بسم الله الرحمن الرحيم
أفعال العباد عند الاشاعرة جميعها مخلوقة لله تعالى. والمراد بجميعها الإضطرارية والإختيارية على حد سواء. ومع كونها مخلوقة لله تعالى فإن العبد مختار وليس مجبور في أفعاله الإختيارية مما يجعله مكلفاً في الأفعال التي لاختياره مدخل فيها. فقدرة العبد لا تكون مؤثرة في المقدور على سبيل الايجاد. بل إن إرادته إذا تعلقت بأحد المقدورين، خلق الله تعالى حسب العادة الإلهية فيه قدرة تنصرف على سبيل المقارنة الى المقدور الذي رجحته إرادته فيخلق الله تعالى عند ذلك الفعل في محل قدرة العبد. فقدرة العبد توجد مقارنة للفعل أي عنده ولا تتقدم عليه. وهذا ما يسميه الأشاعرة بالكسب.
واستدل الأشاعرة على ذلك بالعقل والنقل. فقد ثبت بالبرهان العقلي أن الله تعالى إله مريد قادر وأن قدرته عمت جميع الممكنات، فلو خرج أحد الممكنات عن قدرته تعالى للزم أن يكون عاجزاً عنه لدخوله في مقدور الغير، فإذا وجد فعل العبد بأحد القدرتين فيستحيل إيجاده هو عينه بالقدرة الأخرى لأنه تحصيل للحاصل وإيجاد الموجود وهو محال.
ولزوم العجز في واحد من الممكنات يلزم عنه العجز في جميعها لاستواء جميعها في الإمكان واستواء نسبة جميع الممكنات الى قدرته تعالى، فيلزم أن لايوجد شيء من العالم، وهذا باطل فثبت أن قدرة الله تعالى تعم جميع الممكنات.
ومن الأدلة السمعية قوله تعالى "الله خالق كل شيء" وقوله "والله خلقكم وما تعملون" سواء كانت ما مصدرية أو موصولة، وقوله تعالى على سبيل التمدح" أفمن يخلق كمن لا يخلق" والآيات القرآنية التي يمكن الإستدلال بها كثيرة.
وأما الجبرية فإنهم وإن وافقوا الأشاعرة في أن أفعال العباد الاختيارية والاضطرارية مخلوقة لله تعالى إلا أنهم نفوا أن يكون لإرادة العبد مدخلية في أفعاله الإختيارية وأن لافرق بين نوعي أفعاله بل الكل سواء وهو مجبور في جميعها.
ومذهبهم هذا باطل لضرورة أنا نجد فرقا بين كلا النوعين من الأفعال. فالضرورة تقضي وجود فرق بين حركة البطش وحركة الارتعاش، وأن الأولى يكون العبد فيها مريدا للبطش بينما يكون مضطراً في الثانية.
والمعتزلة قالوا بأن العبد مؤثر في أفعاله على سبيل الإيجاد لأنه لو لم يكن خالقاً لأفعاله لما صح أن يكون مكلفاً. وقد رد الأشاعرة عليهم دعواهم بأن الكسب هو مصحح التكليف وليس كون العبد خالقاً لفعله. بل يكفي ان يكون العبد مختاراً لفعله ليصح التكليف.
وأورد على الأشاعرة أن علم الله تعالى وإرادته تعلقا في الأزل بما سيختاره العبد فيما لا يزال وهذا يستلزم الجبر.
والجواب أن هذا لايستلزم الجبر لأن العلم يكون تابعاً للمعلوم كما هو في نفسه وتعلق العلم تعلق كشف وليس تعلق تأثير. وكون أفعال العباد جميعها مرادة لله تعالى لا يلزم عنه الجبر. وأورد أن الكافر يكون مجبوراً في كفره وكذا الفاسق في فسقه لأن إرادة الله تعالى تعلقت بذلك أزلاً وإرادة الله لا تتخلف. والجواب أن الله تعالى أراد للكافر الكفر وللفاسق الفسق باختيارهما، إذ علمه تعلق أزلاً بمراديهما فتعلقت إرادة الحق تعالى بذلك وفقاً لعلمه. وهذا كله لايلزم عنه الجبر.
وأورد أيضاً أن تعلق الإرادة بأحد المقدورين لابد أن يكون لمرجح يرجح أحدهما، فهذا المرجح إن كان من الله لزم الجبر أو من العبد لزم استقلاله في خلق بعض أفعاله وإن الإرادة صفة حادثة فحدوثها إن كان بإرادة العبد لزم التسلسل أو بإرادة الله لزم الجبر وكذلك تعلق الإرادة أمر ممكن واالممكنات مستندة الى الواجب تعالى فيلزم الجبر.
والجواب أن الإرادة صفة حادثة مخلوقة لله تعالى يخلقها في العبد فبها يختار ويخلق الله تعالى عند ذلك قدرة العبد وفعله. والإرادة صفة تخصص لذاتها لئلا يلزم التسلسل ويرد ذلك على الإرادة القديمة. فلا يرد أن الفعل والترك مستويا النسبة الى الإرادة وإذا تعلقت الإرادة بأحد الطرفين فإن ذلك يكون لمرجح خارج عنها. وكل من قامت به صفة الإرادة فهو متصف بها على الحقيقة فالجبر غير لازم من كونها مخلوقة لله تعالى.
فإرادة العبد صفة حادثة بإرادة الله تعالى وخلقه وهي قائمة بذات العبد فيكون متصفاً بها مختاراً بها على الحقيقة (وليس مختاراً بالمعنى اللغوي كما قد يفهم من كلام البعض من كون الإرادة لما كانت صفة مخلوقة قائمة في العبد فبذلك يسمى مختاراً). ومع ملاحظة أن تعلق الإرادة بالفعل أو الإمتناع أمر اعتباري (أو حال عند من يثبته) فلا يكون إذا للعبد ثأثير في شيء من أفعاله خلقاً إطلاقاً. ويثبت بذلك كونه مريداً لفعله كاسباً له وليس خالقاً ولا مجبوراً.
تعليق