بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله
وآله وصحيه ومن والاه
إخواني الكرام
السلام عليكم ورحمة الله
وبعد،
فأخوكم طالب للحق (إن شاء الله تعالى)
لا يجد في نفسه أي ضيق من مناقشة أهل القناعات في عقائدهم وقناعاتهم في طريق البحث عن الحق. ويرحب بالفكر المنفتح الحر الملتزم (الذي يلزم المرء فيه نفسه بالصدق مع النفس ومع الآخرين). وقد تعرفت على منتداكم الكريم الذي بعث في الأمل في التعرف على علماء طلبة حق حقانيين صادقين مدافعين عن الحق يشفون الغليل.
عندي استفسارات واستشكالات مختلفة سأطرحها في هذا المنتدى وأتمنى أن يفيدني فيها العالمون. واسلموا والسلام..
الاستفسار الأول: التحسين والتقبيح العقليان
جمعتني بعض حوارات الإنترنت (معظمها في شبكة هجر) مع بعض أهل العلم من الشيعة الإمامية وكان هناك اتهام من الإمامية للأشاعرة بأنهم جبرية وامتد الحوار وطال وأصاب طرفا من مسألة التحسين والتقبيح.
وأنا سأورد في الفقرة التالية أقوى حجج القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين وكيف رددت عليها. أود أن أعلمكم أني لست تام السعادة بما كتبت (لأن فيها اعترافا ضمنيا بعدم إمكانية البرهنة والوصول إلى اليقين بالعقل) وأتوق إلى طمأنة الذين ذاقوا هواجسي أو إلى برهان من عنده البرهان!!
الحوار كان (قبل أقل من عامين) في شبكة هجر مع عالمين شيعيين هما "علي نعمان الصدر" وآخر يتسمى باسم Active X وساعدني فيه صديقي هشام. سأنقل لكم هنا الفقرة المهمة التي تحتوي على خلاصة ردودهما السابقة وجوابي عليها. ومرحبا بتعليقاتكم المفيدة.
الضرس القاطع
إخواني الكرام
سيدي الأستاذ الصدر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كنت وعدت هشاما أن أترك الرد له في هذه المسألة: مسألة الكذب. ولكن هشاما، أعانه الله على مصابه، منشغل بعض الوقت. والسيد الصدر، أضحك الله ضرسه، كان رد على كلامي بضرس قاطع. فرأيت أن أرد على رده. ولا أزال أرى أن هذه المسألة خلاصة أدلة الإمامية على ضرورة التحسين والتقبيح العقليين. فأدلتهم من نوع البرهان غير المباشر بان يذكر لك أمثلة محرجة تستقبحها النفس تنتهي إلى نسبة "الكذب" و"الظلم" و"العبث" (بناء على تعريف غير متفق عليه لهذه الظواهر) لله تعالى في فكر من يجيز لله تعالى فعل الممكن مطلقا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سأذكر بما كتبت عن دعوى جواز الكذب على الله تعالى وبرد السيد الصدر عليها:
<<
قال المدافع عن القول بالتحسين والتقبيح العقليين:
((
إذن قل لي كيف تجيب المشرك المرتد الكافر حين يقول لك : إذن أنت تقول بأن الإسلام نفسه باطل لأنك تجيز أن تكون كل عهود الله ومواثيقه قابلة للنقض من قبله!!
فإذا قال لكم الله ( حاشاه هذه مني لا ممن يقول ذلك ) كذبت عليكم و أنا أريد الكفر ومن يؤمن بي أدخله جهنم وبئس المهاد ، وكل اعتراض لكم غير مقبول ، ويقول لك الكافر أنا عرفت من عدم ثبات الأكوان عدم ثبات كلامه الذي يمكن فيه الكذب ؛ فلهذا آمن بي وأترك الإسلام!.
ماذا سيكون جوابك ؟!..
هل سيكون كما يقول الأشاعرة بأن الله أخبر بلزوم الجنة للمؤمن ولزوم النار للكافر ويجب التصديق؛ فسيقول لك الكافر هذا صحيح إذا لم تكن تؤمن بإمكانية كذب الله ، وأما مع إمكانية كذبه وعدم لزوم الصدق عليه
فكل ما قال ويقول إنما هو تمثيلية عليكم .. لبغضه لكم.))
أشكر السيد Active X على طرحه لهذه الشبهة. واعلم يا أخي ان هذه الشبهة هي خلاصة أدلة التحسين والتقبيح العقليين وهي أصعب ما يعكر على القول الأشعري برفضهما ولا يجوز الهروب من هذا السؤال. وأعترف أن هذه النقطة بالذات كانت أكبر شبهة في تفكيري تقف دون تصديقي الكامل برفض التحسين والتقبيح العقلييين ولم أجد جوابا ترتاح نفسي له فيها إلا قبل زمن غير طويل. ولعل جوابي لا يكون شافيا للبعض وأنا أرجو الإخوة الأشاعرة بالذات تنبيهي وتوجيهي إلى الوجوه المختلفة التي قد أكون أغفلتها. وأرجو أن يعلم أني طالب حقيقة لا أدعي العصمة في ما أقول وإنما الأمر محاولة أنا مقتنع بها قد تحتاج إلى
التصويب.
الآن أتوجه إلى الشبهة وأذكر بمثال البرمجة. <(إخواني القراء هنا لم يتابعوا هذا الحوار ولا يعرفون المقصود بمثال البرمجة. هو مثال مفيد جدا يمثل برنامجا خياليا في الكمبيوتر يحتوي البرنامج على كائنات تعرف لها تفاعلات وقوانين وإحساسات وزمان ومكان ووعي (كل شيء يمكن برمجته ما عدا الوعي) ثم يكون هناك شيء من التأمل في عالم الكائنات والمقارنة مع عالمنا الحفيفي واستخلاص النتائج >) ليست هناك أية صلة مباشرة بين الكائنات في البرنامج وبين المبرمج. كيف يكون هناك صلة والكائنات لا تدرك شيئا إلا بما برمج لها من حواس؟ وهذه الحواس لا تدرك المبرمج. إذن الصلة لا تكون مباشرة ويمكن دائما نسبة أي فعل يدرك للكائنات. ونسبتها للمبرمج من قبيل البرمجة. فإذا جاء كائن في البرنامج إلى كائنات وقال لها: أنا أنقل لكم رسالة من المبرمج. فهو الصادق أو الكاذب. ولا نقول المبرمج كاذب. ولعل هذا الكائن الرسول لم يتعمد الكذب ولكن في هذه الحالة يتوجه التكذيب إلى كائن آخر هو أجهزة الإدراك لديه أو عقله. المهم أن الكائنات في عالمها يمكنها دائما نسبة الأفعال التي تدركها إلى كائنات في عالمهاكذلك.
طبعا هناك احتمال آخر وهو أن يكون المبرمج شاء كشف شيء من مراده وعلمه للكائن الرسول فيكون كلام الكائن الرسول صحيحا قطعا. وإذا آمنت الكائنات بهذا الاحتمال نسبت ما أخبرها به الكائن الرسول إلى المبرمج.
أنبه يا أخي إلى حقيقة أن إلزامنا بحياة التكليف لا تكون فقط بناء على مبادئ عقلية لا يتصور في العقل خلافها مثل استحالة الجمع بين النقيضين ومبادئ الرياضيات وأن الجزء أصغر من الكل. هناك ضرورة للاعتماد على اعتقادات مزروعة في فطرة المكلف وهذه الاعتقادات يتصور في العقل خلافها وقد اهتديت في تفكيري حتى الآن إلى 3 اعتقادات فطرية لازمة للمكلف هي:
1- الإيمان بالحواس
2- الشعور بالزمن (= ملاحظة السببية الزمنية)
3- الاعتقاد بوجود معنى للحياة (وجلب المصلحة سيؤدي إلى تحسين البحث عن هذا المعنى)
هذا يعني أننا إذا اعتمدنا على هذه الاعتقادات وآمنا بأنا مكلفون وعشنا
بناء على هذا التكليف الذي آمنا به ثم اكتشفنا في الحياة الآخرة أن الأمر لم يكن كذلك فالأمر خلاصته أن حواسنا هي التي كذبت علينا وفطرتنا هذه هي التي كذبت علينا وأن الحياة ليست حياة تكليف. ولن يكون اعتراضنا على الله تعالى إذا أدخلنا النار إلا كاعتراض الحجارة عليه تعالى إذا ألقيت في نار جهنم. أو كاعتراض الأرض التي يعصى الله فيها على الله تعالى لتفضيله عليها الأرض التي تتشرف بأجساد الأنبياء. لا
اعتراض والله فعال لما يريد.
ولكنا إذا كنا نؤمن بالحواس ونشعر بالزمن ونؤمن بمعنى للحياة (وهذا أيضا ما يؤمن به هذا الكافر الذي يناقشني) فليس لنا إلا أن نؤمن بأننا نعيش حياة تكليف وأن الرسل كشف الله لهم علما حقيقيا قطعيا فنصدقهم ونتعبد الله باتباعهم.
انتهت فكرتي والحمد لله أولا وآخرا>>
أجاب السيد الصدر الإجابة التالية التي تدل على أنه لم يقرأ ما قلت بدقة:
((
(موضوع نفي الكذب ومثالك البرمجي: فقد قرأته فوجدتك تقول بأن الكائن المبرمج مسبقا هو من ينقل ما برمج به من قول، وهو لا يكذب في نقله عن المبرمج لعدم قدرته على التغيير.
وهذا يحتوي على أمورٍ:
فأولاً سؤال الأخ ActiveX هو عن مشكلة عدم رفضكم لإمكانية كذب الله وجوابك هو عن عدم إمكانية كذب الكائن المبرمج. وهذا عدم وحدة موضوع. فالكلام عن كذب الله والجواب عن صدق الرسول.
وثانيا
أنت قد تركت الباب مفتوحا لإمكانية كذب الله. و أغلقتَ الإمكانية على الكائن الذي يخبر عن الله. وهذا يقتضي الجبرية من جهة ومن جهة ثانية تركت الباب مفتوحا لكل فعل لكل كائن بالصحة والصواب الصدق، فلو قال كائن عن الله بأنه يريد الكفر فقوله صحيح لصحة برمجته ولو قال مرة ثانية أن الله يريد الإيمان فهو صحيح لأنه مبرمج على ذلك ولا يملك لذلك تغييرا.
فأين جوابك إذن؟؟؟.
والسؤال الوجيه هو لو أن الكائنات كلها عملت ما قالته الكائنات المبرمجة المخبرة عن الله.... وحين الحساب يقول لهم الله جميعا: إن عملكم خطأ. ولن أقبل منكم حجة. حتى لو أنني قلت ذلك فأنا لست بصادق أبدا فيما أقول وأنا حر أكذب أم اصدق. فما جوابكم عن هذا بالتحديد؟
فهل عالج مثالك البرمجي هذا الموضوع؟
أبدا ليس له علاقة بذلك.
))
إجابتي عليه:
<<
. لم أحسن التعبير أو لم تحسن القراءة فالموضوع عندي هو عن جواز الكذب في حق الله تعالى لا عن صدق الرسول. وحاول يا سيدي أن تعطي ما نكتب فرصة ولو صغيرة فكلامنا لم يكن على هذا القدر من الغباء. باختصار:
ما معنى يكذب؟ يخبر خبرا مخالفا للواقع
كيف يكون الإخبار؟ وكيف يكون التأكد من الواقع؟ بالحواس
لماذا إذن نقول بكذب المخبر الذي ليست لنا به صلة مباشرة ولا نقول بكذب حواسنا؟ هذا الأمر ممكن دائما!!
أخبرني المخبر أن هذه التفاحة خضراء ثم قال لم تكن يوما خضراء. لعله
كاذب ولكن أليس هناك احتمال أن أكون قد سمعته خطأ في إحدى المرتين أو في كلتيهما؟
المهم أننا نستطيع دائما أن ننفي القبيح <(الكذب)> عن الله تعالى
ولو حصل هذا الذي افترضه الأخ Active X فسنعرف أن حواسنا كذبت علينا عندما صدقت المعجزة وصدقت "الرسل" وأن فطرتنا كذبت علينا عندما اعتقدت أن الحياة لها معنى. وسنعرف أن الحياة لم تكن للتكليف وأنه لا اعتراض إذن على أن يفعل الله بنا ما يريد.
ويجب أن لا ينسى أن وقوع هذا الخلف المتصور في هذه الشبهة بين "الواقع" و "الخبر" من باب المستحيل العرضي إذا كانت مشيئة الله اقتضت التكليف .>>
رده:
((سريع وعاجل جدا جدا ...
هل هذا من الإسلام ؟
( ولو حصل هذا الذي افترضه الأخ Active X فسنعرف أن حواسنا كذبت علينا عندما صدقت المعجزة وصدقت "الرسل" وأن فطرتنا كذبت علينا عندما اعتقدت أن الحياة لها معنى. وسنعرف أن الحياة لم تكن للتكليف وأنه لا اعتراض إذن على أن يفعل الله بنا ما يريد .)
إذن ما قيمة ما نقول؟؟؟ ))
ثم يقول:
((
وقد كان في أجوبتكم الأخيرة من الخروج عما تريدان إثباته من أشياء عجيبة، مثل تجويز الكذب على الله وعدم التكليف وبالتالي أن نكون قد عشنا كذبة كبيرة اسمها الدين والإسلام والحياة وأن الله لم يكلفنا بشيء (حاشاه سبحانه وتعالى). وهذا ما استغربتُه في تعقيبي السابق و هو خلاف الإسلام قطعا (قولا واحدا وبضرس قاطع).
))
الجواب:
لا نقول لا بالكذب ولا بالعبث
المشكلة في تعريفاتك أنت للكذب وللعبث
نوضح الأمر ثانية
الله له أن يفعل ما يشاء في خلقه وليس له في أفعاله غرض لأن الغرض ينافي الكمال للأسباب التالية:
. أنت تعلم يا أخي العزيز أن الغرض يختلف عن الحكمة. الحكمة تنسيق داخلي والغرض أمر خارجي هو في حقيقته طلب لشيء مفقود. والقول بالغرض بالنسبة لأفعال الله تعالى ينتج عنه مصائب في العقيدة. فهو ترسيخ للقبل والبعد (للزمن في حق الله تعالى) ويؤدي إلى القول بأن الله تعالى يريد أن يبلغ شيئا لم يكن بالغه ويؤدي إلى القول بسلسلة
غير منتهية من الأغراض (لأن الغرض مخلوق وخلقه كان لغرض )
وهذا يؤدي إلى القول بقدم الغرض وسلب الاختيار عن رب العالمين في خلقه لأي شيء ممكن!!
هناك احتمال أن يكون الله قد شاء حياة تكليف لبعض خلقه
وهناك احتمال أن يكون الله لم يشأ حياة التكليف
إذا كان الاحتمال الأول صحيحا فيكون الخلف يوم القيامة من قبيل
المستحيل العرضي لأنه يخالف مشيئة الله
إذا كان الاحتمال الثاني صحيحا فإن الخلف لا ينسب إلى كذب الله والعياذ بالله وإنما إلى كذب حواسنا وفطرتنا. وصدق الحواس والفطرة ليس أمرا مضمونا إذا لم يكن هناك تكليف.
وهذا الاحتمال لا ينسب العبث لله تعالى لأنه لا يسأل عما يفعل وليس لأفعاله غرض والأمر لا يختلف عن أي فعل لا غرض فيه.
ما هو الاحتمال الصحيح؟
نحن نؤمن أن الاحتمال الأول هو الصحيح.
(أذكر يا أخي أن تعبيري في صحة الاحتمال كان باستخدام "لو" التي هي حرف امتناع لامتناع: ولو حصل هذا الذي افترضه الأخ) نحن نؤمن أن الله تعالى قذف في قلوبنا نورا كشف فيه عن مشيئته لحياة التكليف.
هل عندنا برهان على ذلك؟
لماذا لا نعترف بالحق؟ ليس هناك برهان.
لا نستطيع البرهنة ولكننا نتعلق بإيماننا بهذا النور الإلهي. نتعلق بإيماننا بالحواس وبالفطرة.
(إقرأ "المنقذ من الضلال" لفخر الأشاعرة الإمام الغزالي قدس سره.... كتاب عظيم عن رحلة البحث عن الحق في حياة إنسان عظيم)
هل يملك المخالف أن يتعلق بالاحتمال الثاني؟ باحتمال حياة بدون تكليف؟
لا يستطيع ذلك. هو يعلم أن الاحتمال الأول قائم وأنه لا يمكن أن يوجد له برهان كامل لأنه يستطيع دائما أن يشكك بالحواس وبالفطرة. ولكنه لا يشكك في الحواس في غير هذه المسألة. إذن لماذا يكذب حواسه الآن؟ إذا تعلق بالاحتمال الثاني وثبت خلافه فهو المسؤول عن اختياره الغبي.
مرحبا بتعليقاتكم
واسلموا والسلام
الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله
وآله وصحيه ومن والاه
إخواني الكرام
السلام عليكم ورحمة الله
وبعد،
فأخوكم طالب للحق (إن شاء الله تعالى)
لا يجد في نفسه أي ضيق من مناقشة أهل القناعات في عقائدهم وقناعاتهم في طريق البحث عن الحق. ويرحب بالفكر المنفتح الحر الملتزم (الذي يلزم المرء فيه نفسه بالصدق مع النفس ومع الآخرين). وقد تعرفت على منتداكم الكريم الذي بعث في الأمل في التعرف على علماء طلبة حق حقانيين صادقين مدافعين عن الحق يشفون الغليل.
عندي استفسارات واستشكالات مختلفة سأطرحها في هذا المنتدى وأتمنى أن يفيدني فيها العالمون. واسلموا والسلام..
الاستفسار الأول: التحسين والتقبيح العقليان
جمعتني بعض حوارات الإنترنت (معظمها في شبكة هجر) مع بعض أهل العلم من الشيعة الإمامية وكان هناك اتهام من الإمامية للأشاعرة بأنهم جبرية وامتد الحوار وطال وأصاب طرفا من مسألة التحسين والتقبيح.
وأنا سأورد في الفقرة التالية أقوى حجج القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين وكيف رددت عليها. أود أن أعلمكم أني لست تام السعادة بما كتبت (لأن فيها اعترافا ضمنيا بعدم إمكانية البرهنة والوصول إلى اليقين بالعقل) وأتوق إلى طمأنة الذين ذاقوا هواجسي أو إلى برهان من عنده البرهان!!
الحوار كان (قبل أقل من عامين) في شبكة هجر مع عالمين شيعيين هما "علي نعمان الصدر" وآخر يتسمى باسم Active X وساعدني فيه صديقي هشام. سأنقل لكم هنا الفقرة المهمة التي تحتوي على خلاصة ردودهما السابقة وجوابي عليها. ومرحبا بتعليقاتكم المفيدة.
الضرس القاطع
إخواني الكرام
سيدي الأستاذ الصدر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كنت وعدت هشاما أن أترك الرد له في هذه المسألة: مسألة الكذب. ولكن هشاما، أعانه الله على مصابه، منشغل بعض الوقت. والسيد الصدر، أضحك الله ضرسه، كان رد على كلامي بضرس قاطع. فرأيت أن أرد على رده. ولا أزال أرى أن هذه المسألة خلاصة أدلة الإمامية على ضرورة التحسين والتقبيح العقليين. فأدلتهم من نوع البرهان غير المباشر بان يذكر لك أمثلة محرجة تستقبحها النفس تنتهي إلى نسبة "الكذب" و"الظلم" و"العبث" (بناء على تعريف غير متفق عليه لهذه الظواهر) لله تعالى في فكر من يجيز لله تعالى فعل الممكن مطلقا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سأذكر بما كتبت عن دعوى جواز الكذب على الله تعالى وبرد السيد الصدر عليها:
<<
قال المدافع عن القول بالتحسين والتقبيح العقليين:
((
إذن قل لي كيف تجيب المشرك المرتد الكافر حين يقول لك : إذن أنت تقول بأن الإسلام نفسه باطل لأنك تجيز أن تكون كل عهود الله ومواثيقه قابلة للنقض من قبله!!
فإذا قال لكم الله ( حاشاه هذه مني لا ممن يقول ذلك ) كذبت عليكم و أنا أريد الكفر ومن يؤمن بي أدخله جهنم وبئس المهاد ، وكل اعتراض لكم غير مقبول ، ويقول لك الكافر أنا عرفت من عدم ثبات الأكوان عدم ثبات كلامه الذي يمكن فيه الكذب ؛ فلهذا آمن بي وأترك الإسلام!.
ماذا سيكون جوابك ؟!..
هل سيكون كما يقول الأشاعرة بأن الله أخبر بلزوم الجنة للمؤمن ولزوم النار للكافر ويجب التصديق؛ فسيقول لك الكافر هذا صحيح إذا لم تكن تؤمن بإمكانية كذب الله ، وأما مع إمكانية كذبه وعدم لزوم الصدق عليه
فكل ما قال ويقول إنما هو تمثيلية عليكم .. لبغضه لكم.))
أشكر السيد Active X على طرحه لهذه الشبهة. واعلم يا أخي ان هذه الشبهة هي خلاصة أدلة التحسين والتقبيح العقليين وهي أصعب ما يعكر على القول الأشعري برفضهما ولا يجوز الهروب من هذا السؤال. وأعترف أن هذه النقطة بالذات كانت أكبر شبهة في تفكيري تقف دون تصديقي الكامل برفض التحسين والتقبيح العقلييين ولم أجد جوابا ترتاح نفسي له فيها إلا قبل زمن غير طويل. ولعل جوابي لا يكون شافيا للبعض وأنا أرجو الإخوة الأشاعرة بالذات تنبيهي وتوجيهي إلى الوجوه المختلفة التي قد أكون أغفلتها. وأرجو أن يعلم أني طالب حقيقة لا أدعي العصمة في ما أقول وإنما الأمر محاولة أنا مقتنع بها قد تحتاج إلى
التصويب.
الآن أتوجه إلى الشبهة وأذكر بمثال البرمجة. <(إخواني القراء هنا لم يتابعوا هذا الحوار ولا يعرفون المقصود بمثال البرمجة. هو مثال مفيد جدا يمثل برنامجا خياليا في الكمبيوتر يحتوي البرنامج على كائنات تعرف لها تفاعلات وقوانين وإحساسات وزمان ومكان ووعي (كل شيء يمكن برمجته ما عدا الوعي) ثم يكون هناك شيء من التأمل في عالم الكائنات والمقارنة مع عالمنا الحفيفي واستخلاص النتائج >) ليست هناك أية صلة مباشرة بين الكائنات في البرنامج وبين المبرمج. كيف يكون هناك صلة والكائنات لا تدرك شيئا إلا بما برمج لها من حواس؟ وهذه الحواس لا تدرك المبرمج. إذن الصلة لا تكون مباشرة ويمكن دائما نسبة أي فعل يدرك للكائنات. ونسبتها للمبرمج من قبيل البرمجة. فإذا جاء كائن في البرنامج إلى كائنات وقال لها: أنا أنقل لكم رسالة من المبرمج. فهو الصادق أو الكاذب. ولا نقول المبرمج كاذب. ولعل هذا الكائن الرسول لم يتعمد الكذب ولكن في هذه الحالة يتوجه التكذيب إلى كائن آخر هو أجهزة الإدراك لديه أو عقله. المهم أن الكائنات في عالمها يمكنها دائما نسبة الأفعال التي تدركها إلى كائنات في عالمهاكذلك.
طبعا هناك احتمال آخر وهو أن يكون المبرمج شاء كشف شيء من مراده وعلمه للكائن الرسول فيكون كلام الكائن الرسول صحيحا قطعا. وإذا آمنت الكائنات بهذا الاحتمال نسبت ما أخبرها به الكائن الرسول إلى المبرمج.
أنبه يا أخي إلى حقيقة أن إلزامنا بحياة التكليف لا تكون فقط بناء على مبادئ عقلية لا يتصور في العقل خلافها مثل استحالة الجمع بين النقيضين ومبادئ الرياضيات وأن الجزء أصغر من الكل. هناك ضرورة للاعتماد على اعتقادات مزروعة في فطرة المكلف وهذه الاعتقادات يتصور في العقل خلافها وقد اهتديت في تفكيري حتى الآن إلى 3 اعتقادات فطرية لازمة للمكلف هي:
1- الإيمان بالحواس
2- الشعور بالزمن (= ملاحظة السببية الزمنية)
3- الاعتقاد بوجود معنى للحياة (وجلب المصلحة سيؤدي إلى تحسين البحث عن هذا المعنى)
هذا يعني أننا إذا اعتمدنا على هذه الاعتقادات وآمنا بأنا مكلفون وعشنا
بناء على هذا التكليف الذي آمنا به ثم اكتشفنا في الحياة الآخرة أن الأمر لم يكن كذلك فالأمر خلاصته أن حواسنا هي التي كذبت علينا وفطرتنا هذه هي التي كذبت علينا وأن الحياة ليست حياة تكليف. ولن يكون اعتراضنا على الله تعالى إذا أدخلنا النار إلا كاعتراض الحجارة عليه تعالى إذا ألقيت في نار جهنم. أو كاعتراض الأرض التي يعصى الله فيها على الله تعالى لتفضيله عليها الأرض التي تتشرف بأجساد الأنبياء. لا
اعتراض والله فعال لما يريد.
ولكنا إذا كنا نؤمن بالحواس ونشعر بالزمن ونؤمن بمعنى للحياة (وهذا أيضا ما يؤمن به هذا الكافر الذي يناقشني) فليس لنا إلا أن نؤمن بأننا نعيش حياة تكليف وأن الرسل كشف الله لهم علما حقيقيا قطعيا فنصدقهم ونتعبد الله باتباعهم.
انتهت فكرتي والحمد لله أولا وآخرا>>
أجاب السيد الصدر الإجابة التالية التي تدل على أنه لم يقرأ ما قلت بدقة:
((
(موضوع نفي الكذب ومثالك البرمجي: فقد قرأته فوجدتك تقول بأن الكائن المبرمج مسبقا هو من ينقل ما برمج به من قول، وهو لا يكذب في نقله عن المبرمج لعدم قدرته على التغيير.
وهذا يحتوي على أمورٍ:
فأولاً سؤال الأخ ActiveX هو عن مشكلة عدم رفضكم لإمكانية كذب الله وجوابك هو عن عدم إمكانية كذب الكائن المبرمج. وهذا عدم وحدة موضوع. فالكلام عن كذب الله والجواب عن صدق الرسول.
وثانيا
أنت قد تركت الباب مفتوحا لإمكانية كذب الله. و أغلقتَ الإمكانية على الكائن الذي يخبر عن الله. وهذا يقتضي الجبرية من جهة ومن جهة ثانية تركت الباب مفتوحا لكل فعل لكل كائن بالصحة والصواب الصدق، فلو قال كائن عن الله بأنه يريد الكفر فقوله صحيح لصحة برمجته ولو قال مرة ثانية أن الله يريد الإيمان فهو صحيح لأنه مبرمج على ذلك ولا يملك لذلك تغييرا.
فأين جوابك إذن؟؟؟.
والسؤال الوجيه هو لو أن الكائنات كلها عملت ما قالته الكائنات المبرمجة المخبرة عن الله.... وحين الحساب يقول لهم الله جميعا: إن عملكم خطأ. ولن أقبل منكم حجة. حتى لو أنني قلت ذلك فأنا لست بصادق أبدا فيما أقول وأنا حر أكذب أم اصدق. فما جوابكم عن هذا بالتحديد؟
فهل عالج مثالك البرمجي هذا الموضوع؟
أبدا ليس له علاقة بذلك.
))
إجابتي عليه:
<<
. لم أحسن التعبير أو لم تحسن القراءة فالموضوع عندي هو عن جواز الكذب في حق الله تعالى لا عن صدق الرسول. وحاول يا سيدي أن تعطي ما نكتب فرصة ولو صغيرة فكلامنا لم يكن على هذا القدر من الغباء. باختصار:
ما معنى يكذب؟ يخبر خبرا مخالفا للواقع
كيف يكون الإخبار؟ وكيف يكون التأكد من الواقع؟ بالحواس
لماذا إذن نقول بكذب المخبر الذي ليست لنا به صلة مباشرة ولا نقول بكذب حواسنا؟ هذا الأمر ممكن دائما!!
أخبرني المخبر أن هذه التفاحة خضراء ثم قال لم تكن يوما خضراء. لعله
كاذب ولكن أليس هناك احتمال أن أكون قد سمعته خطأ في إحدى المرتين أو في كلتيهما؟
المهم أننا نستطيع دائما أن ننفي القبيح <(الكذب)> عن الله تعالى
ولو حصل هذا الذي افترضه الأخ Active X فسنعرف أن حواسنا كذبت علينا عندما صدقت المعجزة وصدقت "الرسل" وأن فطرتنا كذبت علينا عندما اعتقدت أن الحياة لها معنى. وسنعرف أن الحياة لم تكن للتكليف وأنه لا اعتراض إذن على أن يفعل الله بنا ما يريد.
ويجب أن لا ينسى أن وقوع هذا الخلف المتصور في هذه الشبهة بين "الواقع" و "الخبر" من باب المستحيل العرضي إذا كانت مشيئة الله اقتضت التكليف .>>
رده:
((سريع وعاجل جدا جدا ...
هل هذا من الإسلام ؟
( ولو حصل هذا الذي افترضه الأخ Active X فسنعرف أن حواسنا كذبت علينا عندما صدقت المعجزة وصدقت "الرسل" وأن فطرتنا كذبت علينا عندما اعتقدت أن الحياة لها معنى. وسنعرف أن الحياة لم تكن للتكليف وأنه لا اعتراض إذن على أن يفعل الله بنا ما يريد .)
إذن ما قيمة ما نقول؟؟؟ ))
ثم يقول:
((
وقد كان في أجوبتكم الأخيرة من الخروج عما تريدان إثباته من أشياء عجيبة، مثل تجويز الكذب على الله وعدم التكليف وبالتالي أن نكون قد عشنا كذبة كبيرة اسمها الدين والإسلام والحياة وأن الله لم يكلفنا بشيء (حاشاه سبحانه وتعالى). وهذا ما استغربتُه في تعقيبي السابق و هو خلاف الإسلام قطعا (قولا واحدا وبضرس قاطع).
))
الجواب:
لا نقول لا بالكذب ولا بالعبث
المشكلة في تعريفاتك أنت للكذب وللعبث
نوضح الأمر ثانية
الله له أن يفعل ما يشاء في خلقه وليس له في أفعاله غرض لأن الغرض ينافي الكمال للأسباب التالية:
. أنت تعلم يا أخي العزيز أن الغرض يختلف عن الحكمة. الحكمة تنسيق داخلي والغرض أمر خارجي هو في حقيقته طلب لشيء مفقود. والقول بالغرض بالنسبة لأفعال الله تعالى ينتج عنه مصائب في العقيدة. فهو ترسيخ للقبل والبعد (للزمن في حق الله تعالى) ويؤدي إلى القول بأن الله تعالى يريد أن يبلغ شيئا لم يكن بالغه ويؤدي إلى القول بسلسلة
غير منتهية من الأغراض (لأن الغرض مخلوق وخلقه كان لغرض )
وهذا يؤدي إلى القول بقدم الغرض وسلب الاختيار عن رب العالمين في خلقه لأي شيء ممكن!!
هناك احتمال أن يكون الله قد شاء حياة تكليف لبعض خلقه
وهناك احتمال أن يكون الله لم يشأ حياة التكليف
إذا كان الاحتمال الأول صحيحا فيكون الخلف يوم القيامة من قبيل
المستحيل العرضي لأنه يخالف مشيئة الله
إذا كان الاحتمال الثاني صحيحا فإن الخلف لا ينسب إلى كذب الله والعياذ بالله وإنما إلى كذب حواسنا وفطرتنا. وصدق الحواس والفطرة ليس أمرا مضمونا إذا لم يكن هناك تكليف.
وهذا الاحتمال لا ينسب العبث لله تعالى لأنه لا يسأل عما يفعل وليس لأفعاله غرض والأمر لا يختلف عن أي فعل لا غرض فيه.
ما هو الاحتمال الصحيح؟
نحن نؤمن أن الاحتمال الأول هو الصحيح.
(أذكر يا أخي أن تعبيري في صحة الاحتمال كان باستخدام "لو" التي هي حرف امتناع لامتناع: ولو حصل هذا الذي افترضه الأخ) نحن نؤمن أن الله تعالى قذف في قلوبنا نورا كشف فيه عن مشيئته لحياة التكليف.
هل عندنا برهان على ذلك؟
لماذا لا نعترف بالحق؟ ليس هناك برهان.
لا نستطيع البرهنة ولكننا نتعلق بإيماننا بهذا النور الإلهي. نتعلق بإيماننا بالحواس وبالفطرة.
(إقرأ "المنقذ من الضلال" لفخر الأشاعرة الإمام الغزالي قدس سره.... كتاب عظيم عن رحلة البحث عن الحق في حياة إنسان عظيم)
هل يملك المخالف أن يتعلق بالاحتمال الثاني؟ باحتمال حياة بدون تكليف؟
لا يستطيع ذلك. هو يعلم أن الاحتمال الأول قائم وأنه لا يمكن أن يوجد له برهان كامل لأنه يستطيع دائما أن يشكك بالحواس وبالفطرة. ولكنه لا يشكك في الحواس في غير هذه المسألة. إذن لماذا يكذب حواسه الآن؟ إذا تعلق بالاحتمال الثاني وثبت خلافه فهو المسؤول عن اختياره الغبي.
مرحبا بتعليقاتكم
واسلموا والسلام
تعليق