن يغلبهم فنهم وطبعهم عند دعوة العوام وبيان العقائد لهم ، فيحيدون عن المنهج القرآني والسبيل النبوي.



    ولا عجب في هذا الكلام فقد قاله أكثر من عالم من السلف ، والخلف .


    ولكن أن يكون هذا هو منهج وطريق إمام المتكلمين الفخر الرازي رحمه الله .. هذا يستغربه البعض .

    وقد يسأل سائل : لم ؟

    والجواب :
    أن هذه ثمرة الجهد الجهيد من تشغيب وتشنيع بعض المبتدعة وقليلي الاطلاع من المخدوعين من أهل السنة على علم الكلام والمتكلمين من أكاذيب وخرافات !، غافلين والمتغافلين أن هذا العلم لم ولا يخاطب به العوام ! ، وأن هذه البدهية ! ما غفلت عن عالم من علماء أهل السنة ، فضلا عن أن تكون غافلة عن المحققين من أئمة المتكلمين .
    وجاهلين أو متجاهلين المقصد من البحث في مسائل الكلام ودور المتكلمين في مواجهة الأفكار المنحرفة والفلسفات الضالة .


    ولكنه ترديد الشبه دون بحث والتحقق، فلا بالعلم تحققوا ، وفي في النقل توثقوا ، ولا بالحجة جاؤوا


    والله المستعان ، ورحم الله أئمة أهل السنة نفعنا بهم.
    اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

    تعليق

    • نزار بن علي
      طالب علم
      • Nov 2005
      • 1729

      #3
      نقل عزيز وكلام لا يصدر إلا من إمام رحمه الله تعالى ورضي عنه.

      قولك: فإنه إن ألقى إليهم الخير المحض تركوه.
      صوابه: الجَبْرَ المحض.
      وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

      تعليق

      • سامح يوسف
        طالب علم
        • Aug 2003
        • 944

        #4
        وكذلك بيّن الإمام هذا المطلب في كتابه أقسام اللذات من ص 260 من الترقيم الخارجي لملف pdf لا الترقيم الداخلي

        ثم قال ص 271 :

        نهاية إقدام العقول عقال .... الأبيات المشهورة

        ثم قال ص 272:

        واعلم أنى بعد التوغّل فى هذه المضائق , والتعمق فى الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق , رأيت الأصوب الأصلح فى هذا الباب , طريقة القرآن العظيم والفرقان الكريم , وهو ترك التعمق والإستدلال بأقسام أجسام السموات والأرضين على وجود رب العالمين , ثم المبالغة فى التعظيم من غير خوض فى التفاصيل

        فأقرأ في التنزيه قوله : "الله الغني وأنتم الفقراء" ، وقوله : "ليس كمثله شيء" ، وقوله : "قل هو الله أحد "

        وأقرأ في الإثبات : "الرحمن على العرش استوى" ، وقوله : "يخافون ربهم من فوقهم "، وقوله : "إليه يصعد الكلم الطيب"

        وفي تنزيهه عما لا ينبغي قوله :" ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"

        وعلى هذا القانون فقس

        وأقول من صميم القلب و من داخل الروح :

        إني مقر بأن كل ما هو الأكمل والأعظم والأجل فهو لك ، وما فيه عيب أو نقص فأنت منزه عنه.

        ومقر بأن عقلي وفهمي قاصر عن الوصول إلى كنه صفة ذرة من ذرات مخلوقاتك

        ومقر بأني ما مدحتك بما يليق بك لأن المدائح محصورة في نوعين :

        ــ إما في شرح صفات الجلال : وهو تنزيه الله عما لا ينبغي

        ــ وإما في شرح صفات الإكرام : وهو وصف الله بكونه خالقا لهذا العالم

        أما الأول : ففيه سوء أدب من بعض الوجوه ؛ لأن الرجل إذا قال للسلطان : أنت لستَ بأعمى ، ولستَ بأصم ولا بأبرص فإنه يستوجب الزجر والحجر

        وأما الثاني : ففيه سوء أدب لأن جميع كمالات المخلوقات بالنسبة إلى كمال الخالق نقائص؛ فشرح كمال الخالق بنسب إضافية إلى المخلوق سوء أدب

        فيا رب العزة إني مقر بأني لا أقدر على مدحك إلا من أحد هذين الطريقين ومقر بأن كل واحد منهما لا يليق بجلالك وبعزتك ولكني كالمعذور حيث لا أعرف شيئا سواه ولا اهتدي لما هو أعلى منه


        فأسألك بوجوب وجودك وكمال جودك وهوية ألوهيتك وكمال صمديتك وبتلك الحقيقة التي لا يعرفها أحد إلا أنت وبتلك الكمالات التي لا يعرفها أحد إلا أنت أن تعفو عني في كل ما أخطأت وأن تقبل مني كل ما ارتضيته من الأعمال التي أتيتُ بها بمدد توفيقك وبرحمتك وفضلك يا أرحم الراحمين اهـ كلامه


        وفي التفسير الكبير نحو هذا


        ففي تفسير الفاتحة :

        "جميع الصفات المعلومة عند الخلق: إما صفات الجلال ، وإما صفات الإكرام

        أما صفات الجلال فهي قولنا ليس بجسم ولا بجوهر ولا عرض ولا في المكان ولا في المحل،

        ومن خاطب السلطان فقال: أنت لست أعمى ولست أصم ولست كذا ولا كذا ، وعد أنواع المعايب والنقصانات فإنه يستوجب الزجر والحجر والتأديب، ويقال: إن مخاطبته بنفي هذه الأشياء عنه إساءة في الأدب،

        وأما صفات الإكرام فهي كونه خالقا للمخلوقات مرتبا لها على النظم الأكمل ، ولا شك أن كمال الخالق أعلى وأجل من كمال المخلوق بمراتب لا نهاية لها ، فإذا شرحنا نعوت كمال الله وصفات جلاله بكونه خالقا لهذه المخلوقات فقد جعلنا كمال هذه المخلوقات كالشرح والبيان لكمال جلال الخالق، وذلك سوء أدب

        فثبت أن مدح الله وثناءه بالطريقين المذكورين فيه هذه الاعتراضات،

        لكن لا سبيل له إلى معرفة كمال الله وجلاله إلا بهذين الطريقين فيواظب على هذين النوعين حتى تعرض النفس عن عالم الحس وتألف الوقوف على عتبة القدس فإذا حصلت هذه الحالة فعند ذلك يتنبه لما في ذينك النوعين من الذكر من الاعتراضات المذكورة وعند ذلك يترك تلك الأذكار ويقول: يا هو كأن العبد يقول: أجل حضرتك أن أمدحك وأثني عليك بسلب نقائص المخلوقات عنك أو بإسناد كمالات المخلوقات إليك، فإن كمالك أعلى وجلالك أعظم، بل لا أمدحك ولا أثني عليك إلا بهويتك من حيث هي ."


        ، وفي تفسير سورة يونس نحو هذا

        إذن فكلام الرازي في تفسير الفاتحة قبل سنة 595 هـ = كلامه في أقسام اللذات سنة 604 هـ = كلامه في المطالب العالية سنة 605 هـ = كلامه في الوصية سنة 606 هـ


        فالرازي هو هو

        ولكن أين من يفهم كلامه ؟!


        رضي الله عنه ونفعنا بعلومه

        تعليق

        • أشرف سهيل
          طالب علم
          • Aug 2006
          • 1843

          #5
          جزاكم الله خيرا شيخ سامح

          ولينظر المنصف فيما سبق ذكره وليقارنه بما يعرض به ابن تيمية نفس النصوص !

          قال عفا الله عنه:

          وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك إما عند الموت وإما قبل الموت، والحكايات في هذا كثيرة معروفة. هذا أبو الحسن الأشعري: نشأ في الاعتزال أربعين عاما يناظر عليه، ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة، وبالغ في الرد عليهم. وهذا أبو حامد الغزالي مع فرط ذكائه وتألهه، ومعرفته بالكلام والفلسفة، وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف - ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة، ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث وصنف "إلجام العوام عن علم الكلام".
          وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، فقد قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات: " لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: اقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾) و﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ واقرأ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
          وكان يتمثل كثيرا:
          نهاية إقدام العقول عقال *** وأكثر سعي العالمين ضلال
          وأرواحنا في وحشة من جسومنا*** وحاصل دنيانا أذًى ووبال
          ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا*** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
          اهـ
          اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

          تعليق

          • عثمان محمد النابلسي
            طالب علم
            • Apr 2008
            • 438

            #6
            بيّن ذلك الإمام الفخر منهج القرآن أيضًا في كتابه "أسرار التنزيل" وفي تفسيره الكبير
            فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
            بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

            تعليق

            • ابراهيم راشد محسن
              طالب علم
              • Nov 2007
              • 76

              #7
              بارك الله فيكم . وما أكثر المواضع التي يبين فيها الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره هذا المنهج القرآني في تقريره للعقائد، بل ويحضّ الإمام على تدبرها وفهمها كما قال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى :

              {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (سورة النحل: آية 125)}

              فقال رحمه الله:" اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّبَاعِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي أَمَرَهُ بِمُتَابَعَتِهِ فِيهِ، فَقَالَ:
              ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ.
              وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ بِأَحَدِ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الْحِكْمَةُ وَالْمَوْعِظَةُ الْحَسَنَةُ وَالْمُجَادَلَةُ بِالطَّرِيقِ الْأَحْسَنِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْجَدَلَ فِي آيَةٍ أُخْرَى فَقَالَ:{وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }(الْعَنْكَبُوتِ:46) وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الطُّرُقَ الثَّلَاثَةَ وَعَطَفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ طُرُقًا مُتَغَايِرَةً مُتَبَايِنَةً، وَمَا رَأَيْتُ لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ كَلَامًا مُلَخَّصًا مَضْبُوطًا.
              وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَقَالَةِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى حُجَّةٍ وَبَيِّنَةٍ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ الْحُجَّةِ، إِمَّا تَقْرِيرُ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَذَلِكَ الِاعْتِقَادِ فِي قُلُوبِ الْمُسْتَمِعِينَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ إِلْزَامَ الْخَصْمِ وَإِفْحَامَهُ.
              أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ:فَيَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى قِسْمَيْنِ:لِأَنَّ الْحُجَّةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حُجَّةً حَقِيقِيَّةً يَقِينِيَّةً قَطْعِيَّةً مُبَرَّأَةً عَنِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ، وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ كَذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ حُجَّةً تُفِيدُ الظَّنَّ الظَّاهِرَ وَالْإِقْنَاعَ الْكَامِلَ، فَظَهَرَ بِهَذَا التَّقْسِيمِ انْحِصَارُ الْحُجَجِ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ. أَوَّلُهَا:الْحُجَّةُ الْقَطْعِيَّةُ الْمُفِيدَةُ لِلْعَقَائِدِ الْيَقِينِيَّةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْحِكْمَةِ، وَهَذِهِ أَشْرَفُ الدَّرَجَاتِ وَأَعْلَى الْمَقَامَاتِ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِي صِفَتِهَا:وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (الْبَقَرَةِ:269) . وَثَانِيهَا:الْأَمَارَاتُ الظَّنِّيَّةُ وَالدَّلَائِلُ الْإِقْنَاعِيَّةُ وَهِيَ الْمَوْعِظَةُ الْحَسَنَةُ.
              وَثَالِثُهَا:الدَّلَائِلُ الَّتِي يَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِهَا إِلْزَامَ الْخُصُومِ وَإِفْحَامَهُمْ، وَذَلِكَ هُوَ الْجَدَلُ، ثُمَّ هَذَا الْجَدَلُ عَلَى قِسْمَيْنِ:
              الْقِسْمُ الْأَوَّلُ:أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا مُرَكَّبًا مِنْ مُقَدِّمَاتٍ مُسَلَّمَةٍ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، أَوْ مِنْ مُقَدَّمَاتٍ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَائِلِ، وَهَذَا الْجَدَلُ هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن.
              والقسم الثَّانِي:أَنْ يَكُوُنَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ مُرَكَّبًا مِنْ مُقَدِّمَاتٍ بَاطِلَةٍ فَاسِدَةٍ إِلَّا أَنَّ قَائِلَهَا يُحَاوِلُ تَرْوِيجَهَا عَلَى الْمُسْتَمِعِينَ بِالسَّفَاهَةِ وَالشَّغَبِ، وَالْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ، وَالطُّرُقِ الْفَاسِدَةِ، وَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الْفَضْلِ إِنَّمَا اللَّائِقُ بِهِمْ هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا انْحِصَارُ الدَّلَائِلِ وَالْحُجَجِ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
              إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ:أَهْلُ الْعِلْمِ ثَلَاثُ طَوَائِفَ:الْكَامِلُونَ الطَّالِبُونَ لِلْمَعَارِفِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْعُلُومِ الْيَقِينِيَّةِ، وَالْمُكَالَمَةُ مَعَ هَؤُلَاءِ لَا تُمْكِنُ إِلَّا بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ الْيَقِينِيَّةِ وَهِيَ الْحِكْمَةُ، وَالْقِسْمُ الثاني الذي تَغْلِبُ عَلَى طِبَاعِهِمُ الْمُشَاغَبَةُ وَالْمُخَاصَمَةُ لَا طَلَبُ الْمَعْرِفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْعُلُومِ الْيَقِينِيَّةِ، وَالْمُكَالَمَةُ اللَّائِقَةُ بِهَؤُلَاءِ الْمُجَادَلَةُ الَّتِي تُفِيدُ الْإِفْحَامَ وَالْإِلْزَامَ، وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ هُمَا الطَّرَفَانِ. فَالْأَوَّلُ:هُوَ طَرَفُ الْكَمَالِ، وَالثَّانِي:طَرَفُ النُّقْصَانِ.
              وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ:فَهُوَ الْوَاسِطَةُ، وَهُمُ الَّذِينَ مَا بَلَغُوا فِي الْكَمَالِ إِلَى حَدِّ الْحُكَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ، وَفِي النُّقْصَانِ وَالرَّذَالَةِ إِلَى حَدِّ الْمُشَاغِبِينَ الْمُخَاصِمِينَ، بَلْ هُمْ أَقْوَامٌ بَقُوا عَلَى الْفِطْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالسَّلَامَةِ الْخِلْقِيَّةِ، وَمَا بَلَغُوا إِلَى دَرَجَةِ الِاسْتِعْدَادِ لِفَهْمِ الدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْحُكْمِيَّةِ، وَالْمُكَالَمَةُ مَعَ هَؤُلَاءِ لَا تُمْكِنُ إِلَّا بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَأَدْنَاهَا الْمُجَادَلَةُ، وَأَعْلَى مَرَاتِبِ الْخَلَائِقِ الْحُكَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ، وَأَوْسَطُهُمْ عَامَّةُ الْخَلْقِ وَهُمْ أَرْبَابُ السَّلَامَةِ، وَفِيهِمُ الْكَثْرَةُ وَالْغَلَبَةُ، وَأَدْنَى الْمَرَاتِبِ الَّذِينَ جُبِلُوا عَلَى طَبِيعَةِ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى:
              ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ مَعْنَاهُ ادْعُ الْأَقْوِيَاءَ الْكَامِلِينَ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ بِالْحِكْمَةِ، وَهِيَ الْبَرَاهِينُ الْقَطْعِيَّةُ الْيَقِينِيَّةُ وَعَوَامَّ الْخَلْقِ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَهِيَ َالدَّلَائِلُ الْإِقْنَاعِيَّةُ ولْأَمَارَاتُ الظَّنِّيَّةُ في المطبوع وَهِيَ الدَّلَائِلُ الْيَقِينِيَّةُ الْإِقْنَاعِيَّةُ الظَّنِّيَّةُ؟-،وَالتَّكَلُّمُ مَعَ الْمُشَاغِبِينَ بِالْجَدَلِ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَحْسَنِ الْأَكْمَلِ.
              وَمِنْ لَطَائِفِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ:ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ فَقَصَرَ الدَّعْوَةَ على ذكر هذين القسمين لأن الدعوة إذا كَانَتْ بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ فَهِيَ الْحِكْمَةُ، وَإِنْ كَانَتْ بِالدَّلَائِلِ الظَّنِّيَّةِ فَهِيَ الْمَوْعِظَةُ الْحَسَنَةُ، أَمَّا الْجَدَلُ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الدَّعْوَةِ، بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ غَرَضٌ آخَرُ مُغَايِرٌ لِلدَّعْوَةِ وَهُوَ الْإِلْزَامُ وَالْإِفْحَامُ فَلِهَذَا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَالْجَدَلِ الْأَحْسَنِ، بَلْ قَطَعَ الْجَدَلَ عَنْ بَابِ الدَّعْوَةِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الدَّعْوَةُ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
              وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَبَاحِثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَدْرَجَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَذِهِ الْأَسْرَارَ الْعَالِيَةَ الشَّرِيفَةَ مَعَ أَنَّ أْكَثْرَ الْخَلْقِ كَانُوا غَافِلِينَ عَنْهَا، فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الْكَرِيمَ لَا يَهْتَدِي إِلَى مَا فِيهِ مِنَ الْأَسْرَارِ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ خَوَاصِّ أُولِي الْأَبْصَارِ.
              ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَالْمَعْنَى:أَنَّكَ مُكَلَّفٌ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ، فَأَمَّا حُصُولُ الْهِدَايَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِكَ، فَهُوَ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالضَّالِّينَ وَأَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ جَوَاهِرَ النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ بِالْمَاهِيَّةِ، فَبَعْضُهَا نُفُوسٌ مُشْرِقَةٌ صَافِيَةٌ قَلِيلَةُ التَّعَلُّقِ بِالْجُسْمَانِيَّاتِ كَثِيرَةُ الِانْجِذَابِ إِلَى عَالَمِ الرُّوحَانِيَّاتِ وَبَعْضُهَا مُظْلِمَةٌ كَدِرَةٌ قَوِيَّةُ التَّعَلُّقِ بِالْجُسْمَانِيَّاتِ عَدِيمَةُ الِالْتِفَاتِ إِلَى الرُّوحَانِيَّاتِ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الِاسْتِعْدَادَاتُ مِنْ لَوَازِمِ جَوَاهِرِهَا، لَا جَرَمَ يَمْتَنِعُ انْقِلَابُهَا وَزَوَالُهَا، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:اشْتَغِلْ أَنْتَ بِالدَّعْوَةِ وَلَا تَطْمَعُ فِي حُصُولِ الْهِدَايَةِ لِلْكُلِّ، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ بِضَلَالِ النُّفُوسِ الضَّالَّةِ الْجَاهِلَةِ وَبِإِشْرَاقِ النُّفُوسِ الْمُشْرِقَةِ الصَّافِيَةِ فَلِكُلِّ نَفْسٍ فِطْرَةٌ مَخْصُوصَةٌ وَمَاهِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ، كَمَا قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } [سورة الروم:30] والله أعلم." ومثل هذه المباحث بمثل هذا الأسلوب البليغ لا تجدها إلا في تفسير الإمام رحمه الله. وتصديقا لكلام الإمام لاحظ مدى إقبال الناس في هذا الزمن على مباحث الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية لتقوية إيمانهم كونها أسهل لديهم في الدلالة على صدق الرسالة مع أن أغلب مباحث الإعجاز العلمي لا ترتقي إلى القطعية.

              وأما ابن قيم الجوزية فجعل كلام الإمام مبني على أصول اليونان فقال في مفتاح دار السعادة عند تفسيره للآية : "جعل سُبْحَانَهُ مَرَاتِب الدعْوَة بِحَسب مَرَاتِب الْخلق فالمتسجيب الْقَابِل الذكي الَّذِي لَا يعاند الحق وَلَا يأباه يدعى بطرِيق الْحِكْمَة والقابل الَّذِي عِنْده نوع غَفلَة وَتَأَخر يدعى بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة وَهِي الأمر وَالنَّهْي المقرون بالرغبة والرهبة والمعاند الجاحد يُجَادِل بِالَّتِي هِيَ أحسن هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي معنى هَذِه الآية لَا مَا يزْعم أسير منطق اليونان إن الْحِكْمَة قِيَاس الْبُرْهَان وَهِي دَعْوَة الْخَواص وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة قِيَاس الخطابة وَهِي دَعْوَة الْعَوام والمجادلة بِالَّتِي هِيَ أحسن الْقيَاس الجدلي وَهُوَ رد شغب المشاغب بِقِيَاس جدلي مُسلم الْمُقدمَات وَهَذَا بَاطِل وَهُوَ مَبْنِيّ على أصول الفلسفة وَهُوَ منَاف لأصول الْمُسلمين وقواعد الدين من وُجُوه كَثِيرَة لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرها".
              تأمل كيف التعصب والحقد يعمي البصيرة فما فسره ابن القيم هو داخل ضمنا في تفسير الإمام .وتفسير الإمام أضبط وأحكم وتفسير ابن القيم فيه إبهام . وتأمل كيف ساق ابن القيم كلام الإمام بطريقة فجة و بعبارات ركيكة تدل على التعصب بحيث يشعر من يسمع كلامه بأن قائلها من الذين يحادون الله ورسوله نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

              تعليق

              • سامح يوسف
                طالب علم
                • Aug 2003
                • 944

                #8
                جزاك الله خيرا أخي إبراهيم على هذا النقل الرائع عن الإمام الرازي

                والحمد لله فتتبع كلام الإمام في كتبه المختلفة يبين عن منهجه الفذ الذي للأسف غفل عنه الموافقون وشغب عليه المخالفون

                ولله دره من إمام !

                تعليق

                • أشرف سهيل
                  طالب علم
                  • Aug 2006
                  • 1843

                  #9
                  ومما قاله الإمام الرازي رحمه الله تعالى :

                  واعلم أن هذا النوع من البحث بحر لا ساحل له، وليس في شيء من الكتب بيان هذا النوع من الدلائل كما في القرآن، فإنه مملوء من هذا النوع من البيان.
                  قال الله تعالى { إِنّ فِي خلْقِ السّماواتِ والْأرْضِ، واخْتِلافِ اللّيْلِ والنّهارِ والْفُلْكِ الّتِي تجْرِي فِي الْبحْرِ بِما ينْفعُ النّاس وما أنْزل اللهُ مِن السّماءِ مِنْ ماءٍ، فأحْيا بِهِ الْأرْض بعْد موْتِها، وبثّ فِيها مِنْ كُلِّ دابّةٍ، وتصْرِيفِ الرِّياحِ والسّحابِ الْمُسخّرِ بيْن السّماءِ، والْأرْضِ لآياتٍ لِقوْمٍ يعْقِلُون }


                  فهذه الآية مشتملة على ثمانية أنواع من الدلائل.
                  فالثلاثة الأول من الدلائل الفلكية، وهي قوله تعالى:
                  { إِنّ فِي خلْقِ السّماواتِ والْأرْضِ واخْتِلافِ اللّيْلِ والنّهارِ }

                  والخمسة الباقية من الدلائل، هي دلائل عالم العناصر،
                  وهي قوله تعالى: { والْفُلْكِ الّتِي تجْرِي فِي الْبحْرِ بِما ينْفعُ النّاس }

                  ثم ذكر بعده دلائل النبات فقال:
                  { وما أنْزل اللهُ مِن السّماءِ مِنْ ماءٍ فأحْيا بِهِ الْأرْض بعْد موْتِها }

                  ثم ذكر بعده دلائل الحيوان فقال
                  { وبثّ فِيها مِنْ كُلِّ دابّةٍ }

                  ثم ذكر دلائل الآثار العلوية وذكر فيها نوعين: الرياح والسحاب. فقال:
                  { وتصْرِيفِ الرِّياحِ والسّحابِ الْمُسخّرِ بيْن السّماءِ والْأرْضِ }

                  ولما ذكر هذه الدلائل الثمانية قال:
                  { لآياتٍ لِقوْمٍ يعْقِلُون } .

                  ونختم هذه الفصول بخاتمة عظيمة النفع، وهي أن الدلائل التي ذكرها الحكماء والمتكلمون وإن كانت كاملة قوية، إلا أن هذه الطريقة المذكورة في القرآن عندي: أنها أقرب إلى الحق والصواب،
                  وذلك لأن تلك الدلائل دقيقة، وبسبب ما فيها من الدقة انفتحت أبواب الشبهات، وكثرت السؤالات.


                  وأما الطريق الوارد في القرآن فحاصله راجع إلى طريق واحد وهو المنع من التعمق، والاحتراز عن فتح باب القيل والقال، وحمل الفهم والعقل على الاستكثار من دلائل العالم الأعلى والأسفل.
                  ومن ترك التعصب، وجرب مثل تجربتي، علم أن الحق ما ذكرته.

                  ولما ثبت أن هذا الطريق الذي ذكره الله في القرآن أنفع، وفي القلوب أرجح ، لا جرم أفردنا له بابا مستقلا، وهو القسم الثاني من هذا الكتاب. ونسأل الله تعالى الهداية والرحمة والإرشاد إلى الحق، بفضله. فإنه خير موفق ومعين.
                  اهـ المطالب العالية 81/5
                  اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

                  تعليق

                  • أشرف سهيل
                    طالب علم
                    • Aug 2006
                    • 1843

                    #10
                    بارك الله فيكم أخي إبراهيم ، أعيد نشر ما نقلتم مفقرا ملونا ليسهل الوقوف على فوائده :


                    قال رحمه الله تعالى:
                    ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125)
                    اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم باتباع إبراهيم عليه السلام، بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه، فقال:
                    { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة }

                    واعلم أنه تعالى أمر رسوله أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي:

                    الحكمة
                    والموعظة الحسنة
                    والمجادلة بالطريق الأحسن،
                    وقد ذكر الله تعالى هذا الجدل في آية أخرى فقال:
                    { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } [العنكبوت: 46]

                    ولما ذكر الله تعالى هذه الطرق الثلاثة وعطف بعضها على بعض، وجب أن تكون طرقا متغايرة متباينة، وما رأيت للمفسرين فيه كلاما ملخصا مضبوطا.

                    واعلم أن الدعوة إلى المذهب والمقالة لا بد وأن تكون مبنية على حجة وبينة، والمقصود من ذكر الحجة:
                    إما تقرير ذلك المذهب وذلك الاعتقاد في قلوب المستمعين،
                    وإما أن يكون المقصود إلزام الخصم وإفحامه.


                    [ تقرير المذهب والاعتقاد ]
                    أما القسم الأول: فينقسم أيضا إلى قسمين:
                    لأن الحجة إما أن تكون حجة حقيقية يقينية قطعية مبرأة عن احتمال النقيض،
                    وإما أن لا تكون كذلك، بل تكون حجة تفيد الظن الظاهر والإقناع الكامل،

                    فظهر بهذا التقسيم انحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة.
                    أولها: الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية، وذلك هو المسمى بالحكمة، وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات، وهي التي قال الله في صفتها:
                    { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } [البقرة: 269] .

                    وثانيها: الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية وهي الموعظة الحسنة.

                    وثالثها: الدلائل التي يكون المقصود من ذكرها إلزام الخصوم وإفحامهم، وذلك هو الجدل،


                    [ الجدل ]
                    ثم هذا الجدل على قسمين:
                    القسم الأول: أن يكون دليلا مركبا من مقدمات مسلمة في المشهور عند الجمهور، أو من مقدمات مسلمة عند ذلك القائل، وهذا الجدل هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن.

                    والقسم الثاني: أن يكون ذلك الدليل مركبا من مقدمات باطلة فاسدة إلا أن قائلها يحاول ترويجها على المستمعين بالسفاهة والشغب، والحيل الباطلة، والطرق الفاسدة، وهذا القسم لا يليق بأهل الفضل إنما اللائق بهم هو القسم الأول،
                    وذلك هو المراد بقوله تعالى: { وجادلهم بالتي هي أحسن }

                    فثبت بما ذكرنا انحصار الدلائل والحجج في هذه الأقسام الثلاثة المذكورة في هذه الآية.


                    إذا عرفت هذا فنقول:
                    أهل العلم ثلاث طوائف: الكاملون الطالبون للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالدلائل القطعية اليقينية وهي الحكمة،

                    والقسم الثاني الذي تغلب على طباعهم المشاغبة والمخاصمة لا طلب المعرفة الحقيقية والعلوم اليقينية، والمكالمة اللائقة بهؤلاء المجادلة التي تفيد الإفحام والإلزام.

                    وهذان القسمان هما الطرفان.
                    فالأول: هو طرف الكمال،
                    والثاني: طرف النقصان.



                    وأما القسم الثالث: فهو الواسطة، وهم الذين ما بلغوا في الكمال إلى حد الحكماء المحققين، وفي النقصان والرذالة إلى حد المشاغبين المخاصمين، بل هم أقوام بقوا على الفطرة الأصلية والسلامة الخلقية، وما بلغوا إلى درجة الاستعداد لفهم الدلائل اليقينية والمعارف الحكمية، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالموعظة الحسنة،

                    [ مراتب ذلك ]
                    وأدناها المجادلة
                    وأعلى مراتب الخلائق الحكماء المحققون
                    وأوسطهم عامة الخلق وهم أرباب السلامة، وفيهم الكثرة والغلبة

                    وأدنى المراتب الذين جبلوا على طبيعة المنازعة والمخاصمة.

                    فقوله تعالى:
                    { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة }
                    معناه ادع الأقوياء الكاملين إلى الدين الحق بالحكمة، وهي البراهين القطعية اليقينية

                    وعوام الخلق بالموعظة الحسنة، وهي الدلائل اليقينية الإقناعية الظنية،
                    والتكلم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل.


                    ومن لطائف هذه الآية أنه قال:
                    { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة }
                    فقصر الدعوة على ذكر هذين القسمين لأن الدعوة إذا كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة،
                    وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة.

                    أما الجدل فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الإلزام والإفحام
                    فلهذا السبب لم يقل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن، بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنبيها على أنه لا يحصل الدعوة، وإنما الغرض منه شيء آخر، والله أعلم.
                    اهـ
                    اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

                    تعليق

                    يعمل...