بسم الله الرحمن الرحيم
قال رحمه الله في المطالب العالية:
واعلم: أن هذا الذي ذكرناه يتفرع عليه أنواع من البحث:
النوع الأول: لا يليق بصاحب الدعوة إيراد هذه المطالب، كما يورده أهل الجدل والاستدلال. لأن ذلك الطريق يحمل السامعين على الاعتراض عليه، وعلى إيراد الأسئلة عليه. فإذا اشتغل بالجواب عنها، فربما أوردوا على تلك الأجوبة: أسئلة اخرى. ويحصل فتح باب المشاغبات والمجادلات. ولا يحصل المقصود البتة. بل الواجب إيراد البيانات البرهانية مخلوطة بطريقة الخطابة من الترغيب والترهيب، فإن بسبب ما فيه من [قوة المقدمات البرهانية يبقى مستعظما في العقول، وبسبب ما فيه من [2]] طريقة الخطابة يكون تأثيره في القلوب أكمل، ويكون بعد السامعين عن سوء الأدب الذي يحصل بسبب المشاغبات أتم.
النوع الثاني: أنه لا يجوز أن يصرح بالتنزيه المحض، لأن قلوب أكثر الخلق، تنفر عن قبول مثل هذا الكلام. فإذا وقع التصريح به، صار ذلك سببا لنفرة أكثر الخلق عن متابعته. بل الواجب عليه أن يبين أنه سبحانه وتعالى منزه عن مشابهة المحدثات، ومناسبة الممكنات. كما قال تعالى: ليْس كمِثْلِهِ شيْءٌ،
[117] وهُو السّمِيعُ الْبصِيرُ [1] ثم بعد ذلك يقول: وهُو الْقاهِرُ فوْق عِبادِهِ [2] إِليْهِ يصْعدُ الْكلِمُ الطّيِّبُ [3] الرّحْمنُ على الْعرْشِ اسْتوى [4].
ويمنعهم عن البحث في هذه المضائق والخوض في هذه الدقائق
إلا إذا كان من الأذكياء المحققين، والعقلاء المفلقين فإنه بعقله الوافر يقف على حقائق الأشياء.
وأيضا يبين لهم: كون العبد صانعا فاعلا، قادرا على الفعل والترك، والخير والشر. ويبالغ فيه، فإنه إن ألقى إليهم الخير المحض تركوه، ولم يلتفتوا إليه.
ويبين لهم أيضا: أنه وإن كان الأمر كذلك، إلا أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره، فلا يعزب عن علمه وحكمه: مثقال ذرة في السموات والأرض، ثم يمنعهم بأقصى الوجوه عن الخوض في هذه الدقائق، فإن طباع أكثر الخلق بعيدة عن هذه الأشياء.
وبالجملة: فأحسن الطرق في دعوة الخلق إلى عبودية الحق. هو الطريق الذي جاء به سيد الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام. وذلك لأنه يبالغ في تعظيم الله تعالى في جميع الوجوه على سبيل الإجمال، ويمنعهم من الخوض في التفصيل.
فيذكر في إثبات التنزيه قوله: { واللهُ الْغنِيُّ وأنْتُمُ الْفُقراءُ } وإذا كان غنيا على الإطلاق، امتنع كونه مؤلفا من الأجزاء، وإذا كان كذلك، امتنع أن يكون متحيزا. وإذا كان كذلك، امتنع أن يكون حاصلا في الأمكنة والأحياز.
وذكر أيضا قوله: { ليْس كمِثْلِهِ شيْءٌ} ولو كان جسما، لكان ذاته مثلا لسائر الأجسام، بناء على قولنا: إن الأجسام بأسرها متماثلة.
ثم إنه ذكر في جانب الإثبات: ألفاظ كثيرة، وبالغ فيها. وهذا هو الواجب. لأنه لو لم يذكر هذه الألفاظ، لما قرر عند الأكثرين كونه موجودا.
وأيضا: بالغ في تقرير كونه عالما بجميع المعلومات، فقال: { وعِنْدهُ مفاتِحُ الْغيْبِ لا يعْلمُها إِلّا هُو }
وقال: { اللهُ يعْلمُ ما تحْمِلُ كُلُّ أُنْثى، وما تغِيضُ الْأرْحامُ }
ثم لم يقع في بيان أنه عالم لذاته، أو بالعلم. وأيضا بين كون العبد فاعلا وعاقلا وصانعا وخالقا ومحدثا، في آيات كثيرة.
ثم بين في سائر الآيات: أن الخير والشر كله من الله تعالى، ولم يبين أنه كيف يجمع بين هذين القولين، بل أوجب الإيمان بهما على سبيل الإجمال.
وأيضا: بين أنه لا يعزب عن مشيئة الله تعالى، وإرادته وقضائه وتقديره شيء البتة
ثم بين أنه لا يريد الظلم والعبث والباطل ولا يفعله.
فالحاصل: أن طريقة نبينا في الدعوة هي تعظيم الله تعالى من جميع الجهات المعقولة، والمنع من الخوض في بيان أن تلك الجهات هل تتناقض أم لا؟
فإنا إن قلنا: القبائح من أفعال العباد، وحصلت بتخليق الله تعالى، فقد عظمناه بحسب القدرة، لكن ما عظمناه في الحكمة.
وإن قلنا: إنها ليست من الله تعالى، فقد عظمناه بحسب الحكمة، ولكن ما عظمناه بحسب القدرة.
وأما القرآن فإنه يدل على تعظيم الله تعالى بحسب القدرة وبحسب الحكمة معا،
فقال في الأول { قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ }
وقال في الثاني: { ما أصابك مِنْ حسنةٍ فمِن اللهِ، وما أصابك مِنْ سيِّئةٍ فمِنْ نفْسِك }
ثم منع الناس من أن يخوضوا في تقرير هذا التعارض وفي إزالته.
بل الواجب على العوام:
الإيمان المطلق بتعظيم الله تعالى في القدرة وفي الحكمة. وفي الحقيقة، فالذي قاله هو الصواب. فإن الدعوة العامة لا تنتظم إلا بهذا الطريق. اهـ
قال رحمه الله في المطالب العالية:
واعلم: أن هذا الذي ذكرناه يتفرع عليه أنواع من البحث:
النوع الأول: لا يليق بصاحب الدعوة إيراد هذه المطالب، كما يورده أهل الجدل والاستدلال. لأن ذلك الطريق يحمل السامعين على الاعتراض عليه، وعلى إيراد الأسئلة عليه. فإذا اشتغل بالجواب عنها، فربما أوردوا على تلك الأجوبة: أسئلة اخرى. ويحصل فتح باب المشاغبات والمجادلات. ولا يحصل المقصود البتة. بل الواجب إيراد البيانات البرهانية مخلوطة بطريقة الخطابة من الترغيب والترهيب، فإن بسبب ما فيه من [قوة المقدمات البرهانية يبقى مستعظما في العقول، وبسبب ما فيه من [2]] طريقة الخطابة يكون تأثيره في القلوب أكمل، ويكون بعد السامعين عن سوء الأدب الذي يحصل بسبب المشاغبات أتم.
النوع الثاني: أنه لا يجوز أن يصرح بالتنزيه المحض، لأن قلوب أكثر الخلق، تنفر عن قبول مثل هذا الكلام. فإذا وقع التصريح به، صار ذلك سببا لنفرة أكثر الخلق عن متابعته. بل الواجب عليه أن يبين أنه سبحانه وتعالى منزه عن مشابهة المحدثات، ومناسبة الممكنات. كما قال تعالى: ليْس كمِثْلِهِ شيْءٌ،
[117] وهُو السّمِيعُ الْبصِيرُ [1] ثم بعد ذلك يقول: وهُو الْقاهِرُ فوْق عِبادِهِ [2] إِليْهِ يصْعدُ الْكلِمُ الطّيِّبُ [3] الرّحْمنُ على الْعرْشِ اسْتوى [4].
ويمنعهم عن البحث في هذه المضائق والخوض في هذه الدقائق
إلا إذا كان من الأذكياء المحققين، والعقلاء المفلقين فإنه بعقله الوافر يقف على حقائق الأشياء.
وأيضا يبين لهم: كون العبد صانعا فاعلا، قادرا على الفعل والترك، والخير والشر. ويبالغ فيه، فإنه إن ألقى إليهم الخير المحض تركوه، ولم يلتفتوا إليه.
ويبين لهم أيضا: أنه وإن كان الأمر كذلك، إلا أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره، فلا يعزب عن علمه وحكمه: مثقال ذرة في السموات والأرض، ثم يمنعهم بأقصى الوجوه عن الخوض في هذه الدقائق، فإن طباع أكثر الخلق بعيدة عن هذه الأشياء.
وبالجملة: فأحسن الطرق في دعوة الخلق إلى عبودية الحق. هو الطريق الذي جاء به سيد الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام. وذلك لأنه يبالغ في تعظيم الله تعالى في جميع الوجوه على سبيل الإجمال، ويمنعهم من الخوض في التفصيل.
فيذكر في إثبات التنزيه قوله: { واللهُ الْغنِيُّ وأنْتُمُ الْفُقراءُ } وإذا كان غنيا على الإطلاق، امتنع كونه مؤلفا من الأجزاء، وإذا كان كذلك، امتنع أن يكون متحيزا. وإذا كان كذلك، امتنع أن يكون حاصلا في الأمكنة والأحياز.
وذكر أيضا قوله: { ليْس كمِثْلِهِ شيْءٌ} ولو كان جسما، لكان ذاته مثلا لسائر الأجسام، بناء على قولنا: إن الأجسام بأسرها متماثلة.
ثم إنه ذكر في جانب الإثبات: ألفاظ كثيرة، وبالغ فيها. وهذا هو الواجب. لأنه لو لم يذكر هذه الألفاظ، لما قرر عند الأكثرين كونه موجودا.
وأيضا: بالغ في تقرير كونه عالما بجميع المعلومات، فقال: { وعِنْدهُ مفاتِحُ الْغيْبِ لا يعْلمُها إِلّا هُو }
وقال: { اللهُ يعْلمُ ما تحْمِلُ كُلُّ أُنْثى، وما تغِيضُ الْأرْحامُ }
ثم لم يقع في بيان أنه عالم لذاته، أو بالعلم. وأيضا بين كون العبد فاعلا وعاقلا وصانعا وخالقا ومحدثا، في آيات كثيرة.
ثم بين في سائر الآيات: أن الخير والشر كله من الله تعالى، ولم يبين أنه كيف يجمع بين هذين القولين، بل أوجب الإيمان بهما على سبيل الإجمال.
وأيضا: بين أنه لا يعزب عن مشيئة الله تعالى، وإرادته وقضائه وتقديره شيء البتة
ثم بين أنه لا يريد الظلم والعبث والباطل ولا يفعله.
فالحاصل: أن طريقة نبينا في الدعوة هي تعظيم الله تعالى من جميع الجهات المعقولة، والمنع من الخوض في بيان أن تلك الجهات هل تتناقض أم لا؟
فإنا إن قلنا: القبائح من أفعال العباد، وحصلت بتخليق الله تعالى، فقد عظمناه بحسب القدرة، لكن ما عظمناه في الحكمة.
وإن قلنا: إنها ليست من الله تعالى، فقد عظمناه بحسب الحكمة، ولكن ما عظمناه بحسب القدرة.
وأما القرآن فإنه يدل على تعظيم الله تعالى بحسب القدرة وبحسب الحكمة معا،
فقال في الأول { قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ }
وقال في الثاني: { ما أصابك مِنْ حسنةٍ فمِن اللهِ، وما أصابك مِنْ سيِّئةٍ فمِنْ نفْسِك }
ثم منع الناس من أن يخوضوا في تقرير هذا التعارض وفي إزالته.
بل الواجب على العوام:
الإيمان المطلق بتعظيم الله تعالى في القدرة وفي الحكمة. وفي الحقيقة، فالذي قاله هو الصواب. فإن الدعوة العامة لا تنتظم إلا بهذا الطريق. اهـ
تعليق