بسم الله الرحمن الرحيم
حول دعوى المعترض المتسرّع
أننا نسبنا ابن عربي لفرقة الباطنية والزندقة المستلزمة للكفر
لا يليق بمن يزعم البحث العلمي أن يتخابط بهذه الصورة....
عندما يسألنا أحد الناس طالباً رأيَنا في كلام مَنْ يقول: "يرى بعض الأفاضل أن تعدّد العقيدة لعقيدة الخواص وعقيدة خلاصة الخاصة هو زندقة وباطنية فلا عقيدة إلا عقيدة الإسلام.. إلى آخر كلامه الذي تجدونه في منشوره على الرابط التالي:
ولكن السائل اختصر الكلام، فقال: "سُئل الشيخ سعيد فودة وفقه الله تعالى عن قول البعض بالمعنى: (إنّه لا فرق بين عقيدة العوامّ وعقيدة الخاصة وخلاصة الخاصة، إلا من حيث الإجمال والتفصيل، أو من حيث تعدد طرق الإثبات بالدليل الظاهر والكشف فهي في النهاية عنده عقيدة إسلامية واحدة). اهـ
وكما هو معلوم:
فإن الكلام على ثلاث عقائد أو بهذه الأسماء هو قول الشيخ ابن عربي، والأخ الذي يبدي رأيه هنا يقول إنّ العقيدة عند الشيخ ابن عربي مستويات كما هي عند أهل السنة مستويات، مستوى مجمل للعوام، وآخر مفصل لطلاب العلم والخاصة. أو أنّه مستويات من حيث طرق الإثبات، فمستوى العامة دليله عقلي، ومستوى الخاصة دليله الكشف".
فقلت في الجواب:
"هذا الكلام كلام هزيل كما أراه؛ لأن المراد بعقيدة العامة وعقيدة الخاصة وخلاصتهم، والفرق بين هذه العقائد ليس هو كما قيل من حيث الإجمال والتفصيل. فإن التفاوت بالإجمال والتفصيل من حيث المعرفة بعقيدة أهل السنة هو الأصل، بل هو الأصل في كل مذهب. وليس هذا الموضوع محل خلاف أصلا لكي يذكر ههنا أو يجاب به!!
بل المراد أن العقيدة التي تطلق في الظاهر وتسمى عقيدة العامة تدل على أحكام وتصورات معينة، والعقيدة التي تورد في الباطن أو تترك للخاصة يراد بها أحكام وتصورات أخرى مخالفة للأحكام المعطاة للعوام بل هي مناقضة لها أحياناً.
فهذا هو المقصود بلا ريب بالعقيدة الظاهرة والعقيدة الباطنة وتعدد مستوياتها بين العوام والخواص وخلاصة الخاصة وليست هي عقيدة واحدة...
ونؤكد مرة أخرى أن محل الإنكار ليس هو الإجمال والتفصيل، بل هذا أمر يكاد يقرب من المعلوم من الدين بالضرورة كما أنه من المعلوم بالضرورة من كل مذهب عقدي أو فقهي أو أصولي أو صوفيّ... إلخ، ولا يغفل ذلك إلا مجادل أو غافل أو مستخف بمقام الكلام والنزاع، فلا يصح حمل النزاع على هذا المعنى أصلاً..." الخ ما قلناه.
فقد جاء الكلام عن قضية الظاهر والباطن في جوابنا موافقاً لسؤال السائل عن مراتب العقيدة بحسب تدوينها في كتب ابن عربي، خصوصاً كتاب الفتوحات المكية، والعلاقة بين تلك العقائد المبثوثة فيه.
وقد ورد لفظ [الباطنية] أيضاً في كلام الشيخ حدارة قبل أن أذكر رأيي في كلامه الذي سئلت عنه، فقد قال: "يرى بعض الأفاضل أنّ تعدد العقيدة لعقيدة الخواص وعقيدة خلاصة الخاصة هو زندقة وباطنية فلا عقيدة إلا عقيدة الإسلام..." انتهى كلامه.
فهو كان ينسب لبعض الأفاضل -قبل أن أجيب عن تساؤل السائل أصلاً- أنهم يقولون: إن عقيدة ابن عربي زندقة وباطنية، ويبدو أنّ هذا الأصل الذي يصدر عنه هو ما علق بذهنه لما بادر بالردّ عليّ، واتهامي بما اتهمني به.
ومن هنا لزم تنبيه الفضلاء من المتابعين والقراء أنّ ورود لفظ الظاهر والباطن في جوابنا إنما نريد به أنه أظهر عقيدته التي ظاهرها قد يوافق أهل السنة والتي هي موجودة في أول كتاب الفتوحات المكية، ذكرها للعامّة وأظهرها للخلق أجمعين، فقال في الفتوحات (1/36): "وصلٌ يتضمن ما ينبغي في العموم وهي عقيدة أهل الإسلام مسلمة من غير نظر إلى دليل ولا إلى برهان"، وهذه العقيدة التي أشهد عليها الخلق أجمعين.
ثمّ قال ابن عربي في الفتوحات (1/38) بعد أن انتهى من ذكر عقيدة العموم: "ثم أتلوها إن شاء الله بعقيدة الناشية الشادية، ضمنتها اختصارَ الاقتصاد بأوجز عبارة، نبهت فيها على مآخذ الأدلة لهذه الملة، مسجعة الألفاظ، وسميتها برسالة المعلوم من عقائد أهل الرسوم، ليسهل على الطالب حفظها، ثم أتلوها بعقيدة خواص أهل الله من أهل طريق الله من المحققين أهل الكشف والوجود، وجردتها أيضاً في جزء آخر سميته المعرفة، وبه انتهت مقدمة الكتاب.
وأمّا التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض، لكن جئت بها مبدّدة في أبواب هذا الكتاب، مستوفاةً مبينة، لكنها كما ذكرنا متفرقة، فمن رزقه الله الفهم فيها يعرف أمرها، ويميزها من غيرها، فإنه العلم الحق، والقول الصدق، وليس وراءها مرمى، ويستوي فيها البصير والأعمى، تلحق الأباعد بالأداني، وتلحم الأسافل بالأعالي، والله الموفق لا رب غيره". اهـ.
وبعد أن انتهى من ذكر (وصل في اعتقاد أهل الاختصاص من أهل الله بين نظر وكشف)، وفيها بعض مواضع تستحق إعادة النظر وفيها بعض مواضع خلافه مع عقيدة أهل السنة، ربما نبيّنها لاحقاً إن شاء الله تعالى، قال (1/47): "وأما عقيدة خلاصة الخاصة في الله تعالى فهو أمر فوق هذا جعلناه مبدّداً في هذا الكتاب لكون أكثر العقول المحجوبة بأفكارها تقصر عن إدراكه لعدم تجريدها". اهـ
ومن المعلوم أنّ هذا المستوى الرابع الذي يقول إنه بدّده في أثناء الكتاب وقد وصفه بالأوصاف التالية:
أولاً: أكثر العقول محجوبة عنه.
ثانياً: أنه يشتمل على ما هو فوق ما ذكره سابقاً.
ثالثاً: سبب كون أكثر العقول محجوبة عنه هو أنها متعلّقة بأفكارها، ولأنها غير متجرّدة.
رابعاً: وصف هذه العقيدة المبددة في أثناء الكتاب فقال: هي "العلم الحق، والقول الصدق، وليس وراءها مرمى".
خامساً: جعلها لخلاصة الخاصة، وهذا يفيد أنه يحض عليها أصحابه ومن هم مثله أو يوافقونه في المشرب والطريق والعقيدة.
وهذا الذي بدّده في ثنايا الكتاب وجدنا في بعضها قوله بتحوّل العذاب إلى عذوبة، وهذا مخالف لأهل السنة والجماعة ولنصوص القرآن الكريم.
والمفروض بالباحث عن الحق الطالب الإنصاف لو رأى في هذه العقيدة التي بددها وفرقها ابن عربي في أثناء الفتوحات ووصفها بهذه الأوصاف: أقول لو رأى الواحد تخصيصا أو زيادة أو مخالفة لما هو مذكور في عقيدة العوام أو أمورا غير مبحوثة أصلا في عقيدة العوام أن يقوم بتقديم ما هو مذكور في هذه العقيدة المبددة على ما هو مذكور في عقيدة العوام، لا العكس، لأن ابن عربي وصف ذلك بأنه العلم الحق وليس وراءها مرمى، وأنه جعلها لخلاصة الخاصة...أي من هم مثل نفسه في الفهم والذوق.
ولم يأتِ في كلامنا أصلاً لفظ الباطنية بهذه الصيغة، بل جاء لفظ الظاهرة والباطنة وصفاً للعقيدة: أي قلنا : عقيدة ظاهرة، عقيدة باطنة، ومن يتمعّن في كلامنا يعلم علماً ظاهراً أننا نريد بلفظ [ظاهرة] قطعاً الإظهار أي كونها ظاهرة للناس وكون تناولها والوصول إليها قريبا للناس لكي يطلعوا عليها جميعاً، ولذلك قلنا: "بل المراد أن العقيدة التي تطلق في الظاهر وتسمى عقيدة العامة تدلّ على أحكام وتصورات معينة"، يعني تلك العقيدة التي تقرب ألفاظها وينظمها صاحبها، ويمكن للعامة الاطلاع عليها لكونها في مفتتح الكتاب، كعقيدة العوام التي وضعها ابن عربي في بدء الفتوحات.
وأما لفظ [باطنة]؛ فقصدنا به تلك العقيدة التي بدّدها وأخفاها عن أعين من لا يستحقّ، ومن لا يستأهل معرفتها، أو لا يطيق ذلك؛ لكون نفوسهم محجوبة أو غير ذلك من أسباب، فقلت في الجواب نفسه: "والعقيدة التي تورد في الباطن أو تترك للخاصة يراد بها أحكام وتصورات أخرى مخالفة للأحكام المعطاة للعوام، بل هي مناقضة لها أحياناً، فهذا هو المقصود بلا ريب بالعقيدة الظاهرة والعقيدة الباطنة وتعدد مستوياتها بين العوام والخواص وخلاصة الخاصة وليست هي عقيدة واحدة...".
فكلامي ظاهر في أن المراد بالباطنة هنا كونها ليست في متناول الأيدي ولا يقع عليها الواحد بسهولة بل لا يعثر عليها إلا مَنْ يُجهد نفسه في قراءة الكتاب لطوله وعمق مباحثه فلا يطيق ذلك عامة الناس، وهذا واقع مشاهد، ولذلك رأينا أن كثيراً من الناس إذا قلنا لهم إن ابن عربي يقول بكذا وكذا، بادر إلى نفي ذلك عنه، لأنه لا يعرف عنه إلا العقيدة التي أعلن عنها وأظهرها في أول الكتاب، وهذا واقع مشهور، مع أنه وصف تلك العقيدة المبدّدة في ثنايا الكتاب بأنها (العلم الحق والقول الصدق)، ولم يصف ابن عربي عقيدة العوام ولا ما بعدها بالطبع، بهذا الوصف.
فالبطون ههنا يراد به ابتداءً الخفاءُ عن الأعين، لا لكونها رمزية تحتاج إلى فكّ رموز ونحو ذلك، ولا لكونها تشتمل على مصطلحات غريبة غير معروفة أو سرية كما عرف عن بعض الفرق الباطنية، بل لكونها بعيدة عن المتناول، وخفيّة عن الأعين بهذا اللحاظ الذي ذكرناه، أي من حيث كونها مبددة في أثناء سفر كبير الحجم ككتاب الفتوحات المكية، فإن الكلام أصلا دائر حوله لا على غيره من الكتب ومتعلق بابن عربي لا بغيره من العلماء، وكتبه المنشورة التي يتم النقاش حول بعض ما فيها متداولة معروفة بين أيدي الناس، ومع ذلك فإن العثور على حقيقة عقيدة خلاصة الخاصة عسر صعب غير مبذول إلا لبعض الناس، وهذا هو المفهوم المراد من الباطن مقابل الظاهر، ولذلك يقال ظاهر الجدار، وباطنه، وظاهر القول وباطنه، ويراد بالباطن ههنا ما يقارب مفهوم حقيقة الشيء، ولذلك يطلق على بدن الإنسان أنه ظاهر، وأما نفسه وما فيها من عقائد وعواطف فهي باطنه الذي تكمن فيها حقيقته، فمعرفة الظاهر لا يغني عن سبر الباطن.
فالحاصل مما سبق؛ أن استعمال لفظ الظاهر والباطن في جوابنا إنما جاء بحسب الإطلاقات اللغوية المعهودة لهذين اللفظين فقط، وقد تكون متوافقة أيضا مع بعض الاصطلاحات المستعملة في بعض العلوم أو الجهات، والأصل فيها المعنى اللغوي.
يعلم الله تعالى أننا لم نرد غير ذلك، وكلامنا لا يدلّ أصلاً على سواه.
أمّا دعوى أننا أردنا بالظاهر والباطن أنّ ابن عربي باطني زنديق أو أن ما يقرره فهو مستلزم للكفر؛ فهذا لم يخطر لنا على بال عندما كتبنا تلك الكلمات، ولا تفيده دلالاتها الوضعية ولا تفيده طريقة استعمالنا لها، وإنما هو انطباع نفسيّ حصل لهذا المعترض من كلام آخر أجنبيّ علق في نفسه واستصحبه عندما قرأ كلامنا المذكور وليس من كلامنا نفسه.
وتعنّتَ المعترضُ بزعمه أنّ ما أوردتُه هو استعمال لمصلح الباطنية، فقد قال: "تعريف عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة... هو تعريف للباطنية... فاستعمال تعريف للباطنية يريد به تعريفاً آخر غيره.. لا بدّ أن يبينه ليحمل عليه". انتهى.
نقول له: نحن لم نستخدم تعريف عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة التي يستعملها الباطنية، وقصر الوصفين فقط على الباطنية الزنادقة الذين يجب إكفارهم غلط صريح من المعترض، ودالّ على قصور علمه، وضعف اطّلاعه. فضلا عن دلالته على أغراض غير سوية أخرى مضمرة في نفسه يدل عليها لحن كلامه.
بل إننا وصَفْنا ما أظهره ابن عربي في أوّل كتابه، بأنه عقيدة ظاهرة، لسهولة الوصول إليه من العوامّ والخواص، ووصفنا ما أورده وبدّده في ثنايا كتابه وجعله للخواصّ بأنه باطن، أيْ يعسر على العوامّ الوصول إليه، فضلاً عن تقبّله إذا وصلوا إليه، لا لكونه رمزياً، أو نحو ذلك، فكلام ابن عربي أغلبه ليس رمزياً، بل هو بناء نظري له أصول ومبادئ وأحكام، بل العسر فيه لصعوبة قبول معانيه ومبانيه عند الاطلاع عليها، ولبُعد كثير من الأفهام عن تعقل تلك المعاني وبنائها النظريّ.
إذا تبين ذلك؛ فمن أين يصحّ أن يقال على هذا الاستعمال إنه من تعريفات العقيدة الباطنية؟ بل الحقّ أنّ هذا الحكم من صاحبه تسرّع ظاهر من المعترض، كعادته التي صار لها مصدوقات ظاهرة كثيرة.
وكذلك قولُه في مقالٍ آخر: "ومعلومٌ أنّ الذين لهم عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة هم الباطنية كالقرامطة والاسماعيلية.. وهم زنادقة.. فادعاء عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة لابن عربي اتهامه بالباطنية والزندقة...
فإن لم يرد الشيخ سعيد رمي الشيخ ابن عربي بالباطنية والزندقة... فلينزل مقالاً يخبرنا به ماذا يريد من نسب عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة لابن عربي، وتخريج ذلك وفق القواعد وتعريفات الملل والنحل..." انتهى كلامه.
أقول: يبدو أنّ هذا المعترض قد سيطر عليه مصطلح الباطنية الوارد في كلامه هو ابتداء، وغلب على عقله وفهمه، فتوهّم أنا عندما استعملنا الظاهر والباطن أننا أردنا تلك المعاني التي ذهب إليها ذهنه وكأنه يترصّدها، ونحن لو أردنا ذلك لاستعملنا مصطلح الباطنية الذي ورد في كلامه، فقد قال: "يرى بعض الأفاضل أنّ تعدد العقيدة لعقيدة الخواص وعقيدة خلاصة الخاصة هو زندقة وباطنية فلا عقيدة إلا عقيدة الإسلام..." انتهى كلامه، وترون هنا أنه هو من استعمل لفظ (الباطنية)، لا نحن، ثم سيطر لفظه هو على ذهنه، فتوهّم كلامنا على شاكلته، لا على ما يتبادر إليه كلامنا بحسب سياقه وموضوعه.
ولكنا لم نلتفت أصلا لهذا المصطلح [أعني الباطنية] الذي أورده في كلامه، لعدم ملاءمته الكلام عن ابن عربي أصلاً، واكتفينا بوصف العقيدة بكونها ظاهرة أي قريبة إلى التناول وإلى الاطلاع عليها، أو باطنة أي بعيدة عن ذلك. كما ذكرنا غير مرة.
ثمّ تسرّع كعادته وزعم أن مجرد نسبة عقيدة ظاهرة وأخرى باطنة له بالمعنى الذي وضحناه نحن -لا المعنى الذي استصحبه المعترض في ذهنه- هو اتهام له بالباطنية والزندقة، وهذا تسرع آخر....كما هو ظاهر. فإننا في جوابنا السابق قلنا: "والعقيدة التي تورد في الباطن أو تترك للخاصة"، وهذا في مقابل قولنا: "بل المراد أن العقيدة التي تطلق في الظاهر وتسمى عقيدة العامة تدل على أحكام وتصورات معينة"، فنحن نتكلم عن إطلاق عقيدة في الظاهر، أي في ظاهر الكتاب، وعقيدة أخرى تورد في الباطن أو تترك للخاصة أي تجدها في باطن الكتاب، ثم هي ليست مجموعة في محل واحد بل مبددة متفرقة، وهذا سبب من أسباب خفائها عن كثير منهم، لا سيما مع طول الكتاب وعسر قراءة جميعه لأكثر الناس. وفضلا عن ذلك فإن ابن عربي على وجه الخصوص لم يقتصر على ذكرها في الفتوحات بل ذكر كثيرا منها في كتبه الأخرى كالفصوص وإنشاء الدوائر وغيرها.
وهذا الذي بدّده أي فرقه ووزعه في أثناء الكتاب هو ما وجدنا فيه بعض المواضع يذكره ابن عربي ويعتقد به من انقلاب العذاب عذوبة، ووجدنا فيه أموراً أخرى غير ذلك مما يخالف في ظاهره ما ذكره أهل السنة والجماعة، ولا نقول إنه يخالف ما ذكره هو في أوّل كتابه إلا بقيد موافقة ما ذكره هناك لعقائد أهل السنة.
وهذا كلام ظاهر، لا يتبادر منه ما توهمه هذا المعترض الهَجوم المتسرع المبادر إلى الطعن والاتهام لغيره بغير حق ولا رويّة.
ثم إننا بعد ذلك قلنا: إذا كانت هذه العقيدة الظاهرة تخالف وتعارض أو تناقض العقيدة الباطنة المتروكة للخواص ولو أحياناً أي في بعض المواضع والأحكام، وهذا يعرف منه أنه لا يشترط أن تكون المخالفة في جميع الأحكام كما قد يفهمها المتسرع، فهذا ليس اختلافاً في مستوى الإجمال والتفصيل، بل يحصل ههنا نوع آخر من الاختلاف، كما وضحناه.
وقلنا: إنه لا يجوز حمل كلام ابن عربي على الاختلاف في الإجمال والتفصيل، لأنّ هذا النوع من الاختلاف لا يحصل فيه تناقض في الأحكام، وما هو حاصل عند ابن عربي هو تناقض في الأحكام -ولو في بعضها كثر هذا البعض أو قلَّ- لا مع عقيدة العوامّ التي ذكرها في أوّل كتابه، بل مع عقيدة أهل السنة ومع آيات القرآن الكريم.
وضربنا على ذلك مثلاً أثبتناه منذ سنوات عديدة، ولم نكن نسمع لهذا المعترض يومها اسماً لا في ردّ على وهابية ولا علمانية ولا غيرهم أصلاً، وهذا المثل ما زال صحيحاً حتى الآن، وما يحاول زعمه المعترض من إثبات أن ما يقول به ابن عربي في هذه المسألة لا يتعارض مع المذكور في القرآن أحياناً، أو من أنه ليس فيه نفي تحول العذاب إلى عذوبة أحياناً أخرى، أو من أن هناك في كلامه ما يتعارض مع هذا، ولذلك يجب تأويله حيناً آخر... الخ.
أقول: كلها محاولات فاشلة، فقد اعترف مرّة بأنّ تحول العذاب إلى عذوبة يتعارض مع القرآن الكريم، ومرّة بأنه يتعارض مع إجماع المسلمين، ومرة قال: إنه لا ينافي نصوص الكتاب وهكذا، فهو ما يزال متخابطاً في توجيه كلام ابن عربي، لأنه في الحقيقة لا يزال يتعرف على حقيقة عقيدة ابن عربي، وليس متقناً لها بعدُ، وهذه فرصة له ليحاول إدراكها والتعرف عليها، ولذلك نرى أن النصوص التي يأتي بها ويزعم أنها قاطعة خارقة حارقة قاصمة! لا تدلّ عند ابن عربي أي بحسب تفسير ابن عربي نفسه لها إلا على ما نثبته له نحن، لا على ما ينفيه هذا المعترض، ولذلك نراه في كل مرة يتفاجأ، وهو محتار كيف يفعل. لا يدري ما يقول، ويحاول نقل النقاش من مسألة إلى أخرى، وأما مواضع الإشكال والنصوص التي يدور عليها البحث فهو يتقافز عنها بطريقة ظاهرة.
سؤال: لماذا دعا المعترض إلى أن نظهر تعريف الظاهر والباطن من علم الفرق والملل على وجه الخصوص؟!
قال المعترض يدعونا لبيان كلمة الظاهر والباطن الواردة في جوابنا: "فلينزل مقالاً يخبرنا به ماذا يريد من نسب عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة لابن عربي، وتخريج ذلك وفق القواعد وتعريفات الملل والنحل..." انتهى.
التساؤل ههنا:
عندما تدعو فلاناً لبيان مراده من كلمة معينة، هل من الأدب أن تحجر عليه وتقول له: من أين يبين معنى الكلمة التي استعملها؟ وبناء على أي استعمال ومعنى وحيثية يفعل ذلك؟ من الظاهر أن هذا تجاوز للأدب وتحجير وتسرع، بل هناك في الحقيقة أمر آخر وراء ذلك، كما لا يخفى...
لمَ لمْ يقل: هات لنا تعريفات الظاهر والباطن من كتب اللغة وكتب المصطلحات مثلاً؟ هذا إذا كان استعمالنا لهاتين اللفظتين قد جرى منّا على سبيل الاصطلاح أصلاً، وقد وضّحنا ذلك بما لا خفاء فيه، وهذا أعمّ من طلبه منا لأنْ نخبره بالمراد بالعقيدة الظاهرة والباطنة من كتب الملل والنحل نعم من هذه الكتب وبناء على هذا المنحى من التعريف الاصطلاحي على وجه الخصوص؟
وكان اللائق به أصالةً أن يطلب توضيح المراد فقط، وهو من حقّه عند المباحثة، وهو ما يسمى في علم آداب البحث والمناظرة بتحرير المراد، هذا عند المباحثة، أما عندما يكون الأمر تهجّماً على الناس وتسوراً بغير حق، فلا لياقة فيه أصلاً من أي جهة.
تساؤلنا: لم عدل عن اللائق به وأصرّ على خصوص هذا السؤال بهذا التحجير والتعسف؟
إنه يعلم تماماً أن استعمالي للفظ "الظاهر والباطن" هنا أعمّ بصورة جلية من أن أريد بها الظاهر والباطن المتعلق بالملل والنحل أو المساوي لتعريف [الباطنية]، وقد أوردنا ذلك فيما ذكرناه من تعريفات للفظي الظاهر والباطن، في مفردات القرآن، والمصطلحات للكفوي والسيد الشريف والتهانوي وغيرهم، وذكر بعض هؤلاء ما يتعلق بالظاهر والباطن المتعلق بالملل والنحل، كما ستراه بعدُ.
ولكن استعمال لفظ الظاهر والباطن غير مقصور على المعنى المستعمل في هذا المجال فقط [أعني الباطنية فرقةً أو نحلةً الذين اشتهر في العرف أنهم زنادقة]، كما يعلمه كل مطلع، وقد وضحنا ذلك.
والمعترض يريد التحجير علينا، والتعسف في الفهم، والتلبيس على الناس بأننا لما استعملنا هذين اللفظين إنما استعملناهما بما يوافق ما يتعلق بالملل والنحل، مع أن الموافق لذلك التعريف والأقرب لذلك ليس الظاهر والباطن، بل الباطنية والظاهرية، وأنا لم أستعمل الثاني بل الأول، لأننا كنا نتكلم على مستويات في التعليم ومراتب مختلفة للبيان والتفصيل لها، وهل يسمى كل مرتبة منها عقيدة وإذا سميت كل مرتبة عقيدة، فمتى يصحح ذلك حقيقة أو لا يصح.
أرأيتم لِمَ حاول -لغرض في نفسه- أن يدفعنا دفعاً لاستخراج التّعريف الذي يؤدي غرضه من التشنيع علينا، ويسدّ على القراء احتمال أن يفهموا كلامنا على نحو آخر غير موافق لزعمه هو، مع أن استعمال الظاهر والباطن في المعنى الذي أردناه نحن وبيناه (أي الظاهر: بمعنى الجلاء والظهر وقرب الاطلاع، وما هو مرحلة علمية ومرتبة معينة يطلع عليها عامة الناس وخاصتهم، بخلاف الباطن: الذي هو خفاء في الفهم، وعسر في الاطلاع عليه لتبدده وخفاء مبانيه كما أوضحناه، مما يستدعي أن يختص به الخواص أو خلاصة الخاصة كما فعل ابن عربي) أقرب لأن يكون مراداً لنا جداً من إرادة ذلك المعنى المتعلق بالملل والنحل والذي يحاول المعترض أن يصرف الأذهان إليه بكل ما يقدر عليه من أساليب التشنيع والمغالطة، لظهور أننا نتكلم على مرتبتين في العلم والتعليم لا على فرقتين.
فتعالوا معا نتعرف على بعض استعمالات هذين اللفظين الاصطلاحين عند ابن عربي أولاً، ثم نقرأ ما أورده أصحاب التعريفات.
22-4-2020م
حول دعوى المعترض المتسرّع
أننا نسبنا ابن عربي لفرقة الباطنية والزندقة المستلزمة للكفر
لا يليق بمن يزعم البحث العلمي أن يتخابط بهذه الصورة....
عندما يسألنا أحد الناس طالباً رأيَنا في كلام مَنْ يقول: "يرى بعض الأفاضل أن تعدّد العقيدة لعقيدة الخواص وعقيدة خلاصة الخاصة هو زندقة وباطنية فلا عقيدة إلا عقيدة الإسلام.. إلى آخر كلامه الذي تجدونه في منشوره على الرابط التالي:
ولكن السائل اختصر الكلام، فقال: "سُئل الشيخ سعيد فودة وفقه الله تعالى عن قول البعض بالمعنى: (إنّه لا فرق بين عقيدة العوامّ وعقيدة الخاصة وخلاصة الخاصة، إلا من حيث الإجمال والتفصيل، أو من حيث تعدد طرق الإثبات بالدليل الظاهر والكشف فهي في النهاية عنده عقيدة إسلامية واحدة). اهـ
وكما هو معلوم:
فإن الكلام على ثلاث عقائد أو بهذه الأسماء هو قول الشيخ ابن عربي، والأخ الذي يبدي رأيه هنا يقول إنّ العقيدة عند الشيخ ابن عربي مستويات كما هي عند أهل السنة مستويات، مستوى مجمل للعوام، وآخر مفصل لطلاب العلم والخاصة. أو أنّه مستويات من حيث طرق الإثبات، فمستوى العامة دليله عقلي، ومستوى الخاصة دليله الكشف".
فقلت في الجواب:
"هذا الكلام كلام هزيل كما أراه؛ لأن المراد بعقيدة العامة وعقيدة الخاصة وخلاصتهم، والفرق بين هذه العقائد ليس هو كما قيل من حيث الإجمال والتفصيل. فإن التفاوت بالإجمال والتفصيل من حيث المعرفة بعقيدة أهل السنة هو الأصل، بل هو الأصل في كل مذهب. وليس هذا الموضوع محل خلاف أصلا لكي يذكر ههنا أو يجاب به!!
بل المراد أن العقيدة التي تطلق في الظاهر وتسمى عقيدة العامة تدل على أحكام وتصورات معينة، والعقيدة التي تورد في الباطن أو تترك للخاصة يراد بها أحكام وتصورات أخرى مخالفة للأحكام المعطاة للعوام بل هي مناقضة لها أحياناً.
فهذا هو المقصود بلا ريب بالعقيدة الظاهرة والعقيدة الباطنة وتعدد مستوياتها بين العوام والخواص وخلاصة الخاصة وليست هي عقيدة واحدة...
ونؤكد مرة أخرى أن محل الإنكار ليس هو الإجمال والتفصيل، بل هذا أمر يكاد يقرب من المعلوم من الدين بالضرورة كما أنه من المعلوم بالضرورة من كل مذهب عقدي أو فقهي أو أصولي أو صوفيّ... إلخ، ولا يغفل ذلك إلا مجادل أو غافل أو مستخف بمقام الكلام والنزاع، فلا يصح حمل النزاع على هذا المعنى أصلاً..." الخ ما قلناه.
فقد جاء الكلام عن قضية الظاهر والباطن في جوابنا موافقاً لسؤال السائل عن مراتب العقيدة بحسب تدوينها في كتب ابن عربي، خصوصاً كتاب الفتوحات المكية، والعلاقة بين تلك العقائد المبثوثة فيه.
وقد ورد لفظ [الباطنية] أيضاً في كلام الشيخ حدارة قبل أن أذكر رأيي في كلامه الذي سئلت عنه، فقد قال: "يرى بعض الأفاضل أنّ تعدد العقيدة لعقيدة الخواص وعقيدة خلاصة الخاصة هو زندقة وباطنية فلا عقيدة إلا عقيدة الإسلام..." انتهى كلامه.
فهو كان ينسب لبعض الأفاضل -قبل أن أجيب عن تساؤل السائل أصلاً- أنهم يقولون: إن عقيدة ابن عربي زندقة وباطنية، ويبدو أنّ هذا الأصل الذي يصدر عنه هو ما علق بذهنه لما بادر بالردّ عليّ، واتهامي بما اتهمني به.
ومن هنا لزم تنبيه الفضلاء من المتابعين والقراء أنّ ورود لفظ الظاهر والباطن في جوابنا إنما نريد به أنه أظهر عقيدته التي ظاهرها قد يوافق أهل السنة والتي هي موجودة في أول كتاب الفتوحات المكية، ذكرها للعامّة وأظهرها للخلق أجمعين، فقال في الفتوحات (1/36): "وصلٌ يتضمن ما ينبغي في العموم وهي عقيدة أهل الإسلام مسلمة من غير نظر إلى دليل ولا إلى برهان"، وهذه العقيدة التي أشهد عليها الخلق أجمعين.
ثمّ قال ابن عربي في الفتوحات (1/38) بعد أن انتهى من ذكر عقيدة العموم: "ثم أتلوها إن شاء الله بعقيدة الناشية الشادية، ضمنتها اختصارَ الاقتصاد بأوجز عبارة، نبهت فيها على مآخذ الأدلة لهذه الملة، مسجعة الألفاظ، وسميتها برسالة المعلوم من عقائد أهل الرسوم، ليسهل على الطالب حفظها، ثم أتلوها بعقيدة خواص أهل الله من أهل طريق الله من المحققين أهل الكشف والوجود، وجردتها أيضاً في جزء آخر سميته المعرفة، وبه انتهت مقدمة الكتاب.
وأمّا التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض، لكن جئت بها مبدّدة في أبواب هذا الكتاب، مستوفاةً مبينة، لكنها كما ذكرنا متفرقة، فمن رزقه الله الفهم فيها يعرف أمرها، ويميزها من غيرها، فإنه العلم الحق، والقول الصدق، وليس وراءها مرمى، ويستوي فيها البصير والأعمى، تلحق الأباعد بالأداني، وتلحم الأسافل بالأعالي، والله الموفق لا رب غيره". اهـ.
وبعد أن انتهى من ذكر (وصل في اعتقاد أهل الاختصاص من أهل الله بين نظر وكشف)، وفيها بعض مواضع تستحق إعادة النظر وفيها بعض مواضع خلافه مع عقيدة أهل السنة، ربما نبيّنها لاحقاً إن شاء الله تعالى، قال (1/47): "وأما عقيدة خلاصة الخاصة في الله تعالى فهو أمر فوق هذا جعلناه مبدّداً في هذا الكتاب لكون أكثر العقول المحجوبة بأفكارها تقصر عن إدراكه لعدم تجريدها". اهـ
ومن المعلوم أنّ هذا المستوى الرابع الذي يقول إنه بدّده في أثناء الكتاب وقد وصفه بالأوصاف التالية:
أولاً: أكثر العقول محجوبة عنه.
ثانياً: أنه يشتمل على ما هو فوق ما ذكره سابقاً.
ثالثاً: سبب كون أكثر العقول محجوبة عنه هو أنها متعلّقة بأفكارها، ولأنها غير متجرّدة.
رابعاً: وصف هذه العقيدة المبددة في أثناء الكتاب فقال: هي "العلم الحق، والقول الصدق، وليس وراءها مرمى".
خامساً: جعلها لخلاصة الخاصة، وهذا يفيد أنه يحض عليها أصحابه ومن هم مثله أو يوافقونه في المشرب والطريق والعقيدة.
وهذا الذي بدّده في ثنايا الكتاب وجدنا في بعضها قوله بتحوّل العذاب إلى عذوبة، وهذا مخالف لأهل السنة والجماعة ولنصوص القرآن الكريم.
والمفروض بالباحث عن الحق الطالب الإنصاف لو رأى في هذه العقيدة التي بددها وفرقها ابن عربي في أثناء الفتوحات ووصفها بهذه الأوصاف: أقول لو رأى الواحد تخصيصا أو زيادة أو مخالفة لما هو مذكور في عقيدة العوام أو أمورا غير مبحوثة أصلا في عقيدة العوام أن يقوم بتقديم ما هو مذكور في هذه العقيدة المبددة على ما هو مذكور في عقيدة العوام، لا العكس، لأن ابن عربي وصف ذلك بأنه العلم الحق وليس وراءها مرمى، وأنه جعلها لخلاصة الخاصة...أي من هم مثل نفسه في الفهم والذوق.
ولم يأتِ في كلامنا أصلاً لفظ الباطنية بهذه الصيغة، بل جاء لفظ الظاهرة والباطنة وصفاً للعقيدة: أي قلنا : عقيدة ظاهرة، عقيدة باطنة، ومن يتمعّن في كلامنا يعلم علماً ظاهراً أننا نريد بلفظ [ظاهرة] قطعاً الإظهار أي كونها ظاهرة للناس وكون تناولها والوصول إليها قريبا للناس لكي يطلعوا عليها جميعاً، ولذلك قلنا: "بل المراد أن العقيدة التي تطلق في الظاهر وتسمى عقيدة العامة تدلّ على أحكام وتصورات معينة"، يعني تلك العقيدة التي تقرب ألفاظها وينظمها صاحبها، ويمكن للعامة الاطلاع عليها لكونها في مفتتح الكتاب، كعقيدة العوام التي وضعها ابن عربي في بدء الفتوحات.
وأما لفظ [باطنة]؛ فقصدنا به تلك العقيدة التي بدّدها وأخفاها عن أعين من لا يستحقّ، ومن لا يستأهل معرفتها، أو لا يطيق ذلك؛ لكون نفوسهم محجوبة أو غير ذلك من أسباب، فقلت في الجواب نفسه: "والعقيدة التي تورد في الباطن أو تترك للخاصة يراد بها أحكام وتصورات أخرى مخالفة للأحكام المعطاة للعوام، بل هي مناقضة لها أحياناً، فهذا هو المقصود بلا ريب بالعقيدة الظاهرة والعقيدة الباطنة وتعدد مستوياتها بين العوام والخواص وخلاصة الخاصة وليست هي عقيدة واحدة...".
فكلامي ظاهر في أن المراد بالباطنة هنا كونها ليست في متناول الأيدي ولا يقع عليها الواحد بسهولة بل لا يعثر عليها إلا مَنْ يُجهد نفسه في قراءة الكتاب لطوله وعمق مباحثه فلا يطيق ذلك عامة الناس، وهذا واقع مشاهد، ولذلك رأينا أن كثيراً من الناس إذا قلنا لهم إن ابن عربي يقول بكذا وكذا، بادر إلى نفي ذلك عنه، لأنه لا يعرف عنه إلا العقيدة التي أعلن عنها وأظهرها في أول الكتاب، وهذا واقع مشهور، مع أنه وصف تلك العقيدة المبدّدة في ثنايا الكتاب بأنها (العلم الحق والقول الصدق)، ولم يصف ابن عربي عقيدة العوام ولا ما بعدها بالطبع، بهذا الوصف.
فالبطون ههنا يراد به ابتداءً الخفاءُ عن الأعين، لا لكونها رمزية تحتاج إلى فكّ رموز ونحو ذلك، ولا لكونها تشتمل على مصطلحات غريبة غير معروفة أو سرية كما عرف عن بعض الفرق الباطنية، بل لكونها بعيدة عن المتناول، وخفيّة عن الأعين بهذا اللحاظ الذي ذكرناه، أي من حيث كونها مبددة في أثناء سفر كبير الحجم ككتاب الفتوحات المكية، فإن الكلام أصلا دائر حوله لا على غيره من الكتب ومتعلق بابن عربي لا بغيره من العلماء، وكتبه المنشورة التي يتم النقاش حول بعض ما فيها متداولة معروفة بين أيدي الناس، ومع ذلك فإن العثور على حقيقة عقيدة خلاصة الخاصة عسر صعب غير مبذول إلا لبعض الناس، وهذا هو المفهوم المراد من الباطن مقابل الظاهر، ولذلك يقال ظاهر الجدار، وباطنه، وظاهر القول وباطنه، ويراد بالباطن ههنا ما يقارب مفهوم حقيقة الشيء، ولذلك يطلق على بدن الإنسان أنه ظاهر، وأما نفسه وما فيها من عقائد وعواطف فهي باطنه الذي تكمن فيها حقيقته، فمعرفة الظاهر لا يغني عن سبر الباطن.
فالحاصل مما سبق؛ أن استعمال لفظ الظاهر والباطن في جوابنا إنما جاء بحسب الإطلاقات اللغوية المعهودة لهذين اللفظين فقط، وقد تكون متوافقة أيضا مع بعض الاصطلاحات المستعملة في بعض العلوم أو الجهات، والأصل فيها المعنى اللغوي.
يعلم الله تعالى أننا لم نرد غير ذلك، وكلامنا لا يدلّ أصلاً على سواه.
أمّا دعوى أننا أردنا بالظاهر والباطن أنّ ابن عربي باطني زنديق أو أن ما يقرره فهو مستلزم للكفر؛ فهذا لم يخطر لنا على بال عندما كتبنا تلك الكلمات، ولا تفيده دلالاتها الوضعية ولا تفيده طريقة استعمالنا لها، وإنما هو انطباع نفسيّ حصل لهذا المعترض من كلام آخر أجنبيّ علق في نفسه واستصحبه عندما قرأ كلامنا المذكور وليس من كلامنا نفسه.
وتعنّتَ المعترضُ بزعمه أنّ ما أوردتُه هو استعمال لمصلح الباطنية، فقد قال: "تعريف عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة... هو تعريف للباطنية... فاستعمال تعريف للباطنية يريد به تعريفاً آخر غيره.. لا بدّ أن يبينه ليحمل عليه". انتهى.
نقول له: نحن لم نستخدم تعريف عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة التي يستعملها الباطنية، وقصر الوصفين فقط على الباطنية الزنادقة الذين يجب إكفارهم غلط صريح من المعترض، ودالّ على قصور علمه، وضعف اطّلاعه. فضلا عن دلالته على أغراض غير سوية أخرى مضمرة في نفسه يدل عليها لحن كلامه.
بل إننا وصَفْنا ما أظهره ابن عربي في أوّل كتابه، بأنه عقيدة ظاهرة، لسهولة الوصول إليه من العوامّ والخواص، ووصفنا ما أورده وبدّده في ثنايا كتابه وجعله للخواصّ بأنه باطن، أيْ يعسر على العوامّ الوصول إليه، فضلاً عن تقبّله إذا وصلوا إليه، لا لكونه رمزياً، أو نحو ذلك، فكلام ابن عربي أغلبه ليس رمزياً، بل هو بناء نظري له أصول ومبادئ وأحكام، بل العسر فيه لصعوبة قبول معانيه ومبانيه عند الاطلاع عليها، ولبُعد كثير من الأفهام عن تعقل تلك المعاني وبنائها النظريّ.
إذا تبين ذلك؛ فمن أين يصحّ أن يقال على هذا الاستعمال إنه من تعريفات العقيدة الباطنية؟ بل الحقّ أنّ هذا الحكم من صاحبه تسرّع ظاهر من المعترض، كعادته التي صار لها مصدوقات ظاهرة كثيرة.
وكذلك قولُه في مقالٍ آخر: "ومعلومٌ أنّ الذين لهم عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة هم الباطنية كالقرامطة والاسماعيلية.. وهم زنادقة.. فادعاء عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة لابن عربي اتهامه بالباطنية والزندقة...
فإن لم يرد الشيخ سعيد رمي الشيخ ابن عربي بالباطنية والزندقة... فلينزل مقالاً يخبرنا به ماذا يريد من نسب عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة لابن عربي، وتخريج ذلك وفق القواعد وتعريفات الملل والنحل..." انتهى كلامه.
أقول: يبدو أنّ هذا المعترض قد سيطر عليه مصطلح الباطنية الوارد في كلامه هو ابتداء، وغلب على عقله وفهمه، فتوهّم أنا عندما استعملنا الظاهر والباطن أننا أردنا تلك المعاني التي ذهب إليها ذهنه وكأنه يترصّدها، ونحن لو أردنا ذلك لاستعملنا مصطلح الباطنية الذي ورد في كلامه، فقد قال: "يرى بعض الأفاضل أنّ تعدد العقيدة لعقيدة الخواص وعقيدة خلاصة الخاصة هو زندقة وباطنية فلا عقيدة إلا عقيدة الإسلام..." انتهى كلامه، وترون هنا أنه هو من استعمل لفظ (الباطنية)، لا نحن، ثم سيطر لفظه هو على ذهنه، فتوهّم كلامنا على شاكلته، لا على ما يتبادر إليه كلامنا بحسب سياقه وموضوعه.
ولكنا لم نلتفت أصلا لهذا المصطلح [أعني الباطنية] الذي أورده في كلامه، لعدم ملاءمته الكلام عن ابن عربي أصلاً، واكتفينا بوصف العقيدة بكونها ظاهرة أي قريبة إلى التناول وإلى الاطلاع عليها، أو باطنة أي بعيدة عن ذلك. كما ذكرنا غير مرة.
ثمّ تسرّع كعادته وزعم أن مجرد نسبة عقيدة ظاهرة وأخرى باطنة له بالمعنى الذي وضحناه نحن -لا المعنى الذي استصحبه المعترض في ذهنه- هو اتهام له بالباطنية والزندقة، وهذا تسرع آخر....كما هو ظاهر. فإننا في جوابنا السابق قلنا: "والعقيدة التي تورد في الباطن أو تترك للخاصة"، وهذا في مقابل قولنا: "بل المراد أن العقيدة التي تطلق في الظاهر وتسمى عقيدة العامة تدل على أحكام وتصورات معينة"، فنحن نتكلم عن إطلاق عقيدة في الظاهر، أي في ظاهر الكتاب، وعقيدة أخرى تورد في الباطن أو تترك للخاصة أي تجدها في باطن الكتاب، ثم هي ليست مجموعة في محل واحد بل مبددة متفرقة، وهذا سبب من أسباب خفائها عن كثير منهم، لا سيما مع طول الكتاب وعسر قراءة جميعه لأكثر الناس. وفضلا عن ذلك فإن ابن عربي على وجه الخصوص لم يقتصر على ذكرها في الفتوحات بل ذكر كثيرا منها في كتبه الأخرى كالفصوص وإنشاء الدوائر وغيرها.
وهذا الذي بدّده أي فرقه ووزعه في أثناء الكتاب هو ما وجدنا فيه بعض المواضع يذكره ابن عربي ويعتقد به من انقلاب العذاب عذوبة، ووجدنا فيه أموراً أخرى غير ذلك مما يخالف في ظاهره ما ذكره أهل السنة والجماعة، ولا نقول إنه يخالف ما ذكره هو في أوّل كتابه إلا بقيد موافقة ما ذكره هناك لعقائد أهل السنة.
وهذا كلام ظاهر، لا يتبادر منه ما توهمه هذا المعترض الهَجوم المتسرع المبادر إلى الطعن والاتهام لغيره بغير حق ولا رويّة.
ثم إننا بعد ذلك قلنا: إذا كانت هذه العقيدة الظاهرة تخالف وتعارض أو تناقض العقيدة الباطنة المتروكة للخواص ولو أحياناً أي في بعض المواضع والأحكام، وهذا يعرف منه أنه لا يشترط أن تكون المخالفة في جميع الأحكام كما قد يفهمها المتسرع، فهذا ليس اختلافاً في مستوى الإجمال والتفصيل، بل يحصل ههنا نوع آخر من الاختلاف، كما وضحناه.
وقلنا: إنه لا يجوز حمل كلام ابن عربي على الاختلاف في الإجمال والتفصيل، لأنّ هذا النوع من الاختلاف لا يحصل فيه تناقض في الأحكام، وما هو حاصل عند ابن عربي هو تناقض في الأحكام -ولو في بعضها كثر هذا البعض أو قلَّ- لا مع عقيدة العوامّ التي ذكرها في أوّل كتابه، بل مع عقيدة أهل السنة ومع آيات القرآن الكريم.
وضربنا على ذلك مثلاً أثبتناه منذ سنوات عديدة، ولم نكن نسمع لهذا المعترض يومها اسماً لا في ردّ على وهابية ولا علمانية ولا غيرهم أصلاً، وهذا المثل ما زال صحيحاً حتى الآن، وما يحاول زعمه المعترض من إثبات أن ما يقول به ابن عربي في هذه المسألة لا يتعارض مع المذكور في القرآن أحياناً، أو من أنه ليس فيه نفي تحول العذاب إلى عذوبة أحياناً أخرى، أو من أن هناك في كلامه ما يتعارض مع هذا، ولذلك يجب تأويله حيناً آخر... الخ.
أقول: كلها محاولات فاشلة، فقد اعترف مرّة بأنّ تحول العذاب إلى عذوبة يتعارض مع القرآن الكريم، ومرّة بأنه يتعارض مع إجماع المسلمين، ومرة قال: إنه لا ينافي نصوص الكتاب وهكذا، فهو ما يزال متخابطاً في توجيه كلام ابن عربي، لأنه في الحقيقة لا يزال يتعرف على حقيقة عقيدة ابن عربي، وليس متقناً لها بعدُ، وهذه فرصة له ليحاول إدراكها والتعرف عليها، ولذلك نرى أن النصوص التي يأتي بها ويزعم أنها قاطعة خارقة حارقة قاصمة! لا تدلّ عند ابن عربي أي بحسب تفسير ابن عربي نفسه لها إلا على ما نثبته له نحن، لا على ما ينفيه هذا المعترض، ولذلك نراه في كل مرة يتفاجأ، وهو محتار كيف يفعل. لا يدري ما يقول، ويحاول نقل النقاش من مسألة إلى أخرى، وأما مواضع الإشكال والنصوص التي يدور عليها البحث فهو يتقافز عنها بطريقة ظاهرة.
سؤال: لماذا دعا المعترض إلى أن نظهر تعريف الظاهر والباطن من علم الفرق والملل على وجه الخصوص؟!
قال المعترض يدعونا لبيان كلمة الظاهر والباطن الواردة في جوابنا: "فلينزل مقالاً يخبرنا به ماذا يريد من نسب عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة لابن عربي، وتخريج ذلك وفق القواعد وتعريفات الملل والنحل..." انتهى.
التساؤل ههنا:
عندما تدعو فلاناً لبيان مراده من كلمة معينة، هل من الأدب أن تحجر عليه وتقول له: من أين يبين معنى الكلمة التي استعملها؟ وبناء على أي استعمال ومعنى وحيثية يفعل ذلك؟ من الظاهر أن هذا تجاوز للأدب وتحجير وتسرع، بل هناك في الحقيقة أمر آخر وراء ذلك، كما لا يخفى...
لمَ لمْ يقل: هات لنا تعريفات الظاهر والباطن من كتب اللغة وكتب المصطلحات مثلاً؟ هذا إذا كان استعمالنا لهاتين اللفظتين قد جرى منّا على سبيل الاصطلاح أصلاً، وقد وضّحنا ذلك بما لا خفاء فيه، وهذا أعمّ من طلبه منا لأنْ نخبره بالمراد بالعقيدة الظاهرة والباطنة من كتب الملل والنحل نعم من هذه الكتب وبناء على هذا المنحى من التعريف الاصطلاحي على وجه الخصوص؟
وكان اللائق به أصالةً أن يطلب توضيح المراد فقط، وهو من حقّه عند المباحثة، وهو ما يسمى في علم آداب البحث والمناظرة بتحرير المراد، هذا عند المباحثة، أما عندما يكون الأمر تهجّماً على الناس وتسوراً بغير حق، فلا لياقة فيه أصلاً من أي جهة.
تساؤلنا: لم عدل عن اللائق به وأصرّ على خصوص هذا السؤال بهذا التحجير والتعسف؟
إنه يعلم تماماً أن استعمالي للفظ "الظاهر والباطن" هنا أعمّ بصورة جلية من أن أريد بها الظاهر والباطن المتعلق بالملل والنحل أو المساوي لتعريف [الباطنية]، وقد أوردنا ذلك فيما ذكرناه من تعريفات للفظي الظاهر والباطن، في مفردات القرآن، والمصطلحات للكفوي والسيد الشريف والتهانوي وغيرهم، وذكر بعض هؤلاء ما يتعلق بالظاهر والباطن المتعلق بالملل والنحل، كما ستراه بعدُ.
ولكن استعمال لفظ الظاهر والباطن غير مقصور على المعنى المستعمل في هذا المجال فقط [أعني الباطنية فرقةً أو نحلةً الذين اشتهر في العرف أنهم زنادقة]، كما يعلمه كل مطلع، وقد وضحنا ذلك.
والمعترض يريد التحجير علينا، والتعسف في الفهم، والتلبيس على الناس بأننا لما استعملنا هذين اللفظين إنما استعملناهما بما يوافق ما يتعلق بالملل والنحل، مع أن الموافق لذلك التعريف والأقرب لذلك ليس الظاهر والباطن، بل الباطنية والظاهرية، وأنا لم أستعمل الثاني بل الأول، لأننا كنا نتكلم على مستويات في التعليم ومراتب مختلفة للبيان والتفصيل لها، وهل يسمى كل مرتبة منها عقيدة وإذا سميت كل مرتبة عقيدة، فمتى يصحح ذلك حقيقة أو لا يصح.
أرأيتم لِمَ حاول -لغرض في نفسه- أن يدفعنا دفعاً لاستخراج التّعريف الذي يؤدي غرضه من التشنيع علينا، ويسدّ على القراء احتمال أن يفهموا كلامنا على نحو آخر غير موافق لزعمه هو، مع أن استعمال الظاهر والباطن في المعنى الذي أردناه نحن وبيناه (أي الظاهر: بمعنى الجلاء والظهر وقرب الاطلاع، وما هو مرحلة علمية ومرتبة معينة يطلع عليها عامة الناس وخاصتهم، بخلاف الباطن: الذي هو خفاء في الفهم، وعسر في الاطلاع عليه لتبدده وخفاء مبانيه كما أوضحناه، مما يستدعي أن يختص به الخواص أو خلاصة الخاصة كما فعل ابن عربي) أقرب لأن يكون مراداً لنا جداً من إرادة ذلك المعنى المتعلق بالملل والنحل والذي يحاول المعترض أن يصرف الأذهان إليه بكل ما يقدر عليه من أساليب التشنيع والمغالطة، لظهور أننا نتكلم على مرتبتين في العلم والتعليم لا على فرقتين.
فتعالوا معا نتعرف على بعض استعمالات هذين اللفظين الاصطلاحين عند ابن عربي أولاً، ثم نقرأ ما أورده أصحاب التعريفات.
22-4-2020م
تعليق