اشراط الساعة : قراءه منهجيه
د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com
تقسيم اشراط الساعة : اشراط الساعة هي الآيات أو العلامات التي تدل على الساعة ، بما هي تغيير وإبدال الوجود الشهادى بوجود غيبي ، وقد أشارت إليها العديد من النصوص كقوله تعالى (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو ياتى ربك ، يوم ياتى بعض آيات ربك لا تنفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، قل انتظروا إنا منتظرون) (الأنعام:158 ) ، لذا اجمع علماء أهل السنة بمذاهبهم المختلفة على إثبات اشراط الساعة ، يقول الإمام الطحاوى ( ونؤمن باشراط الساعة من خروج الدجال ، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها...) (الطحاوى، شرح العقيدة الطحاويه،مكتبه الدعوة الاسلاميه، القاهرة، ص504) .
تقسيم اشراط الساعة : غير انه يجب التمييز بين نوعين من اشراط الساعة :
أولا : الاشراط الصغرى: وهى الآيات أو العلامات القائمة بذاتها، وبالتالي فان ظهورها مقترن بالحياة الدنيا (عالم الشهادة) ،خاضع لحتمية السنن التي تضبط حركته.
ثانيا: الاشراط الكبرى" العظمى" : وهى الآيات أو العلامات القائمة بالساعة ، بما هي تغيير أو إبدال الوجود الشهادى بوجود غيبي ، وبالتالي فان ظهورها مقترن بعالم غيبي غير خاضع لحتمية السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ..
وتنقسم الاشراط الكبرى إلي قسمين:
ا/الاشراط الارضيه : وهى الآيات أو العلامات القائمة بهذا التغيير انتهاء، وبالتالي فان ظهورها ابتداء مقترن بالحياة الدنيا (عالم الشهادة) ، وخاضع لحتمنه السنن الالهيه التي تضبط حركته ، وانتهاء مقترن بعالم غيبي غير خاضع لحتمية هذه السنن الالهيه، وقد اسماها بعض العلماء الاشراط الوسطى.
ب/الاشراط السماوية: وهى الآيات أو العلامات القائمة بهذا التغيير ابتداء وانتهاء ، وبالتالي فان ظهورها ابتداء وانتهاء مقترن بعالم غيبي ، غير خاضع لحتمية السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى. وقد أشار العديد من العلماء إلى هذين القسمين من أقسام الاشراط الكبرى (اى الاشراط الارضيه والسماوية ) ، مع اختلافهم في تحديد في اى قسم تقع الاشراط الكبرى المختلفة ، ورد في شرح العقيدة الطحاويه ( وان كان الدجال ونزول عيسى عليه السلام من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج ياجوج وماجوج، كل ذلك أمور مالوفه لأنهم بشر، مشاهده مثلهم مالوفه، وأما خروج الدابة بشكل غريب غير مألوف، ثم مخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر فأمرها خارج عن مجرى العادات.وذلك أول الآيات الارضيه كما أن طلوع الشمس من مغاربها أول الآيات السماوية) ( شرح العقيدة الطحاويه، ص506) .
تقسيم ظهور بعض اشراط الساعة إلى ظهور اكبر واصغر: من العرض السابق نخلص إلى أن العلماء قد قسموا اشراط الساعة في ذاتها (حيث قسموها إلى اشراط كبرى وصغرى، ثم قسموا الاشراط الكبرى إلى سماويه و أرضيه) ، ولكنهم لم يتطرقوا إلى تقسيم ظهور هذه الاشراط أو بعضها ، حيث انه يمكن تقسيم ظهور بعض هذه الاشراط إلى ظهور اكبر آخر الزمان، فهو مرتبط باشراط الساعه الكبرى ، وظهور اصغر قبل ذلك ، وهو مرتبط باشراط الساعه الصغرى ، حيث أن هناك العديد من النصوص التي تدعم امكانيه هذا التقسيم . فعلى سبيل المثال فان النصوص التي تشير إلى الدجال، تشير بعضها إلى ظهور المسيح الدجال أخر الزمان، وان ظهوره من اشراط الساعه الكبرى ، كما تشير بعضها الآخر إلى ظهور دجالون قبل الدجال الأكبر ، وان ظهورهم من اشراط الساعه الصغرى، كما في قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لا تقوم الساعه حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال) (أخرجه احمد5 /61). كما أن النصوص التي تشير إلى المهدي تشير بعضها إلى ظهور المهدي آخر الزمان ، كما تشير بعضها إلى ظهور مهديون راشدون قبل المهدي الأكبر، كما في قول الرسول (صلى الله عليه وسلم)(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديـين من بعدي ) ، وقد انتبه الإمام ابن القيم إلى امكانيه هذا التقسيم لظهور هذه الاشراط ، كما أشارت إليها النصوص ، حيث يقول ( فالمهدي إلي جانب الخير والرشاد كالدجال في جانب الشر والضلال ، كما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين ، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون) (المنار المنيف،ج1،ص 298).
الدجال:
دلالات فتنه الدجال : طبقا لدلالات النصوص الواردة في الدجال ، فان الدجال ينسب الربوبية والالوهيه إلى ذاته ، ورد في حديث أبي أمامة الباهلي (رضي الله عنه) : قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدجال وحذرناه فكان من قوله أن قال ( إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال وإن الله لم يبعث نبياً إلا حذر أمته الدجال)، وفيه ( إنه يبدأ فيقول : أنا نبي ولا نبي بعدي ثم يثني فيقول : أنا ربكم . ولا ترون ربكم حتى تموتوا وإنه أعور وإن ربكم ليس بأعور )( أخرجه ابن ماجه ) ، ففتنه الدجال ذات مضمون عقدي يتصل بالشرك في الربوبية والالوهيه ، ومضمون توحيد الربوبية أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق، اى الدائم كونه فاعلا بتعبير ابن تيميه ، الذي يقول في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض الدالة على حدوث الأجسام ( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (ابن تيميه، درء التعارض،1/98.)، ومضمون توحيد الإلوهية أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة ، اى الغاية المطلوب بتعبير ابن تيميه الذي يقول ( .... ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره ..... ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ، ومنه ما يراد لغيره).. وبناءا على هذين التعريفين فانه يمكن التعبير عن مضمون فتنه الدجال بصيغه أخرى مضمونها أنه يملك المقدرة على تزييف حقيقة وجود " هو وجوده ذاته " يتصف حقيقة بأنه محدود (فعلا وغاية ) ، بتحويله (كذبا ) إلى وجود مطلق من جهة الفعل (اى تحويله إلى فعل مطلق زائف ، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الاستكبار، ويتضمن إسناد صفات الربوبية كالخلق والرزق والحاكميه والتشريع والملكية ... لغير الله تعالى)، ووجود مطلق من جهة الغاية ( اى تحويله إلى غاية مطلقه زائفة، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الطاغوت).
الدجال الأصغر والدجال الأكبر: و النصوص التي تشير إلى الدجال ، يشير بعضها إلى ظهور المسيح الدجال أخر الزمان، وان ظهوره من اشراط الساعة الكبرى " اى من الآيات أو العلامات القائمة بالساعة ، وبالتالي مقترن بعالم غيبي "، كقول الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفس إيمانها ، لم تكن آمنت وكسبت في ايمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض )، كما يشير بعضها الآخر إلى ظهور دجالون قبل الدجال الأكبر، وان ظهورهم من اشراط الساعة الصغرى " اى من الآيات أو العلامات القائمة بذاتها، وبالتالي مقترن بعالم الشهادة"، ومنها: قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال) (أخرجه احمد : 5 /61)، وقوله (صلى الله عليه وسلم ) (سيكون في امتى كذابون ثلاثون كلهم يزعم انه نبي، وانا خاتم النبيين ولا نبي بعدى) (أخرجه أبو داؤود:4 /89)، وقوله (صلى الله عليه وسلم) (لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان عظيمتان ، تكون بينهما مقتله عظيمه دعواهما واحده، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كل يزعم انه رسول الله) (أخرجه البخاري: 13/7)، .يقول ابن القيم ( فالمهدي إلي جانب الخير والرشاد كالدجال في جانب الشر والضلال كما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهد يون راشدون) ( المنار المنيف،ج1،ص 29)، ويقول الإمام النووي( قال العلماء قصه ابن الصياد مشكله وامره مشتبه لكن لا شك انه دجال من الدجاجله )(فتح البارى،ج3).
الدجال الأصغر بين الشخص والوصف : وقد اتفق اغلب علماء أهل السنة على أن الدجال الاكير هو شخص ، استنادا النصوص التي تفيد ذلك ، ومنها : روى عن أبو هريرة أن يهوديا آتى الرسول(صلى الله عليه وسلم) وفى أخره : فاخبرني عن الدجال امن ولد ادم هو ام من ولد إبليس ، قال هو من ولد ادم ، لا انه من ولد إبليس)، اما الدجال الأصغر فإننا نرى انه قد يكون شخص استنادا إلى الأحاديث الواردة في ذلك" ، كما قد يكون وصف " يمكن لن ينطبق على اى منهج أو نظام ... يملك المقدرة على تزييف حقيقة وجود محدود (فعلا وغاية )، بتحويله (كذبا ) إلى وجود مطلق من جهة الفعل (اى تحويله إلى فعل مطلق زائف ، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الاستكبار ، ويتضمن إسناد صفات الربوبية كالخلق والرزق والحاكميه والتشريع والملكية ... لغير الله تعالى)، ووجود مطلق من جهة الغاية ( اى تحويله إلى غاية مطلقه زائفة، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الطاغوت)، وهنا نستانس بتفسير العلماء للطاغوت ، فقد ذكر ابن كثير أن الإمام مالكً فسر الطاغوت بأنه كل ما عبد من دون الله... ثم خلص ابن جرير في معني الطاغوت في قوله ( والصواب عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه إما بقهر منه لمن عبده وإما بطاعة ممن عبده له إنسانًا كان ذلك المعبود أو شيطانًا أو وثنًا أو صنمًا أو كائنًا من كان من شئ) .
ياجوج وماجوج:
تمهيد: اثبت علماء أهل السنة فتح ياجوج وماجوج ودك السد الذي بناه ذي القرنين كشرط من اشراط الساعة الكبرى ، وقد استدلوا بقوله تعالى ("حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأجُوجُ وَمَأجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَة أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) ( الأنبياء: 96-97 )، وقوله تعالى( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكَانَ وَعْدُ رَبَي حَقّاً، وتَرَكْنَا بَعْضُهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً)(الكهف: 92-99( .
قول بعض العلماء بوجود نسل عرقي لياجوج وماجوج والرد عليه: وإذا كان القران الكريم قد قرر أن ياجوج وماجوج قد تم حجزهم خلف السد الذي بناه ذي القرنين، فان عددا من العلماء قد قرر أن لياجوج وماجوج نسل عرقي خارج السد ، أورد ابن حجر العسقلاني ومن رواية سعيد بن بشير عن قتادة قال(يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة ، بني ذو القرنين السد على إحدى وعشرين " وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو وهم الأتراك فبقوا دون السد ) ، وأخرج ابن مردويه من طريق السدي قال ( الترك سرية من سرايا يأجوج ومأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فبنى السد فبقوا خارجا). والمقصود بالترك في هذه الأقوال المغول ، غير أن هذه الأقوال تتناقض مع ظاهر النصوص ، الذي يفيد أن كل ياجوج وماجوج قد تم حجزها وراء السد .
النسل الحضاري لياجوج وماجوج (ياجوج وماجوج الصغرى): وإذا كان القول بوجود نسل عرقي لياجوج وماجوج محل رفض ، فان من الممكن القول بأن لهم نسل حضاري ، وهو يمثل ياجوج وماجوج الصغرى (نسبه إلى علامات الساعة الصغرى)، وهو كل المفسدون في الأرض على وجه العموم ، وكل قبيلة أو شعب تتميز أو يتميز بحضارة وحشية، على وجوه الخصوص ، يقول الشيخ محمد متولي الشعراوى في تفسيره ( وإنما المهم من قصتهم أنهم قوم مفسدون في الأرض لا يتركون الصالح على صلاحه فإذا تصدى لهم المتمكن في الأرض فعليه أن يحول بينهم وبين هذا الإفساد، وياجوج وماجوج هم أهل الفساد في كل زمان ومكان) .
المهدي :
مصطلح المهدي ومفهومى الهدايه و الاهتداء : ان مصطلح المهدي يتصل بمفهومى الهدايه و الاهتداء القرانيبن ، و مضمونهما إن الهداية صفة ربوبية ، قال تعالى ( كلا إن معي ربي سيهدين )(الشعراء:162) ، وهذه الصفة من صفات الربوبية تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين : الشكل الأول هو الشكل التكويني الذي يمكن التعبير عنه بمصطلح (الهداية التكوينية)، ويتمثل في الفطرة من حيث هي إمكانية التزام السنن الإلهية التي تحكم الوجود الشهادي ، والتي يجب علي الإنسان الخضوع لها ليهتدي إلي ما فيه صلاحه ، كما في قوله تعالى (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في الظلمات والبر والبحر )(الإنعام 97) . والشكل الثاني هو الشكل التكليفى الذي يمكن التعبير عنه بمصطلح (الهداية التكليفيه ) ، ويتمثل في الوحي من حيث تضمنه للشرائع المتضمنة لأصول اللازمة لهداية الناس في كل زمان ومكان، كقوله تعالى (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون)( البقرة: 53). و مضمون الاستخلاف هنا هو إظهار الإنسان لصفة الهداية في الأرض ، وهو ما عبر عنه القرآن بالاهتداء ( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه )( يونس: 108).هذا الإظهار يتم من خلال: اولا: توحيد الربوبية: بإفراد الهداية لله تعالى(إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (القصص: 56)، وثانيا العبودية (التكوينية والتكليفية): وذلك باتخاذ مقتضى الهداية التكويني (الهداية التكوينية) والتكليفي (الهداية التكلفية) ضوابط موضوعية مطلقة قال تعالى (من يهد الله فهو المهتدي)( الأعراف: 178) . ويجب التمييز بين قسمين من أقسام الهداية: القسم الأول : الهداية الخاصة : اى هداية الله تعالى لفرد معين ، بواسطة الوحي، وهذا القسم من أقسام الهداية يستلزم العصمة، وهو مقصور على الأنبياء والرسل ، قال تعالى ( كلا إن معي ربي سيهدين) (الشعراء:162)، وبالتالي فانه بختم النبوة وانقطاع الوحي بوفاة الرسول (ص) انتهى هذا القسم من أقسام الهداية. القسم الثاني : الهداية العامة: اى هداية الله تعالى لمن التزم بشروط الاهتداء (التكوينية " السنن الالهيه" ، والتكليفيه "الوحي" )، قال تعالى (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه )( يونس: 108) بدون تعيين، وهذا القسم من أقسام الهدايه لا يكون بنزول الوحي ، بل بالالتزام بالوحي ، ولا يستلزم العصمة إنما العدالة ، وتتفاوت درجاته، مع اختصاص الصحابة (رضي الله عنهم) في الامه المحمدية بأعلى هذه الدرجات.
أقسام المهدية: بناءا على التعريف السابق لمفهومى الهدايه والاهتداء ، فانه يمكن تقسيم المهدية إلى :
أولا: مهديه خاصة : مقصورة على الأنبياء والرسل الذين تنطبق عليهم صفه الهدايه الخاصة يقول القرطبي ( .. أي لا مهدي كاملا معصوما الا عيسى عليه السلام .. ) .
ثانيا: مهديه عامه: تضم الذين تنطبق عليهم صفه الهدايه العامه، يقول ابن كثير(فصل في ذكر المهدي الذي يكون آخر الزمان وهو احد الخلفاء الراشدين المهديين )(ابن كثير، النهاية)، وتنقسم إلى قسمين:
ا/مهديه صغرى: نسبه لعلامات الساعة الصغرى، اى القول بمهديون راشدون قبل المهدي الأكبر ( الذي هو آخر هولاء المهديون الراشدون)، وأنهم من اشراط الساعة الصغرى، وبالتالي فان ظهورهم مقترن بعالم الشهادة ، خاضع لحتمية السنن الالهيه التي تضبط حركته ، يقول ابن القيم ( فالمهدي إلي جانب الخير والرشاد ، كالدجال في جانب الشر والضلال ، كما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين ، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون)( المنار المنيف،ج1،ص 298)، وأول هؤلاء المهديون الذين تنطبق عليهم صفه الهداية العامة في اعلي درجاتها الخلفاء الراشدون ( رضي الله عنهم ) لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (عليكم بسنتى وسنه الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى)، ومنهم عمر بن عبد العزيز الذي اتفق العلماء انه خامس الخلفاء الراشدين ، يقول ابن كثير( فصل في ذكر المهدي الذي يكون آخر الزمان وهو احد الخلفاء الراشدين المهديين )(ابن كثير، النهاية) .. ومثاله حديث الرسول اللهم صل عليه عن الخلفاء المهديـين ، وهو : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديـين من بعدي " )، ويقول ابن القيم: ( وعمر ابن عبد العزيز كان مهديا وقد ذهب الامام أحمد الى أن عمر ابن عبد العزيز منهم < أي من الخلفاء المهديـين > ) ، اما بعد الخلافه الراشده فان المهديه الصغرى تاخذ شكل الاقتداء بالخلافه الراشدة ، والالتزام يشروط الاهتداء التكوينيه والتكليفيه، ومن ضمنها تحقيق القيم الاسلاميه كالعدل والمساواه والشورى..، واسناد الحاكميه والملكيه والتشريع لله تعالى(استنادا الى مفهوم التوحيد)، و استخلاف الجماعة في اظهارها الارض، باسناد السلطه و الانتفاع بالمال وحق الاجتهاد اليها (استنادا الى مفهوم الاستخلاف)،ان يكون الحاكم نائب ووكيل عن الجماعة ،لها حق تعيينه ومراقبته وعزله (استنادا الى تقرير العلماء ان البيعة عقد مرضاه واختيار).
ب/ مهديه كبرى: نسبه لعلامات الساعة الكبرى، فظهور المهدي الأكبر من الاشراط الكبرى الارضيه للساعة ، وبالتالى مقترن ابتداء بعالم الشهاده خاضع لحتميه السنن الالهيه التى تضبط حركته ، وانتهاء مقترن بعالم غيبي ، غير خاضع لحتميه السنن الالهيه التى تضبط حركه عالم الشهاده ، بناءا على هذا يجب تصحيح المافاهيم الخاطئه عن المهدى ، التى شاعت عند كثير من المسلمين فى مراحل متاخره من التاريخ الاسلامى ، والتى تختلط ببعض انماط التفكير الخرافي والاسطورى ، يقول الشيخ الألباني( إن كثيراً من المسلمين قد انحرفوا عن الصواب في هذا الموضوع فمنهم من استقر في نفسه أن دولة الإسلام لن تقوم إلا بخروج المهدي ، وهذه خرافة وضلال ألقاها الشيطان في قلوب كثير من العامة ، وليس في شيء من أحاديث المهدي ما يشعر بذلك مطلقاً بل هي كلها لا تخرج عن أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر برجل من أهل بيته ووصفه بصفات بارزة من أهمها أنه يحكم بالإسلام وينشر العدل بين الأنام فهو في الحقيقة من المجددين الذين يبعثهم الله في رأس كل مائة سنة كما صح عنه صلى الله عليه وسلم) ، ويقول البستوي( إذن فليس المهدي عجيبة من عجائب الدهر، وأي غرابة في أن أقول: "سيتولَّى أمر المسلمين في أواخر الأيام رجل من عِتْرة النبي ( ص )، اسمه محمد بن عبد الله، فيحكم بالعدل، فيبارك له الله تعالى في حُكمه، وتعيش الأمة الإسلامية في عصره في نعمة ورخاء"... أما ما ثبت من نزول عيسى وقتله الدجَّال فهو من الحوادث الزمنية المختصة بذلك العصر)(عبد العليم البستوي ،المهدي المنتظر 379،1)
المهدية والوعد الالهى بالاستخلاف : وإقرار المهديه لا يتناقض مع الوعد الالهى باستخلاف الجماعة الذي تشير إليه الايه ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) ، لان دلاله النصوص المتعلقة بها تفيد تطبيق المهدي لقواعد العدل والشورى والمساواة ، في جماعة المسلمة التي ستكون موجودة قبله ، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم)(لا تزال طائفة من امتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلي يوم القيامة) ، ولا يناقض هذا تقرير بعض الأحاديث أن المهدي( الاكبر) من آل البيت، لان هذا لا يعنى إلغائه لشروط الاهتداء ومنها الشورى. كما أن إقرار المهدية يجب أن لا يتناقض مع معرفه والتزام شروط الاستخلاف ، لان الايه تشير إلى أن تحقيق هذا الوعد الالهى بالاستخلاف معلق بمعرفه والتزام شروطه الذاتية "والتي عبر القران عن جملتها بالإيمان" ، والموضوعية " والتي عبر القران عن جملتها بالعمل الصالح" .
د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com
تقسيم اشراط الساعة : اشراط الساعة هي الآيات أو العلامات التي تدل على الساعة ، بما هي تغيير وإبدال الوجود الشهادى بوجود غيبي ، وقد أشارت إليها العديد من النصوص كقوله تعالى (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو ياتى ربك ، يوم ياتى بعض آيات ربك لا تنفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، قل انتظروا إنا منتظرون) (الأنعام:158 ) ، لذا اجمع علماء أهل السنة بمذاهبهم المختلفة على إثبات اشراط الساعة ، يقول الإمام الطحاوى ( ونؤمن باشراط الساعة من خروج الدجال ، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها...) (الطحاوى، شرح العقيدة الطحاويه،مكتبه الدعوة الاسلاميه، القاهرة، ص504) .
تقسيم اشراط الساعة : غير انه يجب التمييز بين نوعين من اشراط الساعة :
أولا : الاشراط الصغرى: وهى الآيات أو العلامات القائمة بذاتها، وبالتالي فان ظهورها مقترن بالحياة الدنيا (عالم الشهادة) ،خاضع لحتمية السنن التي تضبط حركته.
ثانيا: الاشراط الكبرى" العظمى" : وهى الآيات أو العلامات القائمة بالساعة ، بما هي تغيير أو إبدال الوجود الشهادى بوجود غيبي ، وبالتالي فان ظهورها مقترن بعالم غيبي غير خاضع لحتمية السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ..
وتنقسم الاشراط الكبرى إلي قسمين:
ا/الاشراط الارضيه : وهى الآيات أو العلامات القائمة بهذا التغيير انتهاء، وبالتالي فان ظهورها ابتداء مقترن بالحياة الدنيا (عالم الشهادة) ، وخاضع لحتمنه السنن الالهيه التي تضبط حركته ، وانتهاء مقترن بعالم غيبي غير خاضع لحتمية هذه السنن الالهيه، وقد اسماها بعض العلماء الاشراط الوسطى.
ب/الاشراط السماوية: وهى الآيات أو العلامات القائمة بهذا التغيير ابتداء وانتهاء ، وبالتالي فان ظهورها ابتداء وانتهاء مقترن بعالم غيبي ، غير خاضع لحتمية السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى. وقد أشار العديد من العلماء إلى هذين القسمين من أقسام الاشراط الكبرى (اى الاشراط الارضيه والسماوية ) ، مع اختلافهم في تحديد في اى قسم تقع الاشراط الكبرى المختلفة ، ورد في شرح العقيدة الطحاويه ( وان كان الدجال ونزول عيسى عليه السلام من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج ياجوج وماجوج، كل ذلك أمور مالوفه لأنهم بشر، مشاهده مثلهم مالوفه، وأما خروج الدابة بشكل غريب غير مألوف، ثم مخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر فأمرها خارج عن مجرى العادات.وذلك أول الآيات الارضيه كما أن طلوع الشمس من مغاربها أول الآيات السماوية) ( شرح العقيدة الطحاويه، ص506) .
تقسيم ظهور بعض اشراط الساعة إلى ظهور اكبر واصغر: من العرض السابق نخلص إلى أن العلماء قد قسموا اشراط الساعة في ذاتها (حيث قسموها إلى اشراط كبرى وصغرى، ثم قسموا الاشراط الكبرى إلى سماويه و أرضيه) ، ولكنهم لم يتطرقوا إلى تقسيم ظهور هذه الاشراط أو بعضها ، حيث انه يمكن تقسيم ظهور بعض هذه الاشراط إلى ظهور اكبر آخر الزمان، فهو مرتبط باشراط الساعه الكبرى ، وظهور اصغر قبل ذلك ، وهو مرتبط باشراط الساعه الصغرى ، حيث أن هناك العديد من النصوص التي تدعم امكانيه هذا التقسيم . فعلى سبيل المثال فان النصوص التي تشير إلى الدجال، تشير بعضها إلى ظهور المسيح الدجال أخر الزمان، وان ظهوره من اشراط الساعه الكبرى ، كما تشير بعضها الآخر إلى ظهور دجالون قبل الدجال الأكبر ، وان ظهورهم من اشراط الساعه الصغرى، كما في قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لا تقوم الساعه حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال) (أخرجه احمد5 /61). كما أن النصوص التي تشير إلى المهدي تشير بعضها إلى ظهور المهدي آخر الزمان ، كما تشير بعضها إلى ظهور مهديون راشدون قبل المهدي الأكبر، كما في قول الرسول (صلى الله عليه وسلم)(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديـين من بعدي ) ، وقد انتبه الإمام ابن القيم إلى امكانيه هذا التقسيم لظهور هذه الاشراط ، كما أشارت إليها النصوص ، حيث يقول ( فالمهدي إلي جانب الخير والرشاد كالدجال في جانب الشر والضلال ، كما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين ، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون) (المنار المنيف،ج1،ص 298).
الدجال:
دلالات فتنه الدجال : طبقا لدلالات النصوص الواردة في الدجال ، فان الدجال ينسب الربوبية والالوهيه إلى ذاته ، ورد في حديث أبي أمامة الباهلي (رضي الله عنه) : قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدجال وحذرناه فكان من قوله أن قال ( إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال وإن الله لم يبعث نبياً إلا حذر أمته الدجال)، وفيه ( إنه يبدأ فيقول : أنا نبي ولا نبي بعدي ثم يثني فيقول : أنا ربكم . ولا ترون ربكم حتى تموتوا وإنه أعور وإن ربكم ليس بأعور )( أخرجه ابن ماجه ) ، ففتنه الدجال ذات مضمون عقدي يتصل بالشرك في الربوبية والالوهيه ، ومضمون توحيد الربوبية أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق، اى الدائم كونه فاعلا بتعبير ابن تيميه ، الذي يقول في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض الدالة على حدوث الأجسام ( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (ابن تيميه، درء التعارض،1/98.)، ومضمون توحيد الإلوهية أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة ، اى الغاية المطلوب بتعبير ابن تيميه الذي يقول ( .... ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره ..... ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ، ومنه ما يراد لغيره).. وبناءا على هذين التعريفين فانه يمكن التعبير عن مضمون فتنه الدجال بصيغه أخرى مضمونها أنه يملك المقدرة على تزييف حقيقة وجود " هو وجوده ذاته " يتصف حقيقة بأنه محدود (فعلا وغاية ) ، بتحويله (كذبا ) إلى وجود مطلق من جهة الفعل (اى تحويله إلى فعل مطلق زائف ، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الاستكبار، ويتضمن إسناد صفات الربوبية كالخلق والرزق والحاكميه والتشريع والملكية ... لغير الله تعالى)، ووجود مطلق من جهة الغاية ( اى تحويله إلى غاية مطلقه زائفة، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الطاغوت).
الدجال الأصغر والدجال الأكبر: و النصوص التي تشير إلى الدجال ، يشير بعضها إلى ظهور المسيح الدجال أخر الزمان، وان ظهوره من اشراط الساعة الكبرى " اى من الآيات أو العلامات القائمة بالساعة ، وبالتالي مقترن بعالم غيبي "، كقول الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفس إيمانها ، لم تكن آمنت وكسبت في ايمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض )، كما يشير بعضها الآخر إلى ظهور دجالون قبل الدجال الأكبر، وان ظهورهم من اشراط الساعة الصغرى " اى من الآيات أو العلامات القائمة بذاتها، وبالتالي مقترن بعالم الشهادة"، ومنها: قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال) (أخرجه احمد : 5 /61)، وقوله (صلى الله عليه وسلم ) (سيكون في امتى كذابون ثلاثون كلهم يزعم انه نبي، وانا خاتم النبيين ولا نبي بعدى) (أخرجه أبو داؤود:4 /89)، وقوله (صلى الله عليه وسلم) (لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان عظيمتان ، تكون بينهما مقتله عظيمه دعواهما واحده، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كل يزعم انه رسول الله) (أخرجه البخاري: 13/7)، .يقول ابن القيم ( فالمهدي إلي جانب الخير والرشاد كالدجال في جانب الشر والضلال كما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهد يون راشدون) ( المنار المنيف،ج1،ص 29)، ويقول الإمام النووي( قال العلماء قصه ابن الصياد مشكله وامره مشتبه لكن لا شك انه دجال من الدجاجله )(فتح البارى،ج3).
الدجال الأصغر بين الشخص والوصف : وقد اتفق اغلب علماء أهل السنة على أن الدجال الاكير هو شخص ، استنادا النصوص التي تفيد ذلك ، ومنها : روى عن أبو هريرة أن يهوديا آتى الرسول(صلى الله عليه وسلم) وفى أخره : فاخبرني عن الدجال امن ولد ادم هو ام من ولد إبليس ، قال هو من ولد ادم ، لا انه من ولد إبليس)، اما الدجال الأصغر فإننا نرى انه قد يكون شخص استنادا إلى الأحاديث الواردة في ذلك" ، كما قد يكون وصف " يمكن لن ينطبق على اى منهج أو نظام ... يملك المقدرة على تزييف حقيقة وجود محدود (فعلا وغاية )، بتحويله (كذبا ) إلى وجود مطلق من جهة الفعل (اى تحويله إلى فعل مطلق زائف ، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الاستكبار ، ويتضمن إسناد صفات الربوبية كالخلق والرزق والحاكميه والتشريع والملكية ... لغير الله تعالى)، ووجود مطلق من جهة الغاية ( اى تحويله إلى غاية مطلقه زائفة، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الطاغوت)، وهنا نستانس بتفسير العلماء للطاغوت ، فقد ذكر ابن كثير أن الإمام مالكً فسر الطاغوت بأنه كل ما عبد من دون الله... ثم خلص ابن جرير في معني الطاغوت في قوله ( والصواب عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه إما بقهر منه لمن عبده وإما بطاعة ممن عبده له إنسانًا كان ذلك المعبود أو شيطانًا أو وثنًا أو صنمًا أو كائنًا من كان من شئ) .
ياجوج وماجوج:
تمهيد: اثبت علماء أهل السنة فتح ياجوج وماجوج ودك السد الذي بناه ذي القرنين كشرط من اشراط الساعة الكبرى ، وقد استدلوا بقوله تعالى ("حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأجُوجُ وَمَأجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَة أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) ( الأنبياء: 96-97 )، وقوله تعالى( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكَانَ وَعْدُ رَبَي حَقّاً، وتَرَكْنَا بَعْضُهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً)(الكهف: 92-99( .
قول بعض العلماء بوجود نسل عرقي لياجوج وماجوج والرد عليه: وإذا كان القران الكريم قد قرر أن ياجوج وماجوج قد تم حجزهم خلف السد الذي بناه ذي القرنين، فان عددا من العلماء قد قرر أن لياجوج وماجوج نسل عرقي خارج السد ، أورد ابن حجر العسقلاني ومن رواية سعيد بن بشير عن قتادة قال(يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة ، بني ذو القرنين السد على إحدى وعشرين " وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو وهم الأتراك فبقوا دون السد ) ، وأخرج ابن مردويه من طريق السدي قال ( الترك سرية من سرايا يأجوج ومأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فبنى السد فبقوا خارجا). والمقصود بالترك في هذه الأقوال المغول ، غير أن هذه الأقوال تتناقض مع ظاهر النصوص ، الذي يفيد أن كل ياجوج وماجوج قد تم حجزها وراء السد .
النسل الحضاري لياجوج وماجوج (ياجوج وماجوج الصغرى): وإذا كان القول بوجود نسل عرقي لياجوج وماجوج محل رفض ، فان من الممكن القول بأن لهم نسل حضاري ، وهو يمثل ياجوج وماجوج الصغرى (نسبه إلى علامات الساعة الصغرى)، وهو كل المفسدون في الأرض على وجه العموم ، وكل قبيلة أو شعب تتميز أو يتميز بحضارة وحشية، على وجوه الخصوص ، يقول الشيخ محمد متولي الشعراوى في تفسيره ( وإنما المهم من قصتهم أنهم قوم مفسدون في الأرض لا يتركون الصالح على صلاحه فإذا تصدى لهم المتمكن في الأرض فعليه أن يحول بينهم وبين هذا الإفساد، وياجوج وماجوج هم أهل الفساد في كل زمان ومكان) .
المهدي :
مصطلح المهدي ومفهومى الهدايه و الاهتداء : ان مصطلح المهدي يتصل بمفهومى الهدايه و الاهتداء القرانيبن ، و مضمونهما إن الهداية صفة ربوبية ، قال تعالى ( كلا إن معي ربي سيهدين )(الشعراء:162) ، وهذه الصفة من صفات الربوبية تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين : الشكل الأول هو الشكل التكويني الذي يمكن التعبير عنه بمصطلح (الهداية التكوينية)، ويتمثل في الفطرة من حيث هي إمكانية التزام السنن الإلهية التي تحكم الوجود الشهادي ، والتي يجب علي الإنسان الخضوع لها ليهتدي إلي ما فيه صلاحه ، كما في قوله تعالى (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في الظلمات والبر والبحر )(الإنعام 97) . والشكل الثاني هو الشكل التكليفى الذي يمكن التعبير عنه بمصطلح (الهداية التكليفيه ) ، ويتمثل في الوحي من حيث تضمنه للشرائع المتضمنة لأصول اللازمة لهداية الناس في كل زمان ومكان، كقوله تعالى (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون)( البقرة: 53). و مضمون الاستخلاف هنا هو إظهار الإنسان لصفة الهداية في الأرض ، وهو ما عبر عنه القرآن بالاهتداء ( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه )( يونس: 108).هذا الإظهار يتم من خلال: اولا: توحيد الربوبية: بإفراد الهداية لله تعالى(إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (القصص: 56)، وثانيا العبودية (التكوينية والتكليفية): وذلك باتخاذ مقتضى الهداية التكويني (الهداية التكوينية) والتكليفي (الهداية التكلفية) ضوابط موضوعية مطلقة قال تعالى (من يهد الله فهو المهتدي)( الأعراف: 178) . ويجب التمييز بين قسمين من أقسام الهداية: القسم الأول : الهداية الخاصة : اى هداية الله تعالى لفرد معين ، بواسطة الوحي، وهذا القسم من أقسام الهداية يستلزم العصمة، وهو مقصور على الأنبياء والرسل ، قال تعالى ( كلا إن معي ربي سيهدين) (الشعراء:162)، وبالتالي فانه بختم النبوة وانقطاع الوحي بوفاة الرسول (ص) انتهى هذا القسم من أقسام الهداية. القسم الثاني : الهداية العامة: اى هداية الله تعالى لمن التزم بشروط الاهتداء (التكوينية " السنن الالهيه" ، والتكليفيه "الوحي" )، قال تعالى (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه )( يونس: 108) بدون تعيين، وهذا القسم من أقسام الهدايه لا يكون بنزول الوحي ، بل بالالتزام بالوحي ، ولا يستلزم العصمة إنما العدالة ، وتتفاوت درجاته، مع اختصاص الصحابة (رضي الله عنهم) في الامه المحمدية بأعلى هذه الدرجات.
أقسام المهدية: بناءا على التعريف السابق لمفهومى الهدايه والاهتداء ، فانه يمكن تقسيم المهدية إلى :
أولا: مهديه خاصة : مقصورة على الأنبياء والرسل الذين تنطبق عليهم صفه الهدايه الخاصة يقول القرطبي ( .. أي لا مهدي كاملا معصوما الا عيسى عليه السلام .. ) .
ثانيا: مهديه عامه: تضم الذين تنطبق عليهم صفه الهدايه العامه، يقول ابن كثير(فصل في ذكر المهدي الذي يكون آخر الزمان وهو احد الخلفاء الراشدين المهديين )(ابن كثير، النهاية)، وتنقسم إلى قسمين:
ا/مهديه صغرى: نسبه لعلامات الساعة الصغرى، اى القول بمهديون راشدون قبل المهدي الأكبر ( الذي هو آخر هولاء المهديون الراشدون)، وأنهم من اشراط الساعة الصغرى، وبالتالي فان ظهورهم مقترن بعالم الشهادة ، خاضع لحتمية السنن الالهيه التي تضبط حركته ، يقول ابن القيم ( فالمهدي إلي جانب الخير والرشاد ، كالدجال في جانب الشر والضلال ، كما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين ، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون)( المنار المنيف،ج1،ص 298)، وأول هؤلاء المهديون الذين تنطبق عليهم صفه الهداية العامة في اعلي درجاتها الخلفاء الراشدون ( رضي الله عنهم ) لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (عليكم بسنتى وسنه الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى)، ومنهم عمر بن عبد العزيز الذي اتفق العلماء انه خامس الخلفاء الراشدين ، يقول ابن كثير( فصل في ذكر المهدي الذي يكون آخر الزمان وهو احد الخلفاء الراشدين المهديين )(ابن كثير، النهاية) .. ومثاله حديث الرسول اللهم صل عليه عن الخلفاء المهديـين ، وهو : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديـين من بعدي " )، ويقول ابن القيم: ( وعمر ابن عبد العزيز كان مهديا وقد ذهب الامام أحمد الى أن عمر ابن عبد العزيز منهم < أي من الخلفاء المهديـين > ) ، اما بعد الخلافه الراشده فان المهديه الصغرى تاخذ شكل الاقتداء بالخلافه الراشدة ، والالتزام يشروط الاهتداء التكوينيه والتكليفيه، ومن ضمنها تحقيق القيم الاسلاميه كالعدل والمساواه والشورى..، واسناد الحاكميه والملكيه والتشريع لله تعالى(استنادا الى مفهوم التوحيد)، و استخلاف الجماعة في اظهارها الارض، باسناد السلطه و الانتفاع بالمال وحق الاجتهاد اليها (استنادا الى مفهوم الاستخلاف)،ان يكون الحاكم نائب ووكيل عن الجماعة ،لها حق تعيينه ومراقبته وعزله (استنادا الى تقرير العلماء ان البيعة عقد مرضاه واختيار).
ب/ مهديه كبرى: نسبه لعلامات الساعة الكبرى، فظهور المهدي الأكبر من الاشراط الكبرى الارضيه للساعة ، وبالتالى مقترن ابتداء بعالم الشهاده خاضع لحتميه السنن الالهيه التى تضبط حركته ، وانتهاء مقترن بعالم غيبي ، غير خاضع لحتميه السنن الالهيه التى تضبط حركه عالم الشهاده ، بناءا على هذا يجب تصحيح المافاهيم الخاطئه عن المهدى ، التى شاعت عند كثير من المسلمين فى مراحل متاخره من التاريخ الاسلامى ، والتى تختلط ببعض انماط التفكير الخرافي والاسطورى ، يقول الشيخ الألباني( إن كثيراً من المسلمين قد انحرفوا عن الصواب في هذا الموضوع فمنهم من استقر في نفسه أن دولة الإسلام لن تقوم إلا بخروج المهدي ، وهذه خرافة وضلال ألقاها الشيطان في قلوب كثير من العامة ، وليس في شيء من أحاديث المهدي ما يشعر بذلك مطلقاً بل هي كلها لا تخرج عن أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر برجل من أهل بيته ووصفه بصفات بارزة من أهمها أنه يحكم بالإسلام وينشر العدل بين الأنام فهو في الحقيقة من المجددين الذين يبعثهم الله في رأس كل مائة سنة كما صح عنه صلى الله عليه وسلم) ، ويقول البستوي( إذن فليس المهدي عجيبة من عجائب الدهر، وأي غرابة في أن أقول: "سيتولَّى أمر المسلمين في أواخر الأيام رجل من عِتْرة النبي ( ص )، اسمه محمد بن عبد الله، فيحكم بالعدل، فيبارك له الله تعالى في حُكمه، وتعيش الأمة الإسلامية في عصره في نعمة ورخاء"... أما ما ثبت من نزول عيسى وقتله الدجَّال فهو من الحوادث الزمنية المختصة بذلك العصر)(عبد العليم البستوي ،المهدي المنتظر 379،1)
المهدية والوعد الالهى بالاستخلاف : وإقرار المهديه لا يتناقض مع الوعد الالهى باستخلاف الجماعة الذي تشير إليه الايه ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) ، لان دلاله النصوص المتعلقة بها تفيد تطبيق المهدي لقواعد العدل والشورى والمساواة ، في جماعة المسلمة التي ستكون موجودة قبله ، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم)(لا تزال طائفة من امتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلي يوم القيامة) ، ولا يناقض هذا تقرير بعض الأحاديث أن المهدي( الاكبر) من آل البيت، لان هذا لا يعنى إلغائه لشروط الاهتداء ومنها الشورى. كما أن إقرار المهدية يجب أن لا يتناقض مع معرفه والتزام شروط الاستخلاف ، لان الايه تشير إلى أن تحقيق هذا الوعد الالهى بالاستخلاف معلق بمعرفه والتزام شروطه الذاتية "والتي عبر القران عن جملتها بالإيمان" ، والموضوعية " والتي عبر القران عن جملتها بالعمل الصالح" .