مسألة إمكان الكذب وموقف علماء الديوبند منها

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
    طالب علم
    • Apr 2010
    • 760

    #1

    مسألة إمكان الكذب وموقف علماء الديوبند منها

    بسم الله الرحمن الرحيم
    مسألة إمكان الكذب وموقف علماء الديوبند منها:


    تلخيص رسالة "جهد المقل" لشيخ الهند محمود حسن الديوبندي في مسألة إمكان الكذب:
    قد طلب مني بعض الإخوة أن أكتب مقالة في موضوع 'إمكان الكذب'، الذي صار معركة للآراء في شبه القارة الهندية، فأحببت أن ألخص رسالة لشيخ الهند مولانا محمود حسن الديوبندي رحمه الله (١٢٦٨ ١٣٣٩ ه)، من أكبر علماء الهند وأجلهم في جميع العلوم النقلية والعقلية [له ترجمة في نزهة الخواطر]، مسماة ب: 'جهد المقل في تنزيه المعز المذل'، بسط فيها الكلام عن مسألة إمكان الكذب، ومنشأ التنازع عنها فى الهند، والحق يقال: هذه الرسالة من عجائب العلم، ظهر منها غزارة علم المؤلف وتبحره فى العلوم النقلية والعقلية ولا سيما علم الكلام والتوحيد.
    لم أقف على تاريخ تأليف كتابه هذا، لكن يعلم من قرائن الكتاب أنه رحمه الله ألفه في حياة الشيخ إمداد الله المهاجر المكي المتوفى سنة: ١٣١٧ه وبعد سنة ١٣٠٣ ه، فتأليفه إذن وقع ما بين هذين التاريخين (١٣٠٣ ١٣١٧ ه/١٨٨٦ ١٨٩٩ ميلادي)، أعني: قبل قرن تام. وهو كتاب كبير يزيد على ٣٠٠ صفحة، في كل صفحة حوالي ٢٥ سطرا وفي كل سطر حوالي ١٥ كلمة. والكتاب صنفه مؤلفه باللغة الأردوية مع نقل العبارات التي استدل بها باللغة العربية.
    وقسمه إلى سبع مقدمات وثلاثة أبواب، الباب الأول في إثبات دعواه أن الكذب داخل في قدرة الله تعالى القديمة وإنما امتنع وقوعه وصدوره عنه لحكمة والتزامه سبحانه الصدق لا لعدم دخوله فى القدرة، والباب الثاني فى الجواب عن الإعتراضات التي أوردها الخصم على الأدلة التي استدل بها المؤلف، والباب الثالث فى الجواب عن الأدلة التي استدل بها الخصم في إثبات دعواهم أن الكذب لله تعالى ممتنع ذاتيا لا يشمله القدرة القديمة. إنما اطلعت على البابين الأول والثاني من الكتاب، ولم أقف على الباب الثالث منه. فأقدم في هذه العجالة تلخيص ما كتبه فى المقدمات السبع والباب الأول مع بعض الزيادات من الباب الثاني، وأرجو أن يكون هذا كافيا في بيان ما ذهب إليه علماء ديوبند، وأنهم ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه على بصيرة وعلم، لا على أساس الوهم والخيال.
    مقدمة المؤلف:
    بين المؤلف (شيخ الهند رحمه الله) في مقدمة الكتاب منشأ الخلاف في هذه المسألة، وهو أن العلامة المنطقي فضل حق الخيرآبادي (١٢١٢ ١٢٨٩ ه) ألف كتابا في 'إبطال إمكان النظير'، صنفه ردا على جملة كتبها الشيخ المجاهد الشاه محمد إسماعيل الدهلوي الشهيد (١١٩٣ ١٢٤٦ ه) في كتابه 'تقوية الإيمان' - وهي قوله: ((وشأن ملك الملوك هذا أنه لو شاء لخلق في لحظة واحدة بكلمة 'كن' مئات آلاف من الأنبياء والأولياء والجن والملائكة مثل جبرئل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم))* -، فرد على هذا الكلام العلامة المذكور بأنه لا يمكن وجود نظير لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في قدرة الله تعالى إيجاد مثل محمد صلى الله عليه وسلم، فأجاب عن رده هذا الشيخ إسماعيل الدهلوي، وأثبت الإمكان الذاتي لوجود نظير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثبت شمول قدرة الله تعالى إيجاده مع الإمتناع لغيره، وبما أن الخيرآبادي ذكر مسألة استحالة الكذب على الله تعالى استطرادا، أجاب الدهلوي بأن هذه الإستحالة ليست لعدم دخوله فى القدرة القديمة كما زعمه الخيرآبادي، بل هي نتيجة احتراز الله جل وعلا من مثل هذا القبيح، وذكر دليلين عقليين على دعواه هذا سأذكرهما بعد إن شاء الله. فعندما نشر كلامه هذا أخذ مخالفوه فى التشنيع عليه وعلى ما قاله، محرفين كلامه، حتى يتمكنوا من تنفير العوام عنه. لما كثرت هذه الطعون فى مقالة الشاه محمد إسماعيل الدهلوي وشخصيته، قام تلميذه الشيخ حيدر علي التونكي وغيره من العلماء بالدفاع عنه، وألفوا رسائل في هذين المسألتين أعني: مسألة إمكان النظير ومسألة إمكان الكذب.
    وبعد أن مات هذا النزاع لسنوات عديدة أحياه المولوي عبد السميع الرامپوري في مقدمة كتابه: 'الأنوار الساطعة'، الذي طبع في سنة ١٣٠٣ ه، ورد عليه العلامة المحدث الكبير خليل أحمد السهارنپوري في كتابه 'البراهين القاطعة'، وانتشر بسبب هذه المناظرة الكلام في هذه المسألة بين العوام، وأيد علماء المنطق والفلسفة القائلين باستحالة الكذب على الله تعالى ذاتيا، فصنف المولوي أحمد حسن الپنجابي الكانپوري رسالة سماها: 'تنزيه الرحمن'، أطال لسانه فيها في شأن العلماء الصالحين، وهذا الكتاب أعني 'جهد المقل في تنزيه المعز الذل' الذي نحن بصدد تلخيصه صنفه مؤلفه رحمه الله تعالى ردا على الرسالة المذكورة، أي: 'تنزيه الرحمن'، في أوله مقدمات تفيد في فهم المقصود، ثم إيراد الدلائل النقلية والعقلية في إثبات قول الشيخ إسماعيل الدهلوي رحمه الله في باب، ثم الرد على الإعتراضات التي أوردها الخصم على هذه الدلائل في باب آخر، ثم الرد على ما استدلوا بها في إثبات دعواهم في باب أخير.
    المقدمات
    المقدمة الأولى
    تستعمل ألفاظ 'الإمكان' و'الجواز' و'الصحة' وأمثالها في كلام العلماء وعبارات الكتب لمعان عديدة: كالإمكان الذاتي والإمكان العقلي والإمكان الشرعي والإمكان العرفي، وكذلك ينقسم أضدادها من 'الامتناع' و'الاستحالة' و'عدم الجواز' و'عدم الصحة' إلى هذه الأقسام. قد يكون أمر ممتنعا للغير أي شرعا أو عادة مع كونه ممكنا في ذاته، أما ما يكون ممكنا فلا يكون إلا ممكنا لذاته. هذا أمر بديهي.
    كون الأمر واجبا أو ممتنعا أو ممكنا ضرورية حاصلة لمن لم يمارس طريق الإكتساب [كما قاله بعضهم]، وأما كون هذا الحكم ذاتيا أو شرعا أو عرفا فليس بضرورية. فعلى هذا يجب تعيين النوع المراد من لفظ 'الممكن' أو 'المستحيل' أو 'الواجب'.
    القضية مركبة من أمرين: الموضوع وهو الشيء المبحوث عنه أو الموصوف والمحمول وهو الحكم أو الوصف. إذا كان المحمول عين الموضوع أو الموضوع جزء منه أو هو لازم ذات الموضوع كان الحمل فى القضية إيجابيا واجبا ضروريا في حد ذاته. مثال الأول (أي: المحمول عين الموضوع): الإنسان إنسان، ومثال الثاني (أي: الموضوع جزء المحمول): الإنسان حيوان، ومثال الثالث (أي: المحمول لازم ذات الموضوع): الأربعة زوج. ويكون أضداد هذه القضايا سلبيا مستحيلا لذاتها، أي: الإنسان ليس بإنسان، الإنسان ليس بحيوان، والأربعة فرد. أما ما سوى هذه المواد الثلاثة، فهو ممكن في ذاته، وإن كان فيها السلب لأمر عارضي فهو مستحيل لغيره، وإن كان فيها الإيجاب لأمر عارضي فهو واجب لغيره.
    أما في ذات الواجب تبارك وتعالى: إذا كان الحمل في قضية ما يقتضي سلب الذات أو سلب الصفات الحقيقية الذاتية اللازمة للذات فلا شك في كون هذه القضية ممتنعا لذاتها.
    يظهر من هذا التقرير أن قضية: ((المطيع يعاقب)) وقضية: ((المشرك يغفر)) ليستا ممتنعتين لذاتيهما، فإنه ليس بين المحمول والموضوع فى القضيتين إقتضاء ذاتي وليس بينهما تنافر ذاتي، وإنما ورد السلب فيهما من الخارج. فقول أحد: ((زيد المشرك مغفور له)) أو: ((أبو جهل مؤمن)) أو: ((قد بعث نبي بعد الرسول صلى الله عليه وسلم)) مما هو خلاف العلم، ليس بين المحمول والموضوع تخالف ذاتي، فلا يحكم عليها بكونها ممتنعا بالذات بل بالغير. إنه أمر بديهي أن قول أحد: ((المشرك مغفور له)) ليس مثل قول آخر: ((الأربعة فرد)).
    المقدمة الثانية
    يستعمل لفظ 'الاستطاعة' ولفظ 'القدرة' في كلام العلماء لمعنيين: أحدهما: الصفة القديمة التي تضاد العجز، وهي تشمل جميع الممكنات حتى ما يمتنع لغيره، وثانيهما: التقدير ومقتضى الإرادة والحكمة، وهذا لا يشمل الممكنات التي تمتنع لغيرها.
    قال صاحب 'التلويح': ((فإن قيل القدرة أيضا شاملة لجميع الممكنات فينبغي أن يقع بقوله: أنت طالق في قدرة الله تعالى، أجيب بأنها بمعنى تقدير الله تعالى فيصير من قبيل المشيئة والإرادة))
    وقال الملا خسرو في حاشيته على التلويح: ((فإذا عرفت هذا فاعلم أن القدرة تستعمل تارة بمعنى الصفة القديمة وتارة بمعنى التقدير...بالتخفيف والتشديد، وكذا قوله تعالى: قدرناها من الغابرين، والقدرة بالمعنى الأول لا يوصف الباري بضدها وهو ظاهر، وبالمعنى الثاني يوصف به وبضده))
    وقال ابن الهمام رحمه الله: ((ولا يلزم القدرة لأن المراد منها ههنا التقدير وقد يقدر شيئا وقد لا يقدره، حتى لو أراد حقيقة قدرته تعالى تقع فى الحال، كذا فى الكافي)). ونقل هذه العبارة فى الدر المختار ورد المحتار وغيرهما.
    قال القاضي البيضاوي تحت قوله تعالى حاكيا عن الحواريين: ((هل يستطيع ربك)): ((قيل: هذه الإستطاعة على ما يقتضيه الحكمة والإرادة لا على ما يقتضيه القدرة))
    وقال الرازي تحت قوله تعالى: ((فقدرناها فنعم القادرون)): ((إنه من القدرة، أي: فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا إلخ)) ثم قال: ((ثالثا: إن تفسير القدرة بالقضاء، ورابعا: فظن أن لن نقدر عليه، فظن أن لن نفعل))
    قال الشيخ ابن حجر الهيتمي في تفيسر قول حجة الإسلام الغزالي ((ليس فى الإمكان أبدع مما كان)): ((حاصل الجواب عن كلام الغزالي المذكور: أن إرادة الله سبحانه وتعالى لما تعلقت بإيجاد هذا العالم وأوجده وقضا ببقاء بعضه إلى غاية وبقاء بعضه لا إلى غاية وهو الجنة والنار كان ذلك مانعا من تعلق القدرة الإلهية بإعدام جميع هذا العالم، لأن القدرة لا تتعلق إلا بالممكن، وإعدام ذلك غير ممكن لا لذاته بل لما تعلق به مما ذكرناه إلخ))
    وبناء على هذا التفصيل يمكن لنا رفع التعارض الذي يظهر في كلام بعض العلماء، فقد قال الفخر الرازي في تفسير: ((هل يستطيع ربك)): ((وأما على قولنا فهو محمول على أن الله تعالى هل قضى بذلك وهل علم وقوعه فإنه إن لم يقض به ولم يعلم وقوعه كان ذلك محالا غير مقدور لأن خلاف المعلوم غير مقدور))
    وقد ذهب بعض المعتزلة إلى ظاهر هذا الكلام كما في 'شرح المواقف' وغيره أنهم قالوا: ((إن الله لا يقدر على ما أخبر بعدمه أو علم بعدمه والإنسان قادر عليه))
    والرازي نفسه قال في مواضع من تفسيره أن خلاف المعلوم داخل في قدرة الله تعالى، فطريقة رفع التعارض هنا هو بقولنا: مراده بالمقدور ما هو المراد أو ما هو مقدر في علمه تعالى.
    المقدمة الثالثة
    صفات الله تعالى على ثلاثة أنواع:
    ١. الحقيقية المحضة كالحياة والوجود
    ٢. الحقيقية ذات إضافة كالعلم والقدرة
    ٣. الإضافية المحضة كالمعية والقبلية وأمثالهما، وعند الأشعرية: الخالقية والرازقية وأمثالهما
    فأما النوع الأول من الصفات فليس لهذه الصفات تعلق من حيث ذواتها بشيء آخر، وأما النوع الثالث فلهذه الصفات تعلق من حيث ذواتها بشيء آخر
    لا يقع تغير ما فى الصفات الأولى إذ هي عين ذات الله، أما صفة من صفات النوع الثاني فلا يقع تغير في مبدئها وقد يتغير تعلقاتها، وأما صفة من صفات النوع الثالث فلا مانع من التغير فيها.
    قال في شرح المواقف: ((الصفات على ثلاثة أقسام: حقيقية محضة كالسواد والبياض والوجود والحياة وحقيقية ذات إضافة كالعلم والقدرة وإضافية محضة كالمعية والقبلية وفي عدادها الصفات السلبية ولا يجوز بالنسبة إلى ذاته تعالى التغير فى القسم الأول مطلقا ويجوز فى القسم الثالث مطلقا وأما الثاني فإنه لا يجوز التغير فيه نفسه ويجوز في تعلقه))
    وفيه أيضا: ((قال الآمدي: ذهب الشيخ الأشعري وعامة الأصحاب إلى أن الصفات منها ما هي عين الموصوف كالوجود ومنها ما هي غيره وهي كل صفة أمكن مفارقتها عن الموصوف كصفات الأفعال من كونه خالقا ورازقا ومنها ما لا عين ولا غير إلخ))
    قال المحقق الدواني في بحث عدم قيام الحوادث بذات الله تعالى: ((المراد من الحوادث ههنا الصفة الحقيقية وأما الصفات الإضافية والسلبية فيجوز التغير والتبديل فيها فى الجملة كخالقية زيد وعدم خالقيته وذلك لأن التبدل فيها إنما يتغير ما أضيف إليه لا يتغير ما في ذاته كما إذا انقلب الشيء من يمينك إلى يسارك وأنت ساكن غير متغير والصفات الحقيقية التي يلزمها الإضافة إنما يتغير تعلقاتها دون نفسها، لا يقال: هذا الديل جار فى الإضافات والسلوب مع تخلف المدعى عنه لأنا نقول: لا يتم جريان الدليل فيها كلها فإن مثل إيجاد العالم وخالقية زيد ليس من صفات الكمال حتى يكون الخلو عنها فى الأزل نقصا إلخ))
    فثبت من هذه النقول أن صفات الله تعالى على أقسام، ولكل قسم حكم على حدة، فلا يحكم على جميع الصفات بحكم نوع منها.
    الصفات الفعلية هي الصفات التي تدل على فعل وأثر، وإطلاقها يدل على حدوث عمل كخلق ورزق وإحياء وإماتة وتصوير وغفران الذنوب وحكمة وغير ذلك، وقد اختلف فيها السادات الأشاعرة والسادات الماتريدية كثرهم الله تعالى. اعتبر الأشاعرة كلا من هذه الصفات حادثا ومتغيرا وعده الماتريدية قديما أزليا. فقال الملا علي القارئ: ((فمذهب الماتريدية أنها قديمة ومذهب الأشاعرة أنها حادثة)) وفى المسامرة شرح المسايرة: ((لأنهم قائلون بأن صفات الأفعال حادثة لأنها عبارة عن تعلقات القدرة والتعلقات حادثة))
    وعلى الرغم من هذا الإختلاف، اتفق الأشاعرة والماتريدية على أن مبدأ صفات الأفعال قديم، وهو عند الأشاعرة: القدرة، وعند الماتريدية: التكوين. قال الملا علي القارئ في شرح الفقه الأكبر: ((فالتخليق والترزيق والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل كالإحياء والإفناء والإنبات والإنماء وتصوير الأشياء والكل داخل تحت صفة التكوين...فالأولى أن يقال أن مرجع الكل إلى التكوين فإنه إن تعلق بالحياة يسمى إحياء وبالموت إماتة وبالصورة تصوير إلى غير ذلك فالكل تكوين وإنما الخصوص بخصوصيات المتعلقات))
    وقال ابن الهمام الإمام فى المسايرة: ((والمراد بها صفات تدل على التأثير لها أسماء غير اسم القدرة باعتبار أسماء آثارها والكل يجمعها اسم التكوين)) وقال بالنسبة لمذهب الأشاعرة: ((والأشاعرة يقولون ليست صفة التكوين على فصوله أي تفاصيله سوى صفة القدرة باعتبار تعلقها بمتعلق خاص فالتخليق هو القدرة باعتبار تعلقها بالمخلوق والترزيق تعلقها بإيصال الرزق))
    فالاختلاف إذن لفظي: اعتبر الماتريدية الصفات الفعلية قديمة باعتبار مرجعها ومبدئها وعدها الأشاعرة حادثة باعتبار تعلقاتها الخاصة.
    نقل الإمام الطحاوي عن الإمام أبي حنيفة وصاحبيه: ((كما أنه محيى الموتى استحق هذا الإسم قبل إحيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشاءهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير))، وهذه الجملة الأخيرة تدل على كون الصفات الفعلية قديمة من حيث مبدؤها. قال فى المسايرة بعد نقل هذه العبارة: ((فأفاد أن معنى الخالق قبل الخلق واستحقاق اسمه أي الاسم الذي هو الخالق فى الأصل بسبب قيام قدرته تعالى عليه أي على الخلق فاسم الخالق والحال أنه لا مخلوق فى الأزل لمن له قدرة الخلق فى الأزل، وهذا هو ما تقوله الأشاعرة لا خلاف والله الموفق))
    فبناء على قول الإمام أبي حنيفة لا خلاف بين الأشاعرة والماتريدية فى المسألة. فقال الملا علي القارئ: ((النزاع لفظي عند أرباب التدقيق كما تبين عند التحقيق إلخ))
    الحاصل أن الماتريدية جعلوا التكوين فى النوع الثاني من الصفات، والأشاعرة جعلوه فى النوع الثالث. يمكن لنا أن نعبر عن النوعين الأخيرين من الصفات بتعبير آخر، وهو أن الصفات الإضافية نوعان: منها ما هي إضافية محضة كالقبلية ومنها ما هي إضافية ذات مبدء، والتغير في كل منهما ممكن.
    فثبت أن الصفات الفعلية وإن كانت مبدءها القدرة أو التكوين قديم، لكنها من حيث كونها موقوفة على ظهور بعض الأفعال التي هي التعلقات الخاصة والإضافات لهذا المبدأ: هي حادثة ومتغيرة لا محالة. مثلا: إذا قلنا: إن الله صانع العالم، فإن تحقق صنع العالم حادث وإن كان مبدء هذا الصفة قديم. فتحقق صفات الأفعال الخاصة كالإعطاء والمنع والإضرار والإحياء والإماتة حادث.
    وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الصفات الكمالية كالقدرة والعلم خارجة عن القدرة الإلهية، أما إصدار الأفعال القبيحة التي تخالف العدل (كتعذيب الشخص بذنب غيره) والحكمة (كالسفه والعبث) وأمثالهما فهي في قدرة الله تعالى مع أن وقوعها ممتنع. أما الأفعال التي تقتضي التغير فى الذات أو الصفات الكمالية الحقيقية كالأكل والشرب والحركة والإنتقال وغيرها فهي ممتنعة ذاتيا لا محالة، فإن محل وقوعها ذات البارئ تعالى الذي ليس قابلا لمثل هذه الأفعال فإنه ليس جسما، ومحل وقوع الأفعال كالسفه والعبث والظلم بمعنى وضع الشيء في غير محله فمحل وقوعها غير ذاته تعالى، ولا تقتضي تغيرا في ذاته ولا في صفاته الحقيقية، فهي من الممكنات في نفسها.
    ليس العدل والحكمة من الصفات الذاتية الحقيقية، بل هي من الصفات الفعلية الإضافية، فخلاف العدل والحكمة أيضا من الصفات الفعلية. قال في مسلم الثبوت: ((السفه والعبث من صفات الأفعال))
    النقص فى الأفعال وهو المراد بقولنا: الأفعال القبيحة كالسفه والظلم والعبث ليس مثل النقص فى الصفات الذاتية كالجهل بمعنى عدم العلم والعجز والنسيان. استحالة الأول ليس لعدم دخوله في قدرة الله تعالى، واستحالة الثاني لعدم دخوله فى القدرة. والنظامية من المعتزلة لم يفرقوا بين هذين القسمين فقالوا بأن الأفعال القبيحة ليست تحت القدرة أيضا كالنقص فى الصفات الذاتية. الصفات الذاتية الحقيقية أزلية غير متغيرة قائمة بذات الواجب تعالى وهي الصفات التي يقال فيها أنها ليست عين الذات ولا غيرها، والصفات الإضافية الفعلية ليست كذلك. ففي بعض كتب الكلام: ((ومنها ما هي غيره وهي كل صفة أمكن مفارقتها عن الموصوف كصفات الأفعال من كونها خالقا ورازقا))
    وفرق آخر هو أن الصفات الذاتية الحقيقية الوجودية تختلف حقائقها وكنهها من حقائق هذه الصفات بالنسبة إلى العباد كما يختلف كنه ذات البارئ تعالى من كنه ذوات الخلق، ولكن هذا الاختلاف فى الحقيقة لا يتحقق فى الصفات الفعلية والصفات السلبية. فحقيقة ومفهوم علم الله تعالى وقدرته وكلامه وأمثالها مخالفة من حقيقة هذه الصفات فى العباد، لا اشتراك فى معنى وذاتيات هذه الصفات في شيء، إنما الاشتراك في شيء اعتباري أو إضافي.
    في شرح العقائد: ((فإن أوصافه من العلم والقدرة وغير ذلك أجل وأعلى مما فى المخلوقات بحيث لا مناسبة بينهما، قال فى البداية: إن العلم منا موجود وعرض وعلم محدت وجائز الوجود ومتحدد في كل زمان فلو أثبتنا العلم صفة لله تعالى لكان موجودا وصفة قديمة وواجب الوجود ودائما من الأزل إلى الأبد، فلا يماثل علم الخلق بوجه من الوجوه)) وقال محشيه: ((حتى إن الاشتراك منها لفظي))
    أما الصفات الفعلية والسلبية لا مخالفة بين هذه الصفات في حق الله تعالى وفي حق العباد، فإن هذه الصفات ليست عين ذات الله وليس قائمة به، بل منفصل عنه، وما هو منفصل عن ذات الواجب حادث وممكن، فليس هناك سبب لإثبات الفرق بين هذه الصفات وصفات الممكنات.
    فقول المتكلمين: ((ليس بعرض ولا جسم ولا جوهر ولا محدود ولا معدود ولا منتهاة ولا متبعض ولا متركب ولا ضد له ولا مثل له ولا ند له))، معنى هذه الكلمات في حق الله تعالى مثل معناها في حق العباد، فقالوا أنه ليس بعرض ((لأنه لا يقوم بذاته بل يفققر إلى محل يقوم به)) وليس بجسم ((لأن الجسم مركب فيحتاج إلى الجزء))، وهذه المعاني هي نفس معاني هذه الألفاظ بالنسبة للخلق أيضا.
    وكذا فى الصفات الفعلية، كالحكمة التي هي ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي والإنتقام والصدق والعفو والمنع والإضرار، معنى هذه الصفات بالنسبة للخالق مثل معناها بالنسبة للخلق، وتفسير 'الصفات الدالة على الأفعال' فى 'التفسير الكبير' للرازي وغيره كاف في إثبات دعوانا هذه.
    وبناء على هذا الفرق يطلق على العبد أنه متكلم سميع بصير مريد ولا يطلق عليه أنه محي مميت خالق محدث، فإن الأول مختلف الحقيقة والكنه فلا حرج في استعمال نفس الألفاظ، والثاني متحد الحقيقة والكنه فلا يجوز إطلاقها على الخلق.
    والصدق كما سيأتي من صفات الأفعال، بل من إضافات صفة من صفات الأفعال، وحقيقته بالنسبة إلى الخالق مثل حقيقته بالنسبة إلى الخلق، وهو كون الكلام مطابقا للواقع، وكذا معنى الكذب الذي هو ضد الصدق بالنسبة إلى الخالق نفس معنى الكذب بالنسبة إلى الخلق وهو كون الكلام غير مطابق للواقع.
    وظاهر أن الكذب والعبث والظلم، بل الأكل والشرب والإنتقال والسكون وأمثالها، التي نفيناها عن الله تبارك وتعالى، وننزهه عنها، نحمل معاني هذه الكلمات على ما هو المراد عند إطلاقها على الممكنات.

  • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
    طالب علم
    • Apr 2010
    • 760

    #2
    المقدمة الرابعة
    يستعمل أهل السنة والجماعة لفظ 'الكلام' لله سبحانه وتعالى لمعنيين بطريق الإشتراك اللفظي أو الإشتراك المعنوي أو الحقيقة والمجاز:
    ظ،. أحدهما: الصفة الحقيقية التي هي واحدة بسيطة قائمة بالذات ليس منفصلا عنه، وهذا هو الكلام النفسي
    ظ¢. والثاني: الكلام المنزل على الرسل الذي هو معجز متحدى به مركب من الحروف، وهذا هو الكلام اللفظي
    وبما أن الأول واحد بسيط لا مجال للصدق والكذب فيه في حد ذاته فإنه ليس بإنشاء ولا خبر، وإنما يوصف تعلقاته بهذه الأوصاف.
    قال في شرح المواقف: ((كلامه تعالى واحدة عندنا لما مر فى القدرة، وأما انقسامه إلى الأمر والنهي والخبر والإستفهام والنداء فإنما هو بحسب التعلق، فذاك المعنى الواحد باعتبار تعلقه بشيء مخصوص يكون خبرا وباعتبار تعلقه بشيء آخر أو على وجه آخر يكون أمرا وكذا الحال فى البواقي))
    قال في شرح العقائد: ((إنه صفة واحدة تكثر بالنسبة إلى الأمر والنهي والخبر باختلاف التعلقات))
    وهذه العبارة موجودة في شرح الفقه الأكبر أيضا. قال فى المقاصد: ((المذهب أن كلامه الأزلي واحد يتكثر بحسب التعلق))
    قال فى المسامرة شرح المسايرة: ((إنما هي أنواع اعتبارية تحصل له بحسب تعلقه بالأشياء فذلك المعنى الواحد باعتبار تعلقه بشيء على وجه مخصوص يكون خبرا وباعتبار تعلقه بشيء آخر أو على وجه آخر يكون أمرا وكذا الحال فى البواقي))
    فثبت أن الكلام النفسي ليس خبرا ولا إنشاء في حد ذاته، فالصدق والكذب فيه لا يتصور، إنما جاء مجال الصدق والكذب بعد تعلقه بخبر ما.
    وقد اختلف علماء الكلام في أن هذا التعلق، هل هو حادث أو قديم؟ وسيأتي وجه التطبيق بين هذين القولون بإذن الله تعالى.
    أما عبد الله بن سعيد بن القطان وأتباعه فيقولون إنه حادث، والجمهور على أنه قديم. قال في شرح العقائد: ((وإنما يصير أحد تلك الأقسام عند التعلقات وذلك فيما لا يزال وأما فى الأزل فلا انقسام أصلا)) وقال بعضهم في تفسيره: ((هذا مذهب بعض الأشاعرة))
    قال العلامة الجلبي: ((وهو عبد الله بن سعيد القطان وجماعة من المتقدمين، قالوا: إن كلامه تعالى صفة واحدة لا تعدد فيه أصلا، إنما العدد بحسب التعلقات الحادثة بحسب حدوث التعلقات))
    وفي مسلم الثبوت: ((إعلم أن الأشاعرة كلهم متفقون على أن كلامه فى الأزل واحدة لكن جمهورهم على أن ذلك الواحد باعتبار تعلقه بشيء على وجه مخصوص يكون خبرا وباعتبار تعلقه بشيء آخر وعلى وجه آخر يكون أمرا إلى غير ذلك فهو فى الأزل متصف بقسم من الأقسام بحسب التعلقات، وأما ابن سعيد فمع قوله بوحدته فى الأزل يقول إنه ليس متصفا بشيء من الأقسام فى الأزل وإنما يصير أحدها فيما لا يزال))
    وقال المحقق الدواني: ((فنقول: كلام الله تعالى هو الكلمات التي رتبها الله تعالى في علمه الأزلي بصفة الأزلية التي هي مبدأ تأليفها وترتيبها، وهذه الصفة قديمة وتلك الكلمات المرتبة أيضا بحسب وجودها العلمي أزلية...وليس كلام الله تعالى إلا ما رتبه الله تعالى بنفسه من غير واسطة والكلمات لا تعاقب بينها فى الوجود العلمي حتى يلزم حدوثها وإنما التعاقب بينها فى الوجود الخارجي، وهو بحسب هذا الوجود كلام لفظي، وهذا الوجه سالم عما يلزم المذاهب المنقولة إلخ))
    فعلى هذا، إنما يعتبر التعلقات قديمة بإعتبار وجودها فى العلم الأزلي القديم، أما باعتبار وجودها فى الخارج فهي حادثة.
    قال فى المسامرة وفي شرح الفقه الأكبر: ((والجواب أن إخبار الله تعالى لا يتصف أزلا بالماضي والحال والمستقبل...وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال بحسب التعلقات، فيقال: قام بذات الله تعالى إخبار عن إرسال نوح مطلقا، وذلك الإخبار موجود أزلا باق أبدا، قبل الارسال كانت العبارة الدالة عليه إنا نرسل وبعد الإرسال إنا أرسلنا، فالتغير في لفظ الخبر لا فى الإخبار القائم بالذات، وهذا كما نقول في علمه تعالى أنه قائم بذاته تعالى أزلا العلم بأن نوحا مرسل وهذا العلم باق أبدا قبل وجوده علم أنه سيوجد ويرسل وبعد وجوده علم بذلك العلم أنه وجد وأرسل، والتغير فى المعلوم لا فى العلم كما مر فى الكلام على العلم والإرادة))
    فكلام الله تعالى إذن خال عن التعينات والتعلقات فى ما لم يزل، وإنما التبس ببعض التعينات فيما لا يزال بسبب تعلقات خاصة. وهذا كالعلم: العلم لا تغير فيه أصلا، إنما التغير فيما يتعلق به العلم أي: المعلوم، الذي وجوده العلمي قديم ووجوده الخارجي حادث.
    وقال مجدد الألف الثاني الإمام أحمد السرهندي: ((صفة العلم له تعالى صفة قديمة بسيطة حقيقية لا يتطرق إليها تعدد وتكثر أصلا ولو باعتبار تعدد التعلقات لأن هناك انكشاف واحد بسيط انكشفت به المعلومات الأزلية الأبدية وعلم به جميع الأشياء بأحوالها المتناسبة والمتضادة وكلياتها وجزئياتها مع الأوقات المخصوصة بكل واحد منها في آن واحد على وجه يعلم زيدا مثلا في ذلك الآن موجودا ومعدوما وجنينا وصبيا وشابا وشيخا وحيا وميتا وقائما وقاعدا ومستندا ومضطجعا وضاحكا وباكيا ومتلذذا ومتألما وعزيزا وذليلا وفى البرزخ وفى الحشر وفى الجنة وفى التلذذات فيكون تعدد التعلق أيضا مفقودا في ذلك الموطن فإن تعدد التعلقات يستدعي تعدد الآنات وتكثر الأزمنة وليس ثمة إلا آن واحد بسيط من الأزل إلى الأبد لا تعدد فيه أصلا إذ لا يجري عليه تعالى زمان ولا تقدم ولا تأخر فإذا أثبتنا لعلمه تعالى تعلقا بالمعلومات يكون ذلك تعلق واحد ويصير به متعلقا بجميع المعلومات وذلك التعلق أيضا مجهول الكيفية ومنزه عن المثال والكيف كصفة العلم)) (المكتوبات، جظ، مكتوب: ظ¢ظ¦ظ¦)
    والإعتراضات التي وردت على قول عبد الله بن سعيد قد أجيب عنها في كتب الكلام كالمقاصد وغيره. قال بحر العلوم عن قول ابن القطان: ((وقد رأيت في كتب بعض المحدثين أنهم حكموا بكون هذا الرأي مختارا))
    وقد صرح كثير من محققي علماء الكلام أن تعلقات الصفات الحقيقية كالإرادة والقدرة حادثة. قال في شرح المواقف: ((فصفة العلم قديمة واحدة غير متناهية ذاتا بمعنى سلب التناهي وغير متناهية تعلقا بمعنى إثبات اللاتناهي في تعلقه بالفعل، والإرادة أيضا كذلك لكن تعلقها غير متناه بالقوة كما فى القدرة، على هذا فقس إلخ))
    قال في شرح المقاصد: ((وجوابها أن الكلام وإن كان أزليا لكن تعلقاته بالأشخاص والأفعال حادثة بإرادة من الله تعالى واختيار))
    والذي يهمنا في هذا الموضع إنما هو قولنا: أن الكلام النفسي الذي هو صفة حقيقية بسيطة متعال في حد ذاته عن الخبر والإنشاء، لا احتمال للكذب والصدق فيه، إنما جاء احتمال الإنشائية والخبرية بعد التباسه بالتعلقات العارضة والتعينات المتأخرة.
    على هذا: إذا قال أحدهم أن الكلام النفسي ممتنع الكذب إنما مراده أن الكذب غير متصور فى الكلام النفسي لبساطته ووحدته وعدم تعلقه في حد ذاته وعدم تصور المطابقة فيه للواقع وعدم المطابقة. وليس مرادهم أنه بعد تسليم الإمكان العقلي يمتنع الكذب فيه ذاتيا لأن الصدق فيه واجب وضروري، بل: الصدق فيه أيضا غير متصور. مثلا: إذا قال أحد أنه يشترط لتحقق الكذب كلام تام، ويمتنع الكذب فى المفردات المحضة، فمنشأ الامتناع هو عدم تصور الكذب، لا أن الصدق فيه واجب وضروري.
    وأما قولهم بأن الصدق في كلامه واجب فإنما مرادهم به ما يتعلق به الكلام النفسي، لا الكلام النفسي بالمعنى المذكور في حد ذاته. فالحاصل: وصف الكلام بالصدق منزلة نازلة وعدم اتصافه بالصدق والكذب منزلة قادمة.
    ثم: لفظ 'الكلام النفسي' مستعمل لمعنيين في كلام العلماء: أحدهما: مبدأ الكلام ومنشأه قائم بذات الواجب تعالى، قديم وأزلي، وهذا مثل الصفات الذاتية الأخرى كالعلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك، فكما أن مبدء الإنكشاف هو صفة العلم ومبدء ظهور الأثر هو صفة القدرة، فكذلك مبدء التكلم هو الكلام النفسي، وكل من هذه الصفات قديم قائم بذات الواجب لا عين الذات ولا غيره؛ والثاني: مدلول الكلام اللفظي ومراده اللغوي أو الوضعي، وقد يطلق عليه لفظ: 'العلم'.
    ومثال ذلك أن للإنسان مبدءا وقوة لتكلمه الخارجي، وإذا أراد أن يلفظ كلمات لتعبير معنى بذريعة تلك القوة فقد يوجد قبل تكلمه - ذلك المعنى في علمه. فكل من المبدء والعلم موجودان قبل التكلم الخارجي.
    فالمعنى الأول للكلام النفسي قديم كجميع الصفات الحقيقية، والمعنى الثاني له إنما هو قديم باعتبار وجوده العلمي، فإن المعنى الأول يتوقف وجوده على صفة قديمة أزلية في ذات البارئ تعالى مسمى ب'الكلام'، والمعنى الثاني لا يتوقف على مثل هذه الصفة في حد ذاته. والكلام اللفظي يتوقف على كل من هذين المعنيين للكلام النفسي ويدل على كل منهما.
    فكما أنه يجب لتحقق الإنكشاف كل من العلم الحقيقي والمعلوم ولظهور الأثر كل من القدرة القديمة الحقيقية والمقدورات، فكذلك يتوقف الكلام اللفظي على الكلام النفسي بكلي معنيه: مبدء الكلام ومدلول اللفظ. وكما أن العلم يطلق على مبدء الإنكشاف الذي هو قديم في وجوده الخارجي وكذلك يطلق على المعلوم الذي من متعلقاته ما هو حادث في وجوده الخارجي، فكذلك الكلام النفسي الذي مبدؤه قديم من حيث وجوده الخارجي، وأما مدلول الألفاظ فوجوده الخارجي حادث وهو قديم باعتبار وجوده العلمي.
    قال المحقق الدواني في شرح العقائد الجلالي: ((إذا تمهد ذلك فنقول: كلام الله تعالى هو الكلمات التي رتبها الله تعالى في علمه الأزلي بصفته الأزلي الذي هو مبدء تأليفها وترتيبها، وهذه الصفة قديمة، وتلك الكلمات المرتبة أيضا بحسب وجودها العلمي أزلي، بل الكلمات والكلام مطلقا كسائر الممكنات أزلية بحسب وجودها العلمي، وليس كلام الله تعالى إلا ما رتبه الله تعالى بنفسه من غير واسطة، والكلمات لا تعاقب بينهما فى الوجود العلمي حتى يلزم حدوثها وإنما التعاقب بينهما فى الوجود الخارجي، وهو بحسب هذا الوجود كلام نفسي))
    فأشار بقوله: ((صفته الأزلي الذي هو مبدء تأليفها وترتيبها، وهذه الصفة قديمة)) إلى المعنى الأول للكلام النفسي، وأشار بقوله: ((إذا تمهد ذلك فنقول: كلام الله تعالى هو الكلمات التي رتبها الله تعالى في علمه الأزلي)) وبقوله: ((وليس كلام الله تعالى إلا ما رتبه الله تعالى بنفسه من غير واسطة)) إلى المعنى الثاني له. وقد أقر العلامة الشهاب الخفاجي كلام المحقق هذا في حاشيته على تفسير البيضاوي.
    وقال الدواني: ((مبدأ الكلام النفسي فينا صفة تمكن بها من نظم الحروف وترتيبها على ما ينطبق على المقصود، وهي صفة ضد الخرس مبدأ للكلام النفسي إلخ))
    وقال مولانا بحر العلوم في شرح سلم العلوم: ((إلا أنه يشكل بالكلام فإنه صفة قائمة قطعا من دون ارتياب، فيلزم استكمال الباري عز وجل سبحانه، لكن الحق غير خاف، فإن هناك أمرين: أحدهما به يقدر على تأليف الكلام ويقابله الخرس، والآخر صفة الكلام القائم ويقابله السكوت، فالأمر الأول صفة مكملة للذات وهو نفس ذاته، والصفة الأخرى متفرعة عن الأولى، وهي تابعة لها، واستحالة الاستكمال إنما هي فى الصفات الأولى الذاتية، فتأمل فيه فإنه موضع تأمل))
    وقال الإمام السرهندي: ((وكذلك كلامه تعالى واحد بسيط وهو تعالى متكلم بهذا الكلام الواحد فى الأزل إلى الأبد، فإن أمر أمرا فناش من هناك وإن نهيا فناش أيضا من هناك وإن إعلاما فمأخوذ أيضا من هناك وإن استعلاما فمن هناك وإن تمنيا فمستفادا من هناك وإن ترجيا فمن هناك أيضا)) (المكتوب رقم ظ¢ظ¦ظ¦ من الجزء الأول للمكتوبات)
    وفى التلويح ما يدل على كون الكلام النفسي مبدء الكلام: ((وهي صفة قديمة منافية للسكوت والآفة ليست من جنس الحروف والأصوات، لا يختلف إلى الأمر والنهي والإخبار ولا يتعلق بالماضي والحال والاستقبال إلا بحسب التعلقات والإضافات، كالعلم والقدرة، وهذا الكلام اللفظي الحادث المؤلف من الأصوات والحروف القائمة بمحالها يسمى كلام الله تعالى والقرآن على معنى أنه عبارة عن ذلك المعنى القديم))
    قال العلامة الجلبي: ((قوله: عبارة عن ذلك المعنى القديم، قيل: معنى كونه عبارة عنه أنه دال عليه عقلا دلالة الأثر على المؤثر وعلى مبدئه، فإن النطق الظاهري فى الإنسان كما يدل على مبدء له، يغاير العلم والقدرة والإرادة كذلك الكلام اللفظي فى البارئ تعالى يدل على مبدء يغاير سائر الصفات))
    قال الملا خسرو في شرح التلويح: ((أقول: ليس معنى كونه عبارة عنه أنه عينه كما قال بعد هذا: أن القرآن عبارة عن هذا المؤلف المخصوص والنحو عبارة عن القواعد المخصوصة، وذلك ظاهر ولا أنه دال عليه بالوضع لأن المدلول الوضعي له هو المعاني الوضعية الحادثة، بل معناه أنه دال عليه عقلا، ودلالة الأثر على مبدئه فإن النطق الظاهر فى الإنسان كما يدل على مبدء له يغاير العلم والقدرة والإرادة كذلك فى الباري تعالى يدل الكلام اللغظي على مبدء له يغاير سائر الصفات))
    أما عن المعنى الثاني للكلام النفسي، قال في شرح المواقف: ((فإذن هو أي المعنى النفسي الذي يعبر عنه بصيغة الخبر صفة ثالثة))
    وقال في شرح المواقف: ((فإذن هو أي المعنى النفسي الذي يعبر عنه بصيغة الخبر صفة ثالثة))
    وقال الجلبي: ((ولا يخفى أن المفهوم من عامة كلماتهم هو أن النفسي مدلول اللفظي، وإن كان لا يخلو عن الإشكال))
    قال في شرح المقاصد: ((الوجه الثاني أن من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك سيجد في نفسه معاني ثم يعبر عنها بالألفاظ التي تسميها بالكلام الحسي، فالمعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارت بحسب الأوضاع والإصطلاحات ويقصد المتكلم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبها هو الذي نسميه كلام النفس وحديثها)) وهذه عبارة صريحة في كون الكلام النفسي بمعناه الثانية.
    قال الإمام السرهندي: ((والقرآن كلام الله تعالى أنزل علي نبينا عليه وعلى آله الصلاة والسلام، متلبسا بلباس الحرف والصوت وأمر به عباده ونهاهم، فكما نحن نظهر كلامنا النفسي بتوسط الفم واللسان في لباس الحروف والأصوات نورد به مقاصدنا الخفية في عرصه الظهور كذلك الحق سبحانه أظهر كلامه النفسي لعباده في لباس الحرف الصوت بقدرته الكاملة بلا توسط فم ولسان وأجلى أوامره ونواهيه الخفية في ضمن الحرف والصوت على منصة الظهور فكلا قسمي الكلام كلام الحق جل وعلا يعنى النفسي واللفظي))
    إنما هو المعنى الثاني للكلام النفسي الذي يلتبس بالصوت والحرف، كيف يتصور التباس المعنى الأول بالحرف والصوت؟ والمعنى الأول إنما هو سبب الإلتباس أو معطى الإلتباس لا ما يلتبس.
    في كتب الكلام: ((لأن كل من يأمر وينهى ويخبر يجد من نفسه معنى ثم يدل عليه بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة )) وفى الشعر المشهور: ((إن الكلام لفى الفؤاد إلخ))، وقال سيدنا عمر رضي الله عنه: ((زورت في نفسي مقالة))، وقال أهل العرف: ((إن في نفسي كلاما أريد أن أذكره لك)). هذا كله ينطبق على المعنى الثاني للكلام النفسي.
    وقول بعض أهل السنة أن الكلام النفسي ضروري الصدق يدل على المعنى الثاني للكلام النفسي، فإن وصف الصدق لا يتأتى فى المعنى الأول للكلام النفسي أي مبدء التكلم وإنما يتحقق فى المعنى الثاني الذي هو مدلول الكلام اللفظي. وقول أهل السنة أن الكلام النفسي لا عين الذات ولا غيره يدل على المعنى الأول للكلام النفسي، فإنه بديهي أن مدلول اللفظ كالمعلومات مغاير ومنفصل عن الذات.
    وبعد هذا التفصيل، ينكشف كثير مما أشكل على الناس. فمما اختلفوا فيه هو: هل دلالة الكلام اللفظي على الكلام النفسي: عقلي أو وضعي؟ فيظهر من التقرير السابق أن دلالته على المعنى الأول للكلام النفسي عقلي دلالة الأثر على المؤثر كما يدل أفعال الله تعالى على قدرته، ودلالته على المعنى الثاني منه وضعي.
    قال المولوي عبد الحكيم في حاشية العقايد الجلالي: ((فالكلام اللفظي دال على النفسي الذي هو المعاني دلالة الموضوع على الموضوع له وعلى مبدئه دلالة الأثر على المؤثر)) وهذه عبارة صريحة في إثبات التقرير السابق.
    فيجب على من دخل في هذا البحث أن يعين مراده من الكلام النفسي: أهو مبدء التكلم أو مدلول الكلام اللفظي؟
    زعمت المعتزلة أنه لو اعتبر خبر الله تعالى أزليا للزم الكذب في خبره، فقال شارح المقاصد في جوابه: ((والجواب أن كلامه فى الأزل لا يتصف بالماضي والحال والإستقبال لعدم الزمان وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال بحسب التعلقات وحدوث الأزمنة والأوقات)) ثم قال: ((وتحقيق هذا مع القول بأن الأزلي مدلول اللفظي عسير جدا، وكذا القول بأن المتصف بالمضي وغيره إنما هو اللفظ الحادث دون المعنى القديم)). وهنا أيضا لو استحضر هذا التفصيل بين المعنيين للكلام النفسي لصار العسر المذكور يسيرا، فإن الذي وصف الكلام اللفظي فقط بالمضي وغيره ونفاه عن الكلام النفسي فمراده المعنى الأول للكلام النفسي، ومعنى كونه مدلول اللفظ إنما هو مدلول عقلي لا وضعي. نعم، لو حمل على المدلول الوضعي لأشكل الأمر.
    وكذلك ينكشف كثير من المشكلات بالتفصيل المذكور كما لا يخفى على الماهر.
    وأما بالنسبة لتعلقات الكلام النفسي فقد كان فيها إجمال، والآن انجلى الأمر، فإن تعلقات الكلام النفسي بمعناه الأول تكون كتعلق العلم بالمعلومات وتعلق القدرة بالمقدورات، وأما بالمنعى الثاني فمتعلقات الكلام النفسي كتعلق المدلولات الوضعية بدلالاتها. وقد ظهر بهذا التفصيل وجه الإختلاف الذي وقع بين عبد الله بن سعيد وبين الجمهور، فإن عبد الله بن سعيد قال بحدوث التعلقات على المعنى الأول للكلام النفسي، والجمهور قالوا بقدم التعلقات على المعنى الثاني للكلام النفسي باعتبار وجودها فى العلم الأزلي. وهذا الطريق في بيان مذهب عبد الله بن سعيد أحسن وأخصر مما ذكر في مسلم الثبوت وشرح المواقف وشرح المقاصد.
    يظهر جليا أن كل ما قرر سابقا مستفاد ومأخوذ من كلام الأكابر والعلماء المعتبرين، فإن من عباراتهم ما تدل على المعنى الأول للكلام النفسي ومنها ما تدل على المعنى الثاني ومنها ما تدل على كلي المعنيين.
    قد يطلق صفة الدال على المدلول، كما فى المقاصد وغيره: ((وإجراء صفة الدال على المدلول شائع مثل سمعت هذا لمعنى وكتبته وقرأته))، وكذا يطلق 'كلام الله' على الكلام اللفظي كما يطلق على الكلام النفسي بمعنيه.
    يقال: ((سمعت علم زيد)) و: ((شاهدت فقه بكر)) و: ((رأيت سرور زيد)) وإنما المسموع والمشاهد أثر هذه الأمور لا أعيانها.
    لو قال أحد أن الكلام النفسي بمعنى مدلول اللفظ الوضعي صفة قديمة قائمة بنفس البارئ تعالى باعتبار وجوده الخارجي فهذا لا يصح، لأن مدلول اللفظ حادث باعتبار وجوده الخارجي.
    ومدلول اللفظ الوضعي إنما سمي 'الكلام النفسي' لأنه مدلول اللفظي كما أن الكلام النفسي الحقيقي القائم بذات الله تعالى مدلول اللفظ أيضا بدلالة عقلية لا وضعية، وبما أن هذه المدلولات لها وجود فى العلم بالأزل تسمى بهذا الإعتبار 'الكلام النفسي' أيضا.
    فيجب على الخصم أن يعينوا ما هو مرادهم ب'الكلام النفسي' ثم بيان: هل امتناع الكذب فيه ذاتي أو لا؟ هل يدل الكلام اللفظي عليه بدلالة وضعية أو بدلالة عقلية؟ ومن أي وجه يجب انطباق الصدق والكذب بين النفسي واللفظي؟ ومن غير بيان هذه الأمور لا قيمة لزعمهم أن الكذب فى الكلام اللفظي محال لذاته بناء على كونه منطبقا على الكلام النفسي.
    [حذفت تلخيص المقدمة الخامسة فإنه ليس فيها كبير فائدة]
    المقدمة السادسة
    الصدق والكذب فى الكلام اللفظي مندرجان في صفات الأفعال، ولا يندرجان فى الصفات الذاتية الحقيقية، فكما أن الحكمة والعدل والعبث والسفه من صفات الأفعال فكذلك الصدق والكذب فى الكلام اللفظي من الصفات الفعلية عقلا ونقلا. وهذا لأن الصدق والكذب صفة الكلام اللفظي الذي هو حادث ومخلوق عند جمهور أهل السنة، وسيأتي تحقيقه [وهذا فى الباب الثاني من الكتاب الذي لم أتقدم بتلخيصه لطوله، تعرض فيه المصنف لقول القاضي عضد الإيجي فى المسألة وكلام غيره من المحققين]، وذهب الخصم كصاحب 'تنزيه الرحمن' إلى أن الكلام اللفظي قديم وقائم بذات البارئ، وإن سلم قدمه يجب أن تكون تعلقاته حادثة، وبما أن الصدق والكذب من تعلقاته الحادثة التي هي تحت قدرة الله تعالى لزم اندراجهما فى الصفات الفعلية.
    قال في شرح المواقف: ((يمتنع عليه الكذب اتفاقا، أما عند المعتزلة فلوجهين: الأول أنه أي الكذب فى الكلام الذي هو عندهم من قبيل الأفعال دون الصفات قبيح وهو سبحانه لا يفعل القبيح، وهو بناء على أصلهم في إثبات حكم العقل بحسن الأفعال وقبحها مقيسة إلى الله وستعرف بطلانه))
    والمعتزلة إنما يقولون بالكلام اللفظي، ولا يقولون بالكلام النفسي القائم بذات الله تعالى، فالكلام اللفظي عندنا أيضا من الصفات الفعلية.

    تعليق

    • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
      طالب علم
      • Apr 2010
      • 760

      #3
      المقدمة السابعة
      هناك فرق كبير بين القدرة على القبائح وصدور القبائح. صدور القبائح من الله تعالى محال عند أهل السنة والجماعة ولكن هي داخلة في قدرة الله تعالى كسائر الممكنات، ولا فساد في عدها مما يدخل في عموم قدرة الله تعالى، وإنما الفساد في صدورها، بل في نفيها من قدرة الله تعالى مخالفة لشمول قدرة الله لجميع الممكنات. ذكر في كتب العقائد: ((قدرته تعالى يعم سائر الممكنات)) و: ((كل ممكن مقدور))
      وفي صورة دخول القبائح كالسفه والعبث الظلم بمعنى وضع الشيء في غير محله في قدرة الله تعالى ليس فيها ما يقتضي امتناعا ذاتيا من الأسباب التي فصلت فى المقدمة الأولى، فكيف يخرج الأفعال القبيحة من قدرة الله تعالى؟ نعم، الأوصاف التي تقتضي انفكاك الذات عن نفسه أو عن لوازمه هي من المستحيلات ذاتا كالأكل والشرب وأمثالهما، وهي خارجة من القدرة القديمة.
      والحاصل: القول بشمول قدرة الله تعالى للقبائح وأن صدورها ممكن في نفسه هو مذهب أهل السنة، ولكن يمتنع صدورها بمانع خارجي فلا يتحقق أبدا.
      قال في شرح المطالع: ((فالمانع من صدوره عنه تعالى وهو عدم الداعية والإرادة إلى صدوره حاصل، لا أن القدرة عنه زايلة، فهو قادر على القبيح إلا أنه لم يصدر عنه بعدم إرادة منه إلى صدوره، لا أنه ليس بقادر عليه))
      ولا يقاس ضد العلم وضد القدرة أي: الحهل والعجز على الأفعال القبيحة كما هو ظاهر.
      وبالتالي: لا يوصف موصوف بصفة حتى يقوم تلك الصفة به حقيقة، حاء في كتب الكلام القول ب: ((ضرورة امتناع إثبات المشتق للشيء من غير قيام مأخذ الإشتقاق به))، فلا يوصف أحد بالكذب بمجرد قدرته عليه، وإلا لزم وصف الأنبياء والأولياء نعوذ بالله تعالى بالقبائح! ولزم وصف الكفار والفجار بالأفعال الحسنة!
      والآن بإذن الله تعالى نعين محل الخلاف بيننا مؤيدي الشاه إسماعيل الشهيد عليه الرحمة في هذه المسألة وبين المخالفين. كلنا متفقون على أن الله متكلم، أما كيفة تكلمه وحقيقته فهذا شيء آخر. وكلنا متفقون على أن عقد الكلام اللفظي وإصداره تحت قدرة الله تعالى. ولكن جاء فى القرن الثالث عشر جماعة من العلماء قالوا بأن عقد جملة مخالفة للواقع وتنزيله خارج عن قدرة الله القديمة، ففي حالة قيام زيد يقدر الله تعالى على تأليف جملة: ((زيد قائم)) وتنزيله، وأما في حالة قعوده، فتأليف مثل هذا الكلام وتنزيله خارج من قدرته، وليس ذات البارئ تعالى قادرا على أن يخبر بمثل هذا الكلام المخالف للواقع.
      وقال جماعة من العلماء موافقة لأهل السنة والجماعة أنه قادر مختار فى الحالتين، لكن لا يتحقق فيه إرادة الكذب أو الإخبار بما هو خلاف الواقع، فلا يقع أبدا. فلو تصورنا على سبيل الفرض أن آدم عليه السلام لم يأكل من الشجرة أو فرعون لم يدعى الربوبية، يكون عقد كلام: ((عصى آدم ربه)) وكلام: ((فقال أنا ربكم الأعلى)) وتنزيلهما في قدرة الله تعالى كما هو فى الواقع، إلا أن تحقق إصدار مثل هذا ممتنع لتمام صدقه تعالى وحكمته ومقتضى تقدسه ورحمته. كل ما وقع منه أو يقع ضروري الصدق، لو توقف أحد في تصديق شيئ من كلامه لاحتمال عدم الصدق فيه فهو زنديق وملحد وخارج من دائرة الإسلام.
      فالحاصل أن الجميع متفقون على وجوب الصدق وامتناع الكذب، وإنما اختلفوا في سببه، فجاء مولانا الشاه إسماعيل الدهلوي وأتباعه إلى أن وجوب الصدق وامتناع الكذب مبنيان على إرادة الله واختياره فإنه تعالى يلتزم الصدق ويحترز من الكذب، وجاء مخالفوهم إلى أنهما مبنيان على عدم القدرة على الكذب، فوجوب الصدق عندهم إنما هو لعجزه عن الكذب.
      والمستدل على كون الكذب فى الكلام اللفظي ممتنعا ذاتيا إما أن يستدل بالدلائل النقلية أو الدلائل العقلية. فلو استدل بالدلائل النقلية فمعلوم من المقدمة الأولى أن مجرد لفظ 'الممتنع' و'محال' وأمثالهما غير كاف في إثبات ما يدعيه، فإنه يحتمل امتناعا غير ذاتي.
      ولو استدل بالدلائل العقلية فيجب عليه أن يبين وجه لزوم الكذب فى الكلام اللفظي لنقص في ذات الله تعالى أو صفاته الذاتية، ولو لم يتطرق دليله إلى هذا الأمر لا يتم استدلاله.
      وليس حكم النقص فى الصفات الذاتية مثل حكم النقص فى الصفات الفعلية كما سبق، ويجب أن يعين المخالف الذي يستدل على امتناع الكذب فى الكلام اللفظي ذاتيا بكونه منطبقا على الكلام النفسي، ما هو مراده بالكلام النفسي؟ وما وجه امتناع الكذب فيه؟ ويلاحظ اللبيب المنصف أن مع مراعاة جميع هذه الأمور يبطل أكثر ما يستدلون به.
      * قاله في سياق الرد على الظن الفاسد الذي يتخيله بعض الناس بالنسبة للشفاعة عند الله من أنها 'شفاعة الوجاهة'، أي: أن أحدا من الخلق حصل على منزلة عند الله تعالى تجبره بها على قمع غضبه وغفران العاصي المشفوع له الذي يستحق العذاب في نفس الأمر، وهذا الإعتقاد عن الشفاعة لا يصح، فإنه لا غالب على أمر الله تعالى، فهذا هو سياق ذكره هذه الجملة

      [ا] بسم الله الرحمن الرحيم مسألة إمكان الكذب وموقف علماء الديوبند منها: تلخيص رسالة "جهد المقل" لشيخ الهند محمود حسن الديوبندي في مسألة إمكان الكذب: قد طلب مني بعض الإخوة أن أكتب مقالة في موضوع...

      تعليق

      • عمر بن رأفت بن عبد
        طالب علم
        • Apr 2015
        • 302

        #4
        فى الكلام عدة مغالطات
        1 - قوله أن الصفات ذات التعلق تتغير ؟
        و هذا غاية فى الفساد ، إذ صفات الله تعالى لا متعلق لها ، تخليقا و ترزقا و ترحيما
        فلا يستقيم عقلا و لا نقلا قوله ان (ترزيق زيد) يخالف (ترزيق أبا جهل)

        2 - إدعاؤه بان (اهل السنة) يخرجون الصفات الكماليه عن القدرة الالهية ؟ فهذا جنون بين أو كفر محض لم يسبق ان سمعت من يقول به أبدا !!!
        إذ ان الصفات الكمالية هى عين القدرة ، فلا يصح أن تقول (قادر على القدرة) أو (قادر على السمع) !!!
        3 - جعله للسفة و الظلم ، داخل فى قدرة الله تعالى ، كفر بين ، إذ أجمع اهل السنة على عدم دخولها تنزيها ، و ليس تقديرا !!!

        4 - جعله لصفات الأكل و الشرب التى تقتضى التغير ، ممتنعة ، جعل الله تعالى محلا للحوادث ، و هذا مناقض لاعتقاد اهل السنة !
        و أكتفى بهذا
        إذ التتبع على سلفية الديوبند يجر الى مخازى لا اول لها و لا آخر ، و كفانا فى عداء الديوبند لأهل السنة و انتمائهم للسلفية ، انكارهم للتوسل و ادخاله ضمن افعال المشركين !!!

        و انا لله و انا اليه راجعون

        تعليق

        يعمل...