إلى أهل العلم: أصعب مثال محرج في التحسين والتقبيح

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إسماعيل حمودة
    طالب علم
    • Jul 2003
    • 22

    #1

    إلى أهل العلم: أصعب مثال محرج في التحسين والتقبيح

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله
    والصلاة والسلام على رسول الله
    وآله وصحيه ومن والاه

    إخواني الكرام
    السلام عليكم ورحمة الله

    وبعد،
    فأخوكم طالب للحق (إن شاء الله تعالى)
    لا يجد في نفسه أي ضيق من مناقشة أهل القناعات في عقائدهم وقناعاتهم في طريق البحث عن الحق. ويرحب بالفكر المنفتح الحر الملتزم (الذي يلزم المرء فيه نفسه بالصدق مع النفس ومع الآخرين). وقد تعرفت على منتداكم الكريم الذي بعث في الأمل في التعرف على علماء طلبة حق حقانيين صادقين مدافعين عن الحق يشفون الغليل.
    عندي استفسارات واستشكالات مختلفة سأطرحها في هذا المنتدى وأتمنى أن يفيدني فيها العالمون. واسلموا والسلام..

    الاستفسار الأول: التحسين والتقبيح العقليان
    جمعتني بعض حوارات الإنترنت (معظمها في شبكة هجر) مع بعض أهل العلم من الشيعة الإمامية وكان هناك اتهام من الإمامية للأشاعرة بأنهم جبرية وامتد الحوار وطال وأصاب طرفا من مسألة التحسين والتقبيح.
    وأنا سأورد في الفقرة التالية أقوى حجج القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين وكيف رددت عليها. أود أن أعلمكم أني لست تام السعادة بما كتبت (لأن فيها اعترافا ضمنيا بعدم إمكانية البرهنة والوصول إلى اليقين بالعقل) وأتوق إلى طمأنة الذين ذاقوا هواجسي أو إلى برهان من عنده البرهان!!

    الحوار كان (قبل أقل من عامين) في شبكة هجر مع عالمين شيعيين هما "علي نعمان الصدر" وآخر يتسمى باسم Active X وساعدني فيه صديقي هشام. سأنقل لكم هنا الفقرة المهمة التي تحتوي على خلاصة ردودهما السابقة وجوابي عليها. ومرحبا بتعليقاتكم المفيدة.




    الضرس القاطع


    إخواني الكرام
    سيدي الأستاذ الصدر
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    كنت وعدت هشاما أن أترك الرد له في هذه المسألة: مسألة الكذب. ولكن هشاما، أعانه الله على مصابه، منشغل بعض الوقت. والسيد الصدر، أضحك الله ضرسه، كان رد على كلامي بضرس قاطع. فرأيت أن أرد على رده. ولا أزال أرى أن هذه المسألة خلاصة أدلة الإمامية على ضرورة التحسين والتقبيح العقليين. فأدلتهم من نوع البرهان غير المباشر بان يذكر لك أمثلة محرجة تستقبحها النفس تنتهي إلى نسبة "الكذب" و"الظلم" و"العبث" (بناء على تعريف غير متفق عليه لهذه الظواهر) لله تعالى في فكر من يجيز لله تعالى فعل الممكن مطلقا.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    سأذكر بما كتبت عن دعوى جواز الكذب على الله تعالى وبرد السيد الصدر عليها:
    <<
    قال المدافع عن القول بالتحسين والتقبيح العقليين:
    ((
    إذن قل لي كيف تجيب المشرك المرتد الكافر حين يقول لك : إذن أنت تقول بأن الإسلام نفسه باطل لأنك تجيز أن تكون كل عهود الله ومواثيقه قابلة للنقض من قبله!!
    فإذا قال لكم الله ( حاشاه هذه مني لا ممن يقول ذلك ) كذبت عليكم و أنا أريد الكفر ومن يؤمن بي أدخله جهنم وبئس المهاد ، وكل اعتراض لكم غير مقبول ، ويقول لك الكافر أنا عرفت من عدم ثبات الأكوان عدم ثبات كلامه الذي يمكن فيه الكذب ؛ فلهذا آمن بي وأترك الإسلام!.
    ماذا سيكون جوابك ؟!..

    هل سيكون كما يقول الأشاعرة بأن الله أخبر بلزوم الجنة للمؤمن ولزوم النار للكافر ويجب التصديق؛ فسيقول لك الكافر هذا صحيح إذا لم تكن تؤمن بإمكانية كذب الله ، وأما مع إمكانية كذبه وعدم لزوم الصدق عليه
    فكل ما قال ويقول إنما هو تمثيلية عليكم .. لبغضه لكم.))


    أشكر السيد Active X على طرحه لهذه الشبهة. واعلم يا أخي ان هذه الشبهة هي خلاصة أدلة التحسين والتقبيح العقليين وهي أصعب ما يعكر على القول الأشعري برفضهما ولا يجوز الهروب من هذا السؤال. وأعترف أن هذه النقطة بالذات كانت أكبر شبهة في تفكيري تقف دون تصديقي الكامل برفض التحسين والتقبيح العقلييين ولم أجد جوابا ترتاح نفسي له فيها إلا قبل زمن غير طويل. ولعل جوابي لا يكون شافيا للبعض وأنا أرجو الإخوة الأشاعرة بالذات تنبيهي وتوجيهي إلى الوجوه المختلفة التي قد أكون أغفلتها. وأرجو أن يعلم أني طالب حقيقة لا أدعي العصمة في ما أقول وإنما الأمر محاولة أنا مقتنع بها قد تحتاج إلى
    التصويب.

    الآن أتوجه إلى الشبهة وأذكر بمثال البرمجة. <(إخواني القراء هنا لم يتابعوا هذا الحوار ولا يعرفون المقصود بمثال البرمجة. هو مثال مفيد جدا يمثل برنامجا خياليا في الكمبيوتر يحتوي البرنامج على كائنات تعرف لها تفاعلات وقوانين وإحساسات وزمان ومكان ووعي (كل شيء يمكن برمجته ما عدا الوعي) ثم يكون هناك شيء من التأمل في عالم الكائنات والمقارنة مع عالمنا الحفيفي واستخلاص النتائج >) ليست هناك أية صلة مباشرة بين الكائنات في البرنامج وبين المبرمج. كيف يكون هناك صلة والكائنات لا تدرك شيئا إلا بما برمج لها من حواس؟ وهذه الحواس لا تدرك المبرمج. إذن الصلة لا تكون مباشرة ويمكن دائما نسبة أي فعل يدرك للكائنات. ونسبتها للمبرمج من قبيل البرمجة. فإذا جاء كائن في البرنامج إلى كائنات وقال لها: أنا أنقل لكم رسالة من المبرمج. فهو الصادق أو الكاذب. ولا نقول المبرمج كاذب. ولعل هذا الكائن الرسول لم يتعمد الكذب ولكن في هذه الحالة يتوجه التكذيب إلى كائن آخر هو أجهزة الإدراك لديه أو عقله. المهم أن الكائنات في عالمها يمكنها دائما نسبة الأفعال التي تدركها إلى كائنات في عالمهاكذلك.
    طبعا هناك احتمال آخر وهو أن يكون المبرمج شاء كشف شيء من مراده وعلمه للكائن الرسول فيكون كلام الكائن الرسول صحيحا قطعا. وإذا آمنت الكائنات بهذا الاحتمال نسبت ما أخبرها به الكائن الرسول إلى المبرمج.
    أنبه يا أخي إلى حقيقة أن إلزامنا بحياة التكليف لا تكون فقط بناء على مبادئ عقلية لا يتصور في العقل خلافها مثل استحالة الجمع بين النقيضين ومبادئ الرياضيات وأن الجزء أصغر من الكل. هناك ضرورة للاعتماد على اعتقادات مزروعة في فطرة المكلف وهذه الاعتقادات يتصور في العقل خلافها وقد اهتديت في تفكيري حتى الآن إلى 3 اعتقادات فطرية لازمة للمكلف هي:
    1- الإيمان بالحواس
    2- الشعور بالزمن (= ملاحظة السببية الزمنية)
    3- الاعتقاد بوجود معنى للحياة (وجلب المصلحة سيؤدي إلى تحسين البحث عن هذا المعنى)

    هذا يعني أننا إذا اعتمدنا على هذه الاعتقادات وآمنا بأنا مكلفون وعشنا
    بناء على هذا التكليف الذي آمنا به ثم اكتشفنا في الحياة الآخرة أن الأمر لم يكن كذلك فالأمر خلاصته أن حواسنا هي التي كذبت علينا وفطرتنا هذه هي التي كذبت علينا وأن الحياة ليست حياة تكليف. ولن يكون اعتراضنا على الله تعالى إذا أدخلنا النار إلا كاعتراض الحجارة عليه تعالى إذا ألقيت في نار جهنم. أو كاعتراض الأرض التي يعصى الله فيها على الله تعالى لتفضيله عليها الأرض التي تتشرف بأجساد الأنبياء. لا
    اعتراض والله فعال لما يريد.
    ولكنا إذا كنا نؤمن بالحواس ونشعر بالزمن ونؤمن بمعنى للحياة (وهذا أيضا ما يؤمن به هذا الكافر الذي يناقشني) فليس لنا إلا أن نؤمن بأننا نعيش حياة تكليف وأن الرسل كشف الله لهم علما حقيقيا قطعيا فنصدقهم ونتعبد الله باتباعهم.

    انتهت فكرتي والحمد لله أولا وآخرا>>

    أجاب السيد الصدر الإجابة التالية التي تدل على أنه لم يقرأ ما قلت بدقة:
    ((
    (موضوع نفي الكذب ومثالك البرمجي: فقد قرأته فوجدتك تقول بأن الكائن المبرمج مسبقا هو من ينقل ما برمج به من قول، وهو لا يكذب في نقله عن المبرمج لعدم قدرته على التغيير.
    وهذا يحتوي على أمورٍ:

    فأولاً سؤال الأخ ActiveX هو عن مشكلة عدم رفضكم لإمكانية كذب الله وجوابك هو عن عدم إمكانية كذب الكائن المبرمج. وهذا عدم وحدة موضوع. فالكلام عن كذب الله والجواب عن صدق الرسول.

    وثانيا
    أنت قد تركت الباب مفتوحا لإمكانية كذب الله. و أغلقتَ الإمكانية على الكائن الذي يخبر عن الله. وهذا يقتضي الجبرية من جهة ومن جهة ثانية تركت الباب مفتوحا لكل فعل لكل كائن بالصحة والصواب الصدق، فلو قال كائن عن الله بأنه يريد الكفر فقوله صحيح لصحة برمجته ولو قال مرة ثانية أن الله يريد الإيمان فهو صحيح لأنه مبرمج على ذلك ولا يملك لذلك تغييرا.

    فأين جوابك إذن؟؟؟.

    والسؤال الوجيه هو لو أن الكائنات كلها عملت ما قالته الكائنات المبرمجة المخبرة عن الله.... وحين الحساب يقول لهم الله جميعا: إن عملكم خطأ. ولن أقبل منكم حجة. حتى لو أنني قلت ذلك فأنا لست بصادق أبدا فيما أقول وأنا حر أكذب أم اصدق. فما جوابكم عن هذا بالتحديد؟

    فهل عالج مثالك البرمجي هذا الموضوع؟

    أبدا ليس له علاقة بذلك.
    ))

    إجابتي عليه:
    <<
    . لم أحسن التعبير أو لم تحسن القراءة فالموضوع عندي هو عن جواز الكذب في حق الله تعالى لا عن صدق الرسول. وحاول يا سيدي أن تعطي ما نكتب فرصة ولو صغيرة فكلامنا لم يكن على هذا القدر من الغباء. باختصار:
    ما معنى يكذب؟ يخبر خبرا مخالفا للواقع
    كيف يكون الإخبار؟ وكيف يكون التأكد من الواقع؟ بالحواس
    لماذا إذن نقول بكذب المخبر الذي ليست لنا به صلة مباشرة ولا نقول بكذب حواسنا؟ هذا الأمر ممكن دائما!!
    أخبرني المخبر أن هذه التفاحة خضراء ثم قال لم تكن يوما خضراء. لعله
    كاذب ولكن أليس هناك احتمال أن أكون قد سمعته خطأ في إحدى المرتين أو في كلتيهما؟
    المهم أننا نستطيع دائما أن ننفي القبيح <(الكذب)> عن الله تعالى
    ولو حصل هذا الذي افترضه الأخ Active X فسنعرف أن حواسنا كذبت علينا عندما صدقت المعجزة وصدقت "الرسل" وأن فطرتنا كذبت علينا عندما اعتقدت أن الحياة لها معنى. وسنعرف أن الحياة لم تكن للتكليف وأنه لا اعتراض إذن على أن يفعل الله بنا ما يريد.
    ويجب أن لا ينسى أن وقوع هذا الخلف المتصور في هذه الشبهة بين "الواقع" و "الخبر" من باب المستحيل العرضي إذا كانت مشيئة الله اقتضت التكليف .>>

    رده:
    ((سريع وعاجل جدا جدا ...

    هل هذا من الإسلام ؟


    ( ولو حصل هذا الذي افترضه الأخ Active X فسنعرف أن حواسنا كذبت علينا عندما صدقت المعجزة وصدقت "الرسل" وأن فطرتنا كذبت علينا عندما اعتقدت أن الحياة لها معنى. وسنعرف أن الحياة لم تكن للتكليف وأنه لا اعتراض إذن على أن يفعل الله بنا ما يريد .)

    إذن ما قيمة ما نقول؟؟؟ ))

    ثم يقول:
    ((
    وقد كان في أجوبتكم الأخيرة من الخروج عما تريدان إثباته من أشياء عجيبة، مثل تجويز الكذب على الله وعدم التكليف وبالتالي أن نكون قد عشنا كذبة كبيرة اسمها الدين والإسلام والحياة وأن الله لم يكلفنا بشيء (حاشاه سبحانه وتعالى). وهذا ما استغربتُه في تعقيبي السابق و هو خلاف الإسلام قطعا (قولا واحدا وبضرس قاطع).
    ))



    الجواب:
    لا نقول لا بالكذب ولا بالعبث
    المشكلة في تعريفاتك أنت للكذب وللعبث
    نوضح الأمر ثانية
    الله له أن يفعل ما يشاء في خلقه وليس له في أفعاله غرض لأن الغرض ينافي الكمال للأسباب التالية:
    . أنت تعلم يا أخي العزيز أن الغرض يختلف عن الحكمة. الحكمة تنسيق داخلي والغرض أمر خارجي هو في حقيقته طلب لشيء مفقود. والقول بالغرض بالنسبة لأفعال الله تعالى ينتج عنه مصائب في العقيدة. فهو ترسيخ للقبل والبعد (للزمن في حق الله تعالى) ويؤدي إلى القول بأن الله تعالى يريد أن يبلغ شيئا لم يكن بالغه ويؤدي إلى القول بسلسلة
    غير منتهية من الأغراض (لأن الغرض مخلوق وخلقه كان لغرض )
    وهذا يؤدي إلى القول بقدم الغرض وسلب الاختيار عن رب العالمين في خلقه لأي شيء ممكن!!

    هناك احتمال أن يكون الله قد شاء حياة تكليف لبعض خلقه
    وهناك احتمال أن يكون الله لم يشأ حياة التكليف

    إذا كان الاحتمال الأول صحيحا فيكون الخلف يوم القيامة من قبيل
    المستحيل العرضي لأنه يخالف مشيئة الله
    إذا كان الاحتمال الثاني صحيحا فإن الخلف لا ينسب إلى كذب الله والعياذ بالله وإنما إلى كذب حواسنا وفطرتنا. وصدق الحواس والفطرة ليس أمرا مضمونا إذا لم يكن هناك تكليف.
    وهذا الاحتمال لا ينسب العبث لله تعالى لأنه لا يسأل عما يفعل وليس لأفعاله غرض والأمر لا يختلف عن أي فعل لا غرض فيه.

    ما هو الاحتمال الصحيح؟
    نحن نؤمن أن الاحتمال الأول هو الصحيح.
    (أذكر يا أخي أن تعبيري في صحة الاحتمال كان باستخدام "لو" التي هي حرف امتناع لامتناع: ولو حصل هذا الذي افترضه الأخ) نحن نؤمن أن الله تعالى قذف في قلوبنا نورا كشف فيه عن مشيئته لحياة التكليف.
    هل عندنا برهان على ذلك؟
    لماذا لا نعترف بالحق؟ ليس هناك برهان.
    لا نستطيع البرهنة ولكننا نتعلق بإيماننا بهذا النور الإلهي. نتعلق بإيماننا بالحواس وبالفطرة.
    (إقرأ "المنقذ من الضلال" لفخر الأشاعرة الإمام الغزالي قدس سره.... كتاب عظيم عن رحلة البحث عن الحق في حياة إنسان عظيم)
    هل يملك المخالف أن يتعلق بالاحتمال الثاني؟ باحتمال حياة بدون تكليف؟
    لا يستطيع ذلك. هو يعلم أن الاحتمال الأول قائم وأنه لا يمكن أن يوجد له برهان كامل لأنه يستطيع دائما أن يشكك بالحواس وبالفطرة. ولكنه لا يشكك في الحواس في غير هذه المسألة. إذن لماذا يكذب حواسه الآن؟ إذا تعلق بالاحتمال الثاني وثبت خلافه فهو المسؤول عن اختياره الغبي.



    مرحبا بتعليقاتكم
    واسلموا والسلام
    الحمد لله
    رب زدني علما
  • بلال النجار
    مـشـــرف
    • Jul 2003
    • 1128

    #2
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأخ إسماعيل المحترم،
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
    وبعد فهذه كلمات أعلقها على ما جاء في موضوعك حول ما سميته أقوى شبهة في التحسين والتقبيح. على أني قد لا أتمكن من بحث كل ما أريده في هذه العجالة، لأني مشغول جداً الآن، وما أتمناه هو أن نتواصل في بحث المسائل التي تطرحها، بشكل منظم وعبارات واضحة، حتى يسهل علي وعليك الأخذ والرد، ونركز أذهاننا في المقصود بالذات من البحث. حتى إذا انتهينا من مسألة انتقلنا إلى أخرى، وإن شاء الله لن أمل من النظر فيما تكتبه حتى تملّ أنت.

    ولقد وددت لو أنك رتبت الكلام ووضحته أكثر لنفهم خلفية الموضوع، وقضايا المتباحثين قبل أن تطلب آراءنا في ذلك. وعلى أي حال ما فهمته من جملة المكتوب أن هنالك شخصاً اسمه Active X، سأل سؤالاً أو افترض افتراضاً ما، وأنت لم توضحه تماماً، ولكن يبدو أن محور سؤاله هو: ماذا لو جاز في العقل أن الله تعالى يكذب علينا؟

    وبحسب ما فهمت، وأرجو أن تصححني إذا أسأت الفهم، أنك تنفي تغرض الإله في أفعاله، وتنفي أن يكون الإله سبحانه قد كذب علينا فيما أخبرنا به، ولكنك في نفس الوقت تجيز الكذب عليه في العقل. وبناء على ذلك، وقعت في مشكلة تصوير وجوب صدقه تعالى وصدق الرسل، وأن ما أخبرت به الرسل فهو لا محالة واقع، مع تسليمك بإمكان الكذب عليه تعالى.
    وانبنت ردود الصدر عليك، على أساس أنك تجيز عقلاً الكذب على الله تعالى. وكلامه من وجهة نظري في الغالب لا بأس به في الرد عليك، إذا كنت تجيز ذلك فعلاً.

    والأمر الذي استغربته هو أن أحداً لم يتناول أن الكذب يقع في الأخبار، وهذا يبحث في مسائل الكلام، لا في مسائل أفعاله تعالى، والكلام صفة لله تعالى وليس فعلاً من أفعاله كما تعلم. ولا أدري كيف انتقل الكلام في مسألة الحسن والقبح إلى أنه هل يجوز الكذب على الله أو لا. فإن كلام الله سبحانه وتعالى عندنا هو صفته القديمة القائمة بذاته العلية، وذاته وصفاته العلية لا يقبح منها شيء بلا خلاف لما أنها كمالات لا يعتريها النقص، والكلام صفة تتعلق بكل ما تعلق به العلم من المتعلقات تعلق البيان عنها، وليس فعلاً من أفعاله ليقال بعد ذلك إنه هل يتصور فيه الحسن والقبح أو لا؟ وحتى إذا كان الخصم يقول بأن الكلام فعل لله وليس صفة، فلا نلتزم بذلك، لأنه لا يستطيع إلزامنا على مذهبه، بل على مذهبنا كما هو معلوم. وإذا أصر على ذلك فإننا ننقل البحث إلى صفة الكلام، ونقيم له البرهان على أن الكلام صفة الله تعالى، ونهدم أدلته على أنه فعل من أفعاله. فإذا التزم أن الكلام صفته القديمة فلا يمكنه أن يجيز أن يبين الله تعالى على خلاف الواقع، وهو المعني بالكذب. فإن الصدق ما طابقه الواقع. والله يبين كلامه الشريف على وفق علمه القديم الذي لا يتصور فيه التناقض ولا مخالفة الواقع، ولا يتصور في العقل أن يكون بيانه على خلاف الواقع، وإلا لانقلب علمه جهلاً، لأنه سبحانه مخبر على وفق علمه القديم. وهذا القدر واضح.
    أما الظلم، فسواء أكان وضع الشيء في غير موضعه أو التصرف في ملك الغير أو مجاوزة حدود الشارع بحسب ما فسرت به بعض الآيات، فكل ذلك لا يصح نسبته إلى الله تعالى الخالق لكل شيء، والمالك لكل شيء، والمدبر والمتصرف في كل شيء تصرفاً تاماً مطلقاً دون قيد أو شرط. فكيف يتصور في حقه الظلم. وأما العبث فعرفوه بما يخلو عن الفائدة، أو الذي ليس فيه غرض شرعي، أو أنه فعل كل لعب لا لذة فيه، والسفه الذي هو أقبح من العبث إذ هو فعل ما لا فائدة فيه ولا يخلو عن مضرة، فكل ذلك كيف يصح أن يتصور في حق الإله. فهو سبحانه لا يجوز عليه التغرض في أفعاله، لأن كل فعل عندنا فإنه لا يقع إلا إذا تعلقت إرادة الله تعالى وقدرته به، فلو جاز أن تتعلق إرادة الله تعالى بغرض لكان ذات الباري تعالى ناقصاً، يستكملها بالأغراض، وذلك على الله محال، كيف وهو الغني عن كل ما سواه. فإذا حاول إلزامك بأنه إذا لم يكن هنالك غرض وراء أفعاله تعالى كان فعله عبثاً، لأن العبث فعل ما لا غرض ولا فائدة فيه، فقل له بأن تعلق الإرادة بالمراد لذات الإرادة لا لغرض، وإرادة الله تعالى منزهة عن الأغراض، وهي تتعلق بإيجاد الأشياء وإعدامها في الوقت المخصوص على الهيئة المخصوصة لذاتها لغيرها. وقل له إذا كنت تلزمني بالعبث إذا قلت إن الله تعالى لا غرض له في أفعاله، فهذا الإلزام لا يلزمني، لأني أحكم على فعل الله بأنه لا لغرض فيه، وأنت تسمي ذلك عبثاً. بمعنى آخر إذا كان أ هو ب، وب هو ج، ثم قلت أنا إن أ هو ب، فلا يجوز أن تحتج لبيان فساد قولي بقولك إن (أ هي ج)، لأن هذا عين المدعى. وقد أشرت في كلامك على أنهم خالفوك في تعريف الكذب والعبث والظلم، فقل لهم إذا كنتم تقصدون بهذه الأشياء كذا وكذا فجوابي عنها هو ما ذكرت لكم، وإن كنتم تقصدون به غير ذلك فبينوه لكي نستطيع الحكم عليه بالإثبات والنفي. فأنت تحكم على الأشياء بناء على تصورك أنت لها، لا بناء على تصوره هو لها، فإذا أراد منك حكماً استناداً إلى تصوره هو فلبين لك ما يريد ليتسنى لك الحكم عليه.
    أما سؤاله كيف تجيب المشرك... إلخ، فمبني على تجويز الكذب على الله تعالى، والكذب على الله تعالى لا نجيزه نحن، لأنه على الله تعالى محال، فبطل السؤال.
    وأما جوابك عليه بقولك: (إن هذه الشبهة هي خلاصة أدلة التحسين والتقبيح العقليين وهي أصعب ما يعكر على القول الأشعري....)
    فهذا غير صحيح والمسألة عندنا أوضح بكثير، وأقوى بكثير مما تظن، وأتمنى أن أناقش صاحبك الصدر فيها، فإن القائل بالحسن والقبح العقليين بمعنى ترتب المدح أو الذم حالاً والثواب أو العقاب مآلاً وأن ذلك معلوم بالعقل فقوله متهافت جداً. وقد بحثت الموضوع باختصار حين رددت في ذلك على رجل متشيع في كتاب (التصريح) المنشور في موقع الرازي:

    فارجع إليه إن أردت، وإذا بقي لك استفسار فأرجو أن تكتب لي. واعلم أن هذه الشبهة لا ترد على الأشعرية أبداً. ولا يجدر بك أبداً أن تتصدى للكلام مع المخالفين من حيث إنك تمثل رأي الأشعرية قبل أن تفهم حقيقة كلامهم. وأرجو أن تتنبه لذلك في المستقبل.

    قولك له: (وأعترف أن هذه النقطة بالذات كانت أكبر شبهة في تفكيري تقف دون تصديقي الكامل برفض التحسين والتقبيح العقلييين ولم أجد جوابا ترتاح نفسي...)
    أقول لو سألت من يعرف في علم الكلام لارتاحت نفسك، ولضحكت كثيراً على بساطة المسألة صدقني.

    أما مثال المبرمج والبرمجة والمبرمجات... فإنك لم تكن بحاجة إليه أبداً، لأنك يجب عليك أن تعرف أن الكذب مستحيل على الله لا جائز عليه سبحانه، فلم تكن بحاجة لتصويره له، ولا الاحتجاج على إمكانه مع جواز بقاء التكليف.
    أما قولك (أنبه يا أخي إلى حقيقة أن إلزامنا بحياة التكليف لا تكون فقط بناء على مبادئ عقلية لا يتصور في العقل خلافها مثل استحالة الجمع بين النقيضين ومبادئ الرياضيات وأن الجزء أصغر من الكل، هناك ضرورة للاعتماد على اعتقادات مزروعة في فطرة المكلف وهذه الاعتقادات يتصور في العقل خلافها)
    فهذا كلام في غاية الفساد، ولا يجوز أبداً أن يصدر عمن ينتسب لأهل السنة، ولا تغضب مني إن قسوت قليلاً، ولكن يبدو لي أنك تفتقر إلى مقدمات في هذا الفن، وأنك تعتمد على تفكيرك الخاص قبل الاطلاع على أقوال أهل السنة. وعلى أي حال، أريدك أن تضعها حلقة في أذنك أن الدين يستحيل أن يتعارض مع العقل، لأن الشرع ثبت بالعقل، فلا يمكن أن يناقضه، لأنه لو حصل ذلك تنزلاً فإن الشرع يكون عندها باطلاً. ثم بربك قل لي ما الذي جعلنا نحكم على فساد عقائد المسيحية، واليهودية، والمادية وغيرهم إلا لأنها متناقضة مع العقل، ولو أنها كانت من عند الله سبحانه كما نزلت على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لاستحال تناقضها. ألم تقرأ قول الله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً). واعلم أن كل اعتقاد نعتقده فإن له مستنداً من الشرع، وأنه يمكن إقامة الدليل العقلي عليه، وإلا لماذا أفنى المتكلمون مقلهم في الاستدلال على عقائدنا. والإيمان يستند إلى الدليل لا إلى الفطرة.
    أما قولك: (وقد اهتديت في تفكيري حتى الآن إلى ثلاثة اعتقادات فطرية لازمة للمكلف هي: الإيمان بالحواس، الشعور بالزمن (ملاحظة السببية الزمنية)، الاعتقاد بوجود معنى للحياة (وجلب المصلحة سيؤدي إلى تحسين البحث عن هذا المعنى)
    أتمنى أن تكتب لي بالضبط ما تعنيه وتقرره بشكل واضح، وتضعه في منتدى المنطق، وسأناقشك فيه بتوسع، فقد كونت فكرة عما تريد، ولكني أريد أن أتبينه بالضبط. وأتمنى عليك أن تقرأ في شرح العقايد النسفية المنشور في موقع الرازي الذي ذكرته سابقاً، عند قول النسفي: (حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق خلافاً للسفسطائية، وأسباب العلم للخلق ثلاثة: الخبر الصادق وهو خبر الرسول المؤيد بالمعجزة، والحواس السليمة والعقل) لتأخذ فكرة عامة عن نظرية المعرفة عند أهل السنة.
    أما كلامك بعده بأننا إذا آمنا وصدقنا الرسول ثم اكتشفنا أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك.... فأقول هذه مصيبة، كارثة، وليست الكارثة في أن ذلك ممكن أن يحصل، لأنه يستحيل أن تكون الأمور في يوم القيامة على خلاف ما أخبر به الله تعالى ورسوله، ولكن الكارثة يا أخي إسماعيل أن نعتقد بذلك، فإن هذا لا يسمى إيماناً يا صاحبي. وأنا أستغرب اطلاعك على عقيدة الإمام السنوسي وقولك هذا الكلام، فإن عقيدته المسماة بأم البراهين هي ما نظم تفكيري وأبان لي طريق الإيمان.
    وأما جواب السيد الصدر فهو أيضاً مبني على تجويز الكذب على الله، وقد أجبنا عن ذلك.

    قولك: (ويجب أن لا ينسى أن وقوع هذا الخلف المتصور في هذه الشبهة بين "الواقع" و "الخبر" من باب المستحيل العرضي إذا كانت مشيئة الله اقتضت التكليف(
    هذه أرجو أن تراجعها وتقررها لي بشكل أفضل، كي أجيبك عنها، ففيها خبط. لأنه أولاً يستحيل أن يقع الخلف بين الواقع وخبر الله تعالى. وثانياً: أين الاستلزام بين كون مشيئة الله تعالى اقتضت التكليف وبين وقوع الخلف بين الخبر والواقع؟

    أما بالنسبة لباقي كلامك فهو محير فعلاً حيث أضربت عن بعض ما أثبته في أول كلامك، وأنا في ضيق حقيقي من الوقت الآن، وكما قلت لك كنت أود لو أنك رتبت موضوعك أكثر؛ ومهما يكن من أمر، فها قد فتحنا باب الحوار، ولعلنا نتوصل في نقاشنا إلى الفائدة المرجوة منه إن شاء الله تعالى.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

    تعليق

    • إسماعيل حمودة
      طالب علم
      • Jul 2003
      • 22

      #3
      الأخ الكريم بلال النجار
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      أشكرك على ردك الكريم الذي تظهر فيه غيرة على الدين وثقة بالنفس واعتداد بما تلقاه المتأخرون عن المتقدمين. ولن أرد الآن على كثير من ملاحظاتك التي أوردتها في عجالتك لأنني سأحاول هنا وضع الشبهة بشكل واضح وبسيط وأنا أعتقد أن التفاعل مع الشبهة سيدعوك لقراءة ما كتبت آنفا في ضوء آخر تماما. (بالمناسبة: فقط ما كتب بالأحمر في المشاركة السابقة هو من كلام الخصم!! الأزرق كلامي)
      أما إذا أثبت أنت أن الشبهة محلولة بالرجوع إلى صفة "الكلام" أو بأية وسيلة مقنعة أخرى فأنا سأسمح لك أن تكون قاسيا معي كما يحلو لك ولن يكون لك مني إلا كل الامتنان والعرفان والتقدير العظيم!!
      سأصوغ الشبهة في حوار بين معتزلي وأشعري:

      المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
      الأشعري: نعم... الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال وجوبا عقليا... قدرة الله تعالى تتعلق بكل الممكنات.... ولكن إرادة الله تعالى هي التي تخصص بعض هذه الممكنات فتصير واجبة الحدوث. ووجوبها ليس عقليا وإنما هو وجوب عرضي.
      المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة.
      الأشعري: الأمران جائزان عقلا ولكنهما مستحيلان عرضا لأن مشيئة الله تعالى تعلقت بأن تكون هذه الدنيا حياة تكليف وأن تكون الجنة للمؤمن والنار للكافر.
      المعتزلي: وكيف عرفت أنت المخلوق المهين ما هي مشيئة الله تعالى؟
      الأشعري: لقد أخبرنا نحن المكلفين بذلك بما لا يدع مكانا للشك. وخبره صدق يستحيل أن يكون كذبا لأن الخبر من الكلام وكلام الله النفسي صفة قديمة قائمة بذاته....
      المعتزلي: على رسلك.... دعنا من الكلام النفسي وتفصيلات علمائك فيه. وقل لي ما علمته أنت بحواسك. متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
      الأشعري: أتانا رجل يزعم أنه رسول من الله عز وجل وقال لنا قولا سمعناه بآذاننا. وتحدانا بالمعجزات تدليلا على عصمته وصدقه.
      المعتزلي: وأين الكلام النفسي في كل هذا؟؟؟ هذه كلها أفعال... وهي ممكنة عقلا وليست واجبة على الله تعالى...
      الأشعري: ماذا تعني؟
      المعتزلي: هل من الجائزعقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة غير صحيحة؟
      الأشعري: طبعا هذا ممكن
      المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
      الأشعري: طبعا هذا ممكن
      المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
      الأشعري: هذا ممكن عقلا.
      المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
      الأشعري: نعم...هذه الأفعال كلها ممكنة عقلا... أنا لا أستطيع أن أمنع أيا منها بناء على تقبيح عقلي.
      المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف ؟؟؟؟


      الأخ بلال والإخوة جميعا مدعوون لحل هذه الشبهة

      واسلموا جميعا والسلام
      الحمد لله
      رب زدني علما

      تعليق

      • بلال النجار
        مـشـــرف
        • Jul 2003
        • 1128

        #4
        [ALIGN=JUSTIFY]الأخ إسماعيل المحترم،
        وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

        قولك: (ردك الذي تظهر فيه ... اعتداد بما تلقاه المتأخرون عن المتقدمين).
        أقول: فقط أريد أن أنبه على أن هذا الاعتاد لم يأت هكذا من فراغ، ولا من انبهار بأسماء كبيرة، ولا عن تقليد وتسليم دون تمحيص في المسائل والدلائل، ولقد والله تقلبت على نيران الشك مدة لا أستقيم على حال، تراني أورد على نفسي الشبهات وأظل أتأملها، وأعود لأقرأ ما كتب العلماء، ثم أفكر وأفكر حتى أني كنت أحلم في مسائل علم الكلام، وأضع رأسي على وسادتي، والكلام في رأسي بركان لا يهدأ، والمسائل تتردد وأحلها فتظهر غيرها، حتى استقرت نفسي على ما هي عليه الآن، على المذهب الأشعري، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وجزى الله عني وعمن أفاد مني شيخي الفاضل العلامة سعيد فودة، نضر الله وجهه، وغفر له ولوالديه آمين، وأفاض بالخير حيث حل وارتحل.
        أما عن الحوار الذي أوردته، فاسمح لي أن أضع نفسي مكان هذا الأشعري الذي يجيب على المعتزلي، بمعنى أني أورد أسئلة المعتزلي، وأجيب أنا عنها، والله تعالى الموفق للسداد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
        وقبل ذلك أود أن أوضح أن القسوة التي اعتذرتها منك سببها فهمي من كلامك أنك كنت تناظر الخصم بوصفك أشعرياً، وإلا فيمكن لكائن من كان أن يقول ما يريد مستقلاً بنفسه.

        المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
        الأشعري: نعم. لا يجب عليه عقلاً فعل شيء. لأن الفعل بمعنى المفعول من حيث هو كذلك جائز في العقل أن يُفعل، لأنه لا معنى لكونه ممكناً إلا ذلك. وكل ما كان كذلك، كان إيجاده من الله تعالى إما مستحيل أو واجب أو جائز. ليس الأول بالاتفاق. والثاني لا يثبت إلا بنفي الاختيار عنه سبحانه، وهذا باطل عندنا. وهو قولكم في بعض الأفعال دون بعض فما المخصص؟ لأنا نفهم من الممكنات استواء تعلق الإرادة والقدرة بها، فلا بد من مخصص ليصدق مدعاكم. فنسألكم: هذا المخصص إما من ذاته تعالى أو غير ذاته؟ والثاني باطل بالاتفاق لأن الحادث لا يخصص القديم. والأول مثله باطل لأن المخصص هو صفات التأثير وهي لا تتعلق بالواجب بل بالممكن. فيبقى الثالث وهو عين المدعى.
        (وفي الحقيقة عندي الكثير من الأدلة على انتفاء وجوب فعل الممكنات على الله تعالى، والكلام فيها يطول، وأود كما قلت لك لو تقرأ ما كتبته في ذلك في كتاب التصريح الذي أخبرتك عنه. ثم إني أريد أن أتعرف على أقوالك أكثر، لأني لا أريد أن أستطرد في إثبات أمر قد يكون ثبوته مسلماً عندك، أو إبطال أمر يكون بطلانه كذلك).

        المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة
        الأشعري: أنا أقول إن ذلك جائز على الله تعالى عقلاً، على معنى أنه يدخل من شاء الجنة فضلاً منه، ويدخل من شاء النار عدلاً. لأن إدخال بعض الناس الجنة وبعضهم النار أو كلهم الجنة أو كلهم النار، كل ذلك من الأفعال الممكنة في العقل، بمعنى أنه يتصور في العقل وجودها وعدمها، وحدوث أي منها لا يقع بالاستقلال أي لذاتها، لأن ذلك ترجح بلا مرجح، وهو في العقل محال. بل لا بد لكل فعل يقع في الوجود من مرجح لا من ذاته بل من غيره، والمرجح في ذلك هو عين إرادة الله جل وعلا. ولأن هذه الأمور لما ثبت إمكانها استحال أن يجب على الله تعالى فعلها، لأنه لا يجب عليه شيء، بل يجوز عليه سبحانه فعل كل ممكن أو تركه. هذا هو المعني بكون ذلك جائزاً في العقل. ولكنا نقطع بأن من آمن وائتمر وانتهى مستسلماً لله أدخله الله الجنة، لأنه أخبر بذلك وخبره الصدق، ووعد بذلك ووعده الحق. ومثله في الكافر ومن خلط عملاً صالحاً وآخر خبيثاً كل حسابه عند الله، وله من الجزاء ما يستحق، كما أخبر بذلك ربنا عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. فوجب أن تقع هذه الأمور على وفق ما أخبر لا لذاتها بل لغيرها، وغيرها هذا هو قدرته تعالى على إنجاز وعده على وفق ما أراد وكما أخبر وهو العليم الخبير.
        المعتزلي: وكيف عرفت أنت المخلوق المهين ما هي مشيئة الله تعالى؟
        الأشعري: عرفت مشيئة الله تعالى فيما ذكرته، من طريق الخبر المتواتر عن الرسول المؤيد بالمعجزة. وهذا سبب كاف للعلم عندي.
        المعتزلي: على رسلك.... دعنا من الكلام النفسي وتفصيلات علمائك فيه. وقل لي ما علمته أنت بحواسك. متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
        الأشعري: الجواب على هذا السؤال هو عين الجواب على السابق. إلا أن لي بعض التدقيقات. فإن ما علمته وهو الذي ذكرته لك علمته بعقلي من طريق الحس لا بالحس نفسه. وفرق كبير بين الأمرين كما لا يخفى. أما متى أخبرني الله بمشيئته فهو لم يخبرني مباشرة بل من طريق الخبر المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أذكر بالضبط متى حصل عندي القطع بذلك إلا أن انضمام الخبر إلى الخبر بلّغني إلى ما أنا عليه الآن من اليقين بما قلته لك. وأما كيف فكما ذكرناه.

        المعتزلي: وأين الكلام النفسي في كل هذا؟؟؟ هذه كلها أفعال... وهي ممكنة عقلا وليست واجبة على الله تعالى...
        الأشعري: الكلام النفسي قائم بذات الله تعالى وهو صفته القديمة، وقد أوحى ربنا جل وعز إلى الرسول قرآناً عربياً غير ذي عوج يعبر عن بعض متعلقات كلامه النفسي الأشرف الأعلى. ومما جاء في الكتاب ما ذكرناه لك بالمعنى. قولك: (هذه أفعال)؟ أي شيء هو الفعل؟ إن كان إرسال الرسول الكريم ومن قبل ذلك خلقه و إنزال القرآن عليه، وتكليفنا بالشرع وحسابنا وإثابتنا ومعاقبتنا، فمسلم. وإن كان القرآن الكريم، فإن كنت تعني هذه الحروف والأصوات والصحف والرسوم فمسلم، وإن كنت تعني كلام الله تعالى الذي هو صفته، فغير مسلم. بل نقول هو صفته على ما هو مقرر ومدلل عليه عندنا. قولك (وهي ممكنة وليست واجبة على الله تعالى) نعم هي كذلك، وأين الإشكال فيه. بينه لنا لكي نجيبكم.
        المعتزلي: هل من الجائز عقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة غير صحيحة؟
        الأشعري: نعم هذا جائز في العقل.

        المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
        الأشعري: أما أولاً: فهنالك فرق بين أن يبدو ما يظهر على يديه خارقاً، وبين كونه خارقاً في نفس الأمر. لأن ما قد يبدو لخليل بائع الخضار مع احترامنا الشديد لشخصه، غير ما قد يبدو لأرباب العقول. والسبب في ذلك أن الوهم يلابس العقل في مأخذه، والباطل يشاكل الحق في مباحثه. وأما ثانياً: فإن مثل هذه الأمور الخوارق إذا نظر إلى ذاتها من حيث هي، فإنها في نفسها أمور ممكنة لذاتها، فيجوز على الله فعلها. وأما إذا نظر إليها من حيث هي معجزة لنبي كريم أظهرها الله تعالى على يديه بحيث تتنزل منزلة قوله تعالى صدق عبدي فيما يبلغ عني، فيمتنع عند ذلك عقلاً أن تظهر على يد غير الأنبياء. ولا نسلم إمكان ظهور الخوارق مقرونة بدعوى الرسالة والتحدي على غير أيدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وإن بدا للبعض أن ذلك وقع، فإننا نقدح في خرقه للعادة، أو نقدح إن ثبت كونها خرقاً للعادة في دعواه التبليغ عن الله عز وجل. والتباس الأمر عندك هو في جهة النظر إلى ذلك الأمر الخارق، فأنت تنظر إليه من حيث هو أمر ممكن مطلقاً دون قيد أو شرط، ولكن المعجزة أخص من ذلك، فتنبه.

        المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
        الأشعري: الكلام على المعجزة ينطبق إلى حد كبير على هذا المثال. ولكن دعنا نناقش الأمر، الله تعالى خلق الحواس الخمس (أعني السليمة) للإنسان شرطاً لتعقله، وقيد السلامة واضح. فإذا أجمع الناس أن ما سمعوه من فمه الشريف هو (أ) فإن ما سمعوه هو (أ). لا يقال قال (ب) ولكنهم سمعوا (أ)، لأنا نقول: السؤال عما سمعوه لا عما قاله، ولأن الأصل أن ما اجتمعوا على أنهم سمعوه فهو عين ما قاله، وادعاء خلافه مع جوازه في العقل خلاف الظاهر والعادة والمتواتر من سيرة العقلاء، لا عن دليل. ولا ينكر إفادة الحواس للعلم بأن ما أحسته فقد أحسته على الوجه الذي من شأن الحاسة أن تفيده للحساس إلا سفسطائي. وعقلاء المعتزلة أشرف من أن ننعتهم بالسفسطة.
        ولو سلم جدلاً كون ما سمعه الناس من الرسول الأعظم هو غير ما قاله، ولا يسلم. فالتكليف منوط بما سمع لا بما قيل. ولا يخفى ما في القول بأن التكليف مغاير لما قاله الرسول من التناقض. والمجوز لذلك يلزمه الكثير من اللوازم الباطلة والاحتمالات البعيدة. ولنتأمل الأمر أكثر، هل يقول هذا القائل بأن كل ما سمعه الناس هو خلاف ما قاله الرسول أم أن بعضه موافق وبعضه مخالف. الأول باطل لأنه قال أنا النبي لا كذب والمدعى أنه صادق، وسامع خلاف ذلك، مخالف فيه، والمخالف فيه كافر، فلم يجلس إليه ويأخذ عنه وهو ليس نبياً. وإن كان في البعض دون البعض، فما الضابط لذلك؟ إما أن يكون لسان النبي، أو أذن السامع؟ لا جائز أن يكون الأول لأن المدعى أن كلام الرسول كلامه وإنما المشكلة في سمعنا. وعلى الثاني أنك تجوز أن تعمل أذنك بشكل منضبط وصحيح حيناً، وأن لا تعمل بشكل صحيح حيناً آخر، وهذا هو عين القول بعدم سلامتها، وعدم الاحتجاج بها طريقاً للمعرفة، لأن طرق المعرفة لا بد وأن تكون منضبطة دائماً. ثم لو وقع ما تقول لاستحال أن لا يلاحظ الناس ذلك، ولو لاحظ الناس عدم انضباط السمع دليلاً على أن ما سمعناه فقد سمعناه، لما جعلوه من أسباب العلم.
        ثم إن الرسول أخبر بأن خالق العالم تعالى قديم، فلو جاز أن يكون الناس قد سمعوا خلاف ذلك، فهم قد سمعوا أن الله حادث، لأنه لا ثالث بين الحدوث والقدم، وهذا باطل بالعقل، فلو سمع الناس خلاف ما يقول الرسول في أصول الدين خاصة، للزم إفحام الأنبياء وتناقضهم، لأن كثيراً من العقائد ثابتة بالبرهان. فلما لم نر برهانا قام على خلاف ما ادعاه النبي علمنا صدقه، في أصول الدين، وما توصلنا إليه بالدلائل العقلية هو عين ما نقرأه في القرآن ونقلته الأخبار المتواترة عنه صلى الله عليه وسلم، فثبت أنه لو كان أخبر خلاف ما أثبتاه بالبرهان، فإن كلامه يجب أن يكون كاذباً لمخالفته البرهان، وعليه فلا يكون صادقاً كما هو المدعى. هذا خلف. فيكون ما سمعناه هو عين ما قاله، وهو عين ما قام عليه البرهان.
        وههنا وجه آخر، إن كثيراً ممن سمعوا استفهموا، فإذا استفهم واحد من السامعين من الرسول عن أمر معين، فهل تقول إن الرسول يسمع كلامه كما قاله أم لا كما قاله؟ إذا كان الثاني فقد أثبت عطباً واضطراباً في سمعه الشريف، المستلزم لجوابه على الناس على خلاف ما سألوا المستلزم لظهور بلهه وعدم فطنته بما يكفي لينفر منه الناس ويكذبوه، وبما هو خلاف المتواتر من ذكائه وحدة ذهنه وحسن بيانه. وإذا كان الأول فإذا استفهم مشرك عن أن الله هل هو واحد أم متعدد؟ فماذا عساه أن يسمع إذا أجابه الرسول بأن الله تعالى واحد لا شريك له؟ فبان أنه لا يستقيم تبليغ للرسالة ولا صدق رسول مع القول بما قلت.
        ثم هل تقول بأن الناس كلهم إذا قال النبي (أ) فإنهم سيسمعون نفس (ب) أم أن كل واحد منهم يسمع على خلاف الآخر، أم أن بعضهم يسمع (أ) وبعضهم يسمع (ب) وآخرون (ج)... وهكذا. ألا ترى أن هذه الأقوال جميعها في غاية الركاكة، لأنه يلزم منها تناقضات كثيرة. ولو جاز ما قلت والله ما أجمع المسلون على مسألة. ولظهر في الدين تناقضات واختلافات لا حصر لها، لأنها لن تكون عين ما أنزل الله تعالى. فتأمل أكثر في مثالك. وما زال هنالك الكثير من الكلام ليقال في هذا الباب.

        المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
        الأشعري: أجبنا عن هذا السؤال بما فيه الكفاية.

        المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف؟؟؟؟
        الأشعري: نحن منعنا ما جوزته فلا يلزمنا ما تقول، وأما نسبة الظلم والعبث والكذب عليه فقد أجبناك عنها في رسالتنا السابقة. كما أجبنا عن استحالة أننا نعيش كذبة اسمها الدين. لأن الدين موجود فعلاً، ومعتنقه ومتأمله بإنصاف يرى فيه غاية الحسن والكمال، ويقتنع به عقله، ويطمئن له قلبه، وترتاح وتكمل به نفسه. والعالم به يحيل كونه موضوعاً من عند غير الله تعالى لأنه لا يعتريه الخلل ولا التنافر والتناقض، ويراه مساوقاً لطبيعته وحقيقته الإنسية، سائقاً لهو نحو الخير بالذات في الدنيا والآخرة. وهذه الأوصاف لا يمكن أن تتحقق فيما سميته كذبة.
        والحمد لله رب العالمين.

        (ملحوظة: الأخ إسماعيل، أنا مسافر لبضعة أيام، قد أعود الإثنين أو الثلاثاء المقبل، فإذا أردت أن ترد على كلامي، وأردت مني جواباً، فإنه يصعب أن يأتيك جوابي قبل يوم الأربعاء القادم، ولعل بعض الإخوة والمشايخ في المنتدى يواصلون الحوار في هذه المسألة وغيرها من المسائل. والسلام عليكم ورحمة الله).[/ALIGN]
        التعديل الأخير تم بواسطة الإدارة; الساعة 06-08-2003, 15:33.
        ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

        تعليق

        • إسماعيل حمودة
          طالب علم
          • Jul 2003
          • 22

          #5
          بسم الله الرحمن الرحيم
          إخواني الكرام
          الأخ الكريم بلال النجار
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

          أخي بلال..
          أشكرك على ما كتبت. وما كتبته لا يكتبه إلا رجل مسلم غيور على اطلاع أنعم الله عليه بالرغبة في التأمل والتفكر.
          ولكن اسمح لي أن أبدأ بتقرير ما لاحظته في رديك السابقين.
          أخي الكريم... كنت سأسمح لك بأن تكون قاسيا معي كما يحلو لك لو كانت بضاعتي التي تمنيت أن أجدها في هذا الملتقى عندك. ولكني أستطيع أن أقول اليوم: "لعلها ستكون عند بلال الغد... ولكنها بيقين ليست عند بلال اليوم"
          لماذا؟
          لأني لاحظت التالي:1- استخففت بمسألة هي من أدق المسائل الفكرية واعتقدت أنها من السهل الواضح. قلت " وأما جوابك عليه بقولك: (إن هذه الشبهة هي خلاصة أدلة التحسين والتقبيح العقليين وهي أصعب ما يعكر على القول الأشعري....)
          فهذا غير صحيح والمسألة عندنا أوضح بكثير، وأقوى بكثير مما تظن، وأتمنى أن أناقش صاحبك الصدر فيها،"

          2- اعتقدت أن المسألة يجاب عليها في باب الصفات (صفة الكلام النفسي) لا في باب الأفعال ثم رأيت نفسك في جوابك الأخير لا تلتفت إلى الصفات أبدا وقد أيقنت أنها لا تفيد في رد الشبهة.
          3- الخلط البين بين المطلوب برهنته وبين مقدمات البرهان فهناك في كلامك ما لا يخفى عليك من دور ومصادرة على المطلوب. المطلوب البرهنة على أن الله تعالى شاء لنا حياة التكليف والبرهنة عندك تعتمد على صدق الحواس وصدق دلالات الخوارق وعصمة الأنبياء التي لا يسلم بها إلا بناء على أننا نعرف أن الله شاء لنا حياة التكليف!!!!
          4- الهروب من ضبط المسألة بشكل أكاديمي دقيق وتقطيعها إلى مسائل مختلفة غير مترابطة يجاب عليها بإجابات كلاسيكية (مفيدة) لا تنطبق على المثال المطروق. لعلك كتبت ما كتبت لإفادة القارئ وتجنيبه "الفتنة". أنا لا أرى هذا الأسلوب علميا. تستطيع أن تكتب بوضوح استدراكا على الموضوع تقول فيه مثلا: "استكمالا للفائدة نوضح للقراء حجية المعجزة وعصمة الأنبياء إذا سلمنا بحياة التكليف"
          5- يجب على طالب الحق التفاعل الصادق مع المسألة المطروحة وصياغتها بأقوى شكل يراه الخصم. بل لعلك يجب عليك أن تتفنن في إيجاد حجج لخصمك لم يحلم بها بعد. وصياغتي أنا هي الصياغة القوية للإشكال. وتقطيعك أنت لهذه الصياغة تهرب من إلزاماتها. وتسرعك في الإجابة يدعوني للاعتقاد بأنك لم تتفاعل بعد مع هذه المسائل التفاعل المؤرق ولهذا تسيء فهم المحاور أحيانا وتتعجل بالحكم عليه "من فوق"!!
          6- الإعجاب بالقدماء والتبرك بحفظ متونهم وشروحها قد يفيد. بل هو لا بد مفيد جدا من ناحية البركة ومن الناحية السيكولوجية التي تشعر المرء بأنه ينتمي لمدرسة فكرية متميزة ممتدة في التاريخ والجغرافيا. وهي مفيدة أيضا من الناحية العلمية إذا كان التعامل معها تعاملا نقديا على أساس أنهم رجال وأننا رجال. ولكن اعلم يا أخي أن المتيسر لنا أكثر بكثير من المتيسر لهم. وأننا يمكننا أن نفهم بعض مسائلهم أفضل مما فهموه هم بكثير وأن نصححهم في كثير. وأن ننصر أفكار هذا على ذاك منهم. أنا قليل الاطلاع على المتون وقد حاول أحد الشيوخ في الماضي أن يحفظنا متن السلم في المنطق وأنا متأكد أن معظم طلاب الرياضيات والكمبيوتر أكثر فهما للمنطق من هذا الشيخ (إذا تجاوزنا مسألة المصطلحات). وحضرت يوما درسا في النسفية وكان في كلام صاحب المتن أو الشارح التفتازاني (لست متأكدا) برهنة على بعض المقولات باستخدام برهان الطوفان والتطبيق. إنه كلام من لا يعرف معنى الـ "ما لا نهاية" في الرياضيات فيجمعها ويطرحها من طرفي المعادلة كما يحلو له. وأما السنوسية الكبرى فأذكر أن صاحبها لم يكن طويل الباع في البصريات عندما كان يناقش مسألة الرؤية. ولعلك إذا ركزت في كلام معظم علماء الكلام عند الأشاعرة والماتريدية وكل علماء الكلام عند المعتزلة والزيدية والإثناعشرية في مسائل القدم والبقاء لوجدتهم يتكلمون عن زمان مطلق، الأحداث مرتبة فيه بشكل مطلق بالنسبة للجميع (وحتى بالنسبة لرب العالمين). هم وإن أكدوا أن الله خالق الزمن فهم في مسائلهم يجرون الزمن على رب العالمين بشكل أو بآخر. هؤلاء لم يسمعوا في حياتهم قط بـ "النظرية النسبية" وانتفاء الزمن المطلق. لم يسمعوا قط بأن نظرية الكم الحديثة تشكك بالسببية بالشكل الذي نعهده. أما أنا وأنت فيجدر بنا الانطلاق في دنيا العلم بكل إنصاف وتجرد وموضوعية مبتعدين عن الحماس الأعمى لطائفة معينة ولهوية ذاتية ومبتعدين عن رفع سيف التكفير والتضليل لكل من خالف ما اعتدنا عليه. أنا لا يهمني إذا قال لي فلان أو علان: لست أشعريا ولا حق لك بالتكلم بالنيابة عنهم. شخصيتي الفكرية يجب أن تكون مستقلة لا يعرّفها إلا ما صارت إليه في رحلة البحث عن الحق. وليس المطلوب أن أمسخها لأحوز على هوية "أشعري". ورحم الله الإمام الفخر الرازي كان كثيرا ما يقول: "قالت الأشاعرة كذا وعندي كذا". وسواء رضي الرازي بكونه أشعريا أم لم يرض فمنظومته الفكرية المستقلة تنتمي إلى المدرسة الأشعرية.
          (مرة ثانية يا أخ بلال أستميحك العذر لما كتبت من ملاحظات ... أنا إنسان أكاديمي أشجع على التفكير الأكاديمي الحر وأعتقد أن عندي من حكمة كهولة ما فوق ال 35 ما ليس عند بعض الشباب المتحمس. ولهذا سمحت لنفسي بإطلاق هذه الرسالة للقراء جميعا وإن بدا أن فوهة المدفع موجهة إليك. ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه وعرف قدر الرجال.)
          أرجو أن لا تفهم يا أخي أني قد تحسست لأية عبارة صدرت منك. وأنا سعيد بتفاعلك الجاد المخلص وأرحب بكل تعليقاتك. في المشاركة التالية سأورد بعض المواضع التي انتقدتها في جوابك للمعتزلي وفي المشاركة التي تليها سأورد ما كنت سأجيب أنا به على المعتزلي.

          غفر الله لنا جميعا وجعل عملنا خالصا لوجهه

          واسلم لأخيك والسلام
          الحمد لله
          رب زدني علما

          تعليق

          • إسماعيل حمودة
            طالب علم
            • Jul 2003
            • 22

            #6
            نقد حوار بلال النجار مع المعتزلي

            المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
            الأشعري: نعم. لا يجب عليه عقلاً فعل شيء. (لأن الفعل بمعنى المفعول من حيث هو كذلك جائز في العقل أن يُفعل، لأنه لا معنى لكونه ممكناً إلا ذلك. وكل ما كان كذلك، كان إيجاده من الله تعالى إما مستحيل أو واجب أو جائز. ليس الأول بالاتفاق. والثاني لا يثبت إلا بنفي الاختيار عنه سبحانه، وهذا باطل عندنا. وهو قولكم في بعض الأفعال دون بعض فما المخصص؟ لأنا نفهم من الممكنات استواء تعلق الإرادة والقدرة بها، فلا بد من مخصص ليصدق مدعاكم. فنسألكم: هذا المخصص إما من ذاته تعالى أو غير ذاته؟ والثاني باطل بالاتفاق لأن الحادث لا يخصص القديم. والأول مثله باطل لأن المخصص هو صفات التأثير وهي لا تتعلق بالواجب بل بالممكن. فيبقى الثالث وهو عين المدعى. )((كلام منطقي مفيد جدا))
            المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة

            الأشعري: أنا أقول إن ذلك جائز على الله تعالى عقلاً، ]((هذا الجواب يكفيني))[/COLOR] (على معنى أنه يدخل من شاء الجنة فضلاً منه، ويدخل من شاء النار عدلاً. لأن إدخال بعض الناس الجنة وبعضهم النار أو كلهم الجنة أو كلهم النار، كل ذلك من الأفعال الممكنة في العقل، بمعنى أنه يتصور في العقل وجودها وعدمها، وحدوث أي منها لا يقع بالاستقلال أي لذاتها، لأن ذلك ترجح بلا مرجح، وهو في العقل محال. بل لا بد لكل فعل يقع في الوجود من مرجح لا من ذاته بل من غيره، والمرجح في ذلك هو عين إرادة الله جل وعلا. ولأن هذه الأمور لما ثبت إمكانها استحال أن يجب على الله تعالى فعلها، لأنه لا يجب عليه شيء، بل يجوز عليه سبحانه فعل كل ممكن أو تركه. هذا هو المعني بكون ذلك جائزاً في العقل) . ولكنا نقطع بأن من آمن وائتمر وانتهى مستسلماً لله أدخله الله الجنة، لأنه أخبر بذلك وخبره الصدق، ووعد بذلك ووعده الحق ((كيف عرفت هذا؟؟ أهو علم يقيني منك أم ظني؟؟)). ومثله في الكافر ومن خلط عملاً صالحاً وآخر خبيثاً كل حسابه عند الله، وله من الجزاء ما يستحق، كما أخبر بذلك ربنا عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. فوجب أن تقع هذه الأمور على وفق ما أخبر لا لذاتها بل لغيرها، وغيرها هذا هو قدرته تعالى على إنجاز وعده على وفق ما أراد وكما أخبر وهو العليم الخبير.
            المعتزلي: وكيف عرفت أنت المخلوق المهين ما هي مشيئة الله تعالى؟
            الأشعري: عرفت مشيئة الله تعالى فيما ذكرته، من طريق الخبر المتواتر.((الخبر المتواتر يا سيدي حساب احتمالات ويجوز عقلا أن يغلب الله تعالى الاحتمال الضئيل على الاحتمال الكبير جدا جدا ... مثال: يجوز عقلا أن يخلق الله تعالى جنيا ويأمره بالتشكل على هيئة ألف إنسان مختلف ويروي نفس الكذبة بنفس التفاصيل!!! كلامنا هو على الجائز عقلا وليس على المعتاد)) عن الرسول ((وأنت تعني ولا ريب الرسول المعصوم والكلام على البرهنة على عصمته لا يتيسر لك بدون مقدمات تسلم بها تتلخص بعلمك بأن الله تعالى شاء لك حياة التكليف)) المؤيد بالمعجزة ((والكلام على المعجزة مشابه هو في النهاية قياس على العادة وتغليب للاحتمال الكبير على الصغير)). وهذا سبب كاف للعلم عندي ((عندك أنت.. ولكننا نتحدث عن برهنة قاطعة لكل شك عند كل إنسان عاقل... تحدثنا عن أمور ممكنة عقلا تقول أنت عنها إنها مستحيلة ... هل هذا هو برهانك؟ لو أنك بدأت بمقدمة تسلم أنت بها بدون برهان خلاصتها أن الله تعالى شاء حياة التكليف حيث يمتحن الإنسان وتقام عليه الحجة بناء على ما يصدقه هذا الإنسان دائما لاستطعت أن تبرهن على أن إقامة الحجة توجب عصمة الرسول وتمنع تلبس الجن الموصوف وتمنع الخوارق المؤيدة للدجالين في دعاويهم الممكنة عقلا (ولكن لا تمنعها في دعاويهم المستحيلة مثال: خوارق تؤيد دعوى النبوة ممنوعة أما الخوارق التي تؤيد دعوى الألوهية فهي ليس ممنوعة) وتمنع خداع الحواس خداعا ينافي إقامة الحجة.... ولكن هذه المقدمة هي ما تريد أنت البرهنة عليه بناء على مقدمة أخرى هي: يفيد العلم عندي؟؟؟!!!))
            المعتزلي: على رسلك.... دعنا من الكلام النفسي وتفصيلات علمائك فيه. وقل لي ما علمته أنت بحواسك. متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
            الأشعري: الجواب على هذا السؤال هو عين الجواب على السابق. إلا أن لي بعض التدقيقات. فإن ما علمته وهو الذي ذكرته لك علمته بعقلي من طريق الحس لا بالحس نفسه. وفرق كبير بين الأمرين كما لا يخفى. أما متى أخبرني الله بمشيئته فهو لم يخبرني مباشرة بل من طريق الخبر المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أذكر بالضبط متى حصل عندي القطع بذلك إلا أن انضمام الخبر إلى الخبر بلّغني إلى ما أنا عليه الآن من اليقين بما قلته لك. وأما كيف فكما ذكرناه.
            المعتزلي: وأين الكلام النفسي في كل هذا؟؟؟ هذه كلها أفعال...وهي ممكنة عقلا وليست واجبة على الله تعالى... ((ما يريد المعتزلي قوله هو:حسبت أنك تريد الاستفادة من صفة الكلام النفسي للبرهنة على استحالة تجمع هذه الأفعال الممكنة عقلا في ظاهرة يعتبرها غيركم كذبا!!! كان أحد الإخوة يحاول في نقاشه معي في الماضي البرهنة على استحالة "الخلف" يوم القيامة الموصوف هنا باستخدام الكلام النفسي ثم أيقن بفساد هذا الاستدلال ولم يعد للكلام النفسي عنده أي معنى إضافي زائد عن صفة العلم ويفيد في فهم الألوهية. والسمع والكلام والبصر كلها صفات لا يرى حاجة للقول بها إلا للدليل السمعي))
            الأشعري: الكلام النفسي قائم بذات الله تعالى وهو صفته القديمة، وقد أوحى ربنا جل وعز إلى الرسول قرآناً عربياً غير ذي عوج يعبر عن بعض متعلقات كلامه النفسي الأشرف الأعلى. ومما جاء في الكتاب ما ذكرناه لك بالمعنى. قولك: (هذه أفعال)؟ أي شيء هو الفعل؟ إن كان إرسال الرسول الكريم ومن قبل ذلك خلقه و إنزال القرآن عليه، وتكليفنا بالشرع وحسابنا وإثابتنا ومعاقبتنا، فمسلم. وإن كان القرآن الكريم، فإن كنت تعني هذه الحروف والأصوات والصحف والرسوم فمسلم، وإن كنت تعني كلام الله تعالى الذي هو صفته، فغير مسلم. بل نقول هو صفته على ما هو مقرر ومدلل عليه عندنا ((سؤال عالماشي: هل تعتقد يا أخ بلال أن الإمام أحمد كان يخالف المعتزلة في محنة خلق القرآن لإيمانه بالكلام النفسي؟)). قولك (وهي ممكنة وليست واجبة على الله تعالى) نعم هي كذلك، وأين الإشكال فيه. بينه لنا لكي نجيبكم. ((لا إشكال ولكن تذكر اعتمادك على الكلام النفسي في مداخلتك الأولى لرد الشبهة!!!))
            المعتزلي: هل من الجائز عقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة غير صحيحة؟
            الأشعري: نعم هذا جائز في العقل.
            المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
            الأشعري: أما أولاً: فهنالك فرق بين أن يبدو ما يظهر على يديه خارقاً، وبين كونه خارقاً في نفس الأمر. لأن ما قد يبدو لخليل بائع الخضار مع احترامنا الشديد لشخصه، غير ما قد يبدو لأرباب العقول. والسبب في ذلك أن الوهم يلابس العقل في مأخذه، والباطل يشاكل الحق في مباحثه. وأما ثانياً: فإن مثل هذه الأمور الخوارق إذا نظر إلى ذاتها من حيث هي، فإنها في نفسها أمور ممكنة لذاتها، فيجوز على الله فعلها. وأما إذا نظر إليها من حيث هي معجزة لنبي كريم أظهرها الله تعالى على يديه بحيث تتنزل منزلة قوله تعالى صدق عبدي فيما يبلغ عني، فيمتنع عند ذلك عقلاً أن تظهر على يد غير الأنبياء. ((نحن نرى بحواسنا خارقة... كيف علمت أنها تتنزل منزلة قوله تعالة صدق عبدي؟ هذه مصادرة على المطلوب!!)) ولا نسلم إمكان ظهور الخوارق مقرونة بدعوى الرسالة والتحدي على غير أيدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ((لا نسلم... أنت حر وهذا اعتقادك غير أنه ليس برهانا)). وإن بدا للبعض أن ذلك وقع، فإننا نقدح في خرقه للعادة، أو نقدح إن ثبت كونها خرقاً للعادة في دعواه التبليغ عن الله عز وجل. والتباس الأمر عندك هو في جهة النظر إلى ذلك الأمر الخارق، فأنت تنظر إليه من حيث هو أمر ممكن مطلقاً دون قيد أو شرط، ولكن المعجزة أخص من ذلك، فتنبه.
            المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
            الأشعري: الكلام على المعجزة ينطبق إلى حد كبير على هذا المثال. ولكن دعنا نناقش الأمر، الله تعالى خلق الحواس الخمس (أعني السليمة) للإنسان شرطاً لتعقله، وقيد السلامة واضح ((ما الذي أوجب عندك كون الإنسان عاقلا بهذا المعنى؟ أليس هو إيمانك المسبق بأن الله تعالى شاء تكليف إنسان عاقل بإقامة الحجة عليه؟؟؟)). فإذا أجمع الناس أن ما سمعوه من فمه الشريف هو (أ) فإن ما سمعوه هو (أ). لا يقال قال (ب) ولكنهم سمعوا (أ)، لأنا نقول: السؤال عما سمعوه لا عما قاله، ولأن الأصل أن ما اجتمعوا على أنهم سمعوه فهو عين ما قاله، وادعاء خلافه مع جوازه في العقل خلاف الظاهر والعادة والمتواتر من سيرة العقلاء، لا عن دليل. ولا ينكر إفادة الحواس للعلم بأن ما أحسته فقد أحسته على الوجه الذي من شأن الحاسة أن تفيده للحساس إلا سفسطائي. وعقلاء المعتزلة أشرف من أن ننعتهم بالسفسطة. ((هذا جواب عاطفي وليس علميا... وأنت تعترف أنه ليس عندك دليل على خطأ السفسطائي... المسألة ليست مسألة برهنة فلا برهان... ولكن المسألة مسألة صدق مع النفس... هذا السفسطائي يؤمن بحواسه إذا لكمته في وجهه أو أخذت منه محفظة فلوسه... ولكنه يدعي أنه لا يؤمن بحواسه إذا كانت الحديث عن دين الله وتكليفه!!! أما ذاك السفسطائي الصادق مع نفسه في عدم تصديقه لحواسه فهو غير مكلف ولا يمكن إقامة الحجة عليه لأنه مجنون!!!))ولو سلم جدلاً كون ما سمعه الناس من الرسول الأعظم هو غير ما قاله، ولا يسلم. فالتكليف منوط بما سمع لا بما قيل ((نحن نريد أن نبرهن وجود التكليف...وأنت تتكلم عن صفات هذا التكليف... ما هذا القفز؟)). ولا يخفى ما في القول بأن التكليف مغاير لما قاله الرسول من التناقض. والمجوز لذلك يلزمه الكثير من اللوازم الباطلة والاحتمالات البعيدة. ولنتأمل الأمر أكثر، هل يقول هذا القائل بأن كل ما سمعه الناس هو خلاف ما قاله الرسول أم أن بعضه موافق وبعضه مخالف. الأول باطل لأنه قال أنا النبي لا كذب والمدعى أنه صادق، وسامع خلاف ذلك، مخالف فيه، والمخالف فيه كافر، فلم يجلس إليه ويأخذ عنه وهو ليس نبياً. وإن كان في البعض دون البعض، فما الضابط لذلك؟ إما أن يكون لسان النبي، أو أذن السامع؟ لا جائز أن يكون الأول لأن المدعى أن كلام الرسول كلامه وإنما المشكلة في سمعنا. وعلى الثاني أنك تجوز أن تعمل أذنك بشكل منضبط وصحيح حيناً، وأن لا تعمل بشكل صحيح حيناً آخر، وهذا هو عين القول بعدم سلامتها، وعدم الاحتجاج بها طريقاً للمعرفة، لأن طرق المعرفة لا بد وأن تكون منضبطة دائماً. ثم لو وقع ما تقول لاستحال أن لا يلاحظ الناس ذلك، ولو لاحظ الناس عدم انضباط السمع دليلاً على أن ما سمعناه فقد سمعناه، لما جعلوه من أسباب العلم. ثم إن الرسول أخبر بأن خالق العالم تعالى قديم، فلو جاز أن يكون الناس قد سمعوا خلاف ذلك، فهم قد سمعوا أن الله حادث، لأنه لا ثالث بين الحدوث والقدم، وهذا باطل بالعقل، فلو سمع الناس خلاف ما يقول الرسول في أصول الدين خاصة، للزم إفحام الأنبياء وتناقضهم، لأن كثيراً من العقائد ثابتة بالبرهان. فلما لم نر برهانا قام على خلاف ما ادعاه النبي علمنا صدقه، في أصول الدين، وما توصلنا إليه بالدلائل العقلية هو عين ما نقرأه في القرآن ونقلته الأخبار المتواترة عنه صلى الله عليه وسلم، فثبت أنه لو كان أخبر خلاف ما أثبتاه بالبرهان، فإن كلامه يجب أن يكون كاذباً لمخالفته البرهان، وعليه فلا يكون صادقاً كما هو المدعى. هذا خلف. فيكون ما سمعناه هو عين ما قاله، وهو عين ما قام عليه البرهان. وههنا وجه آخر، إن كثيراً ممن سمعوا استفهموا، فإذا استفهم واحد من السامعين من الرسول عن أمر معين، فهل تقول إن الرسول يسمع كلامه كما قاله أم لا كما قاله؟ إذا كان الثاني فقد أثبت عطباً واضطراباً في سمعه الشريف، المستلزم لجوابه على الناس على خلاف ما سألوا المستلزم لظهور بلهه وعدم فطنته بما يكفي لينفر منه الناس ويكذبوه، وبما هو خلاف المتواتر من ذكائه وحدة ذهنه وحسن بيانه. وإذا كان الأول فإذا استفهم مشرك عن أن الله هل هو واحد أم متعدد؟ فماذا عساه أن يسمع إذا أجابه الرسول بأن الله تعالى واحد لا شريك له؟ فبان أنه لا يستقيم تبليغ للرسالة ولا صدق رسول مع القول بما قلت. ثم هل تقول بأن الناس كلهم إذا قال النبي (أ) فإنهم سيسمعون نفس (ب) أم أن كل واحد منهم يسمع على خلاف الآخر، أم أن بعضهم يسمع (أ) وبعضهم يسمع (ب) وآخرون (ج)... وهكذا. ألا ترى أن هذه الأقوال جميعها في غاية الركاكة، لأنه يلزم منها تناقضات كثيرة. ولو جاز ما قلت والله ما أجمع المسلون على مسألة. ولظهر في الدين تناقضات واختلافات لا حصر لها، لأنها لن تكون عين ما أنزل الله تعالى. فتأمل أكثر في مثالك. وما زال هنالك الكثير من الكلام ليقال في هذا الباب. ((يمكن أن ينتقد المرء الكثير مما كتب هنا ولا أجد ضرورة لهذا بعد أن فهم جوهر الإشكال))
            المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
            الأشعري: أجبنا عن هذا السؤال بما فيه الكفاية.
            المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف؟؟؟؟
            الأشعري: نحن منعنا ما جوزته فلا يلزمنا ما تقول ((أنت لم تمنع شيئا...هذه الأمور كلها جائزة عقلا ومن الجائز عقلا أن يجعلك الله تعالى تقتنع اقتناعا خاطئا بأن مشيئته تعلقت بمنع هذا الجائز عقلا))، وأما نسبة الظلم والعبث والكذب عليه فقد أجبناك عنها في رسالتنا السابقة. كما أجبنا عن استحالة أننا نعيش كذبة اسمها الدين. لأن الدين موجود فعلاً، ومعتنقه ومتأمله بإنصاف يرى فيه غاية الحسن والكمال، ويقتنع به عقله، ويطمئن له قلبه، وترتاح وتكمل به نفسه. والعالم به يحيل كونه موضوعاً من عند غير الله تعالى لأنه لا يعتريه الخلل ولا التنافر والتناقض، ويراه مساوقاً لطبيعته وحقيقته الإنسية، سائقاً لهو نحو الخير بالذات في الدنيا والآخرة. وهذه الأوصاف لا يمكن أن تتحقق فيما سميته كذبة. والحمد لله رب العالمين.
            ((بارك الله فيك))
            الحمد لله
            رب زدني علما

            تعليق

            • إسماعيل حمودة
              طالب علم
              • Jul 2003
              • 22

              #7
              حوار إسماعيل مع المعتزلي

              المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
              إسماعيل: نعم... الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال وجوبا عقليا... قدرة الله تعالى تتعلق بكل الممكنات.... ولكن إرادة الله تعالى هي التي تخصص بعض هذه الممكنات فتصير واجبة الحدوث. ووجوبها ليس عقليا وإنما هو وجوب عرضي.
              المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة.
              إسماعيل: الأمران جائزان عقلا ولكنهما مستحيلان عرضا لأن مشيئة الله تعالى تعلقت بأن تكون هذه الدنيا حياة تكليف وأن تكون الجنة للمؤمن والنار للكافر.
              المعتزلي: وكيف عرفت أنت المخلوق المهين ما هي مشيئة الله تعالى؟
              إسماعيل: لقد أخبرنا نحن المكلفين بذلك بما لا يدع مكانا للشك.
              المعتزلي: متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
              إسماعيل: أتانا رجل يزعم أنه رسول من الله عز وجل وقال لنا قولا سمعناه بآذاننا. وتحدانا بالمعجزات تدليلا على عصمته وصدقه.
              المعتزلي: هل من الجائز عقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة كلها صحيحة ما عدا أمرا واحدا غيبيا ممكنا عقلا لكنه غير صحيح؟
              إسماعيل: طبعا هذا ممكن
              المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
              إسماعيل: طبعا هذا ممكن
              المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
              إسماعيل: هذا ممكن عقلا.
              المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
              إسماعيل: نعم...هذه الأفعال كلها ممكنة عقلا... أنا لا أستطيع أن أمنع أيا منها بناء على تقبيح عقلي.
              المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف ؟؟؟؟


              إسماعيل: لكي أكون صادقا معك أقول لك: ليس عندي برهان عقلي على عدم حصول ما تقول. ينحصر الرد في التالي: ليس كل ممكن عقلا حاصلا؟ إذا تعلقت مشيئة الله تعالى بعدم حصوله كان مستحيلا (عرضا لا عقلا).
              المعتزلي: وكيف علمت يقينا بمشيئة الله؟؟؟ هل كان اعتمادك محصورا بمقدمات لا يتصور في العقل خلافها؟؟
              إسماعيل: لا... أنا أعتمد على مقدمات يجوز في العقل خلافها (ليست من قبيل "الجزء أصغر من الكل") وجدت "العقلاء" مطبقين على التسليم بها في كل أعمالهم.. منها مثلا الإيمان بالحواس والإيمان بالسببية الزمانية (اعتماد اللاحق على السابق)... مثل هذه المقدمات (بالإضافة إلى مقدمة يصعب علي تحريرها وصياغتها بشكل شاف حتى الآن وهي يقيننا بأن الحياة لها معنى) هي التي تدعوني لفهم معنى المعجزات وتصديق الرسل.
              المعتزلي: ولكنك تؤمن أن مقدماتك هذه لا برهان قطعيا لك عليها وأنه يجوز في العقل خلافها؟
              إسماعيل: نعم!!
              المعتزلي: وأنه يجوز عقلا أن يكون الله تعالى ركب فيك هذه المقدمات بحيث تخدعك فتظن أن الله شاء التكليف بخلاف حقيقة الحال.
              إسماعيل: نعم. ولكني أؤمن بهذه المقدمات إيمانا قطعيا. وليس لي برهان... إنما الأمر "نور يقذفه الله تعالى في القلب"
              المعتزلي: ... عدنا إلى الإمام الغزالي...
              إسماعيل: رضي الله عنه وقدس سره!!
              المعتزلي: هل تعرف أن الخلاف بيننا دقيق قد يكون لفظيا؟
              إسماعيل: لا أعتقد أنه لفظي.
              المعتزلي: عد إلى مقدماتك التي تعتمد عليها. أليست أهم مقدمة تعتمد عليها هي تلك التي صغتها على أنها اعتقاد بأن للحياة معنى؟
              إسماعيل: لا أزال في طور تحرير هذه النقطة. أنا أؤمن أن الإنسان المكلف لا تقام عليه الحجة بدون الإيمان بأن للحياة معنى. بدون هذا الإيمان لن يؤمن بحواسه ولن يلتفت للسببية ولن يعمم القوانين العادية ويهمل الاحتمالات الضئيلة ولن تكون له نظرية معرفة أصلا ولن يكون هناك ما يدعوه للتأمل والنظر والتفكر في كلام الأنبياء بل ولا للاستماع لهم أصلا.
              المعتزلي: أنت ترى أن الأصل هو الإيمان بمعنى للحياة وأن الفرع هو ملاحظة التنسيق والإبداع في العالم. بينما يرى الكثيرون أن الأصل هو ملاحظة التنسيق والإبداع في العالم وأن الإيمان بمعنى للحياة ينتج عن هذه الملاحظة؟
              إسماعيل: نعم هو كذلك... أو على الأقل هناك قدر أولي من الإيمان بمغزى للحياة مزروع في الفطرة والنفس تؤدي إلى ملاحظة التنسيق والإبداع في الكون وتؤدي بعد ذلك إلى تعزيز هذا الإيمان بمعنى للحياة.
              المعتزلي: وما الذي يدعوك لنفي العكس؟
              إسماعيل: للاختصار أرد عليك كما يلي: أنا لا أتصور أن يدرك أي حاسوب ذكي متقن لكل القواعد المنطقية والعقلية التي نعرفها ومزود بآلات إدراك تجعله على علم بكل ما نعلمه نحن عن العالم.. لا أتصور أن يدرك هذا الحاسوب معنى للحياة ولا جمالا ولا خيرا ولا شرا إلا بعد أن نبرمج له معنى الجمال والخير وأن للحياة معنى وأن نحسن له البحث عنه..
              المعتزلي: ألا يمكن أن نعبر عن "معنى الحياة" الذي تراه بالإيمان بأن الحياة لم توجد عبثا؟
              إسماعيل: نعم... يمكن ذلك إذا التزمت بهذا المعنى للعبث
              المعتزلي: إذن أنت تؤمن بمبدأ هو قبح أن يكون الله تعالى خلق الحياة عبثا؟
              إسماعيل: أنا أؤمن أن الله لم يخلق الحياة عبثا... العبث عندي (بالمعنى السابق) لا يكون. وهذا لأني أصدق فطرة ركبها الله تعالى فيّ تمنعه.
              المعتزلي: ولماذا لا تقول: "العبث عندي لا يكون لأني أصدق فطرة ركّبها الله تعالى فيّ تستقبحه"؟
              إسماعيل: لم أعرّف القبيح بعد. ولكنك إذا أردت تعريف بعض أنواع القبيح بأنه ما تمنعه فطرة ركبها الله تعالى في المكلفين لما رأيت خلافك.
              المعتزلي: والمكلفون عقلاء... إذن أنت تؤمن بقبيح تمنعه فطرة ركبها الله تعالى في العقلاء. إذن أنت تؤمن بالقبح العقلي!!! أليس كذلك؟ هل خلافنا لفظي إذن؟
              إسماعيل: التحسين والتقبيح العقليان بمعنى قراءة رسالة إلهية مركبة في فطرتنا هي غير ما تقولون من تحسين وتقبيح ذاتيين. المعنى الأول (الذي أعتقد أن بعض علماء الماتريدية قالوا به) يسلم بأن الفعل ممكن لذاته وأنه يتصور في العقل خلافه وأن المشيئة الإلهية تعلقت بحدوثه (أو بعدم حدوثه).
              أما أنتم المعتزلة فتعتقدون أن مرجح حصول الفعل أو عدم حصوله ليس المشيئة الإلهية... وإنما الفعل نفسه بذاته. وبخلاف ركاكة هذا المدعى من الناحية العلمية المنطقية فأنتم يلزمكم منه سلب الاختيار عن الله تعالى في ما يجب عليه من أفعال (حسنة) وما يستحيل عليه من أفعال (قبيحة)
              .


              بانتظار تعليقات القراء
              اسلموا واسلام
              الحمد لله
              رب زدني علما

              تعليق

              • سعيد فودة
                المشرف العام
                • Jul 2003
                • 2444

                #8
                [ALIGN=JUSTIFY]الأخ إسماعيل حمودة المحترم،
                يدل كلامك على مستوى جيد من الاطلاع والتفكر، ولكن
                قولك:
                ولكن اعلم يا أخي أن المتيسر لنا أكثر بكثير من المتيسر لهم. وأننا يمكننا أن نفهم بعض مسائلهم أفضل مما فهموه هم بكثير وأن نصححهم في كثير. وأن ننصر أفكار هذا على ذاك منهم.
                أقول:
                قولك المتيسر لنا، بصيغة المجموع:
                إن أردت به لمجموع البشرية فلا ينفعك هنا لأنك أنت الذي تتكلم في هذه المسألة.
                وإن أردت به أنت فلا أسلم أنا به لأنه يظهر من كلامك أنك غير مطلع كفاية على ما قالوه، وأخص علماء الأشاعرة، نعم يظهر من كلامك أنك قد فكرت كثيرا في هذه المسائل، ولكنك غير مطلع على كثير مما قالوه، كما سأظهره لك.
                وقولك:
                أنا قليل الاطلاع على المتون وقد حاول أحد الشيوخ في الماضي أن يحفظنا متن السلم في المنطق وأنا متأكد أن معظم طلاب الرياضيات والكمبيوتر أكثر فهما للمنطق من هذا الشيخ (إذا تجاوزنا مسألة المصطلحات).
                أقول:
                إذا كنت مطلعا على المنطق بمستوى السلم المنورق، فقط ولا أدري من هو هذا الشيخ الذي أراد تحفيظه لكم وما مدى تمكنه منه، وما مدى فهمك أنت له، فأقول لك:
                أولا: إن السلم وضع للمبتدئين فقط في المنطق، لا للمنتهين ولا للمتبحرين، فهو البداية فقط ويشبه أن يكون حلا للمصطلحات فقط، لا درسل للمباحق المنطقية.
                وعليه فإن الدارس للرياضيات ربما يكونون أكثر فهما لمن اقتصر على دراسة أو حفظ السلم المنورق، ولكنهم لن يكونوا بأي حال أكثر فهما للمنطق من علماء المنطق الكبار كالتفتازاني والأبهري والكاتبي وغيرهم.
                ثم إن قولك أنا قليل الاطلاع على المتون يناقض قولك سابقا بأنك تعرف أكثر مما عرفه السابقون في هذه المسائل، وهذه المسائل من المشتركات بين البشر، ولا يعتمد فيها على تجارب ولا أفعال جزئية ولا يتوقف إدراكها على الاختراعات البشرية ولا على الكمبيوتر.
                قولك:
                وحضرت يوما درسا في النسفية وكان في كلام صاحب المتن أو الشارح التفتازاني (لست متأكدا) برهنة على بعض المقولات باستخدام برهان الطوفان والتطبيق. إنه كلام من لا يعرف معنى الـ "ما لا نهاية" في الرياضيات فيجمعها ويطرحها من طرفي المعادلة كما يحلو له.
                أقول:
                قولك هذا يدل دلالى قاطعة على أنك لم تتعمق بعد في فهم كلام المتقدمين، وأقول لك ليس في كلام المتقدمين في برهان التطبيق جمع وطرح للمالانهايات، بل كلامهم فيه قائم على خلاف ذلك، أصلا لو دريت حقيقته. وأما صورته الظاهرية فمبنية على المسلمات الجدلية التي أخذوها من عند الخصم. فهو إلزامي. وربما لذلك ظننت أنهم يجمعون ويطرحون في اللانهايات.
                واعلم أيضا أنهم أعني المتقدمين قد صرحوا قبل أن يتكلم برتراند رسل عن أصول الراضيات أن اللانهايات لا يجوز فيها جمع ولا طره، بل صرحوا أصلا أنها ليست أعدادا، لأنها ليست كميات أصلا، لعدم جواز وجودها.
                فتفكر في ذلك.
                ثم ليس من اللائق إن التفتازاني أو النسفي وهو صاحب متن النسفية، يتكلمان كلام من لا يعرف معنى اللانهاية...الى آخر كلامك الدال على استهانتك بهم المبني على عدم معرفتك بهم.
                وقولك:
                وأما السنوسية الكبرى فأذكر أن صاحبها لم يكن طويل الباع في البصريات عندما كان يناقش مسألة الرؤية. ولعلك إذا ركزت في كلام معظم علماء الكلام عند الأشاعرة والماتريدية وكل علماء الكلام عند المعتزلة والزيدية والإثناعشرية في مسائل القدم والبقاء لوجدتهم يتكلمون عن زمان مطلق، الأحداث مرتبة فيه بشكل مطلق بالنسبة للجميع (وحتى بالنسبة لرب العالمين). هم وإن أكدوا أن الله خالق الزمن فهم في مسائلهم يجرون الزمن على رب العالمين بشكل أو بآخر. هؤلاء لم يسمعوا في حياتهم قط بـ "النظرية النسبية" وانتفاء الزمن المطلق. لم يسمعوا قط بأن نظرية الكم الحديثة تشكك بالسببية بالشكل الذي نعهده.
                أقول:
                هذا الكلام مجرد ادعاء، ولا يؤخذ منك بعدما اتضح لي أنك لست متعمقا في فهم كلام القوم، واعلم أيها الأخ الفاضل مرة أخرى أن جميع الاشاعرة نفوا الزمان المطلق والمكان المطلق قبل أن يأتي آينشتين ويتكلم في هذه المسائل، وأما كلامهم في حق الله تعالى واستعمالاتهم بعض الألفاظ الدالة على الزمان فهذا ما يسمى عندهم بالزمان التقديري، أي التنزلي على حسب الفرض أو تقدير الخصم أو الوهم.
                ولا يستلزم ذلك كما تتوهم أنت أنهم خلطوا كلامهم عن الله تعالى بالزمان المطلق، وكأنك تتصورهم يقولون أمرا (وهو نفي الزمان المطلق) ثم ينسون ما قرروه إذا خاضوا وتعمقوا في المسائل فيبنون كلامهم على وجوده الحقيقي فيتناقضون عندك وعلى حسب فهمك. وهذا تقصير منك أنت، لا منهم، فأنت لعدم تعمقك في المتون لم تتعمق فيهم.
                وأما السببية فإن الأشاعرة هم أسياد من تكلم في حقيقتها، بكلام أصيل دال على حسن فهمهم لعقيدة الإسلام، ولحقيقة كون الله تعالى فاعلا مختارا. ولا يتوفق كلامنا نحن في السببية على اختراعات معاصرة ولا على نظريات حديثة، مع فهمنا لها تماما، وبصورتها النظرية بالعادلات الرياضية التامة، بل بالأدلة الرياضية والتجريبية وأصولها الفلسفية كما صدرت من عند من فكر فيها.
                ومع ذلك كله، أقول لك إن غاية كلام العلماء المعاصرين لم يتعد بعض ما ذكره علماء الأشاعرة في هذا الباب.
                ولذلك أنا أدعوك لزيادة التفهم والتفكر لا مجرد الاطلاع على ما وضحه علماء الأشاعرة.
                ولي كلام تفصيلي في هذا الخصوص، بل في دقائقه، لا يناسب ذكره هنا.
                وقولك:
                أما أنا وأنت فيجدر بنا الانطلاق في دنيا العلم بكل إنصاف وتجرد وموضوعية مبتعدين عن الحماس الأعمى لطائفة معينة ولهوية ذاتية ومبتعدين عن رفع سيف التكفير والتضليل لكل من خالف ما اعتدنا عليه. أنا لا يهمني إذا قال لي فلان أو علان: لست أشعريا ولا حق لك بالتكلم بالنيابة عنهم. شخصيتي الفكرية يجب أن تكون مستقلة لا يعرّفها إلا ما صارت إليه في رحلة البحث عن الحق. وليس المطلوب أن أمسخها لأحوز على هوية "أشعري". ورحم الله الإمام الفخر الرازي كان كثيرا ما يقول: "قالت الأشاعرة كذا وعندي كذا". وسواء رضي الرازي بكونه أشعريا أم لم يرض فمنظومته الفكرية المستقلة تنتمي إلى المدرسة الأشعرية.
                أقول:
                هذا هو الانطباع الذي حصل في نفسي عندما قرأت لك أول ما قرأت لك.
                فقد اتضحت عندي هويتك، وعرفت أنك على فضلك باحث على حسب ما تعتقد أنت، لا تلتزم بمذهب تمام الالتزام، وربما يعود سبب هذا عندي إلى عدم تعمقك في هذه المذاهب. وعدم التعمق لا يستلزم عدم القدرة، فظاهر أن عندك من القدرة ما يؤهلك لذلك، ولكن ربما يعود إلى استصغارك المبني على عدم الاطلاع.
                وهذا كله -أي ما ذكرته- لا أريد أن تفهم منه سوءا لك. بل هو مجرد تنبيه على ما فهمته أنا من حالك. ولكن الالتزام بمذهب لا يستلزم مسخ الهوية الفكرية ولا سحق الاستقلال، بل يؤكده، ولا يستطيع الالتزام بمذهب إلا صاحب قدم راسخة في العلوم العقلية أصلا.

                والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.[/ALIGN]
                التعديل الأخير تم بواسطة الإدارة; الساعة 14-08-2003, 11:56.
                وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                تعليق

                • بلال النجار
                  مـشـــرف
                  • Jul 2003
                  • 1128

                  #9
                  بسم الله الرحمن الرحيم
                  الأخ إسماعيل
                  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                  قد كنت في عجلة من أمري، والآن فرغت، وسأتابع معك الحوار إن شاء الله حتى تملّ، وأرجو أن نترك المجاملات قليلاً، وسأسمح لك وأسمح لكائن من كان أن يقسو علي في النقاش بحق، ولا داعي لأن تكرر الاعتذار، فأنا لا ألتفت إلى ذلك.
                  قولك: (... لو كانت بضاعتي التي تمنيت أن أجدها في هذا الملتقى عندك. ولكني أستطيع أن أقول اليوم: "لعلها ستكون عند بلال الغد... ولكنها بيقين ليست عند بلال اليوم)
                  أقول: أريد حقاً معرفة هذه البضاعة، فأنا بارع في التجارة، وخير من سام البضائع وثمّنها، فلا تعجل علي، واسمح لنفسك باكتشافي وإنصافي، أيها الأخ العزيز، وبالمناسبة عائلة حمودة مشهورة في الأردن، وأنا أتمنى أن تكون من أهل عمان، وإذا كنت كذلك فأعلمني لعلنا نلتقي ونتحاور وجهاً لوجه، فإن الكلام يطول أحياناً، والكلام مشافهة أفضل عند الإغراق في التفاصيل.

                  قولك: (استخففت بمسألة هي من أدق المسائل الفكرية واعتقدت أنها من السهل الواضح. قلت.....)
                  أقول: القضية ليست قضية استخفاف، القضية أني لا أوافق على أن مسألة الحسن والقبح فيها من الشبه ما يعكر صفو المذهب الأشعري، واعتبرت هذه دعوى لا عن دليل. لأني من وجهة نظري كأشعري أجد القول بالحسن والقبح العقليين على المعنى الذي ذكرته أنا وهو أن القبيح هو ما يستلزم الذم حالاً والعقاب مآلاً، والحسن ما يستلزم الذم حالاً والثواب من الله تعالى مآلاً، أقول أجد القول بأن ذلك إنما يعرف بالعقل، باطلاً جملة وتفصيلاً. وأريدك أن تعلم أن إجاباتي كانت على سبيل التناظر السريع مع رجل معتزلي، لا معك أنت، بوصفك -كما فهمت أولاً- أشعرياً يناظر شيعياً ويطلب العون، وقد اعتمدت في كلامي على الإلزامات أكثر من تحقيق المسائل وبحثها بتفصيل. وعلى أي حال، سأرى وجوه اعتراضك على إجاباتي وأناقشها في محله. ولكني الآن أريد فعلاً أن أعرف موقفك في مسألة الحسن والقبح، أهما عندك شرعيين أم عقليين؟ وما معنى الحسن والقبح عندك؟ وبناء عليه سأبدأ في الكلام معك أنت إسماعيل في هذه المسألة.
                  قولك: (اعتقدت أن المسألة يجاب عليها في باب الصفات (صفة الكلام النفسي) لا في باب الأفعال ثم رأيت نفسك في جوابك الأخير لا تلتفت إلى الصفات أبدا وقد أيقنت أنها لا تفيد في رد الشبهة)
                  أقول: قولي إن الشبهة يجاب عنها في باب كلامه تعالى، مبناه على أن الشبهة قائلة: (ماذا لو كان الله يكذب علينا فيما أخبرنا به). وعليه فيكون بحث الكذب والصدق في خبره تعالى من مسائل الكلام، لا من مسائل أفعاله تعالى. وذلك يبحث في باب الصفات، لأن كلام الله تعالى عندنا هو صفته القديمة القائمة به، فإذا كنت تقول إن كلام الله تعالى هو من أفعاله، لا من صفاته، انتقلنا إلى البحث في إثبات أن كلام الله تعالى صفته لا فعله. فكيف بعد ذلك تقول إن الجواب على هذه الشبهة في باب الأفعال لا في باب الصفات. ثم إنك تدعي أنني لم أتعرض للكلام في الصفات، بل تكلمت في الأفعال، لأني كما ادعيت أنت أيقنت أن الكلام في الصفات لا يفيد في رد الشبهة. فلعمري ماذا كنت أقول في أول رسالة أرسلتها لك، وكيف بنيت ردي على شبهة جواز الكذب إن لم أتكلم في ذلك. أرجو يا أخ إسماعيل أن ترجع إلى كلامي وتقرأه جيداً. أما أني تكلمت في الأفعال بعد ذلك في رسالتي الأخيرة، فلا أدري لعلك ذهلت عن أني قلت في بدايتها أني أريد أن أضع نفسي مكانك في الإجابة عن أسئلة المعتزلي، فأجبته إجابات مفيدة على قد أسئلته. وتأمل أسئلته:
                  المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
                  المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة
                  المعتزلي: على رسلك.... دعنا من الكلام النفسي وتفصيلات علمائك فيه. وقل لي ما علمته أنت بحواسك. متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
                  المعتزلي: وأين الكلام النفسي في كل هذا؟؟؟ هذه كلها أفعال... وهي ممكنة عقلا وليست واجبة على الله تعالى...
                  المعتزلي: هل من الجائز عقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة غير صحيحة؟
                  المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
                  المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
                  المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
                  المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف؟؟؟؟
                  ستجد أن معظم أسئلته عن الأفعال، فكيف تريدني أن لا أتكلم فيها وهو يسألني عنها. وإن ما عملته في رسالتي السابقتين أني حاولت أن أجعل الحديث في الشبهة في باب الصفات لا في باب الأفعال، وأن أجيب الخصم على قدر سؤاله، فلا يرد علي أني أقطع الكلام ولا أحرره وأسيء فهم السائل، وأنا أطلب منك أن تريني أين أسأت فهم السائل، وأين أجبته على خلاف السؤال؟

                  قولك: (الخلط البين بين المطلوب برهنته وبين مقدمات البرهان فهناك في كلامك ما لا يخفى عليك من دور ومصادرة على المطلوب. المطلوب البرهنة على أن الله تعالى شاء لنا حياة التكليف والبرهنة عندك تعتمد على صدق الحواس وصدق دلالات الخوارق وعصمة الأنبياء التي لا يسلم بها إلا بناء على أننا نعرف أن الله شاء لنا حياة التكليف!!!! )
                  أقول: على رسلك يا إسماعيل، هذا كلام كبير، أريدك أن تريني أين صادرت على المطلوب في رسالتي الأخيرة، وأين وقع الدور في كلامي، لو تكرمت علي، انقل الجملة/ الجمل من كلامي التي صادرت فيها على المطلوب، والجملة/ الجمل التي وقعت فيها في الدور. ودعنا نناقش ذلك. ثم من قال لك إن (صدق الحواس، وصدق دلالات الخوارق، وعصمة الأنبياء) لا يسلم بها إلا بعد معرفة أن الله تعالى شاء لنا حياة التكليف. أريدك يا إسماعيل أن تبين لي وجه توقف صدق الحاسة على مشيئة الله بتكليفنا، ثم تبين لي وجه توقف (دلالة المعجزة على صدق الرسول) على مشيئة الله بتكليفنا، ثم تبين لي وجه توقف عصمة الرسول على مشيئة الله بتكليفنا. وهب أن الله تعالى أرسل الرسل بأخبار فقط ولم يطلب منا أي طلب، ولا حتى تصديق هذه الأخبار، فهل تقول: إن تصديق ما جاء به الرسول يتوقف على معرفة مشيئة الله بالتكليف؟ فههنا لا تكليف أصلاً، فهل ترى أن صدقه يتوقف على معرفة أننا مكلفون؟ ما رأيك في ذلك؟
                  قولك: (الهروب من ضبط المسألة بشكل أكاديمي دقيق وتقطيعها إلى مسائل مختلفة غير مترابطة يجاب عليها بإجابات كلاسيكية (مفيدة) لا تنطبق على المثال المطروق. لعلك كتبت ما كتبت لإفادة القارئ وتجنيبه "الفتنة". أنا لا أرى هذا الأسلوب علميا. تستطيع أن تكتب بوضوح استدراكا على الموضوع تقول فيه مثلا: "استكمالا للفائدة نوضح للقراء حجية المعجزة وعصمة الأنبياء إذا سلمنا بحياة التكليف)
                  أقول: أنا لا أهرب ولم أهرب ولن أهرب من ضبط مسألة والكلام فيها على النحو الذي ينبغي أن يتكلم فيها، وليس من سبب يدعوني لذلك أصلاً، كيف وأنا من يبحث يبحث عن مناظر ومناقش، كيف ولو أني أحب الهرب لم أتصد للكلام معك منذ البداية. ثم اعلم أنه ليس عندي ما أخشى أن أبديه، ولا أمتنع عن كتابة شيء خشية افتتان القارئ بما أكتب. ولعمري أي افتتان أخشاه، آلمذهب الأشعري ضعيف حتى أخصف عليه من الكلام ما يواري ضعفه، إذا كنت فهمت ذلك فأنت واهم يا صديقي. أما أنك لا ترى أني لا أكتب بأسلوب علمي، فأولاً: أنا لا أعرف ما تسميه أسلوباً علمياً، فهلا تكرمت علي بتوضيح مقصدك من الأسلوب العلمي لكي ألتزمه في نقاشي معك؟
                  وثانياً: فالأصل أن تبين لي أن قولي كذا وكذا غلط بدليل كذا وكذا. فإن وجدتني لا أقف عند الدليل، ولا أستسلم للبرهان فاعتزلني لأني عندها أحمق أو مغامر، ولست أهلاً لتتكلم معي. فأرجو أن لا تكرر هكذا كلام، قل لي إن قضيتك الفلانية ليست صحيحة بسبب كذا وكذا. ولا تترك الأمور هكذا خطباً، وطرز كلامك بالأدلة بدل أن تطرزه بعلامات التعجب، هكذا أفهم أنا ما تسميه أنت بالأسلوب العلمي.
                  قول: (يجب على طالب الحق التفاعل الصادق مع المسألة المطروحة وصياغتها بأقوى شكل يراه الخصم. بل لعلك يجب عليك أن تتفنن في إيجاد حجج لخصمك لم يحلم بها بعد. وصياغتي أنا هي الصياغة القوية للإشكال، وتقطيعك أنت لهذه الصياغة تهرب من إلزاماتها. وتسرعك في الإجابة يدعوني للاعتقاد بأنك لم تتفاعل بعد مع هذه المسائل التفاعل المؤرق ولهذا تسيء فهم المحاور أحيانا وتتعجل بالحكم عليه "من فوق(
                  أقول: إذا أنصفت وجدتني متفاعلاً مع أسئلة المعتزلي بشكل جيد، ولا يلزمني عند الجواب على السؤال أن أزيد في الكلام عن حدوده، فتنبه لذلك. أما إذا أردت حواراً مفتوحاً سواء في مسألة الحسن والقبح، أو في الكلام النفسي، أو في أي مسألة أخرى تختارها، فأنا على استعداد للكلام معك فيها، بالدليل، وإذا قلت قولاً عارياً عن الدليل فرده علي مباشرة، وبين لي غلطي وأنا أشهد كل من في المنتدى بأنني سأقر بهذا الغلط، وأتراجع عن قولي إذا بينت لي فساده. أما أن تتهمني بأني أصيغ المسائل على نحو ضعيف، وأجيب عنها بتسرع من فوق ومن تحت، فهذا كلام لا أحبه ولا طائل من ورائه، بيّن لي وللقراء أين قصرت في فهم سؤال المعتزلي، وأين لم أجب عن سؤاله كما ينبغي، وأين غلطت وهكذا... وإلا فلا داعي لهذا الكلام من أصله.

                  قولك: (الإعجاب بالقدماء والتبرك بحفظ متونهم وشروحها قد يفيد. بل هو لا بد مفيد جدا من ناحية البركة ومن الناحية السيكولوجية التي تشعر المرء بأنه ينتمي لمدرسة فكرية متميزة ممتدة في التاريخ والجغرافيا. وهي مفيدة أيضا من الناحية العلمية إذا كان التعامل معها تعاملا نقديا على أساس أنهم رجال وأننا رجال. ولكن اعلم يا أخي أن المتيسر لنا أكثر بكثير من المتيسر لهم. وأننا يمكننا أن نفهم بعض مسائلهم أفضل مما فهموه هم بكثير وأن نصححهم في كثير. وأن ننصر أفكار هذا على ذاك منهم.)
                  أقول: لا أدري ما هو الداعي لقولك مثل هذا الكلام، كأني بنفسي أتيتك بكلام نسخته من بعض كتب العلماء، وجئتك به، وقلت لك إن الدليل على كذا هو أن فلان بن فلان قال ذلك... ثم بربك كيف عرفت أني متأثر سيكولوجياً بأولئك الأوائل رحمهم الله. على أي حال، فما أجاب به الشيخ سعيد على باقي الكلام كاف فيما يتعلق بالمتيسر للفرد والمجموع.
                  قولك: (أنا قليل الاطلاع على المتون وقد حاول أحد الشيوخ في الماضي أن يحفظنا متن السلم في المنطق وأنا متأكد أن معظم طلاب الرياضيات والكمبيوتر أكثر فهما للمنطق من هذا الشيخ (إذا تجاوزنا مسألة المصطلحات))
                  أقول: زيادة على ما قال الشيخ سعيد، إن دراستي أصلاً هي البرمجة، ثم هندسة الكهرباء وتخصصي هو تكنولوجيا الكمبيوتر والأنظمة الرقمية، وقد مر زمان كنت ألعب بمسائل التفاضل والتكامل والمعادلات التفاضلية كمن يتسلى ويمارس هواياته، ولا يصعب علي الآن أن أراجع هذه العلوم، فتعود إلي ما فقدته من مهارات، وقد حصلت من مسائل الميكانيك والكهرباء والمغناطيسية والإلكترونيات ما قد تعجب منه، واطلاعي على النظرية الذرية الحديثة، والنسبية وغيرها من النظريات الحديثة اطلاع جيد، وعلى مستوى المعادلات الرياضية والحسابات، والفهم لحقيقة الأقوال. وشيخي الشيخ سعيد فودة أصل دراسته في الهندسة الكهربائية واسأل من شئت عنه في الفيزياء، والرياضيات وعلوم البرمجة والكمبيوتر، فنحن أناس أكاديميون على حد تعبيرك يا صديقي قبل أن نتعلم علم الكلام، وتعلمنا على مقاعد الجامعات، وناقشنا الدكاترة في المسائل، وأذكر أن بعض المدرسين كانوا يتحرجون من الكلام معي، لا لشيء إلا لأن طريقة المتكلمين في بحث المسائل وتحقيقها راسخة في عقلي، فلا أقبل قولاً على عواهنه، وإن لم يكن عن اقتناع ودليل فليرد أو يعلق للبحث فيه. ولعلك تطلع على شرح الشيخ سعيد على كتاب الطوالع المسجل صوتياً في منتدى الرازي، وترى مقدار تعمقنا في مباحث الطبيعيات والأمور العامة. ومع كل ذلك لا أقول أنا ولا يقول شيخي، ولا أعرف أحداً تعمق في دراسة المنطق يقول إن طالب رياضيات أو كمبيوتر في غنى عن تعلم المنطق لأنه يعرف أكثر مما في منثور في كتبه. أما الشيخ المذكور فإذا صح ما تقول: فلا يصح في عرفنا أن يسمى شيخاً، لأنه يطلق اصطلاحاً على العلماء، ومن كانت هذه صفته فلا يستحق أن يسمى شيخاً.
                  قولك: (وحضرت يوما درسا في النسفية وكان في كلام صاحب المتن أو الشارح التفتازاني (لست متأكدا) برهنة على بعض المقولات باستخدام برهان الطوفان والتطبيق. إنه كلام من لا يعرف معنى الـ "ما لا نهاية" في الرياضيات فيجمعها ويطرحها من طرفي المعادلة كما يحلو له)
                  لم يرد في شرح النسفية أو متنها ما يسمى ببرهان الطوفان، أما برهان التطبيق، فأنا أتحداك أن تقرره لي وتجد فيه ثغرة واحدة، تقدح فيه، حتى لا يعود برهاناً صالحاً لنقض التسلسل. ولن أزيد فيما يتعلق بالمالانهاية على ما قاله الشيخ، ولكني أدعوك للقراءة في كتب كالأربعين وشرح الطوالع والمقاصد والمطالب العالية والمواقف وغيرها من أمثالها، ثم عد إلي وقل لي رأيك هل أصحاب هذه الكتب يفهمون المالانهاية أو لا، وهل يفهم هؤلاء معنى الزمان والمكان أو لا؟
                  فأنا أستغرب من تصريحك بأنك غير مطلع على المتون فبأولى أن لا تكون مطلعاً على المطولات من كتب الأشعرية ثم تقول: (ولعلك إذا ركزت في كلام معظم علماء الكلام عند الأشاعرة والماتريدية وكل علماء الكلام عند المعتزلة والزيدية والإثنا عشرية في مسائل القدم والبقاء لوجدتهم يتكلمون عن زمان مطلق، الأحداث مرتبة فيه بشكل مطلق بالنسبة للجميع، وحتى بالنسبة لرب العالمين، هم وإن أكدوا أن الله خالق الزمن فهم في مسائلهم يجرون الزمن على رب العالمين بشكل أو بآخر. هؤلاء لم يسمعوا في حياتهم قط بـ "النظرية النسبية" وانتفاء الزمن المطلق. لم يسمعوا قط بأن نظرية الكم الحديثة تشكك بالسببية بالشكل الذي نعهده)
                  هل هذا هو ما تسميه أسلوباً علمياً، أن تطلق هذه الأحكام وأنت لا تعرف ما قاله هؤلاء الناس. ووالله ما عرفت أحداً عرفهم إلا ومدحهم، وما عرفت أحداً استهان بهم إلا وهو جاهل بمقالاتهم، فخفف الوطء يا إسماعيل. وأنا هنا لا أتكلم عن غير الأشعرية، وأود من كل قلبي لو تأتيني بقول واحد من كتب أئمة المذهب وتبين تهافته، سواء باستعمال أسلوبك الأكاديمي العلمي، أو بقواعد المنطق. ولعلني شغف جداً الآن بمعرفة ما قاله صاحب السنوسية الكبرى، بما يظهر قصر باعه في البصريات عندما كان يناقش مسألة الرؤية. وحبذا لو تأتيني بنصه، لنرى أين غلط الرجل، فإما أن نسلم غلطه أو ندفع مقالتك فيه.
                  قولك: (أنا لا يهمني إذا قال لي فلان أو علان: لست أشعرياً ولا حق لك بالتكلم بالنيابة عنهم. شخصيتي الفكرية يجب أن تكون مستقلة لا يعرّفها إلا ما صارت إليه في رحلة البحث عن الحق. وليس المطلوب أن أمسخها لأحوز على هوية "أشعري". ورحم الله الإمام الفخر الرازي كان كثيرا ما يقول: "قالت الأشاعرة كذا وعندي كذا". وسواء رضي الرازي بكونه أشعريا أم لم يرض فمنظومته الفكرية المستقلة تنتمي إلى المدرسة الأشعرية(
                  أقول: الصورة التي بدوت بها يا عزيزي أو التي طلعت علينا بها هي أنك أشعري تناقش شيعياً، فلما قصرت في توضيح رأي الأشعرية، وأجبت بجواب من عند نفسك لا على أصولهم، اعترضت عليك، وقلت لا يجوز لك أي من باب الأمانة العلمية- أن تتلبس بثوب أشعري وتناقش من حيث إنك كذلك ثم تأتي بكلام يناقض أقوالهم. هذا ما اعترضته عليك عندها، وإلا فإنني وإن كنت أحب أن تكون أشعرياً، فأنا لا أبالي أن تكون ما تكون، أنت أو غيرك، وقد قابلت في حياتي عبدة الشيطان وعبدة الطبيعة وصنوفاً من الملاحدة والكفار مما يعلمه الله تعالى، ولكن كلاً منهم كان يعلن عن نفسه بأنه كذا وكذا، ولم يدع أحد منهم أنه مسلم مثلاً ثم أخذ يقرر عقائد الإسلام على هواه. أفهمت الآن ما أقول. وحضرتك لم تقل إني من وجهة نظري أرى أن أشد ما يعكر على المذهب الأشعري هو القول بكذا وكذا، فهل من مناقش، ولكنك أتيت من باب آخر، أليس كذلك يا إسماعيل. فأنا لا أصادر عليك حقك في الاعتراض على المذهب الأشعري، أو مناقشة كائن من كان، ولكني أعترض حين تمثل مذهبي ثم تغلط في مسألة مشهورة فيه، فإذا أنا لم أعترض فقد أقررت كلامك، وهذا لا يجوز لا لك بأن تتكلم بما لا تعلم، ولا لي بأن أسكت عن غلطك.
                  قولك: (أنا إنسان أكاديمي أشجع على التفكير الأكاديمي الحر وأعتقد أن عندي من حكمة كهولة ما فوق ال 35 ما ليس عند بعض الشباب المتحمس. ولهذا سمحت لنفسي بإطلاق هذه الرسالة للقراء جميعا وإن بدا أن فوهة المدفع موجهة إليك. ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه وعرف قدر الرجال)
                  أقول: أعرف معنى أكاديمي، ولكني أجهل معنى تفكير أكاديمي، فإذا تكرمت علي بتوضيح هذا المصطلح الجديد علي. ثم لا أراك وقد بلغت الخامسة والثلاثين كهلاً لا لغة ولا شرعاً ولا عرفاً، وأنا نفسي في سن الثالثة والثلاثين، وأجدني في عنفوان شبابي، وكذا الشيخ جلال الجهاني، في مثل سني تقريباً، ولعله يقرأني الآن، ولا أعرف أنه يقول عن نفسه أنه كهل، وشيخي سعيد فودة تجاوز الخامسة والثلاثين، ولا أدري هل من التفكير الأكاديمي أو الأسلوب العلمي أن لا يناقش الكبير الصغير، أم أنك لمست في كلامي حماسة الولدان؟ إذا تقرر أن المرء بأصغريه، وأني لم أبد حماسة الحمقى، فقد سقط كلامك هذا، وإني والله أعرف قدر نفسي، وأعطي كل ذي قدر قدره. فلا تتعجل أنت في الحكم علي قبل أن تختبرني بما فيه الكفاية.
                  هذا ما أردت أن أضيفه على ما قاله الشيخ سعيد بشأن رسالتك الأولى، وسأتبعه إن شاء الله بكلام على باقي كلامك في أسرع ما يمكنني.
                  والسلام عليكم ورحمة الله.
                  ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

                  تعليق

                  • بلال النجار
                    مـشـــرف
                    • Jul 2003
                    • 1128

                    #10
                    رد على الماشي

                    بسم الله الرحمن الرحيم
                    الأخ إسماعيل
                    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                    قد كنت في عجلة من أمري، والآن فرغت، وسأتابع معك الحوار إن شاء الله حتى تملّ، وأرجو أن نترك المجاملات قليلاً، وسأسمح لك وأسمح لكائن من كان أن يقسو علي في النقاش بحق، ولا داعي لأن تكرر الاعتذار، فأنا لا ألتفت إلى ذلك.
                    قولك: (... لو كانت بضاعتي التي تمنيت أن أجدها في هذا الملتقى عندك. ولكني أستطيع أن أقول اليوم: "لعلها ستكون عند بلال الغد... ولكنها بيقين ليست عند بلال اليوم)
                    أقول: أريد حقاً معرفة هذه البضاعة، فأنا بارع في التجارة، وخير من سام البضائع وثمّنها، فلا تعجل علي، واسمح لنفسك باكتشافي وإنصافي، أيها الأخ العزيز، وبالمناسبة عائلة حمودة مشهورة في الأردن، وأنا أتمنى أن تكون من أهل عمان، وإذا كنت كذلك فأعلمني لعلنا نلتقي ونتحاور وجهاً لوجه، فإن الكلام يطول أحياناً، والكلام مشافهة أفضل عند الإغراق في التفاصيل.

                    قولك: (استخففت بمسألة هي من أدق المسائل الفكرية واعتقدت أنها من السهل الواضح. قلت.....)
                    أقول: القضية ليست قضية استخفاف، القضية أني لا أوافق على أن مسألة الحسن والقبح فيها من الشبه ما يعكر صفو المذهب الأشعري، واعتبرت هذه دعوى لا عن دليل. لأني من وجهة نظري كأشعري أجد القول بالحسن والقبح العقليين على المعنى الذي ذكرته أنا وهو أن القبيح هو ما يستلزم الذم حالاً والعقاب مآلاً، والحسن ما يستلزم الذم حالاً والثواب من الله تعالى مآلاً، أقول أجد القول بأن ذلك إنما يعرف بالعقل، باطلاً جملة وتفصيلاً. وأريدك أن تعلم أن إجاباتي كانت على سبيل التناظر السريع مع رجل معتزلي، لا معك أنت، بوصفك -كما فهمت أولاً- أشعرياً يناظر شيعياً ويطلب العون، وقد اعتمدت في كلامي على الإلزامات أكثر من تحقيق المسائل وبحثها بتفصيل. وعلى أي حال، سأرى وجوه اعتراضك على إجاباتي وأناقشها في محله. ولكني الآن أريد فعلاً أن أعرف موقفك في مسألة الحسن والقبح، أهما عندك شرعيين أم عقليين؟ وما معنى الحسن والقبح عندك؟ وبناء عليه سأبدأ في الكلام معك أنت إسماعيل في هذه المسألة.
                    قولك: (اعتقدت أن المسألة يجاب عليها في باب الصفات (صفة الكلام النفسي) لا في باب الأفعال ثم رأيت نفسك في جوابك الأخير لا تلتفت إلى الصفات أبدا وقد أيقنت أنها لا تفيد في رد الشبهة)
                    أقول: قولي إن الشبهة يجاب عنها في باب كلامه تعالى، مبناه على أن الشبهة قائلة: (ماذا لو كان الله يكذب علينا فيما أخبرنا به). وعليه فيكون بحث الكذب والصدق في خبره تعالى من مسائل الكلام، لا من مسائل أفعاله تعالى. وذلك يبحث في باب الصفات، لأن كلام الله تعالى عندنا هو صفته القديمة القائمة به، فإذا كنت تقول إن كلام الله تعالى هو من أفعاله، لا من صفاته، انتقلنا إلى البحث في إثبات أن كلام الله تعالى صفته لا فعله. فكيف بعد ذلك تقول إن الجواب على هذه الشبهة في باب الأفعال لا في باب الصفات. ثم إنك تدعي أنني لم أتعرض للكلام في الصفات، بل تكلمت في الأفعال، لأني كما ادعيت أنت أيقنت أن الكلام في الصفات لا يفيد في رد الشبهة. فلعمري ماذا كنت أقول في أول رسالة أرسلتها لك، وكيف بنيت ردي على شبهة جواز الكذب إن لم أتكلم في ذلك. أرجو يا أخ إسماعيل أن ترجع إلى كلامي وتقرأه جيداً. أما أني تكلمت في الأفعال بعد ذلك في رسالتي الأخيرة، فلا أدري لعلك ذهلت عن أني قلت في بدايتها أني أريد أن أضع نفسي مكانك في الإجابة عن أسئلة المعتزلي، فأجبته إجابات مفيدة على قد أسئلته. وتأمل أسئلته:
                    المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
                    المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة
                    المعتزلي: على رسلك.... دعنا من الكلام النفسي وتفصيلات علمائك فيه. وقل لي ما علمته أنت بحواسك. متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
                    المعتزلي: وأين الكلام النفسي في كل هذا؟؟؟ هذه كلها أفعال... وهي ممكنة عقلا وليست واجبة على الله تعالى...
                    المعتزلي: هل من الجائز عقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة غير صحيحة؟
                    المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
                    المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
                    المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
                    المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف؟؟؟؟
                    ستجد أن معظم أسئلته عن الأفعال، فكيف تريدني أن لا أتكلم فيها وهو يسألني عنها. وإن ما عملته في رسالتي السابقتين أني حاولت أن أجعل الحديث في الشبهة في باب الصفات لا في باب الأفعال، وأن أجيب الخصم على قدر سؤاله، فلا يرد علي أني أقطع الكلام ولا أحرره وأسيء فهم السائل، وأنا أطلب منك أن تريني أين أسأت فهم السائل، وأين أجبته على خلاف السؤال؟

                    قولك: (الخلط البين بين المطلوب برهنته وبين مقدمات البرهان فهناك في كلامك ما لا يخفى عليك من دور ومصادرة على المطلوب. المطلوب البرهنة على أن الله تعالى شاء لنا حياة التكليف والبرهنة عندك تعتمد على صدق الحواس وصدق دلالات الخوارق وعصمة الأنبياء التي لا يسلم بها إلا بناء على أننا نعرف أن الله شاء لنا حياة التكليف!!!! )
                    أقول: على رسلك يا إسماعيل، هذا كلام كبير، أريدك أن تريني أين صادرت على المطلوب في رسالتي الأخيرة، وأين وقع الدور في كلامي، لو تكرمت علي، انقل الجملة/ الجمل من كلامي التي صادرت فيها على المطلوب، والجملة/ الجمل التي وقعت فيها في الدور. ودعنا نناقش ذلك. ثم من قال لك إن (صدق الحواس، وصدق دلالات الخوارق، وعصمة الأنبياء) لا يسلم بها إلا بعد معرفة أن الله تعالى شاء لنا حياة التكليف. أريدك يا إسماعيل أن تبين لي وجه توقف صدق الحاسة على مشيئة الله بتكليفنا، ثم تبين لي وجه توقف (دلالة المعجزة على صدق الرسول) على مشيئة الله بتكليفنا، ثم تبين لي وجه توقف عصمة الرسول على مشيئة الله بتكليفنا. وهب أن الله تعالى أرسل الرسل بأخبار فقط ولم يطلب منا أي طلب، ولا حتى تصديق هذه الأخبار، فهل تقول: إن تصديق ما جاء به الرسول يتوقف على معرفة مشيئة الله بالتكليف؟ فههنا لا تكليف أصلاً، فهل ترى أن صدقه يتوقف على معرفة أننا مكلفون؟ ما رأيك في ذلك؟
                    قولك: (الهروب من ضبط المسألة بشكل أكاديمي دقيق وتقطيعها إلى مسائل مختلفة غير مترابطة يجاب عليها بإجابات كلاسيكية (مفيدة) لا تنطبق على المثال المطروق. لعلك كتبت ما كتبت لإفادة القارئ وتجنيبه "الفتنة". أنا لا أرى هذا الأسلوب علميا. تستطيع أن تكتب بوضوح استدراكا على الموضوع تقول فيه مثلا: "استكمالا للفائدة نوضح للقراء حجية المعجزة وعصمة الأنبياء إذا سلمنا بحياة التكليف)
                    أقول: أنا لا أهرب ولم أهرب ولن أهرب من ضبط مسألة والكلام فيها على النحو الذي ينبغي أن يتكلم فيها، وليس من سبب يدعوني لذلك أصلاً، كيف وأنا من يبحث يبحث عن مناظر ومناقش، كيف ولو أني أحب الهرب لم أتصد للكلام معك منذ البداية. ثم اعلم أنه ليس عندي ما أخشى أن أبديه، ولا أمتنع عن كتابة شيء خشية افتتان القارئ بما أكتب. ولعمري أي افتتان أخشاه، آلمذهب الأشعري ضعيف حتى أخصف عليه من الكلام ما يواري ضعفه، إذا كنت فهمت ذلك فأنت واهم يا صديقي. أما أنك لا ترى أني لا أكتب بأسلوب علمي، فأولاً: أنا لا أعرف ما تسميه أسلوباً علمياً، فهلا تكرمت علي بتوضيح مقصدك من الأسلوب العلمي لكي ألتزمه في نقاشي معك؟
                    وثانياً: فالأصل أن تبين لي أن قولي كذا وكذا غلط بدليل كذا وكذا. فإن وجدتني لا أقف عند الدليل، ولا أستسلم للبرهان فاعتزلني لأني عندها أحمق أو مغامر، ولست أهلاً لتتكلم معي. فأرجو أن لا تكرر هكذا كلام، قل لي إن قضيتك الفلانية ليست صحيحة بسبب كذا وكذا. ولا تترك الأمور هكذا خطباً، وطرز كلامك بالأدلة بدل أن تطرزه بعلامات التعجب، هكذا أفهم أنا ما تسميه أنت بالأسلوب العلمي.
                    قول: (يجب على طالب الحق التفاعل الصادق مع المسألة المطروحة وصياغتها بأقوى شكل يراه الخصم. بل لعلك يجب عليك أن تتفنن في إيجاد حجج لخصمك لم يحلم بها بعد. وصياغتي أنا هي الصياغة القوية للإشكال، وتقطيعك أنت لهذه الصياغة تهرب من إلزاماتها. وتسرعك في الإجابة يدعوني للاعتقاد بأنك لم تتفاعل بعد مع هذه المسائل التفاعل المؤرق ولهذا تسيء فهم المحاور أحيانا وتتعجل بالحكم عليه "من فوق(
                    أقول: إذا أنصفت وجدتني متفاعلاً مع أسئلة المعتزلي بشكل جيد، ولا يلزمني عند الجواب على السؤال أن أزيد في الكلام عن حدوده، فتنبه لذلك. أما إذا أردت حواراً مفتوحاً سواء في مسألة الحسن والقبح، أو في الكلام النفسي، أو في أي مسألة أخرى تختارها، فأنا على استعداد للكلام معك فيها، بالدليل، وإذا قلت قولاً عارياً عن الدليل فرده علي مباشرة، وبين لي غلطي وأنا أشهد كل من في المنتدى بأنني سأقر بهذا الغلط، وأتراجع عن قولي إذا بينت لي فساده. أما أن تتهمني بأني أصيغ المسائل على نحو ضعيف، وأجيب عنها بتسرع من فوق ومن تحت، فهذا كلام لا أحبه ولا طائل من ورائه، بيّن لي وللقراء أين قصرت في فهم سؤال المعتزلي، وأين لم أجب عن سؤاله كما ينبغي، وأين غلطت وهكذا... وإلا فلا داعي لهذا الكلام من أصله.

                    قولك: (الإعجاب بالقدماء والتبرك بحفظ متونهم وشروحها قد يفيد. بل هو لا بد مفيد جدا من ناحية البركة ومن الناحية السيكولوجية التي تشعر المرء بأنه ينتمي لمدرسة فكرية متميزة ممتدة في التاريخ والجغرافيا. وهي مفيدة أيضا من الناحية العلمية إذا كان التعامل معها تعاملا نقديا على أساس أنهم رجال وأننا رجال. ولكن اعلم يا أخي أن المتيسر لنا أكثر بكثير من المتيسر لهم. وأننا يمكننا أن نفهم بعض مسائلهم أفضل مما فهموه هم بكثير وأن نصححهم في كثير. وأن ننصر أفكار هذا على ذاك منهم.)
                    أقول: لا أدري ما هو الداعي لقولك مثل هذا الكلام، كأني بنفسي أتيتك بكلام نسخته من بعض كتب العلماء، وجئتك به، وقلت لك إن الدليل على كذا هو أن فلان بن فلان قال ذلك... ثم بربك كيف عرفت أني متأثر سيكولوجياً بأولئك الأوائل رحمهم الله. على أي حال، فما أجاب به الشيخ سعيد على باقي الكلام كاف فيما يتعلق بالمتيسر للفرد والمجموع.
                    قولك: (أنا قليل الاطلاع على المتون وقد حاول أحد الشيوخ في الماضي أن يحفظنا متن السلم في المنطق وأنا متأكد أن معظم طلاب الرياضيات والكمبيوتر أكثر فهما للمنطق من هذا الشيخ (إذا تجاوزنا مسألة المصطلحات))
                    أقول: زيادة على ما قال الشيخ سعيد، إن دراستي أصلاً هي البرمجة، ثم هندسة الكهرباء وتخصصي هو تكنولوجيا الكمبيوتر والأنظمة الرقمية، وقد مر زمان كنت ألعب بمسائل التفاضل والتكامل والمعادلات التفاضلية كمن يتسلى ويمارس هواياته، ولا يصعب علي الآن أن أراجع هذه العلوم، فتعود إلي ما فقدته من مهارات، وقد حصلت من مسائل الميكانيك والكهرباء والمغناطيسية والإلكترونيات ما قد تعجب منه، واطلاعي على النظرية الذرية الحديثة، والنسبية وغيرها من النظريات الحديثة اطلاع جيد، وعلى مستوى المعادلات الرياضية والحسابات، والفهم لحقيقة الأقوال. وشيخي الشيخ سعيد فودة أصل دراسته في الهندسة الكهربائية واسأل من شئت عنه في الفيزياء، والرياضيات وعلوم البرمجة والكمبيوتر، فنحن أناس أكاديميون على حد تعبيرك يا صديقي قبل أن نتعلم علم الكلام، وتعلمنا على مقاعد الجامعات، وناقشنا الدكاترة في المسائل، وأذكر أن بعض المدرسين كانوا يتحرجون من الكلام معي، لا لشيء إلا لأن طريقة المتكلمين في بحث المسائل وتحقيقها راسخة في عقلي، فلا أقبل قولاً على عواهنه، وإن لم يكن عن اقتناع ودليل فليرد أو يعلق للبحث فيه. ولعلك تطلع على شرح الشيخ سعيد على كتاب الطوالع المسجل صوتياً في منتدى الرازي، وترى مقدار تعمقنا في مباحث الطبيعيات والأمور العامة. ومع كل ذلك لا أقول أنا ولا يقول شيخي، ولا أعرف أحداً تعمق في دراسة المنطق يقول إن طالب رياضيات أو كمبيوتر في غنى عن تعلم المنطق لأنه يعرف أكثر مما في منثور في كتبه. أما الشيخ المذكور فإذا صح ما تقول: فلا يصح في عرفنا أن يسمى شيخاً، لأنه يطلق اصطلاحاً على العلماء، ومن كانت هذه صفته فلا يستحق أن يسمى شيخاً.
                    قولك: (وحضرت يوما درسا في النسفية وكان في كلام صاحب المتن أو الشارح التفتازاني (لست متأكدا) برهنة على بعض المقولات باستخدام برهان الطوفان والتطبيق. إنه كلام من لا يعرف معنى الـ "ما لا نهاية" في الرياضيات فيجمعها ويطرحها من طرفي المعادلة كما يحلو له)
                    لم يرد في شرح النسفية أو متنها ما يسمى ببرهان الطوفان، أما برهان التطبيق، فأنا أتحداك أن تقرره لي وتجد فيه ثغرة واحدة، تقدح فيه، حتى لا يعود برهاناً صالحاً لنقض التسلسل. ولن أزيد فيما يتعلق بالمالانهاية على ما قاله الشيخ، ولكني أدعوك للقراءة في كتب كالأربعين وشرح الطوالع والمقاصد والمطالب العالية والمواقف وغيرها من أمثالها، ثم عد إلي وقل لي رأيك هل أصحاب هذه الكتب يفهمون المالانهاية أو لا، وهل يفهم هؤلاء معنى الزمان والمكان أو لا؟
                    فأنا أستغرب من تصريحك بأنك غير مطلع على المتون فبأولى أن لا تكون مطلعاً على المطولات من كتب الأشعرية ثم تقول: (ولعلك إذا ركزت في كلام معظم علماء الكلام عند الأشاعرة والماتريدية وكل علماء الكلام عند المعتزلة والزيدية والإثنا عشرية في مسائل القدم والبقاء لوجدتهم يتكلمون عن زمان مطلق، الأحداث مرتبة فيه بشكل مطلق بالنسبة للجميع، وحتى بالنسبة لرب العالمين، هم وإن أكدوا أن الله خالق الزمن فهم في مسائلهم يجرون الزمن على رب العالمين بشكل أو بآخر. هؤلاء لم يسمعوا في حياتهم قط بـ "النظرية النسبية" وانتفاء الزمن المطلق. لم يسمعوا قط بأن نظرية الكم الحديثة تشكك بالسببية بالشكل الذي نعهده)
                    هل هذا هو ما تسميه أسلوباً علمياً، أن تطلق هذه الأحكام وأنت لا تعرف ما قاله هؤلاء الناس. ووالله ما عرفت أحداً عرفهم إلا ومدحهم، وما عرفت أحداً استهان بهم إلا وهو جاهل بمقالاتهم، فخفف الوطء يا إسماعيل. وأنا هنا لا أتكلم عن غير الأشعرية، وأود من كل قلبي لو تأتيني بقول واحد من كتب أئمة المذهب وتبين تهافته، سواء باستعمال أسلوبك الأكاديمي العلمي، أو بقواعد المنطق. ولعلني شغف جداً الآن بمعرفة ما قاله صاحب السنوسية الكبرى، بما يظهر قصر باعه في البصريات عندما كان يناقش مسألة الرؤية. وحبذا لو تأتيني بنصه، لنرى أين غلط الرجل، فإما أن نسلم غلطه أو ندفع مقالتك فيه.
                    قولك: (أنا لا يهمني إذا قال لي فلان أو علان: لست أشعرياً ولا حق لك بالتكلم بالنيابة عنهم. شخصيتي الفكرية يجب أن تكون مستقلة لا يعرّفها إلا ما صارت إليه في رحلة البحث عن الحق. وليس المطلوب أن أمسخها لأحوز على هوية "أشعري". ورحم الله الإمام الفخر الرازي كان كثيرا ما يقول: "قالت الأشاعرة كذا وعندي كذا". وسواء رضي الرازي بكونه أشعريا أم لم يرض فمنظومته الفكرية المستقلة تنتمي إلى المدرسة الأشعرية(
                    أقول: الصورة التي بدوت بها يا عزيزي أو التي طلعت علينا بها هي أنك أشعري تناقش شيعياً، فلما قصرت في توضيح رأي الأشعرية، وأجبت بجواب من عند نفسك لا على أصولهم، اعترضت عليك، وقلت لا يجوز لك أي من باب الأمانة العلمية- أن تتلبس بثوب أشعري وتناقش من حيث إنك كذلك ثم تأتي بكلام يناقض أقوالهم. هذا ما اعترضته عليك عندها، وإلا فإنني وإن كنت أحب أن تكون أشعرياً، فأنا لا أبالي أن تكون ما تكون، أنت أو غيرك، وقد قابلت في حياتي عبدة الشيطان وعبدة الطبيعة وصنوفاً من الملاحدة والكفار مما يعلمه الله تعالى، ولكن كلاً منهم كان يعلن عن نفسه بأنه كذا وكذا، ولم يدع أحد منهم أنه مسلم مثلاً ثم أخذ يقرر عقائد الإسلام على هواه. أفهمت الآن ما أقول. وحضرتك لم تقل إني من وجهة نظري أرى أن أشد ما يعكر على المذهب الأشعري هو القول بكذا وكذا، فهل من مناقش، ولكنك أتيت من باب آخر، أليس كذلك يا إسماعيل. فأنا لا أصادر عليك حقك في الاعتراض على المذهب الأشعري، أو مناقشة كائن من كان، ولكني أعترض حين تمثل مذهبي ثم تغلط في مسألة مشهورة فيه، فإذا أنا لم أعترض فقد أقررت كلامك، وهذا لا يجوز لا لك بأن تتكلم بما لا تعلم، ولا لي بأن أسكت عن غلطك.
                    قولك: (أنا إنسان أكاديمي أشجع على التفكير الأكاديمي الحر وأعتقد أن عندي من حكمة كهولة ما فوق ال 35 ما ليس عند بعض الشباب المتحمس. ولهذا سمحت لنفسي بإطلاق هذه الرسالة للقراء جميعا وإن بدا أن فوهة المدفع موجهة إليك. ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه وعرف قدر الرجال)
                    أقول: أعرف معنى أكاديمي، ولكني أجهل معنى تفكير أكاديمي، فإذا تكرمت علي بتوضيح هذا المصطلح الجديد علي. ثم لا أراك وقد بلغت الخامسة والثلاثين كهلاً لا لغة ولا شرعاً ولا عرفاً، وأنا نفسي في سن الثالثة والثلاثين، وأجدني في عنفوان شبابي، وكذا الشيخ جلال الجهاني، في مثل سني تقريباً، ولعله يقرأني الآن، ولا أعرف أنه يقول عن نفسه أنه كهل، وشيخي سعيد فودة تجاوز الخامسة والثلاثين، ولا أدري هل من التفكير الأكاديمي أو الأسلوب العلمي أن لا يناقش الكبير الصغير، أم أنك لمست في كلامي حماسة الولدان؟ إذا تقرر أن المرء بأصغريه، وأني لم أبد حماسة الحمقى، فقد سقط كلامك هذا، وإني والله أعرف قدر نفسي، وأعطي كل ذي قدر قدره. فلا تتعجل أنت في الحكم علي قبل أن تختبرني بما فيه الكفاية.
                    هذا ما أردت أن أضيفه على ما قاله الشيخ سعيد بشأن رسالتك الأولى، وسأتبعه إن شاء الله بكلام على باقي كلامك في أسرع ما يمكنني.
                    والسلام عليكم ورحمة الله.
                    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

                    تعليق

                    • بلال النجار
                      مـشـــرف
                      • Jul 2003
                      • 1128

                      #11
                      الرد على الرسالة الثانية

                      بسم الله الرحمن الرحيم
                      الأخ إسماعيل،
                      السلام عليكم، هذا كلام على ما علقته على إجاباتي للمعتزلي المفترض، كما وعدتك. أرجو أن يتسع لها صدرك، كما وسع صدري كل كلامك وقال هل من مزيد.
                      قولك على جوابي عن السؤال الأول: (كلام منطقي مفيد جدا)
                      أقول: هل هذا إقرار منك بالدليل على أنه لا يجب على الله فعل شيء من الأفعال، أم أنك ستأتي بما يناقضه ونواصل الكلام حتى يتبين الحق في هذه المسألة. فإذا كنت تسلم لي بأنه لا يجب على الله تعالى فعل شيء من الأفعال، فأرجو أن لا تعود فتنقض تسليمك هذا فيما يأتي من كلامك، لأني ربما أعتبر القول بأنه لا يجب على الله فعل شيء من الممكنات مسلمة بيننا فيما قد يأتي من الكلام.
                      قولك على جوابي عن السؤال الثاني: (هذا الجواب يكفيني)
                      أقول: كان لا بد أن أبين معنى أنه جائز لذاته عقلاً، مستحيل لغيره.
                      سؤالك على جوابي عن السؤال الثاني: (كيف عرفت هذا؟؟ أهو علم يقيني منك أم ظني؟؟)
                      أقول: علمي بأن الله تعالى سيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار، علم قطعي يقيني مستفاد من خبر الرسول المؤيد بالمعجزة، وهو خبر متواتر مفيد للعلم اليقيني. فالمعجزة دليل على وجوب صدقه، ثم كل ما أخبر به وثبت أنه قاله على وجه اليقين أيقناه، وإن ورد أنه قاله وثبت ذلك عندنا على جهة الظن ظنناه، وهكذا. وما ذكرته من المتواتر المستيقن وروده عنه صلى الله عليه وسلم. فلذلك أمنا به على جهة اليقين.
                      قولك على جوابي عن السؤال الثالث: (الخبر المتواتر يا سيدي حساب احتمالات ويجوز عقلا أن يغلب الله تعالى الاحتمال الضئيل على الاحتمال الكبير جداً جداً ... مثال: يجوز عقلاً أن يخلق الله تعالى جنياً ويأمره بالتشكل على هيئة ألف إنسان مختلف ويروي نفس الكذبة بنفس التفاصيل!!! كلامنا هو على الجائز عقلاً وليس على المعتاد)
                      أقول: هذا كلام في غاية الركاكة. لأن العلم العادي معتبر في هكذا حالة، فقد سلمنا الإمكان العقلي، ولكن كلامنا هو في الإمكان العادي، وهو المناسب لحياة الإنسان، المحكوم بالقوانين العادية التي أودعها الله سبحانه في الطبيعة. ثم إن هنالك فرقاً بين حساب الاحتمالات والتواتر، فإن التواتر يحصل بعدد غير محدد قليل أو كثير، والمعتبر في حصوله وصول النفس إلى اليقين، فمتى بلغت ذلك سمي الخبر متواتراً، وحكم العقل بصدقه، بصرف النظر عن العدد الحاصل به، ولو كان الأمر حساب احتمالات بالمعنى الذي ألمحت إليه بمثالك لكان العدد معتبراً فيه.
                      وإن للتواتر شروطاً ينبغي تحققها، فإذا تحققت استحال عادة أن يكون الواقع على خلاف المستفاد من التواتر. ولا أريد أن أستفيض في بحث التواتر الآن. وعلى أي حال، فحصول ما تقول خرق للعادة، والأصل أن الله تعالى لا يخرق العادة. وإن الأمر أشبه بأن يقال لنيوتن إن الجدول الفلاني يسير ماؤه من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإنه سيتلقى الأمر على أنه نكتة، ولن يأبه به، لا لأن الأمر غير ممكن عقلاً، بل لمخالفته العادة المعبر عنها هنا بقانون الجاذبية. فإذا ذكر له ذلك ثان وثالث وهكذا حتى قالت البلد إن في أعلى المدينة جدول ماء هذه صفته، فهات المصحف أحلف لك أن نيوتن سيسارع لرؤيته ودراسة هذه الظاهرة. فالعادة هي المعتبرة في هذا الباب لا مجرد الإمكان العقلي.
                      ثم قل لي هل يمكن أن يكذب عاقل وجود الصين؟ لاحظ أن الاحتمال العقلي من حيث هو احتمال عقلي صرف يبقى قائماً ولكنه احتمال ضئيل جداً يؤول إلى الصفر، والقائل بأن الصين غير موجودة يلزمه أن يحكم باتفاق أهل الجغرافيا والتاريخ وغيرهم على الكذب، وأن يكذب ملايين الناس الذين قالوا نحن زرناها ورأينا أهلها، ويكذب من التقاهم على هيئة أهلها وقالوا نحن نعيش فيها، ويكذب ويكذب ... ولكن كما قلت لو نظر إلى موضوع التواتر على أنه حساب احتمالات واستطعنا أن ندخل جميع احتمالات المتغيرات اللازمة لحسابه إلى كمبيوتر فإننا سنحصل على نسبة تمثل احتمال صدق من ينفي وجود الصين، ولكن لعمري أنت تعلم أن هذا المسكين إذا تمسك بنتيجة الكمبيوتر وقال أنا أنفي وجود الصين لوجود احتمال كذا وكذا أنها غير موجودة، إذاً لأطبق الناس جميعاً على جنونه، إن لم يضربوه بالنعال. إذاً فالعلم المستفاد من التواتر فيه زيادة على المستفاد من الاحتمال.
                      ومن ذلك يعلم أن المعتبر في المتواتر هو العادة وهو كاف. وأن بلوغ اليقين مع الخبر وإن احتيج فيه إلى حساب احتمالات إلا أن بلوغ القطع لا يعتمد على عدد الناقلين، بدليل حصوله بأعداد متفاوتة. فإن قيل: بل بعدد معين والمعتبر أقل ما حصل به التواتر. قلنا: فقد يقع بذلك الأقل خبر ولا يسلم تواتره إذ لم يفد القطع لافتقاره لما زاد وحصل به القطع في الأول.
                      وأنت إذا جوزت ذلك، وتمسكت بمجرد الاحتمال العقلي، فإن ذلك يؤدي بك إلى أن لا تثق بشيء قد حصل في الماضي، ولا أن تؤمن بوجود كثير من الأشياء في الحاضر. فقل لي بصراحة إنك تنكر إفادة التواتر للعلم اليقيني لأشرع في الكلام معك على التواتر بتفصيل أكثر. فإنني كما ترى صرت لا أدري من أين أبدأ في الكلام معك، فتارة نتكلم في الحسن والقبح، وتارة نتكلم في الكلام النفسي، وتارة نتكلم في أننا هل نحن مكلفون أو لا... إلى غير ذلك. ما أريده هو أن نحدد بحثنا في مسألة معينة، ثم إذا انتهينا منها انتقلنا إلى غيرها، لا أقول نهمل غيرها عند بحثها ولا نعتبرها أو نفكر في ضوء ملاحظتنا لها، بل أقول نؤجله قليلاً ريثما ننتهي من بحث الأولى، ثم نتناول الثانية، وهكذا لكي يتسنى لنا الوصول إلى نتيجة، وإن كان بحث مسألة ما يتوقف على بحث أخرى، بحثنا الأخرى، ثم رجعنا للأولى.
                      ولنعد إلى تعليقك، على جوابي، ودعنا نقلل انتشار المسائل قدر الإمكان، أنت قدحت في إفادة التواتر للعلم حين أجيبتك عن معرفتي لمشيئة الله لبعض الأمور بالتواتر، فهل أنت تنكر اليقين بأن الله تعالى قال بأنه سيدخل المؤمن الجنة والكافر النار أو لا؟ إذا كنت تنكر ذلك فهل السبب هو أنك لا تؤمن بأن التواتر يفيد العلم أو لسبب آخر؟ وإذا كنت لا تنكر ذلك فلماذا استوقفتني لتدخل بحث التواتر ههنا؟
                      قولك: (وأنت تعني ولا ريب الرسول المعصوم، والكلام على البرهنة على عصمته لا يتيسر لك بدون مقدمات تسلم بها، تتلخص بعلمك بأن الله تعالى شاء لك حياة التكليف)
                      أقول: إذا كان المعني بالعصمة استحالة الوقوع في الذنب مطلقاً، فنعم، لا بد من معرفة أن الله كلف الإنسان، لأن الذنب لا يعرف بأنه ذنب إلا بتمييز الحرام، ولا يعرف الحرام إلا بمعرفة أن الشارع نهى عنه نهي تحريم، وهذا النهي تكليف بفعل هو الكف عنه. فيجب معرفة أن الله كلف الإنسان لتصور عصمة الرسول عن جميع الذنوب. ولكن اعلم أن القدر الكافي عند ادعاء رجل بأنه رسول الله، هو معرفة وجوب صدقه لا معرفة عصمته عن جميع الذنوب، ومعرفة كونه صادقاً لا تتوقف على معرفة أن الله كلف الإنسان أو لم يكلفه. لأن معرفة الصدق والكذب من حيث هما صدق وكذب، وكذا معرفة أن المخبر صادق أو كاذب، كل ذلك لا يتوقف على معرفة أن الله تعالى نهى عن الكذب وتوعد بتعذيب فاعله أو بأعم أنه كلفه بشيء. فتأمل الفرق، فلا دور بالمرة، ولا مصادرة كما تتوهم. ثم إذا علم وجوب صدقه علم مما أخبر به وجوب عصمته من أمثال قوله تعالى: وما ينطق عن الهوى.
                      قولك: (والكلام على المعجزة مشابه، هو في النهاية قياس على العادة وتغليب للاحتمال الكبير على الصغير)
                      أقول: في البداية الرسول يدعي صدق ما يقول، وهنا يقوم احتمال صدقه وكذبه، حتى يأتي بالمعجزة التي تقوم هي نفسها دليلاً على صدقه. لا يقال: إن المعجزة رجحت صدقه مع بقاء احتمال كذبه احتمالاً مرجوحاً. لأنا نقول: إن ما حصل لنا بظهور المعجزة على يده علم بصدقه لا ظن بصدقه، لأننا نحس بحواسنا وندرك بعقولنا أن ما جاء به النبي خرق للعادة المستقرة، أي للقانون الطبيعي المطرد، ولا يمكن أن يكون خارق الطبيعة هو نفس النبي لأنه منها وتسري عليه قوانينها، فلا بد إذاً أن يكون خارق هذه العادة والطبيعة غير هذه الطبيعة، وخارجاً عن قوانينها، وذا سلطان عليها، وهذه الأوصاف منطبقة على خالق الطبيعة ومبدعها، الذي وجب عند العقل وجوده وقدمه وبقاؤه ومخالفته للحوادث وقيامه تعالى بنفسه ووحدانيته، وعلمه وقدرته وإرادته. وهذه الأوصاف والصفات كلها، كما تعلم، يمكن للعقل أن يصل إليها دون رسول ولا رسالة. فإذا نظر الإنسان في حال الرسول مخبراً بصدق نفسه ومتحدياً بالمعجزة، علم أن خالق هذا الكون وراء ذلك، وأنه أراد أن يبين له أموراً معينة من طريق هذا الرجل، وأن عليه أن يستمع له ويصدقه ليعلمها. فإننا نقول إنه يستحيل أن تقع المعجزة مقرونة بالتحدي ودعوى النبوة لغير أنبياء الله، لأن ذلك لو سلمنا وقوعه جدلاً فيلزم منه أن الله يقول لنا هذا نبي فصدقوه، بدليل خرقي لعادتي في الأشياء برهاناً على صدقه. فإذا كان هذا الرجل ليس بنبي حقاً، فكأن الله تعالى أخبرنا على خلاف الواقع، ويلزم منه جهل الله جل وعلا أو كذب الله علينا، وهو محال عقلاً كما بيناه في الرسالتين السابقتين. إذا تبين ذلك، فعلى من ينفي كلامنا، ويعتبر أن معجزة الرسول دلالة ظنية لا قطعية، أن يأتي بدليل على جواز كذب مدعي الرسالة بخرق العادة مع التحدي، لأنا لا نعلم أن ذلك قد حصل، مع إثباتنا أنه لا يحصل لاستلزامه المحال كما بينا. فعلى النافي أن يقدح في دليلنا بالنظر أو أن يثبت لنا وقوعه.
                      والأمر كما ترى بسيط جداً، إذا كان الأمر مجرد احتمال وقانون طبيعي وليس برهاناً عقلياً، أو أنه سحر وشعبذة، فإننا ندعو كل السحرة والعلماء والمشعوذين والمتألهين والمتنبئين ومن في الأرض جميعاً، ونقول لهم: فليخرق لنا واحد منكم قانوناً طبيعاً واحداً مدعياً أنه رسول مخبر بصدق عن الله سبحانه، ولكم علينا أن نصدقه.
                      قولك: (عندك أنت.. ولكننا نتحدث عن برهنة قاطعة لكل شك عند كل إنسان عاقل ... تحدثنا عن أمور ممكنة عقلاً تقول أنت عنها إنها مستحيلة ... هل هذا هو برهانك؟)
                      أقول: يا إسماعيل إن قولي (عندي) متعلق بقولي من طريق الخبر المتواتر، لأن بعض الناس ينفون كون التواتر مفيداً للعلم، فلذلك قلت عندي. ثم إنني عندما أتكلم بشيء فإنني أفترض عند مشيي في المقدمات المسلمة عندي أن تفيد العلم بالنتيجة لكل من يقرأها كما أفادتنيه، فإذا خالفني أحد في مقدمة ما فعليه أن يبين ذلك، ففي أي مقدمة تخالفني أنت حتى لا تقبل نتائجي؟ ثم ما هي الامور الممكنة عقلاً والتي أقول أنا عنها إنها مستحيلة عقلاً؟ أهي أن يكذب الله علينا؟ أهي أن يأتي دعيٌّ كاذب برسالة ومعجزة مقرونة بالتحدي؟ حدد بالضبط ما هي الأمور التي أحيلها أنا عقلاً وهي جائزة في نفس الأمر وسنناقش كل واحدة على حدة.
                      قولك: (لو أنك بدأت بمقدمة تسلم أنت بها بدون برهان خلاصتها أن الله تعالى شاء حياة التكليف حيث يمتحن الإنسان وتقام عليه الحجة بناء على ما يصدقه هذا الإنسان دائماً، لاستطعت أن تبرهن على أن إقامة الحجة توجب عصمة الرسول وتمنع تلبس الجن الموصوف، وتمنع الخوارق المؤيدة للدجالين في دعاويهم الممكنة عقلاً، ولكن لا تمنعها في دعاويهم المستحيلة)
                      أقول: على رسلك يا اسماعيل، ما تاخدنيش في دوكة... أولاً يجب أن تعلم أن الكلام الآن اختلف كثيراً عما بدأ عليه، كما لا يخفى على مراقب، فأنا سواء كنت أتكلم مع معتزلي أو شيعي أو أشعري فأنا أتكلم مع إنسان يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤمن بأن الله كلف الإنسان، إلخ من المقدمات التي يسلم بها مباحثي دون جدال وبرهان وإلا لو كنت أتكلم مع منكر لذلك ما استخدمت شيئاً من ذلك على وجه التسليم، أما الآن فأنت صرت تطلب مني دليلاً على أن الله كلف الإنسان، ودليلاً على عصمة الأنبياء، ودليلاً على امتناع تلبس جني بصور متكثرة تتوارد على الناس بخبر كاذب حتى يحصل عندهم يقين بخبر كاذب، ودليلاً على امتناع ظهور الخوارق على أيدي الدجالين.. إلخ، فإذا كنت تريد الكلام في كل ذلك، ليس عندي أي مانع ولكن دعنا نرتب الأمور ونحدد أمراً واحداً نبدأ بناقشه حتى نفرغ منه، ثم ننتقل إلى غيره كما قلت سابقاً.
                      وعلى أي حال، لا أرى من حاجة لفرض مسلمة تكليف الإنسان من الإله كما اقترحت علي لأسير في البرهان، لأني كما أوضحت لا أرى أن الحكم بصدق النبي متوقف على هذه المقدمة كما بينت سابقاً. وإن إقامة الحجة بنفس المعجزة، لأنها دليل على صدق المخبر، القائل بأن الله كلفنا بكذا وكذا، والقائل أنه معصوم. فلما وجب عندنا صدقه صار كل ما يقول مسلماً وصحيحاً. أما تلبس الجن الموصوف، فلا أسلم أصلاً إمكان ظهور هذا الجني المفروض في عدة أمكنة وفي زمان واحد بحيث يقطع العقل باستحالة كذب الخبر من هكذا حال، فأطلب أولاً دليلاً على إمكان تصور شيء على نحو ما ذكرت، بحيث يتحقق من حاله صورة التواتر مستوفية جميع شرائطها بحيث توجب العلم القطعي بالخبر. ثم إني لو سلمت لك جدلاً إمكان ذلك، ولا أسلمه، فالكلام فيه من باب الكلام في ظهور الخوارق على أيدي الدجاجلة، وقد بينت فساده لاستلزامه جهل الإله المنافي لوجوب علمه الثابت بالبرهان، أو كذب الإله المنافي لثبوت الكلام النفسي القديم له تعالى، كصفة ومعنى قائم بالله تعالى مغاير للعلم والإرادة. وبيان ذلك أن ظهور الجني وفعله في هذه الحالة كما وصفت بحيث يحقق صورة التواتر، يكون هو نفسه خرقاً للعادة إن سلم إمكانه عقلاً، فلو حصل فهذه بحد ذاتها معجزة توجب العلم بصدقه، ويستحيل أن يفعل الله تعالى ما يوجب العلم بصدق كاذب لأنه كما بينت يستلزم جهل الإله أو كذبه المستحيلان عليه سبحانه.
                      يتبع ....
                      ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

                      تعليق

                      • بلال النجار
                        مـشـــرف
                        • Jul 2003
                        • 1128

                        #12
                        تتمة الرد على الرسالة الثانية

                        قولك: (مثال: خوارق تؤيد دعوى النبوة ممنوعة أما الخوارق التي تؤيد دعوى الألوهية فهي ليس ممنوعة)
                        أقول: لا مشكلة في المثال، فأنا أمنع ظهور الخوارق على أيدي مدعي النبوة، وأجيز ظهورها على مدعي الألوهية، لاحتمال الالتباس في الأولى على ضعاف العقول، وظهور فسادها في الثانية للجميع، وفي بعض الأخبار أن الأعور الدجال يشق الرجل نصفين فيدعوه فيقوم حياً، ولكن كل مؤمن يعلم أن هذا الدجال إنسان، وأن الله تعالى ليس بإنسان، فلا يمكن أن يلتبس على أحد أن هذا ليس هو الإله الأقدس، فمن ماشاه وانصاع لأمره علم نفاقه وموافقته لهواه، لا تصديقه له عن دليل وقناعة.
                        قولك: (وتمنع خداع الحواس خداعاً ينافي إقامة الحجة ... ولكن هذه المقدمة هي ما تريد أنت البرهنة عليه بناء على مقدمة أخرى هي: يفيد العلم عندي؟؟؟)
                        أقول: أنا منعت قولك بإمكان أن لا تفيدنا الحواس السليمة العلم بأن ما أحسسناه فقد أدركناه على الوجه الذي من شأن الحاسة أن تدكه، وأن كل ذلك وإن جاز في العقل بالنظر إلى ذاته، فلا يجوز أن يكون قد وقع فعلاً لاستلزامه كثيراً من التناقضات كما بينت ذلك في رسالتي الثانية، فلا أريد أن أعود للكلام في ذلك مرة أخرى، وأنت لم تأت بجديد تبطل فيه ما قلته. أما قولك: (ولكن هذه المقدمة... إلخ) فأنا لم أبرهن على أن الحواس لا تخدعنا مستنداً على أن خبر التواتر مفيد للعلم عندي، كل هذا الكلام أبداً لم يحصل، واطلب من جميع القراء أن يصوتوا على ذلك، وأتحداك أن تريني كيف اعتمدت على إفادة الخبر المتواتر للعلم لأثبت أن الحواس لا تخدعنا. ولا أدري من أين جئت أنت بهذا الكلام.
                        قولك على جوابي عن السؤال الخامس: (ما يريد المعتزلي قوله هو: حسبت أنك تريد الاستفادة من صفة الكلام النفسي للبرهنة على استحالة تجمع هذه الأفعال الممكنة عقلاً في ظاهرة يعتبرها غيركم كذباً!!! )
                        أقول: لقد استفدت من صفة الكلام النفسي في محله، ولم أسمع منك بعد تعليقاً على كلامي في ذلك المحل. فلعلك لم تقرأه أو أنك تقرأ ما تريد، وتترك من كلامي ما تريد. وعلى أي حال، لم لا تقول لي بصراحة إنك تنفي الكلام النفسي، وتعتبر الكلام فعلاً لله لا صفته، حتى ننقل الكلام إلى تحقيق أن الكلام ما هو. ولا داعي لكل هذه المواربة، وعلامات التعجب السخيفة، وإذا كنت تنفي الكلام النفسي، فإن قدراً كبيراً من الإشكال سينحل إذا أثبته لك، ألا ترى ذلك صحيحاً؟ فما رأيك في إيقاف الكلام في كل شيء، والقيام بجولة هناك؟ وافق، وأعدك بأن أكون حنوناً في نقاشي.
                        قولك: (كان أحد الإخوة يحاول في نقاشه معي في الماضي البرهنة على استحالة "الخلف" يوم القيامة الموصوف هنا باستخدام الكلام النفسي، ثم أيقن بفساد هذا الاستدلال ولم يعد للكلام النفسي عنده أي معنى إضافي زائد عن صفة العلم ويفيد في فهم الألوهية)
                        أقول: ومن تراه يهتم لهذه الرواية. فلا أريتماني سبيل إفساد الاستدلال المشار إليه، ولا فساد القول بالكلام النفسي، وإن كنت رجلاً وأكاديمياً وعقلياً وعلمياً وأي-شي-تريدياً فبين لي فساد القول بالكلام النفسي. وبعدها لك مني من التسليمات ما تريد. فما رأيك بهذا العرض السخي؟
                        قولك: (والسمع والكلام والبصر كلها صفات لا يرى حاجة للقول بها إلا للدليل السمعي)
                        أقول: دعني أوافق على أن القول بهذه الصفات لم نكن لنقول به لولا ورود دليل السمع، فلا يضرني ذلك، وهذا ليس سراً فعلماء الأشعرية يقولون ذلك. بل ويقولون أكثر من ذلك، لو كنت تدري. ولكن دعني أميز بين صفة الكلام وصفتي السمع والبصر، فإنه إذا أمكن رد الأخيرين لصفة أعم هي العلم، فذلك لا يتم في الكلام، وإذا استطعت أنت أن ترد صفة الكلام إلى صفة العلم أو صفة الإرادة الإرادة، أو تثبت أنه فعل لا صفة، فهات ما تريد من أمثال رواياتك المتبجحة هذه، بل إني سأكتب الحوار الذي دار بيننا كاملاً وأثبت في ذيله اعترافاً أبلغ من اعتراف أخيك المذكور.

                        قولك: (سؤال عالماشي: هل تعتقد يا أخ بلال أن الإمام أحمد كان يخالف المعتزلة في محنة خلق القرآن لإيمانه بالكلام النفسي؟)
                        أقول: على الرغم من أن هذا السؤال لا علاقة له من قريب أو بعيد بما نحن فيه، فما لي ومال أحمد رضي الله عنه، سواء أكان يقول بالكلام النفسي أم لا. لست خبيراً بأحمد، ولا في سيرته وأقواله. ولكني أقول: الأصل أن معنى قوله: (القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق) هو أن الكلام صفته القديمة، وإلا لماذا يمنع أحمد أن يكون مخلوقاً إذا لم يكن يرى أنه صفة قديمة كالعلم والقدرة والإرادة. وهذا هو عين القول بالكلام النفسي، إذا سلمت معي أنه ليس هنالك من عاقل يقول بأن الحروف والأصوات والأوراق قديمة. هذا هو ما أتوقعه من رجل المشهور أنه عالم تقي مشى على طريقته علماء كبار شهدوا له بالعلم وصحة الاعتقاد والورع. فإذا كان لديك وجهة نظر فيما يتعلق بقول أحمد، فأخبرنا بها، ولدينا في المنتدى أكثر من متخصص في هذه الأمور ممن يمكنهم أن يناقشوا الأمر معك، أما أنا فلست الشخص المناسب لذلك.
                        قولك: (لا إشكال ولكن تذكر اعتمادك على الكلام النفسي في مداخلتك الأولى لرد الشبهة!!! )
                        أقول: سأتذكر اعتمادي على الكلامي النفسي، ما دام لا إشكال، فماذا تريد من علامات التعجب ههنا؟ يعني أين تخالفني حضرتك ما دام لا إشكال في كلامي؟ وأرجو أن تلاحظ أني حيث يرد منك التسليم بقضية من كلامي فإني قد أستخدمها كمسلمة بيننا في محل آخر، فانتبه لذلك.

                        قولك على جوابي عن السؤال السابع: (نحن نرى بحواسنا خارقة ... كيف علمت أنها تتنزل منزلة قوله تعالى صدق عبدي؟ هذه مصادرة على المطلوب)
                        أقول: أظن أنني بينت كيفية دلالة المعجزة على وجوب صدق النبي في بداية الرسالة إجمالاً، وإذا احتاج الأمر نقاشاً وتفصيلاً أكثر فيمكن أن نتكلم في ذلك حتى الصباح. ولكن هذه ليست مصادرة على المطلوب يا اسماعيل، لأن النبي كما قلت سابقاً، يدعي النبوة ويطلب أن يصدق، والمعجزة لا يقدر على عملها البشر، فإذا حدثت علم أنها من عند خالق البشر، وظهورها على يدي النبي وهو على تلك الحال من دعوى الصدق والإبلاغ عن الرب سبحانه، تشبه حال من حضر مجلس الملك فقال أيها الناس إن الملك يأمركم أن تفعلوا كذا وكذا وأنا رسول الملك إليكم، فصدقوني، وافعلوا ما تؤمرون، فمن أطاعني فقد أطاع الملك وأرضاه ونال عطاياه، ومن عصاني فقد عصاه وأسخطه ونال عقابه. فقالوا فما الدليل على صدقك؟ فقال الدليل أني أقول للملك خالف عادتك أيها الملك وافعل كذا وكذا إذا كنت صادقاً، فإذا فعل الملك ذلك تنزل فعله عند الحاضرين منزلة قوله صدق رسولي فيما يبلغكم عني. وإذا لم يفعل بان كذبه. ألا ترى أن هذا دليلاً كافياً للحاضرين لكي يصدقوه؟ هذا معنى كلامنا تتنزل المعجزة منزلة قول الله صدق عبدي فيما يبلغكم عني. والمطلوب البرهان على صدق الرسول، وفعل الله للمعجزة دليل على صدقه فيما يخبر به عن الله، فأين المصادرة. ثم إن المعجزة كما ترى يستحيل وقوعها عادة، فلا يظنن أحد أنها تحصل كل يوم، بحيث لا تستغرب ولا يندهش المرء غاية الدهشة عند معاينتها، وإلا لم تكن معجزة، ولا خلاف العادة والقوانين الطبيعية، بل لو تكرر وقوعها واطرد لكانت قانوناً وعادة، كما نقول في السحر بأنه من باب القوانين الطبيعية لا الخوارق.
                        فحين تحدث المعجزة يقطع العقلاء بأنها من خالق الكون لا من فعل البشر، كما سجد السحرة مستستلمين لما عرفوا من الحق مع أنهم كانوا يخيلون للناس أن حبالهم وعصيهم أفاعي ولكن ما رأوه هو أفعى حقيقية وليس في وسعهم ولا في وسع البشر مضارعة ذلك الفعل، واعترف البلغاء بأن هذا القرآن ليس مثل ما عرفوا من الكلام مع أنه منظوم من نفس الحروف والألفاظ العربية التي كانوا يستخدمونها فلا هو شعر ولا هو نثر ولا قول كاهن ولا قول ساحر ولا يشبه شيئاً من كلام هؤلاء جميعاً ولا غيرهم من البشر، فلا بد أن يكون عند خالق البشر، إلى غير ذلك.
                        أما قولك (نحن نرى بحواسنا أموراً خارقة)
                        فأقول: أنت لا ترى أموراً خارقة أنت ترى ما تراه فقط، وعقلك يحكم إذا كانت هذه خلاف العادة أو ليست كذلك، فإذا أريت جاهلاً شيئاً غريباً فقد يذهله الأمر، وقد تستطيع لضعف عقله أن توهمه بأنه أمر خارق للقوانين الطبيعية والعادة، هذا ما قصدته حين قلت (هنالك فرق بين ما يبدو خارقاً وبين ما هو خارق في نفس الأمر).
                        قولك: (لا نسلم... أنت حر وهذا اعتقادك غير أنه ليس برهاناً)
                        أقول: حين أقول لا نسلم يا اسماعيل ليس معناه أنني لا أسلم عبطاً وعناداً أو مكابرة أو لهوى في نفسي، أو أي شيء مما توهمته، بحيث تجيبني بقولك (أنت حر ...إلخ) حين أقول لا أسلم، فإن معنى عدم تسليمي هو ظهور خلاف ما لم أسلمه عندي، وضعف حجتك على إثباته، فلو أتيتني بدليل معتبر على إمكان ظهور الخوارق على أيدي أدعياء النبوة لما أمكنني أن أقول لا أسلم ذلك. هل فهمت ما أعني؟
                        قولك على جوابي عن السؤال الثامن: (ما الذي أوجب عندك كون الإنسان عاقلاً بهذا المعنى؟ أليس هو إيمانك المسبق بأن الله تعالى شاء تكليف إنسان عاقل بإقامة الحجة عليه؟؟؟)
                        أقول: هذا كلام غريب، فلا أجد تلازماًً بين معرفتي بأن الحس شرط العقل وبين إيماني بأن الله شاء تكليف إنسان عاقل بإقامة الحجة عليه. فأنا أعرف أناساً يقولون الحس شرط العقل، ولا يؤمنون لا بالله ولا برسالاته فما رأيك في ذلك، كيف بربك عرفوا أن الحس شرط العقل أو أن أنهم عقلاء على أي معنى تريد دون تسليمهم المسبق بأن الله شاء تكليف إنسان عاقل؟
                        قولك: (هذا جواب عاطفي وليس علمياً ... )
                        أقول: قولي (إذا أجمع الناس على أن ما سمعوه هو (أ)، فإن ما سمعوه هو (أ). لا يقال قال (ب) لكنهم سمعوا (أ)، لأنا نقول: السؤال عما سمعوه، ولأن الأصل أن ما اجتمعوا على أنهم سمعوه فهو عين ما قاله، وادعاء خلافه -مع جوازه في العقل- خلاف الظاهر والعادة والمتواتر من سيرة العقلاء، لا عن دليل.) هذا القدر من كلامي ليس عاطفياً لو تمعنته يا صاح، ربما لو اكتفيت بنفي كونه برهاناً لقبلت ذلك، ولكن له وجهاً قوياً، إذ استندت فيه إلى العادة المطردة والظاهر والقريب والمعلوم من سيرة العقلاء، وعدم وجود دليل على ثبوت قول المخالف، وكل ذلك معتبر في البحث والنظر، مما يجعل قول الخصم احتمالاً بعيداً جداً إذا سلم إمكانه عقلاً. أما قولي: (والمنكر إفادة الحواس للعلم... سفسطائي) فنعم سمه أنت ما شئت، ولكن هذا معروف تماماً عند المتكلمين والفلاسفة والعلماء أن منكر إفادة الحواس للعلم مكابر معاند، وكذا القائل بتناقض العقل عنديّ أو لا أدريّ، وكل ذلك من صنوف السوفسطائية، وليست القضية قضية شتيمة وسباب، ولكني إذا قال لي مناظري أن الحواس لا تفيد العلم فأنا أعرف كيف أتعامل معه وكيف أجيبه وألزمه، وكذا إذا أنكر العلم بالعقل فلكل أسلوب، فهل تنكر أنت شيئاً من ذلك أم ماذا، لا أدري بماذا أزعجك كلامي عن السفسطانية. واعلم أنهم عندي من أشد الناس حمقاً، وتناقضاً من حيث يدرون أو لا يدرون.
                        قولك: (يمكن أن ينتقد المرء الكثير مما كتب هنا ولا أجد ضرورة لهذا بعد أن فهم جوهر الإشكال(
                        أقول: حبذا لو فعلت. فحتى هذه اللحظة أنا أتحسس إشكالات كثيرة، ولكني لا أعرف بالضبط مصدر وجعك، وقد أعرف وأخفي عنك أنني أعرف، لأنني أريدك أن تصرح به علناً، ما دمت أكاديمياً حراً ترى ما تريد، أو تريد ما ترى، ولا يهمك إذا كان الدليل معك أن تخالف كائناً من كان.
                        قولك: (أنت لم تمنع شيئاً...هذه الأمور كلها جائزة عقلاً ومن الجائز عقلاً أن يجعلك الله تعالى تقتنع اقتناعاً خاطئاً بأن مشيئته تعلقت بمنع هذا الجائز عقلاً)
                        أقول: أرجو أن تتنبه إلى أن معنى قولي ممنوع، أنني أطلب دليلاً على قولك. فأنت لم تأت بدليل، بل كل ما قلته أنه يمكن عقلاً أن يكون كذا، حسناً وأنا أيضاً قلت يمكن عقلاً أن يكون خلاف ما قلت، بل العقلاء معي، وقولك بعيد وخلاف الظاهر والعادة، فأقول لك: أنا أمنع قولك، لأنه لا فضل لقولك على قولي، فائت بدليل على حصوله لا على مجرد إمكانه. هذا معنى قولي ممنوع.
                        قولك: (بارك الله فيك)
                        أقول: وهدانا أجمعين والحمد لله رب العالمين.
                        واعلم أخي إسماعيل أننا لم نبدأ بعد كلاماً بالأدلة، وكل ذلك كان مناوشات ومحاولة للتعرف على أسلوب تفكير بعضنا، وبعض آرائنا، ولذلك فأنا وإن كنت سأتمم التعليق على باقي ما كتبت إن شاء الله، إلا أنني أتمنى عليك أن تصفي ذهنك وتقف على المسائل التي تخالفني فيها واحدة واحدة، فقد بدا لي أنك تخالف في الكلام النفسي، والحسن والقبح، وغير ذلك، وأرجو أن ندعنا من هذه المجادلات التي لا يسمن أكثرها ولا يغني من جوع، ولا يملأ الرؤوس بحيث يمخمخ الواحد في ترتيب الأدلة، وكلها إجابات على الماشي على حد تعبيرك، فأدعوك لأن تبدأ الحديث في مسألة معينة بالأدلة. والله الموفق.
                        والسلام عليكم ورحمة الله

                        تنبيه: ما ذكرته في رسالتي السابقة من أنه ليس في النسفية ولا شرحها برهان طوفان عنيت به لفظ برهان الطوفان، لا نفس البرهان لأن البعض يسميه بهذا الاسم. لذا اقتضى التنويه.
                        ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

                        تعليق

                        • إسماعيل حمودة
                          طالب علم
                          • Jul 2003
                          • 22

                          #13
                          رد على مداخلة الأستاذ سعيد فودة

                          الأستاذ الفاضل سعيد فودة

                          السلام عليكم ورحمة الله

                          وبعد فأنا لم أدرك بعد ما أحفظك في تعليقي السابق. لعلي بالغت في تصوير أن المتيسر لنا أكثر من المتيسر للقدماء. بعد الاعتراف بفضل القدماء وتقدمهم في العلم ولطافة استنتاجاتهم وحسن عباراتهم فإننا نرى لاحقيهم يجمعون إلى علم القدماء كثيرا من الأفكار المستحدثة والتأملات في الشبه المستجدة.. ولا أعتقد أنك تنكر أنك تجد الباقلاني مثلا أكثر عمقا من الأشعري وتجد إمام الحرمين أكثر عمقا من الباقلاني وتجد الغزالي أكثر عمقا من إمام الحرمين ولعلك تجد الفخر الرازي في بعض الأمور أكثر عمقا منهم جميعا. فإن اللاحق أخذ من السابق وزاد وحسن وضبط وصقل أفكاره ما تيسر له مما لم يتيسر للقدماء.( تيسر للفخرالرازي مثلا من كتابات فلاسفة الإسلام ما لم يتيسر لسابقيه).

                          فإذا كنت تتفق معي في هذا فلا أظنك تعتقد أن العلم توقف عند من كانوا أقل عمقا من هؤلاء النوابغ واكتفوا بوضع المتون وشروحها ووضع الحواشي على الشروح. أنا لا أستصغر هؤلاء البتة. بل إن أحد أعظم الكتب التي قرأتها ونورتني كان السنوسية الكبرى للإمام السنوسي رحمه الله تعالى

                          ألا ترى معي أن بعض المشهورين من الأشاعرة في الماضي كانوا بعيدين عن الموضوعية وأسرى العصبية عندما كانوا يحددون ثلاثا وسبعين فرقة إسلامية يضعون منها 72 في النار ولا يخطر ببال الواحد منهم أن يتمثل الفخ الفكري الذي سقط فيه خصمه الفكري (المعتزلي مثلا) ويحاول أن يضع نفسه في موضع خصمه ويتفهم طريقة تفكيره وحسن أو سوء نواياه في هذا؟ (هؤلاء عنده "مجوس الأمة القدريون"). ألم تلاحظ اهتمامهم بمسائل غير مهمة مثل مسألة خلق القرآن ومسألة الرؤية وتفصيلات في التفضيل بين الصحابة والانتصار لشخصية الإمام أحمد وربطهم التسنن بهذه المسائل؟

                          المتيسر لنا أكثر من المتيسر لهم.
                          1- كل كتبهم متيسرة لنا
                          2- كثير من كتب خصومهم متيسرة لنا
                          3- الإنترنت متيسر لنا حيث يمكنك أن تناقش خصوم الأشاعرة الفكريين في المنتديات
                          4- كتب الفلسفة الغربية والشرقية متيسرة لنا.
                          5- والجامعات تعرض بشكل أكاديمي مواقع المدارس الفكرية المختلفة في تاريخ الفكر الإنساني
                          6- وهناك التطور العلمي الحديث الذي جلب معه شبها فكرية كثيرة نقاشاتها تصقل الأفكار
                          7- وهناك تطورات علم الرياضيات والمنطق الرياضي
                          8- وهناك الاختراعات الحديثة التي نشطت قدرة الخيال العلمي
                          9- وهناك قصص الخيال العلمي وأفلام السينما .... الخ
                          10- وهناك الكمبيوتر
                          تصور فكرة أن تستطيع أنت أن تبني عالما كاملا فيه كائنات أنت تعرّفها وأنت تعرّف الزمان والمكان لها. وأنت تعرّف القوانين التي تحكم هذا العالم كما تشاء أنت. أنت الآن تستطيع هذا باستخدام الكمبيوتر. وهذا يساعدك كثيرا على استيعاب مفاهيم مثل الزمان والمكان والقوانين والسببية. بل أنت لا تحتاج لبرمجة مثل هذا العالم ولك أن تكتفي بإجراء تجارب تخيلية في هذا العالم الخيالي والقيام بالتأملات اللازمة.
                          تصور أنك تستطيع أن تناقش القائلين بالتطور وتسألهم: إذن من الممكن عقلا أن تتطور هذه الكائنات التي أعرّفها في برنامج الكمبيوتر الخيالي الذي أضعه إذا اخترت قوانين ذكية تسمح بذلك. ولعلها تطور وعيا و"حياة" كما تعتقدون. ما رأيكم؟ هل يمكن أن نصنع حياة واعية في برنامج كمبيوتر؟ ما المانع؟
                          يمكنك أن تطرح أسئلة أخرى لم تطرح بشكل واف سابقا: هل من الجائز عقلا أن يتأخر السبب زمانيا عن النتيجة؟؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فهل يشاء الله تعالى أن يحصل مثل هذا في عالم التكليف؟؟ يمكنك أن تستفيد من برامج الخيال العلمي وتطرح أسئلة لم تكن مطروحة. يكفي أن تتفكر في بعض نشاطاتنا الاجتماعية الحديثة وتلاحظ تشابها بينها وبين نمط تفكير بعض المدارس الفكرية. تفكر في عمل المخرج السينمائي وفي عمل المخرج المسرحي وفي طريقة التفكير الأشعرية والاعتزالية. هناك مجال رائع لمقارنة مفيدة جدا أنعم الله تعالى علي بملاحظتها.

                          ثم إن القدماء غير معصومين. والأمثلة التي ذكرتها من الحافظة أرجو أن تكون صحيحة. (ليست عندي الآن الكتب التي تؤكد زعمي وأرجو أن تحيلوني على نسخات إلكترونية لها إن توفرت)
                          أما برهان الطوفان والتطبيق فأذكر أنه وضع للبرهنة على استحالة أن يكون الزمن لا أول له (حضرته في درس قبل 10 سنوات تقريبا). كيف تكون البرهنة؟ عن طريق البرهان غير المباشر. نفترض صحة أن الزمن لا أول له ونقارن بين فترتين زمنيتين: الفترة الأولى هو الزمن الذي سبق هذه اللحظة التي نعيشها والثاني هو الزمن الذي سبق طوفان سيدنا نوح عليه السلام. نقارن بين الزمنين في الطول: كيف؟ بالتطبيق... ماذا يعني هذا؟ نأخذ 10 سنوات من الزمن الأول ونطبقها على 10 سنوات من الزمن الثاني. أي أننا نعود إلى الوراء في الزمن لمسافة 10 سنوات في كلا الحالين. بسبب التطبيق نجد أن طول الزمنين حتى الآن 10. ثم نعود إلى الوراء في الزمن أكثر(نفس المسافة الزمنية في كلا الحالين) ونكرر هذه الخطوة مرارا وتكرارا. بتطبيقنا لهذه المسافات الزمنية في كلا الحالين (الزمنين) لن نصل قط إلى أن أحد الزمنين أكبر من الثاني. ولكننا نعلم يقينا أن الزمن الأول أكبر من الزمن الثاني بمقدار المسافة الزمنية التي تفصل بين الطوفان وبين يومنا هذا. النتيجة: لا يمكن أن يكون الزمن لا أول له.
                          وأنا أقول: إذا كان البرهان كما صورته أنا هنا فهو برهان سخيف لشخص لا يفهم ما لا نهاية له

                          وأما ما قرأته في السنوسية الكبرى (بتحقيق دكتور من جامعة قطر) فأنا لا أذكره اليوم تماما. ولعله كان دعوى السنوسي بأن شعاع الضوء يخرج من العين فيصيب الجسم المرئي.

                          هذا ما أردت بيانه بشأن التعامل مع نصوص القدماء. يجب التعامل معها تعاملا نقديا متفتحا يستفيد من البعد التاريخي الذي يسقط كثيرا من اعتبارات ردات الفعل وطبيعة خصوم المؤلف القديم التي قد تكون تحكمت بالمؤلف وأثرت على موضوعيته ويضع النص في سياقه ونسقه التاريخي الصحيح ويحاول أن يستخرج من هذه النصوص ما تعالج به مسائلنا الفكرية بالشكل الذي تطرح علينا به اليوم.

                          أما الأمر الذي لم أجد له ضابطا في كلامك يا أستاذ سعيد فهو مسألة الالتزام بالمذهب الأشعري. ما معنى الالتزام هنا؟ هل هو الالتزام بطلب تنزيه الله تعالى وتعظيمه؟ أم هو الالتزام بمنهج فكري في استخراج المعلومات؟ أم هو الالتزام بمتن معين من متون الأشاعرة لا يجوز الخروج عنه.
                          أنا متأكد أنك لا ترى الأشاعرة كلهم الواحد منهم نسخة كربون عن الآخر. إذن كيف يكون الالتزام؟
                          عندما شنع السنوسي على الفخرالرازي من كان الملتزم ومن خرج عن مذهب الأشاعرة؟
                          عندما شنع الكوثري على مصطفى صبري من كان الملتزم ومن خرج عن مذهب الأشاعرة؟
                          وما لنا نستخدم مقاييس مطاطة أحيانا فنبحث عن حلول توفيقية نجعل فيها من الماتريدي أشعريا ومن الفاضل من الحنابلة أشعريا ثم تكون أحكامنا قاسية على من يقول بخلاف ما نعهد في أشياء صغيرة (مثل العبد الفقير) فنحكم بأنه ليس ملتزما بالأشعرية؟
                          أين الضابط؟

                          قلت، حفظك الله، ((فقد اتضحت عندي هويتك، وعرفت أنك على فضلك باحث على حسب ما تعتقد أنت، لا تلتزم بمذهب تمام الالتزام، وربما يعود سبب هذا عندي إلى عدم تعمقك في هذه المذاهب))
                          الذي أعرفه هو أن الباحث عن الحق يبحث على حسب ما استقر عنده من حق لا على حسب ما استقر عند غيره. ولن يلتزم هذا الباحث عن الحق بمذهب تمام الالتزام إلا إذا استقر عنده تمام الاستقرار أن هذا المذهب حق.
                          عندي سؤال هنا: ماذا تقصد بالمذهب؟ هل المذهب الماتريدي والمذهب الأشعري عندك مذهب واحد؟

                          واسلم لأخيك والسلام

                          ملاحظة: قلت، حفظك الله، إن عندك كلاما دقيقا في الزمان والسببية. وقد كنت كتبت قبل عام تقريبا شيئا في هذا المجال باقتضاب وبلغة حديثة وبمثال جميل. وأنا أحب أن أطلع أهل المنتدى هنا عليه لأن المتأمل في هذا المثال قد يصل إلى نتائج تخالف ما يعهد في نقطتين: هل يجوز وجود حوادث لا أول لها في عالمنا؟ هل يجوز أن تسبق النتيجة السبب في عالمنا؟ تفكر يا سيدي في هذين السؤالين وإذا استعجلت جوابي قبل أن أضعه في المنتدى فعليك بهذا الرابط:
                          الحمد لله
                          رب زدني علما

                          تعليق

                          • إسماعيل حمودة
                            طالب علم
                            • Jul 2003
                            • 22

                            #14
                            أخي الكريم بلال النجار
                            السلام عليكم ورحمة الله

                            طلبا للاختصار نكتب الإشكال ثانية:
                            "هل من الجائز عقلا أن يجعلك الله تعالى تقتنع اقتناعاً خاطئاً بأنك مكلف؟"

                            " هل من الجائز عقلا أن يخلق الله تعالى أفعالا تجعلك تعتقد اعتقادا خاطئا بأن مشيئته تعلقت بشيء ما "
                            المعتزلة يقولون: هذا مستحيل لأنه قبيح
                            أنا أقول: هذا فعل. وكل فعل ممكن في نفسه لا تخصصه إلا المشيئة الإلهية فتوجبه أو تمنعه. والقول بأننا نعلم بأن المشيئة الإلهية تمننع هذا الشيء هو مصادرة على المطلوب. إذن جوابي هو: نعم، هو جائز عقلا ولكنه لا يحصل كما أؤمن وليس عندي برهان.
                            أنت تقول: هذا لا يكون. وعندك البرهان: ........(ما هو؟ أعتقد أنك ستقول ببرهان يعتمد على الكلام النفسي كما فهمت منك على الهاتف)

                            أخي الكريم: إذا كان الأمر كذلك فعندي أسئلة:
                            1- هل تفكرت في هذه المسألة قبل حوارنا هذا أم هي من ثمرات هذا الحوار؟
                            2- إذا كان الجواب نعم فهل قرأت هذه المسألة في مكان ما؟
                            3- ألست تحتاج الآن إلى صفة الكلام لبيان معاني جديدة واجبة للألوهية غير متضمنة في العلم والإرادة؟ ألا يعني هذا أن دليل صفة الكلام النفسي لا يجوز أن يكون سمعيا فقط وإنما يجب أن يكون عقليا ؟
                            4- هلا وضحت إذن ماذا تعني بالكلام النفسي ودليل وجوده العقلي وصلاح هذه الصفة لحل الإشكال
                            5- الواضح في مدعاك أن صفة الكلام عندك تخصص الأفعال الجائزة فتجعل بعضها واجبة وبعضها مستحيلة. هذا لا نعلمه نحن إلا في صفة الإرادة. فهل قال أحد من الأشاعرة ما تقول؟ وهل هناك صفة ثالثة بخلاف المشيئة والكلام تخصص الأفعال كذلك؟

                            في الختام أذكر بقناعتي بأن ما أوردته من استدلالات بالمعجزة أو بصدق الرسول لا يكون إلا بعد ثبوت التكليف. قلت: (()
                            أقول: أظن أنني بينت كيفية دلالة المعجزة على وجوب صدق النبي في بداية الرسالة إجمالاً، وإذا احتاج الأمر نقاشاً وتفصيلاً أكثر فيمكن أن نتكلم في ذلك حتى الصباح. ولكن هذه ليست مصادرة على المطلوب يا اسماعيل، لأن النبي كما قلت سابقاً، يدعي النبوة ويطلب أن يصدق، والمعجزة لا يقدر على عملها البشر، فإذا حدثت علم أنها من عند خالق البشر، وظهورها على يدي النبي وهو على تلك الحال من دعوى الصدق والإبلاغ عن الرب سبحانه، تشبه حال من حضر مجلس الملك فقال أيها الناس إن الملك يأمركم أن تفعلوا كذا وكذا وأنا رسول الملك إليكم، فصدقوني، وافعلوا ما تؤمرون، فمن أطاعني فقد أطاع الملك وأرضاه ونال عطاياه، ومن عصاني فقد عصاه وأسخطه ونال عقابه. فقالوا فما الدليل على صدقك؟ فقال الدليل أني أقول للملك خالف عادتك أيها الملك وافعل كذا وكذا إذا كنت صادقاً، فإذا فعل الملك ذلك تنزل فعله عند الحاضرين منزلة قوله صدق رسولي فيما يبلغكم عني. وإذا لم يفعل بان كذبه. ألا ترى أن هذا دليلاً كافياً للحاضرين لكي يصدقوه؟))
                            تعليق: ما الذي يمنع أن يتسلى الملك لا لغرض فيغير عادته موافقا للكذاب؟؟

                            واسلم والسلام
                            الحمد لله
                            رب زدني علما

                            تعليق

                            • سعيد فودة
                              المشرف العام
                              • Jul 2003
                              • 2444

                              #15
                              الأخ الفاضل إسماعيل،
                              أنا لم أنزعج إلا لأنك مع عدم كونك مستحضرا لما تتكلم عنه تماما أقصد ما قاله العلماء إلا أنك تطلق أحكامك جزافا، هذا فقط ما أثارني، وما كنت أتوقع منك ذلك.
                              وأقول لك لغاية هذه اللحظة فأنت ما زلت تتبع هذا الأسلوب حسب ما أراه في كتابتك الأخيرة. فأنت لم تراجع ما قاله السنوسي في شرح كبراه بعد، وما تبين بعد في أي جانب من الجوانب تبين لك أن من تكلم على التسلسل لم يكن فاهما لمفهوم المالانهاية. ولم يظهر لي بعد اطلاعك الكبير على ما أنجزه علماؤنا الأفاضل في هذا المقام، فأنت ما زلت تدور في فلك السنوسية والسلم المنورق،
                              وأما أقوالك عن العلماء وأن المتأخر يستفيد عموما من المتقدم، ويزيد عليه، فهذا إن صدق عليهم فلم يجب أن يصدق عليك وأنت لم تطلع على ما قالوه بشكل كاف.
                              ونحن لا نسلم التفاوت المطلق على الصورة التي بينتها أنت بينهم في هذه المواضيع، لأن هذه المواضيع والمسائل أمور مشتركة بين جنس البشر، ولا تعتمد المعرفة فيها على التراكم الكمي في جميع جهاتها، كالرياضيات والفيزياء والعلوم التجريبية.
                              وأنا أدعوك لمراجعة ما قاله السنوسي في شرح الكبرى لتعرف أنه لم يقل بالشعاع الصادر بل خالف من قال به.
                              وأما الخلط الذي ادعيته في كتب الأشعرية، فأنا لا أنزههم ولكن الأمر ليس على الصورة التي تدعيها أنت، وكذلك ما قالوه في الفرق الإسلامية الأخرى، فما قاله عبد القاهر من التكفير لغير الأشاعرة لم يسلمه له غيره كالإمام الرازي مثلا، ولذلك نحن لا نعمم ما قال البعض على الجميع كما تفعل أنت بصورة أو أخرى. ولا أحد من العلماء بمعصوم.
                              وأما اعتماد الأشاعرة على الإمام أحمد، فلا نسلمه بل هم غاية ما يفعلونه أنهم ينفون عنه تهمة التجسيم، التي يلصقها به بعض أتباعه، أما أن يكونوا قد اعتمدوا أقواله كمصدر يستمدون منه المذهب فهذا غير صحيح، على الإطلاق.
                              ومن أين رأيت في كتب الأشاعرة أنهم يستشهدون بما قاله الإمام أحمد في علم التوحيد، على جلالة قدره في علم الحديث؟؟
                              وحتى لو استشهد به بعضهم، فهل اعتمد على أقواله كبراؤهم ومحققوهم؟!
                              أرجو منك فقط عندما تتكلم في هذه المواضيع ألا تتسرع ولا تعمم في غير موضع التعميم.
                              وأما قولك
                              ألم تلاحظ اهتمامهم بمسائل غير مهمة مثل مسألة خلق القرآن ومسألة الرؤية وتفصيلات في التفضيل بين الصحابة

                              فأقول:
                              إن أي مسألة في علم التوحيد ولها ارتباط بالله تعالى وأصول الدين، لا يقال عليها إنها غير مهمة، هكذا كما تقوله أنت، بل يقال لها إنها مسألة من فروع علم التوحيد أو من أصوله، وأما الأهمية وعدمها، فهي أمر إضافي لوصفها ولوقتها التاريخي.
                              ومن أين عرفت أن هذه المسائل غير مهمة، وما معنى عدم أهميتها؟؟
                              ألم تعرف أنه لولا تكلم العلماء في مثل هذه المسائل، ووضعهم لها في موضعها اللائق بها، لتكلم فيها الجهلة وقلبوا أمور الدين جملة، فجعلوا الفروع أصولا والمنكر واجبا، كما فعل بعضهم في كون كلام الله أصواتا وحروفا جعل هذا أصلا في الدين، وبعضهم جعل كون الله تعالى في جهة أصلا... وهكذا
                              فأنا أقول أسألك بناء على ماذا تقول إن هذه المسألة ليست مهمه وهذه المسألة مهمة؟؟؟؟!!

                              أنا لن أرد الآن على جميع كلامك الذي أوردته أنت ولكن سأجيب عليه لاحقا نقطة نقطة لضيق وقتي.

                              والسلام عليكم
                              وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                              تعليق

                              يعمل...