بسم الله الرحمن الرحيم
مسألة إمكان الكذب وموقف علماء الديوبند منها:
تلخيص رسالة "جهد المقل" لشيخ الهند محمود حسن الديوبندي في مسألة إمكان الكذب:
قد طلب مني بعض الإخوة أن أكتب مقالة في موضوع 'إمكان الكذب'، الذي صار معركة للآراء في شبه القارة الهندية، فأحببت أن ألخص رسالة لشيخ الهند مولانا محمود حسن الديوبندي رحمه الله (١٢٦٨ ١٣٣٩ ه)، من أكبر علماء الهند وأجلهم في جميع العلوم النقلية والعقلية [له ترجمة في نزهة الخواطر]، مسماة ب: 'جهد المقل في تنزيه المعز المذل'، بسط فيها الكلام عن مسألة إمكان الكذب، ومنشأ التنازع عنها فى الهند، والحق يقال: هذه الرسالة من عجائب العلم، ظهر منها غزارة علم المؤلف وتبحره فى العلوم النقلية والعقلية ولا سيما علم الكلام والتوحيد.
لم أقف على تاريخ تأليف كتابه هذا، لكن يعلم من قرائن الكتاب أنه رحمه الله ألفه في حياة الشيخ إمداد الله المهاجر المكي المتوفى سنة: ١٣١٧ه وبعد سنة ١٣٠٣ ه، فتأليفه إذن وقع ما بين هذين التاريخين (١٣٠٣ ١٣١٧ ه/١٨٨٦ ١٨٩٩ ميلادي)، أعني: قبل قرن تام. وهو كتاب كبير يزيد على ٣٠٠ صفحة، في كل صفحة حوالي ٢٥ سطرا وفي كل سطر حوالي ١٥ كلمة. والكتاب صنفه مؤلفه باللغة الأردوية مع نقل العبارات التي استدل بها باللغة العربية.
وقسمه إلى سبع مقدمات وثلاثة أبواب، الباب الأول في إثبات دعواه أن الكذب داخل في قدرة الله تعالى القديمة وإنما امتنع وقوعه وصدوره عنه لحكمة والتزامه سبحانه الصدق لا لعدم دخوله فى القدرة، والباب الثاني فى الجواب عن الإعتراضات التي أوردها الخصم على الأدلة التي استدل بها المؤلف، والباب الثالث فى الجواب عن الأدلة التي استدل بها الخصم في إثبات دعواهم أن الكذب لله تعالى ممتنع ذاتيا لا يشمله القدرة القديمة. إنما اطلعت على البابين الأول والثاني من الكتاب، ولم أقف على الباب الثالث منه. فأقدم في هذه العجالة تلخيص ما كتبه فى المقدمات السبع والباب الأول مع بعض الزيادات من الباب الثاني، وأرجو أن يكون هذا كافيا في بيان ما ذهب إليه علماء ديوبند، وأنهم ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه على بصيرة وعلم، لا على أساس الوهم والخيال.
مقدمة المؤلف:
بين المؤلف (شيخ الهند رحمه الله) في مقدمة الكتاب منشأ الخلاف في هذه المسألة، وهو أن العلامة المنطقي فضل حق الخيرآبادي (١٢١٢ ١٢٨٩ ه) ألف كتابا في 'إبطال إمكان النظير'، صنفه ردا على جملة كتبها الشيخ المجاهد الشاه محمد إسماعيل الدهلوي الشهيد (١١٩٣ ١٢٤٦ ه) في كتابه 'تقوية الإيمان' - وهي قوله: ((وشأن ملك الملوك هذا أنه لو شاء لخلق في لحظة واحدة بكلمة 'كن' مئات آلاف من الأنبياء والأولياء والجن والملائكة مثل جبرئل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم))* -، فرد على هذا الكلام العلامة المذكور بأنه لا يمكن وجود نظير لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في قدرة الله تعالى إيجاد مثل محمد صلى الله عليه وسلم، فأجاب عن رده هذا الشيخ إسماعيل الدهلوي، وأثبت الإمكان الذاتي لوجود نظير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثبت شمول قدرة الله تعالى إيجاده مع الإمتناع لغيره، وبما أن الخيرآبادي ذكر مسألة استحالة الكذب على الله تعالى استطرادا، أجاب الدهلوي بأن هذه الإستحالة ليست لعدم دخوله فى القدرة القديمة كما زعمه الخيرآبادي، بل هي نتيجة احتراز الله جل وعلا من مثل هذا القبيح، وذكر دليلين عقليين على دعواه هذا سأذكرهما بعد إن شاء الله. فعندما نشر كلامه هذا أخذ مخالفوه فى التشنيع عليه وعلى ما قاله، محرفين كلامه، حتى يتمكنوا من تنفير العوام عنه. لما كثرت هذه الطعون فى مقالة الشاه محمد إسماعيل الدهلوي وشخصيته، قام تلميذه الشيخ حيدر علي التونكي وغيره من العلماء بالدفاع عنه، وألفوا رسائل في هذين المسألتين أعني: مسألة إمكان النظير ومسألة إمكان الكذب.
وبعد أن مات هذا النزاع لسنوات عديدة أحياه المولوي عبد السميع الرامپوري في مقدمة كتابه: 'الأنوار الساطعة'، الذي طبع في سنة ١٣٠٣ ه، ورد عليه العلامة المحدث الكبير خليل أحمد السهارنپوري في كتابه 'البراهين القاطعة'، وانتشر بسبب هذه المناظرة الكلام في هذه المسألة بين العوام، وأيد علماء المنطق والفلسفة القائلين باستحالة الكذب على الله تعالى ذاتيا، فصنف المولوي أحمد حسن الپنجابي الكانپوري رسالة سماها: 'تنزيه الرحمن'، أطال لسانه فيها في شأن العلماء الصالحين، وهذا الكتاب أعني 'جهد المقل في تنزيه المعز الذل' الذي نحن بصدد تلخيصه صنفه مؤلفه رحمه الله تعالى ردا على الرسالة المذكورة، أي: 'تنزيه الرحمن'، في أوله مقدمات تفيد في فهم المقصود، ثم إيراد الدلائل النقلية والعقلية في إثبات قول الشيخ إسماعيل الدهلوي رحمه الله في باب، ثم الرد على الإعتراضات التي أوردها الخصم على هذه الدلائل في باب آخر، ثم الرد على ما استدلوا بها في إثبات دعواهم في باب أخير.
المقدمات
المقدمة الأولى
تستعمل ألفاظ 'الإمكان' و'الجواز' و'الصحة' وأمثالها في كلام العلماء وعبارات الكتب لمعان عديدة: كالإمكان الذاتي والإمكان العقلي والإمكان الشرعي والإمكان العرفي، وكذلك ينقسم أضدادها من 'الامتناع' و'الاستحالة' و'عدم الجواز' و'عدم الصحة' إلى هذه الأقسام. قد يكون أمر ممتنعا للغير أي شرعا أو عادة مع كونه ممكنا في ذاته، أما ما يكون ممكنا فلا يكون إلا ممكنا لذاته. هذا أمر بديهي.
كون الأمر واجبا أو ممتنعا أو ممكنا ضرورية حاصلة لمن لم يمارس طريق الإكتساب [كما قاله بعضهم]، وأما كون هذا الحكم ذاتيا أو شرعا أو عرفا فليس بضرورية. فعلى هذا يجب تعيين النوع المراد من لفظ 'الممكن' أو 'المستحيل' أو 'الواجب'.
القضية مركبة من أمرين: الموضوع وهو الشيء المبحوث عنه أو الموصوف والمحمول وهو الحكم أو الوصف. إذا كان المحمول عين الموضوع أو الموضوع جزء منه أو هو لازم ذات الموضوع كان الحمل فى القضية إيجابيا واجبا ضروريا في حد ذاته. مثال الأول (أي: المحمول عين الموضوع): الإنسان إنسان، ومثال الثاني (أي: الموضوع جزء المحمول): الإنسان حيوان، ومثال الثالث (أي: المحمول لازم ذات الموضوع): الأربعة زوج. ويكون أضداد هذه القضايا سلبيا مستحيلا لذاتها، أي: الإنسان ليس بإنسان، الإنسان ليس بحيوان، والأربعة فرد. أما ما سوى هذه المواد الثلاثة، فهو ممكن في ذاته، وإن كان فيها السلب لأمر عارضي فهو مستحيل لغيره، وإن كان فيها الإيجاب لأمر عارضي فهو واجب لغيره.
أما في ذات الواجب تبارك وتعالى: إذا كان الحمل في قضية ما يقتضي سلب الذات أو سلب الصفات الحقيقية الذاتية اللازمة للذات فلا شك في كون هذه القضية ممتنعا لذاتها.
يظهر من هذا التقرير أن قضية: ((المطيع يعاقب)) وقضية: ((المشرك يغفر)) ليستا ممتنعتين لذاتيهما، فإنه ليس بين المحمول والموضوع فى القضيتين إقتضاء ذاتي وليس بينهما تنافر ذاتي، وإنما ورد السلب فيهما من الخارج. فقول أحد: ((زيد المشرك مغفور له)) أو: ((أبو جهل مؤمن)) أو: ((قد بعث نبي بعد الرسول صلى الله عليه وسلم)) مما هو خلاف العلم، ليس بين المحمول والموضوع تخالف ذاتي، فلا يحكم عليها بكونها ممتنعا بالذات بل بالغير. إنه أمر بديهي أن قول أحد: ((المشرك مغفور له)) ليس مثل قول آخر: ((الأربعة فرد)).
المقدمة الثانية
يستعمل لفظ 'الاستطاعة' ولفظ 'القدرة' في كلام العلماء لمعنيين: أحدهما: الصفة القديمة التي تضاد العجز، وهي تشمل جميع الممكنات حتى ما يمتنع لغيره، وثانيهما: التقدير ومقتضى الإرادة والحكمة، وهذا لا يشمل الممكنات التي تمتنع لغيرها.
قال صاحب 'التلويح': ((فإن قيل القدرة أيضا شاملة لجميع الممكنات فينبغي أن يقع بقوله: أنت طالق في قدرة الله تعالى، أجيب بأنها بمعنى تقدير الله تعالى فيصير من قبيل المشيئة والإرادة))
وقال الملا خسرو في حاشيته على التلويح: ((فإذا عرفت هذا فاعلم أن القدرة تستعمل تارة بمعنى الصفة القديمة وتارة بمعنى التقدير...بالتخفيف والتشديد، وكذا قوله تعالى: قدرناها من الغابرين، والقدرة بالمعنى الأول لا يوصف الباري بضدها وهو ظاهر، وبالمعنى الثاني يوصف به وبضده))
وقال ابن الهمام رحمه الله: ((ولا يلزم القدرة لأن المراد منها ههنا التقدير وقد يقدر شيئا وقد لا يقدره، حتى لو أراد حقيقة قدرته تعالى تقع فى الحال، كذا فى الكافي)). ونقل هذه العبارة فى الدر المختار ورد المحتار وغيرهما.
قال القاضي البيضاوي تحت قوله تعالى حاكيا عن الحواريين: ((هل يستطيع ربك)): ((قيل: هذه الإستطاعة على ما يقتضيه الحكمة والإرادة لا على ما يقتضيه القدرة))
وقال الرازي تحت قوله تعالى: ((فقدرناها فنعم القادرون)): ((إنه من القدرة، أي: فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا إلخ)) ثم قال: ((ثالثا: إن تفسير القدرة بالقضاء، ورابعا: فظن أن لن نقدر عليه، فظن أن لن نفعل))
قال الشيخ ابن حجر الهيتمي في تفيسر قول حجة الإسلام الغزالي ((ليس فى الإمكان أبدع مما كان)): ((حاصل الجواب عن كلام الغزالي المذكور: أن إرادة الله سبحانه وتعالى لما تعلقت بإيجاد هذا العالم وأوجده وقضا ببقاء بعضه إلى غاية وبقاء بعضه لا إلى غاية وهو الجنة والنار كان ذلك مانعا من تعلق القدرة الإلهية بإعدام جميع هذا العالم، لأن القدرة لا تتعلق إلا بالممكن، وإعدام ذلك غير ممكن لا لذاته بل لما تعلق به مما ذكرناه إلخ))
وبناء على هذا التفصيل يمكن لنا رفع التعارض الذي يظهر في كلام بعض العلماء، فقد قال الفخر الرازي في تفسير: ((هل يستطيع ربك)): ((وأما على قولنا فهو محمول على أن الله تعالى هل قضى بذلك وهل علم وقوعه فإنه إن لم يقض به ولم يعلم وقوعه كان ذلك محالا غير مقدور لأن خلاف المعلوم غير مقدور))
وقد ذهب بعض المعتزلة إلى ظاهر هذا الكلام كما في 'شرح المواقف' وغيره أنهم قالوا: ((إن الله لا يقدر على ما أخبر بعدمه أو علم بعدمه والإنسان قادر عليه))
والرازي نفسه قال في مواضع من تفسيره أن خلاف المعلوم داخل في قدرة الله تعالى، فطريقة رفع التعارض هنا هو بقولنا: مراده بالمقدور ما هو المراد أو ما هو مقدر في علمه تعالى.
المقدمة الثالثة
صفات الله تعالى على ثلاثة أنواع:
١. الحقيقية المحضة كالحياة والوجود
٢. الحقيقية ذات إضافة كالعلم والقدرة
٣. الإضافية المحضة كالمعية والقبلية وأمثالهما، وعند الأشعرية: الخالقية والرازقية وأمثالهما
فأما النوع الأول من الصفات فليس لهذه الصفات تعلق من حيث ذواتها بشيء آخر، وأما النوع الثالث فلهذه الصفات تعلق من حيث ذواتها بشيء آخر
لا يقع تغير ما فى الصفات الأولى إذ هي عين ذات الله، أما صفة من صفات النوع الثاني فلا يقع تغير في مبدئها وقد يتغير تعلقاتها، وأما صفة من صفات النوع الثالث فلا مانع من التغير فيها.
قال في شرح المواقف: ((الصفات على ثلاثة أقسام: حقيقية محضة كالسواد والبياض والوجود والحياة وحقيقية ذات إضافة كالعلم والقدرة وإضافية محضة كالمعية والقبلية وفي عدادها الصفات السلبية ولا يجوز بالنسبة إلى ذاته تعالى التغير فى القسم الأول مطلقا ويجوز فى القسم الثالث مطلقا وأما الثاني فإنه لا يجوز التغير فيه نفسه ويجوز في تعلقه))
وفيه أيضا: ((قال الآمدي: ذهب الشيخ الأشعري وعامة الأصحاب إلى أن الصفات منها ما هي عين الموصوف كالوجود ومنها ما هي غيره وهي كل صفة أمكن مفارقتها عن الموصوف كصفات الأفعال من كونه خالقا ورازقا ومنها ما لا عين ولا غير إلخ))
قال المحقق الدواني في بحث عدم قيام الحوادث بذات الله تعالى: ((المراد من الحوادث ههنا الصفة الحقيقية وأما الصفات الإضافية والسلبية فيجوز التغير والتبديل فيها فى الجملة كخالقية زيد وعدم خالقيته وذلك لأن التبدل فيها إنما يتغير ما أضيف إليه لا يتغير ما في ذاته كما إذا انقلب الشيء من يمينك إلى يسارك وأنت ساكن غير متغير والصفات الحقيقية التي يلزمها الإضافة إنما يتغير تعلقاتها دون نفسها، لا يقال: هذا الديل جار فى الإضافات والسلوب مع تخلف المدعى عنه لأنا نقول: لا يتم جريان الدليل فيها كلها فإن مثل إيجاد العالم وخالقية زيد ليس من صفات الكمال حتى يكون الخلو عنها فى الأزل نقصا إلخ))
فثبت من هذه النقول أن صفات الله تعالى على أقسام، ولكل قسم حكم على حدة، فلا يحكم على جميع الصفات بحكم نوع منها.
الصفات الفعلية هي الصفات التي تدل على فعل وأثر، وإطلاقها يدل على حدوث عمل كخلق ورزق وإحياء وإماتة وتصوير وغفران الذنوب وحكمة وغير ذلك، وقد اختلف فيها السادات الأشاعرة والسادات الماتريدية كثرهم الله تعالى. اعتبر الأشاعرة كلا من هذه الصفات حادثا ومتغيرا وعده الماتريدية قديما أزليا. فقال الملا علي القارئ: ((فمذهب الماتريدية أنها قديمة ومذهب الأشاعرة أنها حادثة)) وفى المسامرة شرح المسايرة: ((لأنهم قائلون بأن صفات الأفعال حادثة لأنها عبارة عن تعلقات القدرة والتعلقات حادثة))
وعلى الرغم من هذا الإختلاف، اتفق الأشاعرة والماتريدية على أن مبدأ صفات الأفعال قديم، وهو عند الأشاعرة: القدرة، وعند الماتريدية: التكوين. قال الملا علي القارئ في شرح الفقه الأكبر: ((فالتخليق والترزيق والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل كالإحياء والإفناء والإنبات والإنماء وتصوير الأشياء والكل داخل تحت صفة التكوين...فالأولى أن يقال أن مرجع الكل إلى التكوين فإنه إن تعلق بالحياة يسمى إحياء وبالموت إماتة وبالصورة تصوير إلى غير ذلك فالكل تكوين وإنما الخصوص بخصوصيات المتعلقات))
وقال ابن الهمام الإمام فى المسايرة: ((والمراد بها صفات تدل على التأثير لها أسماء غير اسم القدرة باعتبار أسماء آثارها والكل يجمعها اسم التكوين)) وقال بالنسبة لمذهب الأشاعرة: ((والأشاعرة يقولون ليست صفة التكوين على فصوله أي تفاصيله سوى صفة القدرة باعتبار تعلقها بمتعلق خاص فالتخليق هو القدرة باعتبار تعلقها بالمخلوق والترزيق تعلقها بإيصال الرزق))
فالاختلاف إذن لفظي: اعتبر الماتريدية الصفات الفعلية قديمة باعتبار مرجعها ومبدئها وعدها الأشاعرة حادثة باعتبار تعلقاتها الخاصة.
نقل الإمام الطحاوي عن الإمام أبي حنيفة وصاحبيه: ((كما أنه محيى الموتى استحق هذا الإسم قبل إحيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشاءهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير))، وهذه الجملة الأخيرة تدل على كون الصفات الفعلية قديمة من حيث مبدؤها. قال فى المسايرة بعد نقل هذه العبارة: ((فأفاد أن معنى الخالق قبل الخلق واستحقاق اسمه أي الاسم الذي هو الخالق فى الأصل بسبب قيام قدرته تعالى عليه أي على الخلق فاسم الخالق والحال أنه لا مخلوق فى الأزل لمن له قدرة الخلق فى الأزل، وهذا هو ما تقوله الأشاعرة لا خلاف والله الموفق))
فبناء على قول الإمام أبي حنيفة لا خلاف بين الأشاعرة والماتريدية فى المسألة. فقال الملا علي القارئ: ((النزاع لفظي عند أرباب التدقيق كما تبين عند التحقيق إلخ))
الحاصل أن الماتريدية جعلوا التكوين فى النوع الثاني من الصفات، والأشاعرة جعلوه فى النوع الثالث. يمكن لنا أن نعبر عن النوعين الأخيرين من الصفات بتعبير آخر، وهو أن الصفات الإضافية نوعان: منها ما هي إضافية محضة كالقبلية ومنها ما هي إضافية ذات مبدء، والتغير في كل منهما ممكن.
فثبت أن الصفات الفعلية وإن كانت مبدءها القدرة أو التكوين قديم، لكنها من حيث كونها موقوفة على ظهور بعض الأفعال التي هي التعلقات الخاصة والإضافات لهذا المبدأ: هي حادثة ومتغيرة لا محالة. مثلا: إذا قلنا: إن الله صانع العالم، فإن تحقق صنع العالم حادث وإن كان مبدء هذا الصفة قديم. فتحقق صفات الأفعال الخاصة كالإعطاء والمنع والإضرار والإحياء والإماتة حادث.
وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الصفات الكمالية كالقدرة والعلم خارجة عن القدرة الإلهية، أما إصدار الأفعال القبيحة التي تخالف العدل (كتعذيب الشخص بذنب غيره) والحكمة (كالسفه والعبث) وأمثالهما فهي في قدرة الله تعالى مع أن وقوعها ممتنع. أما الأفعال التي تقتضي التغير فى الذات أو الصفات الكمالية الحقيقية كالأكل والشرب والحركة والإنتقال وغيرها فهي ممتنعة ذاتيا لا محالة، فإن محل وقوعها ذات البارئ تعالى الذي ليس قابلا لمثل هذه الأفعال فإنه ليس جسما، ومحل وقوع الأفعال كالسفه والعبث والظلم بمعنى وضع الشيء في غير محله فمحل وقوعها غير ذاته تعالى، ولا تقتضي تغيرا في ذاته ولا في صفاته الحقيقية، فهي من الممكنات في نفسها.
ليس العدل والحكمة من الصفات الذاتية الحقيقية، بل هي من الصفات الفعلية الإضافية، فخلاف العدل والحكمة أيضا من الصفات الفعلية. قال في مسلم الثبوت: ((السفه والعبث من صفات الأفعال))
النقص فى الأفعال وهو المراد بقولنا: الأفعال القبيحة كالسفه والظلم والعبث ليس مثل النقص فى الصفات الذاتية كالجهل بمعنى عدم العلم والعجز والنسيان. استحالة الأول ليس لعدم دخوله في قدرة الله تعالى، واستحالة الثاني لعدم دخوله فى القدرة. والنظامية من المعتزلة لم يفرقوا بين هذين القسمين فقالوا بأن الأفعال القبيحة ليست تحت القدرة أيضا كالنقص فى الصفات الذاتية. الصفات الذاتية الحقيقية أزلية غير متغيرة قائمة بذات الواجب تعالى وهي الصفات التي يقال فيها أنها ليست عين الذات ولا غيرها، والصفات الإضافية الفعلية ليست كذلك. ففي بعض كتب الكلام: ((ومنها ما هي غيره وهي كل صفة أمكن مفارقتها عن الموصوف كصفات الأفعال من كونها خالقا ورازقا))
وفرق آخر هو أن الصفات الذاتية الحقيقية الوجودية تختلف حقائقها وكنهها من حقائق هذه الصفات بالنسبة إلى العباد كما يختلف كنه ذات البارئ تعالى من كنه ذوات الخلق، ولكن هذا الاختلاف فى الحقيقة لا يتحقق فى الصفات الفعلية والصفات السلبية. فحقيقة ومفهوم علم الله تعالى وقدرته وكلامه وأمثالها مخالفة من حقيقة هذه الصفات فى العباد، لا اشتراك فى معنى وذاتيات هذه الصفات في شيء، إنما الاشتراك في شيء اعتباري أو إضافي.
في شرح العقائد: ((فإن أوصافه من العلم والقدرة وغير ذلك أجل وأعلى مما فى المخلوقات بحيث لا مناسبة بينهما، قال فى البداية: إن العلم منا موجود وعرض وعلم محدت وجائز الوجود ومتحدد في كل زمان فلو أثبتنا العلم صفة لله تعالى لكان موجودا وصفة قديمة وواجب الوجود ودائما من الأزل إلى الأبد، فلا يماثل علم الخلق بوجه من الوجوه)) وقال محشيه: ((حتى إن الاشتراك منها لفظي))
أما الصفات الفعلية والسلبية لا مخالفة بين هذه الصفات في حق الله تعالى وفي حق العباد، فإن هذه الصفات ليست عين ذات الله وليس قائمة به، بل منفصل عنه، وما هو منفصل عن ذات الواجب حادث وممكن، فليس هناك سبب لإثبات الفرق بين هذه الصفات وصفات الممكنات.
فقول المتكلمين: ((ليس بعرض ولا جسم ولا جوهر ولا محدود ولا معدود ولا منتهاة ولا متبعض ولا متركب ولا ضد له ولا مثل له ولا ند له))، معنى هذه الكلمات في حق الله تعالى مثل معناها في حق العباد، فقالوا أنه ليس بعرض ((لأنه لا يقوم بذاته بل يفققر إلى محل يقوم به)) وليس بجسم ((لأن الجسم مركب فيحتاج إلى الجزء))، وهذه المعاني هي نفس معاني هذه الألفاظ بالنسبة للخلق أيضا.
وكذا فى الصفات الفعلية، كالحكمة التي هي ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي والإنتقام والصدق والعفو والمنع والإضرار، معنى هذه الصفات بالنسبة للخالق مثل معناها بالنسبة للخلق، وتفسير 'الصفات الدالة على الأفعال' فى 'التفسير الكبير' للرازي وغيره كاف في إثبات دعوانا هذه.
وبناء على هذا الفرق يطلق على العبد أنه متكلم سميع بصير مريد ولا يطلق عليه أنه محي مميت خالق محدث، فإن الأول مختلف الحقيقة والكنه فلا حرج في استعمال نفس الألفاظ، والثاني متحد الحقيقة والكنه فلا يجوز إطلاقها على الخلق.
والصدق كما سيأتي من صفات الأفعال، بل من إضافات صفة من صفات الأفعال، وحقيقته بالنسبة إلى الخالق مثل حقيقته بالنسبة إلى الخلق، وهو كون الكلام مطابقا للواقع، وكذا معنى الكذب الذي هو ضد الصدق بالنسبة إلى الخالق نفس معنى الكذب بالنسبة إلى الخلق وهو كون الكلام غير مطابق للواقع.
وظاهر أن الكذب والعبث والظلم، بل الأكل والشرب والإنتقال والسكون وأمثالها، التي نفيناها عن الله تبارك وتعالى، وننزهه عنها، نحمل معاني هذه الكلمات على ما هو المراد عند إطلاقها على الممكنات.
مسألة إمكان الكذب وموقف علماء الديوبند منها:
تلخيص رسالة "جهد المقل" لشيخ الهند محمود حسن الديوبندي في مسألة إمكان الكذب:
قد طلب مني بعض الإخوة أن أكتب مقالة في موضوع 'إمكان الكذب'، الذي صار معركة للآراء في شبه القارة الهندية، فأحببت أن ألخص رسالة لشيخ الهند مولانا محمود حسن الديوبندي رحمه الله (١٢٦٨ ١٣٣٩ ه)، من أكبر علماء الهند وأجلهم في جميع العلوم النقلية والعقلية [له ترجمة في نزهة الخواطر]، مسماة ب: 'جهد المقل في تنزيه المعز المذل'، بسط فيها الكلام عن مسألة إمكان الكذب، ومنشأ التنازع عنها فى الهند، والحق يقال: هذه الرسالة من عجائب العلم، ظهر منها غزارة علم المؤلف وتبحره فى العلوم النقلية والعقلية ولا سيما علم الكلام والتوحيد.
لم أقف على تاريخ تأليف كتابه هذا، لكن يعلم من قرائن الكتاب أنه رحمه الله ألفه في حياة الشيخ إمداد الله المهاجر المكي المتوفى سنة: ١٣١٧ه وبعد سنة ١٣٠٣ ه، فتأليفه إذن وقع ما بين هذين التاريخين (١٣٠٣ ١٣١٧ ه/١٨٨٦ ١٨٩٩ ميلادي)، أعني: قبل قرن تام. وهو كتاب كبير يزيد على ٣٠٠ صفحة، في كل صفحة حوالي ٢٥ سطرا وفي كل سطر حوالي ١٥ كلمة. والكتاب صنفه مؤلفه باللغة الأردوية مع نقل العبارات التي استدل بها باللغة العربية.
وقسمه إلى سبع مقدمات وثلاثة أبواب، الباب الأول في إثبات دعواه أن الكذب داخل في قدرة الله تعالى القديمة وإنما امتنع وقوعه وصدوره عنه لحكمة والتزامه سبحانه الصدق لا لعدم دخوله فى القدرة، والباب الثاني فى الجواب عن الإعتراضات التي أوردها الخصم على الأدلة التي استدل بها المؤلف، والباب الثالث فى الجواب عن الأدلة التي استدل بها الخصم في إثبات دعواهم أن الكذب لله تعالى ممتنع ذاتيا لا يشمله القدرة القديمة. إنما اطلعت على البابين الأول والثاني من الكتاب، ولم أقف على الباب الثالث منه. فأقدم في هذه العجالة تلخيص ما كتبه فى المقدمات السبع والباب الأول مع بعض الزيادات من الباب الثاني، وأرجو أن يكون هذا كافيا في بيان ما ذهب إليه علماء ديوبند، وأنهم ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه على بصيرة وعلم، لا على أساس الوهم والخيال.
مقدمة المؤلف:
بين المؤلف (شيخ الهند رحمه الله) في مقدمة الكتاب منشأ الخلاف في هذه المسألة، وهو أن العلامة المنطقي فضل حق الخيرآبادي (١٢١٢ ١٢٨٩ ه) ألف كتابا في 'إبطال إمكان النظير'، صنفه ردا على جملة كتبها الشيخ المجاهد الشاه محمد إسماعيل الدهلوي الشهيد (١١٩٣ ١٢٤٦ ه) في كتابه 'تقوية الإيمان' - وهي قوله: ((وشأن ملك الملوك هذا أنه لو شاء لخلق في لحظة واحدة بكلمة 'كن' مئات آلاف من الأنبياء والأولياء والجن والملائكة مثل جبرئل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم))* -، فرد على هذا الكلام العلامة المذكور بأنه لا يمكن وجود نظير لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في قدرة الله تعالى إيجاد مثل محمد صلى الله عليه وسلم، فأجاب عن رده هذا الشيخ إسماعيل الدهلوي، وأثبت الإمكان الذاتي لوجود نظير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثبت شمول قدرة الله تعالى إيجاده مع الإمتناع لغيره، وبما أن الخيرآبادي ذكر مسألة استحالة الكذب على الله تعالى استطرادا، أجاب الدهلوي بأن هذه الإستحالة ليست لعدم دخوله فى القدرة القديمة كما زعمه الخيرآبادي، بل هي نتيجة احتراز الله جل وعلا من مثل هذا القبيح، وذكر دليلين عقليين على دعواه هذا سأذكرهما بعد إن شاء الله. فعندما نشر كلامه هذا أخذ مخالفوه فى التشنيع عليه وعلى ما قاله، محرفين كلامه، حتى يتمكنوا من تنفير العوام عنه. لما كثرت هذه الطعون فى مقالة الشاه محمد إسماعيل الدهلوي وشخصيته، قام تلميذه الشيخ حيدر علي التونكي وغيره من العلماء بالدفاع عنه، وألفوا رسائل في هذين المسألتين أعني: مسألة إمكان النظير ومسألة إمكان الكذب.
وبعد أن مات هذا النزاع لسنوات عديدة أحياه المولوي عبد السميع الرامپوري في مقدمة كتابه: 'الأنوار الساطعة'، الذي طبع في سنة ١٣٠٣ ه، ورد عليه العلامة المحدث الكبير خليل أحمد السهارنپوري في كتابه 'البراهين القاطعة'، وانتشر بسبب هذه المناظرة الكلام في هذه المسألة بين العوام، وأيد علماء المنطق والفلسفة القائلين باستحالة الكذب على الله تعالى ذاتيا، فصنف المولوي أحمد حسن الپنجابي الكانپوري رسالة سماها: 'تنزيه الرحمن'، أطال لسانه فيها في شأن العلماء الصالحين، وهذا الكتاب أعني 'جهد المقل في تنزيه المعز الذل' الذي نحن بصدد تلخيصه صنفه مؤلفه رحمه الله تعالى ردا على الرسالة المذكورة، أي: 'تنزيه الرحمن'، في أوله مقدمات تفيد في فهم المقصود، ثم إيراد الدلائل النقلية والعقلية في إثبات قول الشيخ إسماعيل الدهلوي رحمه الله في باب، ثم الرد على الإعتراضات التي أوردها الخصم على هذه الدلائل في باب آخر، ثم الرد على ما استدلوا بها في إثبات دعواهم في باب أخير.
المقدمات
المقدمة الأولى
تستعمل ألفاظ 'الإمكان' و'الجواز' و'الصحة' وأمثالها في كلام العلماء وعبارات الكتب لمعان عديدة: كالإمكان الذاتي والإمكان العقلي والإمكان الشرعي والإمكان العرفي، وكذلك ينقسم أضدادها من 'الامتناع' و'الاستحالة' و'عدم الجواز' و'عدم الصحة' إلى هذه الأقسام. قد يكون أمر ممتنعا للغير أي شرعا أو عادة مع كونه ممكنا في ذاته، أما ما يكون ممكنا فلا يكون إلا ممكنا لذاته. هذا أمر بديهي.
كون الأمر واجبا أو ممتنعا أو ممكنا ضرورية حاصلة لمن لم يمارس طريق الإكتساب [كما قاله بعضهم]، وأما كون هذا الحكم ذاتيا أو شرعا أو عرفا فليس بضرورية. فعلى هذا يجب تعيين النوع المراد من لفظ 'الممكن' أو 'المستحيل' أو 'الواجب'.
القضية مركبة من أمرين: الموضوع وهو الشيء المبحوث عنه أو الموصوف والمحمول وهو الحكم أو الوصف. إذا كان المحمول عين الموضوع أو الموضوع جزء منه أو هو لازم ذات الموضوع كان الحمل فى القضية إيجابيا واجبا ضروريا في حد ذاته. مثال الأول (أي: المحمول عين الموضوع): الإنسان إنسان، ومثال الثاني (أي: الموضوع جزء المحمول): الإنسان حيوان، ومثال الثالث (أي: المحمول لازم ذات الموضوع): الأربعة زوج. ويكون أضداد هذه القضايا سلبيا مستحيلا لذاتها، أي: الإنسان ليس بإنسان، الإنسان ليس بحيوان، والأربعة فرد. أما ما سوى هذه المواد الثلاثة، فهو ممكن في ذاته، وإن كان فيها السلب لأمر عارضي فهو مستحيل لغيره، وإن كان فيها الإيجاب لأمر عارضي فهو واجب لغيره.
أما في ذات الواجب تبارك وتعالى: إذا كان الحمل في قضية ما يقتضي سلب الذات أو سلب الصفات الحقيقية الذاتية اللازمة للذات فلا شك في كون هذه القضية ممتنعا لذاتها.
يظهر من هذا التقرير أن قضية: ((المطيع يعاقب)) وقضية: ((المشرك يغفر)) ليستا ممتنعتين لذاتيهما، فإنه ليس بين المحمول والموضوع فى القضيتين إقتضاء ذاتي وليس بينهما تنافر ذاتي، وإنما ورد السلب فيهما من الخارج. فقول أحد: ((زيد المشرك مغفور له)) أو: ((أبو جهل مؤمن)) أو: ((قد بعث نبي بعد الرسول صلى الله عليه وسلم)) مما هو خلاف العلم، ليس بين المحمول والموضوع تخالف ذاتي، فلا يحكم عليها بكونها ممتنعا بالذات بل بالغير. إنه أمر بديهي أن قول أحد: ((المشرك مغفور له)) ليس مثل قول آخر: ((الأربعة فرد)).
المقدمة الثانية
يستعمل لفظ 'الاستطاعة' ولفظ 'القدرة' في كلام العلماء لمعنيين: أحدهما: الصفة القديمة التي تضاد العجز، وهي تشمل جميع الممكنات حتى ما يمتنع لغيره، وثانيهما: التقدير ومقتضى الإرادة والحكمة، وهذا لا يشمل الممكنات التي تمتنع لغيرها.
قال صاحب 'التلويح': ((فإن قيل القدرة أيضا شاملة لجميع الممكنات فينبغي أن يقع بقوله: أنت طالق في قدرة الله تعالى، أجيب بأنها بمعنى تقدير الله تعالى فيصير من قبيل المشيئة والإرادة))
وقال الملا خسرو في حاشيته على التلويح: ((فإذا عرفت هذا فاعلم أن القدرة تستعمل تارة بمعنى الصفة القديمة وتارة بمعنى التقدير...بالتخفيف والتشديد، وكذا قوله تعالى: قدرناها من الغابرين، والقدرة بالمعنى الأول لا يوصف الباري بضدها وهو ظاهر، وبالمعنى الثاني يوصف به وبضده))
وقال ابن الهمام رحمه الله: ((ولا يلزم القدرة لأن المراد منها ههنا التقدير وقد يقدر شيئا وقد لا يقدره، حتى لو أراد حقيقة قدرته تعالى تقع فى الحال، كذا فى الكافي)). ونقل هذه العبارة فى الدر المختار ورد المحتار وغيرهما.
قال القاضي البيضاوي تحت قوله تعالى حاكيا عن الحواريين: ((هل يستطيع ربك)): ((قيل: هذه الإستطاعة على ما يقتضيه الحكمة والإرادة لا على ما يقتضيه القدرة))
وقال الرازي تحت قوله تعالى: ((فقدرناها فنعم القادرون)): ((إنه من القدرة، أي: فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا إلخ)) ثم قال: ((ثالثا: إن تفسير القدرة بالقضاء، ورابعا: فظن أن لن نقدر عليه، فظن أن لن نفعل))
قال الشيخ ابن حجر الهيتمي في تفيسر قول حجة الإسلام الغزالي ((ليس فى الإمكان أبدع مما كان)): ((حاصل الجواب عن كلام الغزالي المذكور: أن إرادة الله سبحانه وتعالى لما تعلقت بإيجاد هذا العالم وأوجده وقضا ببقاء بعضه إلى غاية وبقاء بعضه لا إلى غاية وهو الجنة والنار كان ذلك مانعا من تعلق القدرة الإلهية بإعدام جميع هذا العالم، لأن القدرة لا تتعلق إلا بالممكن، وإعدام ذلك غير ممكن لا لذاته بل لما تعلق به مما ذكرناه إلخ))
وبناء على هذا التفصيل يمكن لنا رفع التعارض الذي يظهر في كلام بعض العلماء، فقد قال الفخر الرازي في تفسير: ((هل يستطيع ربك)): ((وأما على قولنا فهو محمول على أن الله تعالى هل قضى بذلك وهل علم وقوعه فإنه إن لم يقض به ولم يعلم وقوعه كان ذلك محالا غير مقدور لأن خلاف المعلوم غير مقدور))
وقد ذهب بعض المعتزلة إلى ظاهر هذا الكلام كما في 'شرح المواقف' وغيره أنهم قالوا: ((إن الله لا يقدر على ما أخبر بعدمه أو علم بعدمه والإنسان قادر عليه))
والرازي نفسه قال في مواضع من تفسيره أن خلاف المعلوم داخل في قدرة الله تعالى، فطريقة رفع التعارض هنا هو بقولنا: مراده بالمقدور ما هو المراد أو ما هو مقدر في علمه تعالى.
المقدمة الثالثة
صفات الله تعالى على ثلاثة أنواع:
١. الحقيقية المحضة كالحياة والوجود
٢. الحقيقية ذات إضافة كالعلم والقدرة
٣. الإضافية المحضة كالمعية والقبلية وأمثالهما، وعند الأشعرية: الخالقية والرازقية وأمثالهما
فأما النوع الأول من الصفات فليس لهذه الصفات تعلق من حيث ذواتها بشيء آخر، وأما النوع الثالث فلهذه الصفات تعلق من حيث ذواتها بشيء آخر
لا يقع تغير ما فى الصفات الأولى إذ هي عين ذات الله، أما صفة من صفات النوع الثاني فلا يقع تغير في مبدئها وقد يتغير تعلقاتها، وأما صفة من صفات النوع الثالث فلا مانع من التغير فيها.
قال في شرح المواقف: ((الصفات على ثلاثة أقسام: حقيقية محضة كالسواد والبياض والوجود والحياة وحقيقية ذات إضافة كالعلم والقدرة وإضافية محضة كالمعية والقبلية وفي عدادها الصفات السلبية ولا يجوز بالنسبة إلى ذاته تعالى التغير فى القسم الأول مطلقا ويجوز فى القسم الثالث مطلقا وأما الثاني فإنه لا يجوز التغير فيه نفسه ويجوز في تعلقه))
وفيه أيضا: ((قال الآمدي: ذهب الشيخ الأشعري وعامة الأصحاب إلى أن الصفات منها ما هي عين الموصوف كالوجود ومنها ما هي غيره وهي كل صفة أمكن مفارقتها عن الموصوف كصفات الأفعال من كونه خالقا ورازقا ومنها ما لا عين ولا غير إلخ))
قال المحقق الدواني في بحث عدم قيام الحوادث بذات الله تعالى: ((المراد من الحوادث ههنا الصفة الحقيقية وأما الصفات الإضافية والسلبية فيجوز التغير والتبديل فيها فى الجملة كخالقية زيد وعدم خالقيته وذلك لأن التبدل فيها إنما يتغير ما أضيف إليه لا يتغير ما في ذاته كما إذا انقلب الشيء من يمينك إلى يسارك وأنت ساكن غير متغير والصفات الحقيقية التي يلزمها الإضافة إنما يتغير تعلقاتها دون نفسها، لا يقال: هذا الديل جار فى الإضافات والسلوب مع تخلف المدعى عنه لأنا نقول: لا يتم جريان الدليل فيها كلها فإن مثل إيجاد العالم وخالقية زيد ليس من صفات الكمال حتى يكون الخلو عنها فى الأزل نقصا إلخ))
فثبت من هذه النقول أن صفات الله تعالى على أقسام، ولكل قسم حكم على حدة، فلا يحكم على جميع الصفات بحكم نوع منها.
الصفات الفعلية هي الصفات التي تدل على فعل وأثر، وإطلاقها يدل على حدوث عمل كخلق ورزق وإحياء وإماتة وتصوير وغفران الذنوب وحكمة وغير ذلك، وقد اختلف فيها السادات الأشاعرة والسادات الماتريدية كثرهم الله تعالى. اعتبر الأشاعرة كلا من هذه الصفات حادثا ومتغيرا وعده الماتريدية قديما أزليا. فقال الملا علي القارئ: ((فمذهب الماتريدية أنها قديمة ومذهب الأشاعرة أنها حادثة)) وفى المسامرة شرح المسايرة: ((لأنهم قائلون بأن صفات الأفعال حادثة لأنها عبارة عن تعلقات القدرة والتعلقات حادثة))
وعلى الرغم من هذا الإختلاف، اتفق الأشاعرة والماتريدية على أن مبدأ صفات الأفعال قديم، وهو عند الأشاعرة: القدرة، وعند الماتريدية: التكوين. قال الملا علي القارئ في شرح الفقه الأكبر: ((فالتخليق والترزيق والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل كالإحياء والإفناء والإنبات والإنماء وتصوير الأشياء والكل داخل تحت صفة التكوين...فالأولى أن يقال أن مرجع الكل إلى التكوين فإنه إن تعلق بالحياة يسمى إحياء وبالموت إماتة وبالصورة تصوير إلى غير ذلك فالكل تكوين وإنما الخصوص بخصوصيات المتعلقات))
وقال ابن الهمام الإمام فى المسايرة: ((والمراد بها صفات تدل على التأثير لها أسماء غير اسم القدرة باعتبار أسماء آثارها والكل يجمعها اسم التكوين)) وقال بالنسبة لمذهب الأشاعرة: ((والأشاعرة يقولون ليست صفة التكوين على فصوله أي تفاصيله سوى صفة القدرة باعتبار تعلقها بمتعلق خاص فالتخليق هو القدرة باعتبار تعلقها بالمخلوق والترزيق تعلقها بإيصال الرزق))
فالاختلاف إذن لفظي: اعتبر الماتريدية الصفات الفعلية قديمة باعتبار مرجعها ومبدئها وعدها الأشاعرة حادثة باعتبار تعلقاتها الخاصة.
نقل الإمام الطحاوي عن الإمام أبي حنيفة وصاحبيه: ((كما أنه محيى الموتى استحق هذا الإسم قبل إحيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشاءهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير))، وهذه الجملة الأخيرة تدل على كون الصفات الفعلية قديمة من حيث مبدؤها. قال فى المسايرة بعد نقل هذه العبارة: ((فأفاد أن معنى الخالق قبل الخلق واستحقاق اسمه أي الاسم الذي هو الخالق فى الأصل بسبب قيام قدرته تعالى عليه أي على الخلق فاسم الخالق والحال أنه لا مخلوق فى الأزل لمن له قدرة الخلق فى الأزل، وهذا هو ما تقوله الأشاعرة لا خلاف والله الموفق))
فبناء على قول الإمام أبي حنيفة لا خلاف بين الأشاعرة والماتريدية فى المسألة. فقال الملا علي القارئ: ((النزاع لفظي عند أرباب التدقيق كما تبين عند التحقيق إلخ))
الحاصل أن الماتريدية جعلوا التكوين فى النوع الثاني من الصفات، والأشاعرة جعلوه فى النوع الثالث. يمكن لنا أن نعبر عن النوعين الأخيرين من الصفات بتعبير آخر، وهو أن الصفات الإضافية نوعان: منها ما هي إضافية محضة كالقبلية ومنها ما هي إضافية ذات مبدء، والتغير في كل منهما ممكن.
فثبت أن الصفات الفعلية وإن كانت مبدءها القدرة أو التكوين قديم، لكنها من حيث كونها موقوفة على ظهور بعض الأفعال التي هي التعلقات الخاصة والإضافات لهذا المبدأ: هي حادثة ومتغيرة لا محالة. مثلا: إذا قلنا: إن الله صانع العالم، فإن تحقق صنع العالم حادث وإن كان مبدء هذا الصفة قديم. فتحقق صفات الأفعال الخاصة كالإعطاء والمنع والإضرار والإحياء والإماتة حادث.
وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الصفات الكمالية كالقدرة والعلم خارجة عن القدرة الإلهية، أما إصدار الأفعال القبيحة التي تخالف العدل (كتعذيب الشخص بذنب غيره) والحكمة (كالسفه والعبث) وأمثالهما فهي في قدرة الله تعالى مع أن وقوعها ممتنع. أما الأفعال التي تقتضي التغير فى الذات أو الصفات الكمالية الحقيقية كالأكل والشرب والحركة والإنتقال وغيرها فهي ممتنعة ذاتيا لا محالة، فإن محل وقوعها ذات البارئ تعالى الذي ليس قابلا لمثل هذه الأفعال فإنه ليس جسما، ومحل وقوع الأفعال كالسفه والعبث والظلم بمعنى وضع الشيء في غير محله فمحل وقوعها غير ذاته تعالى، ولا تقتضي تغيرا في ذاته ولا في صفاته الحقيقية، فهي من الممكنات في نفسها.
ليس العدل والحكمة من الصفات الذاتية الحقيقية، بل هي من الصفات الفعلية الإضافية، فخلاف العدل والحكمة أيضا من الصفات الفعلية. قال في مسلم الثبوت: ((السفه والعبث من صفات الأفعال))
النقص فى الأفعال وهو المراد بقولنا: الأفعال القبيحة كالسفه والظلم والعبث ليس مثل النقص فى الصفات الذاتية كالجهل بمعنى عدم العلم والعجز والنسيان. استحالة الأول ليس لعدم دخوله في قدرة الله تعالى، واستحالة الثاني لعدم دخوله فى القدرة. والنظامية من المعتزلة لم يفرقوا بين هذين القسمين فقالوا بأن الأفعال القبيحة ليست تحت القدرة أيضا كالنقص فى الصفات الذاتية. الصفات الذاتية الحقيقية أزلية غير متغيرة قائمة بذات الواجب تعالى وهي الصفات التي يقال فيها أنها ليست عين الذات ولا غيرها، والصفات الإضافية الفعلية ليست كذلك. ففي بعض كتب الكلام: ((ومنها ما هي غيره وهي كل صفة أمكن مفارقتها عن الموصوف كصفات الأفعال من كونها خالقا ورازقا))
وفرق آخر هو أن الصفات الذاتية الحقيقية الوجودية تختلف حقائقها وكنهها من حقائق هذه الصفات بالنسبة إلى العباد كما يختلف كنه ذات البارئ تعالى من كنه ذوات الخلق، ولكن هذا الاختلاف فى الحقيقة لا يتحقق فى الصفات الفعلية والصفات السلبية. فحقيقة ومفهوم علم الله تعالى وقدرته وكلامه وأمثالها مخالفة من حقيقة هذه الصفات فى العباد، لا اشتراك فى معنى وذاتيات هذه الصفات في شيء، إنما الاشتراك في شيء اعتباري أو إضافي.
في شرح العقائد: ((فإن أوصافه من العلم والقدرة وغير ذلك أجل وأعلى مما فى المخلوقات بحيث لا مناسبة بينهما، قال فى البداية: إن العلم منا موجود وعرض وعلم محدت وجائز الوجود ومتحدد في كل زمان فلو أثبتنا العلم صفة لله تعالى لكان موجودا وصفة قديمة وواجب الوجود ودائما من الأزل إلى الأبد، فلا يماثل علم الخلق بوجه من الوجوه)) وقال محشيه: ((حتى إن الاشتراك منها لفظي))
أما الصفات الفعلية والسلبية لا مخالفة بين هذه الصفات في حق الله تعالى وفي حق العباد، فإن هذه الصفات ليست عين ذات الله وليس قائمة به، بل منفصل عنه، وما هو منفصل عن ذات الواجب حادث وممكن، فليس هناك سبب لإثبات الفرق بين هذه الصفات وصفات الممكنات.
فقول المتكلمين: ((ليس بعرض ولا جسم ولا جوهر ولا محدود ولا معدود ولا منتهاة ولا متبعض ولا متركب ولا ضد له ولا مثل له ولا ند له))، معنى هذه الكلمات في حق الله تعالى مثل معناها في حق العباد، فقالوا أنه ليس بعرض ((لأنه لا يقوم بذاته بل يفققر إلى محل يقوم به)) وليس بجسم ((لأن الجسم مركب فيحتاج إلى الجزء))، وهذه المعاني هي نفس معاني هذه الألفاظ بالنسبة للخلق أيضا.
وكذا فى الصفات الفعلية، كالحكمة التي هي ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي والإنتقام والصدق والعفو والمنع والإضرار، معنى هذه الصفات بالنسبة للخالق مثل معناها بالنسبة للخلق، وتفسير 'الصفات الدالة على الأفعال' فى 'التفسير الكبير' للرازي وغيره كاف في إثبات دعوانا هذه.
وبناء على هذا الفرق يطلق على العبد أنه متكلم سميع بصير مريد ولا يطلق عليه أنه محي مميت خالق محدث، فإن الأول مختلف الحقيقة والكنه فلا حرج في استعمال نفس الألفاظ، والثاني متحد الحقيقة والكنه فلا يجوز إطلاقها على الخلق.
والصدق كما سيأتي من صفات الأفعال، بل من إضافات صفة من صفات الأفعال، وحقيقته بالنسبة إلى الخالق مثل حقيقته بالنسبة إلى الخلق، وهو كون الكلام مطابقا للواقع، وكذا معنى الكذب الذي هو ضد الصدق بالنسبة إلى الخالق نفس معنى الكذب بالنسبة إلى الخلق وهو كون الكلام غير مطابق للواقع.
وظاهر أن الكذب والعبث والظلم، بل الأكل والشرب والإنتقال والسكون وأمثالها، التي نفيناها عن الله تبارك وتعالى، وننزهه عنها، نحمل معاني هذه الكلمات على ما هو المراد عند إطلاقها على الممكنات.
تعليق