الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله سلم.
هذه عقيدة الشيخ الإمام أبي راس بن أحمد الناصري المعسكري الجزائري رحمه الله تعالى المتوفى 1239 هـ ، من كتابه (فتح الإله ومنته في التحدث بفضل ربي ونعمته)، يقول رحمه الله:
وسُئلتُ بالمدينة المنوَّرة على صاحبها ألف صلاة وألف سلام، سنة ست وعشرين ومائتين وألف عن "العقائد"، فأجبتُ بحمد الله تعالى، الهادي صفوة العبيد إلى المنهج الرشيد والمسلك السديد، المُنعم عليهم بعد شهادة التوحيد، بحراسة عقائدهم على ظلمات التشكيك والترديد، السائق لهم إلى اتباع الرسول بالتأييد والتسديد، المُتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه، التي لا يُدركها إلا مَن (أَلْقَى اَلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).
وَاحدٌ لا شريكَ له، فردٌ لا مثلَ له، صمدٌ لا جوفَ له، أحدٌ لا ضدَّ له، مُنفردٌ لا ندَّ له، قديمٌ لا أولَ له، أَزَليٌّ لا بدايةَ له، مُستَمر الوُجُود لا آخرَ له، أبَديٌّ لا نهايةَ له، قيّمٌ لا انقطاعَ له، دائمٌ لا انصرامَ له، لم يَزَلْ ولا يزال موصُوفاً بنُعُوت الجلال، ولا يقضي عليه بانقراض الآجال، الظاهر البَاطن المُتَعال.
التنزيه: ليس بجسم مُصوَّر، ولا جوهر محدُود مقدَّر، ولا يُماثل الأجسامَ، لا في التقدير ولا في قَبُول الانقسام، ليس بجوهر ولا تحلُّه الجواهرُ، ولا بعَرَض ولا تحله الأعراضُ، لا يُماثل موجُوداً ولا يُماثلُه موجُود. (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، ولا هُو مثل شيء. لا يحده مِقدَار، ولا تحويه الأقطارُ، ولا تحيط به الجهاتُ، ولا تَكْتَنِفُه السمواتُ، مُسْتَوٍ على العرشِ على الوَجْهِ الذي قَالَهُ، بالمعنى الذي أرادَهُ، لا يحمله العرشُ، بل العرشُ وحملتُه محمُولُون بلُطْفِ قُدرته، ومقهُورُون في قَبْضَتِه، رفيعُ الدرجات على العرش بلا امتراء، كما أنه رفيعُ الدرجات على الثَّرَى، وهو مع ذلك أقربُ إلى البعيد من حبل الوريد. لا يحلّ في شيء، ولا يحلّ فيه شيء، تعالى أن يَحْوِيَه مكانٌ أو يحده زمانٌ، بل كان مِن قبل خَلْق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته، تَقدَّس عن التغير والانتقال. لا تحله الحوادث، ولا تعتريه العوارض، بل لا يزال في نُعُوت جلالِهِ مُنَزَّهاً عن الزوال، وفي كماله مُستَغْنِياً عن زيادة الاستكمال. وأنه معلُوم الوُجُود، يُرَى بالأبصار نعمةً ولطفاً بالأبرار في دار القرار، وإتماماً للنعيم بالنظر إلى وَجْهِهِ الكريم. قال في محكم المجادة: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ).
الأولى من صفات المعاني الحياة: لا يطرقه وَهْمٌ، ولا يلحقه عَدَمٌ، ولا أحد عن طلبه يفُوت، قال جل من قائل: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اَلْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) وقال: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌـ إِلَّا وَجْهَهُ). وقال: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَـ)، فحياته مستمرة.
القُدرة: وإنه حيّ قادر جبَّار، قاهر، لا يَعْتَريه قُصُور ولا عَجْز، و(لاَ تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ). وإنهُ ذُو المُلْك والمَلَكوت، والعِزَّة والجبروت، له السلطانُ والقهرُ، والخَلْقُ والأَمْرُ، السَّماواتُ مطوياتٌ بيَمينِه، والخَلائقُ مقهُورُون في قَبْضَتِه، انفرَدَ بالخَلق والاختراع، وتَوَحَّدَ بالإيجاد والإبداع، خَلَقَ الخَلقَ وأعمالَهم وقَدَّرَ أرزَاقَهم وآجالَهم، لا يشذ عن قبضته مَقْدُور، ولا يعرب عن قبضة قُدرته تَصَارِيف الأمور .
العلم: عالِمٌ بجميعِ المعلومات، مِن تُخُوم الأرَضين إلى أعلى السماوات. يعلم دَبِيبَ النملةِ السوداءِ على الصخرةِ الصماءِ في الليلة الظَّلْمَاء، يُدركُ حركة الذَّرِّ في جَوِّ الهواء، ويعلم السِّرَّ وأخْفَي النَّجْوى، ويطّلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر وخَفِيَّاتِ السَّرَائِرِ، بِعِلْمٍ قديمٍ أزليٍّ، لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفاً بِهِ في أَزَلِ الأَزَلِ جَلِيٍّ، لاَ بِعِلْمٍ مُتَجَرِّدٍ حَاصِلٍ في ذَاتِهِ بالحُلُول والانتقالِ إليه واصل.
الإرادة: هِيَ والمَشِيئَةُ وَاحِدٌ، وكذا المحبةُ عند بعضهم، مُرِيدٌ لِلْكَائِنَاتِ، مُدَبِّرٌ لِلْحَادِثَاتِ، ولا يَجْرِى في المُلك والملكُوت قليلٌ ولا كثيرٌ، كبيرٌ وصغيرٌ، خيرٌ أو شرٌّ، نَفْعٌ أو ضُرٌّ، إيمانٌ أو كفرٌ، عرفانٌ أو نُكرٌ، فوزٌ أو خسارة، زيادةٌ أو نقصانٌ، طاعةٌ أو عصيانٌ، إِلاَّ بقَضَائه وقُدْرتِه، وحِكمته ومَشيئة. فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يخرُج عن مشيئتِه لَفْتَةُ ناظر، ولا فلتةُ خاطر، لا رادَّ لحكمه، ولا مُعقِّب لقَضَائه، ولا مهرب لعبدٍ عن معصيته إلا بتَوْفيقِه ورحمتِه ومحبتِه وإرادتِه، لو اجتمعَ الجِنُّ والإنسُ والملائكة والشياطين، وجبابرة السلاطين، على أن يحركوا ذَرَّةً أو يسكنُوها دونه ما قَدَرُوا، ولا بِمطلوبهم ظفروا. وإرادتُه قائمة بذاته في جملة صفاته، مريدا في أَزَلِهِ لوجود الأشياء في أوقاتها التي قَدَّرها كما أراد في أزَلِه من غير تقديمٍ ولا تأخير، ولا تبديلٍ ولا تغيير، دَبَّرَ الأمور لا بترتيب أفكار وتربُّصِ زمان، فَلِذَا لم يشغَلْه شأنٌ عن شأن، و(كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ).
السمع والبصر: يَسمَع ويَرَى، لا يعزُب عن سمعه مسموع، وإِنْ خَفِيَ وانبرى، ولا يغيب عن رؤيته مَرْئي، وإِنْ دَقّ، ولا يخفي عليه وإِنْ رَقّ، لا يحجُب سمعه بُعْدُ أجرام، ولا يدفع رؤيته غَسَقُ ظلام، يَرَى بلا حدقة وأجفان، ويَسْمع من غير أصمخة وآذان، كما يعلم بغير قلب، ويَبطُش بلا جارحة غُلْب، ويخلق بغير آلة فعّالة.
الكلام: آمِرٌ، نَاهٍ، واعدٌ، مُتَوَعدٌ بكلامٍ عميم، أزليٍّ قَديمٍ قَائِمٍ بذاتِه، لا يُشْبه كلامُه كلامَ الخَلْق بإعلام، ليس بصوتٍ يحدُث مِن انسِلال هواء، أو اصْطِكاك أجرام، ولا بحرفٍ ينقطع في إطْبَاق شَفَةٍ أو تحريكِ لسان، وأنَّ القرآنَ مَقْرُوءٌ بالأَلْسِنة، مكتُوبٌ في المصاحف، محفُوظٌ في القلُوب بحِكمةِ علاَّم الغيُوب، وأنهُ ¬¬¬مع ذلك ¬¬¬قديمٌ، قائمٌ بذاتِ الله، لا يقبل الانفصال والتفريق بالانتقال إلى القلوب والأوراق، وأنَّ مُوسى عليه الصلاة والسلام سَمِعَ كلامه بغير صوت ولا حرف يُلفظ. كما يَرَى الأبرارُ ذَاتَ اللهِ مِن غير جَوهَرٍ ولا عَرَضٍ، وإذا كانت له هذه الصفات كان حيّاً، عالِماً، قادراً، مُرِيداً، سميعاً، بصيراً، مُتَكلِّماً بالحياةِ، والعلمِ، والقدرةِ، والإرادةِ، والسمع، والبصر والكلام، لا بمجرد الذات، كما يستحيلُ عنه الأسقام واللذات.
الأفعال: لا موجودَ سِوَاهُ إلاَّ وهو حادثٌ بفِعله، وفائضٌ مِن عَدْلِه على أحسنِ الوُجُوهِ وأكملِها وأتمِّها وأعدلِها، وأنه حكيمٌ في أفعالِه، عادلٌ في أقضيتِه، لا يُتَصَوَّرُ منه ظُلمٌ، لأنه لا لغيره مُلكٌ حتى يكُون تصرُّفُه فيه هَضْمٌ. فكلُّ ما سواهُ، من إنسٍ وجان، ومَلَك وشيطان، وسماءٍ وأرض، وحيوان ونبات، وجوهر وعرَض، ومُدرك ومحسُوس، حَادِثٌ اخترعه، وإنشاءٌ ابتَدَعَه، بعدَ أَن لم يكن شيئاً مذكُوراً، ولم يكُن معهُ لا عامراً، ولا معمُوراً. وأنَّهُ مُتَفضِّلٌ بالْخَلْق والاختراع والتكليف، لا عن وجُوبٍ محتُوم، ومُتطول بالإِنعام والإصلاح، لا عن لُزُوم، فله الفضلُ والإحسانُ، والنعمةُ والامتنانُ، إذ كان قادراً على أن يَصُبَّ على عبادِه أنواعَ العذابِ، ويَبتلِيَهُم بضرُوب الآلاَمِ والأَوْصَاب، ولو فَعَلَ ذلك لكان منهُ عدلاً لا قُبْحاً ولا ظُلْماً، ولا يجب عليه فِعلٌ ولا يتصور منه ظلم، ولا يجب لأحدٍ عليه حقٌّ، وحقُّه في الطاعات وَجَبَ على الخَلْق، على أَلْسِنَةِ أنبيائِه، فوَجَب على الخَلْق تصديقُهم بما جاءُوا به عليهِمُ السَّلام.
هذه عقيدة الشيخ الإمام أبي راس بن أحمد الناصري المعسكري الجزائري رحمه الله تعالى المتوفى 1239 هـ ، من كتابه (فتح الإله ومنته في التحدث بفضل ربي ونعمته)، يقول رحمه الله:
وسُئلتُ بالمدينة المنوَّرة على صاحبها ألف صلاة وألف سلام، سنة ست وعشرين ومائتين وألف عن "العقائد"، فأجبتُ بحمد الله تعالى، الهادي صفوة العبيد إلى المنهج الرشيد والمسلك السديد، المُنعم عليهم بعد شهادة التوحيد، بحراسة عقائدهم على ظلمات التشكيك والترديد، السائق لهم إلى اتباع الرسول بالتأييد والتسديد، المُتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه، التي لا يُدركها إلا مَن (أَلْقَى اَلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).
وَاحدٌ لا شريكَ له، فردٌ لا مثلَ له، صمدٌ لا جوفَ له، أحدٌ لا ضدَّ له، مُنفردٌ لا ندَّ له، قديمٌ لا أولَ له، أَزَليٌّ لا بدايةَ له، مُستَمر الوُجُود لا آخرَ له، أبَديٌّ لا نهايةَ له، قيّمٌ لا انقطاعَ له، دائمٌ لا انصرامَ له، لم يَزَلْ ولا يزال موصُوفاً بنُعُوت الجلال، ولا يقضي عليه بانقراض الآجال، الظاهر البَاطن المُتَعال.
التنزيه: ليس بجسم مُصوَّر، ولا جوهر محدُود مقدَّر، ولا يُماثل الأجسامَ، لا في التقدير ولا في قَبُول الانقسام، ليس بجوهر ولا تحلُّه الجواهرُ، ولا بعَرَض ولا تحله الأعراضُ، لا يُماثل موجُوداً ولا يُماثلُه موجُود. (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، ولا هُو مثل شيء. لا يحده مِقدَار، ولا تحويه الأقطارُ، ولا تحيط به الجهاتُ، ولا تَكْتَنِفُه السمواتُ، مُسْتَوٍ على العرشِ على الوَجْهِ الذي قَالَهُ، بالمعنى الذي أرادَهُ، لا يحمله العرشُ، بل العرشُ وحملتُه محمُولُون بلُطْفِ قُدرته، ومقهُورُون في قَبْضَتِه، رفيعُ الدرجات على العرش بلا امتراء، كما أنه رفيعُ الدرجات على الثَّرَى، وهو مع ذلك أقربُ إلى البعيد من حبل الوريد. لا يحلّ في شيء، ولا يحلّ فيه شيء، تعالى أن يَحْوِيَه مكانٌ أو يحده زمانٌ، بل كان مِن قبل خَلْق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته، تَقدَّس عن التغير والانتقال. لا تحله الحوادث، ولا تعتريه العوارض، بل لا يزال في نُعُوت جلالِهِ مُنَزَّهاً عن الزوال، وفي كماله مُستَغْنِياً عن زيادة الاستكمال. وأنه معلُوم الوُجُود، يُرَى بالأبصار نعمةً ولطفاً بالأبرار في دار القرار، وإتماماً للنعيم بالنظر إلى وَجْهِهِ الكريم. قال في محكم المجادة: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ).
الأولى من صفات المعاني الحياة: لا يطرقه وَهْمٌ، ولا يلحقه عَدَمٌ، ولا أحد عن طلبه يفُوت، قال جل من قائل: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اَلْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) وقال: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌـ إِلَّا وَجْهَهُ). وقال: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَـ)، فحياته مستمرة.
القُدرة: وإنه حيّ قادر جبَّار، قاهر، لا يَعْتَريه قُصُور ولا عَجْز، و(لاَ تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ). وإنهُ ذُو المُلْك والمَلَكوت، والعِزَّة والجبروت، له السلطانُ والقهرُ، والخَلْقُ والأَمْرُ، السَّماواتُ مطوياتٌ بيَمينِه، والخَلائقُ مقهُورُون في قَبْضَتِه، انفرَدَ بالخَلق والاختراع، وتَوَحَّدَ بالإيجاد والإبداع، خَلَقَ الخَلقَ وأعمالَهم وقَدَّرَ أرزَاقَهم وآجالَهم، لا يشذ عن قبضته مَقْدُور، ولا يعرب عن قبضة قُدرته تَصَارِيف الأمور .
العلم: عالِمٌ بجميعِ المعلومات، مِن تُخُوم الأرَضين إلى أعلى السماوات. يعلم دَبِيبَ النملةِ السوداءِ على الصخرةِ الصماءِ في الليلة الظَّلْمَاء، يُدركُ حركة الذَّرِّ في جَوِّ الهواء، ويعلم السِّرَّ وأخْفَي النَّجْوى، ويطّلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر وخَفِيَّاتِ السَّرَائِرِ، بِعِلْمٍ قديمٍ أزليٍّ، لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفاً بِهِ في أَزَلِ الأَزَلِ جَلِيٍّ، لاَ بِعِلْمٍ مُتَجَرِّدٍ حَاصِلٍ في ذَاتِهِ بالحُلُول والانتقالِ إليه واصل.
الإرادة: هِيَ والمَشِيئَةُ وَاحِدٌ، وكذا المحبةُ عند بعضهم، مُرِيدٌ لِلْكَائِنَاتِ، مُدَبِّرٌ لِلْحَادِثَاتِ، ولا يَجْرِى في المُلك والملكُوت قليلٌ ولا كثيرٌ، كبيرٌ وصغيرٌ، خيرٌ أو شرٌّ، نَفْعٌ أو ضُرٌّ، إيمانٌ أو كفرٌ، عرفانٌ أو نُكرٌ، فوزٌ أو خسارة، زيادةٌ أو نقصانٌ، طاعةٌ أو عصيانٌ، إِلاَّ بقَضَائه وقُدْرتِه، وحِكمته ومَشيئة. فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يخرُج عن مشيئتِه لَفْتَةُ ناظر، ولا فلتةُ خاطر، لا رادَّ لحكمه، ولا مُعقِّب لقَضَائه، ولا مهرب لعبدٍ عن معصيته إلا بتَوْفيقِه ورحمتِه ومحبتِه وإرادتِه، لو اجتمعَ الجِنُّ والإنسُ والملائكة والشياطين، وجبابرة السلاطين، على أن يحركوا ذَرَّةً أو يسكنُوها دونه ما قَدَرُوا، ولا بِمطلوبهم ظفروا. وإرادتُه قائمة بذاته في جملة صفاته، مريدا في أَزَلِهِ لوجود الأشياء في أوقاتها التي قَدَّرها كما أراد في أزَلِه من غير تقديمٍ ولا تأخير، ولا تبديلٍ ولا تغيير، دَبَّرَ الأمور لا بترتيب أفكار وتربُّصِ زمان، فَلِذَا لم يشغَلْه شأنٌ عن شأن، و(كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ).
السمع والبصر: يَسمَع ويَرَى، لا يعزُب عن سمعه مسموع، وإِنْ خَفِيَ وانبرى، ولا يغيب عن رؤيته مَرْئي، وإِنْ دَقّ، ولا يخفي عليه وإِنْ رَقّ، لا يحجُب سمعه بُعْدُ أجرام، ولا يدفع رؤيته غَسَقُ ظلام، يَرَى بلا حدقة وأجفان، ويَسْمع من غير أصمخة وآذان، كما يعلم بغير قلب، ويَبطُش بلا جارحة غُلْب، ويخلق بغير آلة فعّالة.
الكلام: آمِرٌ، نَاهٍ، واعدٌ، مُتَوَعدٌ بكلامٍ عميم، أزليٍّ قَديمٍ قَائِمٍ بذاتِه، لا يُشْبه كلامُه كلامَ الخَلْق بإعلام، ليس بصوتٍ يحدُث مِن انسِلال هواء، أو اصْطِكاك أجرام، ولا بحرفٍ ينقطع في إطْبَاق شَفَةٍ أو تحريكِ لسان، وأنَّ القرآنَ مَقْرُوءٌ بالأَلْسِنة، مكتُوبٌ في المصاحف، محفُوظٌ في القلُوب بحِكمةِ علاَّم الغيُوب، وأنهُ ¬¬¬مع ذلك ¬¬¬قديمٌ، قائمٌ بذاتِ الله، لا يقبل الانفصال والتفريق بالانتقال إلى القلوب والأوراق، وأنَّ مُوسى عليه الصلاة والسلام سَمِعَ كلامه بغير صوت ولا حرف يُلفظ. كما يَرَى الأبرارُ ذَاتَ اللهِ مِن غير جَوهَرٍ ولا عَرَضٍ، وإذا كانت له هذه الصفات كان حيّاً، عالِماً، قادراً، مُرِيداً، سميعاً، بصيراً، مُتَكلِّماً بالحياةِ، والعلمِ، والقدرةِ، والإرادةِ، والسمع، والبصر والكلام، لا بمجرد الذات، كما يستحيلُ عنه الأسقام واللذات.
الأفعال: لا موجودَ سِوَاهُ إلاَّ وهو حادثٌ بفِعله، وفائضٌ مِن عَدْلِه على أحسنِ الوُجُوهِ وأكملِها وأتمِّها وأعدلِها، وأنه حكيمٌ في أفعالِه، عادلٌ في أقضيتِه، لا يُتَصَوَّرُ منه ظُلمٌ، لأنه لا لغيره مُلكٌ حتى يكُون تصرُّفُه فيه هَضْمٌ. فكلُّ ما سواهُ، من إنسٍ وجان، ومَلَك وشيطان، وسماءٍ وأرض، وحيوان ونبات، وجوهر وعرَض، ومُدرك ومحسُوس، حَادِثٌ اخترعه، وإنشاءٌ ابتَدَعَه، بعدَ أَن لم يكن شيئاً مذكُوراً، ولم يكُن معهُ لا عامراً، ولا معمُوراً. وأنَّهُ مُتَفضِّلٌ بالْخَلْق والاختراع والتكليف، لا عن وجُوبٍ محتُوم، ومُتطول بالإِنعام والإصلاح، لا عن لُزُوم، فله الفضلُ والإحسانُ، والنعمةُ والامتنانُ، إذ كان قادراً على أن يَصُبَّ على عبادِه أنواعَ العذابِ، ويَبتلِيَهُم بضرُوب الآلاَمِ والأَوْصَاب، ولو فَعَلَ ذلك لكان منهُ عدلاً لا قُبْحاً ولا ظُلْماً، ولا يجب عليه فِعلٌ ولا يتصور منه ظلم، ولا يجب لأحدٍ عليه حقٌّ، وحقُّه في الطاعات وَجَبَ على الخَلْق، على أَلْسِنَةِ أنبيائِه، فوَجَب على الخَلْق تصديقُهم بما جاءُوا به عليهِمُ السَّلام.
تعليق