بسم الله الرحمن الرحيم
تعليق على النقاط التي اعتمدها أصحاب صفحة
الدفاع عن الشيخ الأكبر
في مسألة عذاب النار
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه
أما بعد،
فقد رأيت منشوراً لفت نظري نشره بعض المشايخ -وفقهم الله لكل خير- في صفحة الدفاع عن الشيخ الأكبر، ولما كان لهذا الكلام علاقة فيما نشتغل فيه، فقد أحببت مشاركتهم في البحوث والنظر في هذا الموضوع المهم، لنتعاون على البرّ كما أمرنا الله تعالى، وقد بادرت إلى كتابة هذه الورقات حالما قرأت ما نشروه قراءة كاملة، وهو اليوم قبل الإفطار، وأسأل الله تعالى أن يكون فيما نكتبه فائدة، مع تمنياتنا لهم ولجميع المسلمين بالتوفيق في دنياهم وآخرتهم.
ونبدأ الكلام دون تطويل حفظا لوقت المهتمين المتابعين:
وسنحاول البيان قدر ما استطعنا مع الإيجاز، وإن كان في كلامنا تكرار فإنما هو للحرص على إظهار المعنى المراد، ورجاؤنا عندهم إن رأوا في كلامنا خللا أن يذكروا لنا رأيهم، ويحسنوا الظنَّ بما نريد، فلا نريد إلا الخير لنا ولهم بإذن الله تعالى وتوفيقه.
قال فخر الدين الازهري: "السادة الأعضاء الكرام
مسألة استعذاب عذاب النار بعد التألم بها حِقَبًا الواردة عن سيدنا الشيخ الأكبر مسألة انفرد بها الشيخ على هذا النحو، والكلام في جوازها العقلي خارج عن البحث، لأنها من جملة الممكنات، وإنما الكلام في حكمها الشرعي. وقد اتفق المشايخ في المجموعة على ألا تكون المجموعة مروجة لقول سيدنا الشيخ محيي الدين هذا، وأن يكون تعاملنا مع هذه المسألة هو كالتالي:
1- بيان مأخذ المسألة عند الشيخ، أي من أي وجه أو دليل أخذها
2- نقل كلام العارفين عليها ممن يشرحون مأخذ الشيخ فيها
3- دفع ما يسعى له بعض الخصوم من تكفير الشيخ بها أو زعم انحراف الشيخ عن الدين القويم بسبب قوله بها، ببيان أنه مسبوق فيها على نحو من الأنحاء وأن قوله فيها خير من قول غيره ممن قالوا بفناء النار مثلا وبعضهم أئمة مقبولون في مذهبهم الحنبلي على الجملة.
4- إفساح المجال لمن يقول بدسها، فالقول بدسها رأي شائع بين العلماء أيضاً.
فهذه هي الطرق التي تنتهجها المجموعة في التعامل مع هذه المسألة، والمتحصل لدينا أنه لا أحد ممن استشرناهم من الأفاضل يقول بها.
نفعنا الله بعلوم سيدنا الشيخ محيي الدين ورضي عنه اللهم آمين".
وهذه صورتها:
ولنا تعليق على بعض هذه النقاط:
ذكر في النقطة الثالثة أن هؤلاء الإخوة الطريقة التالية:
"دفع ما يسعى له بعض الخصوم من تكفير الشيخ بها أو زعم انحراف الشيخ عن الدين القويم بسبب قوله بها، ببيان أنه مسبوق فيها على نحو من الأنحاء وأن قوله فيها خير من قول غيره ممن قالوا بفناء النار مثلا وبعضهم أئمة مقبولون في مذهبهم الحنبلي على الجملة."
1-نعم نقول معكم لسنا مع السعي لتكفير الشيخ ابن عربي، ولا غير الشيخ ابن عربي ما دام هناك احتمال لعدم التكفير، وإن قطعنا ببطلان رأيه، وهذا ما نصرح به دائما، ولكن لا يخفى على نظركم أنَّ التكفير ليس هو المرتبة الوحيدة في إظهار المخالفة للآراء التي يقول بها العلماء، فليس الأمر منحصرا بين الموافقة والتكفير، يعني أن الأمر لا ينحصر : بين إما أن توافق أو تكفر، لا، فهناك الخطأ والابتداع، والابتداع مراتب كما أن الخطأ مراتب، ولا يلزم الحكم بالتكفير على الحكم بالخطأ بالضرورة، وكل منهما قد يكون في أصول الدين وقد يكون في فروعه، وهذه المراتب كلها ينبغي أن تأخذ حقها عند أهل الشريعة والملتزمين بالنصوص الشرعية والقواعد المعتبرة عند أهل السنة، فضلا عن سائر الفرق الإسلامية.
فإن لم يكن القول موجبا للتكفير، فهل هو صحيح راجح أو ضعيف مرجوح، وهل الخلاف في هذه المسألة في أصول الدين أو في فروعه. وهل الخلاف فيها معتبر بحيث يجوز لنا عده من آراء أهل السنة التي يجوز للناس اتباعها على إطلاقها، أو أنَّ الأمر على غير ذلك. أظنُّ أن هذا يحسن بنا التنبيه عليه أيضاً في بحوث على هذا المستوى من الخطورة والأهمية.
وبعبارة أخرى: هل يصح أن يكون هذا الرأي معتبراً ليقال بعد ذلك إن لأهل السنة مثلا قولين في أهل النار: القول الأول أنهم خالدون في النار معذبون بالألم الحسي والمعنوي، والقول الثاني: أنهم يعذبون فترة ثم ينقلب العذاب عذوبة أو ينقطع العذاب الحسي ويبقى النفسي.
ترى .... هل المسألة بهذه الصورة؟!
2- أنتم نرى أنتم ترفضون أيضا أن يقال: إن الشيخ انحرف عن الدين، وهذا نفهمه نحن على النحو التالي: فأنتم ترفضون أن يقال إن ابن عربي انحرف عن الفهم الراجح أو الصحيح للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وترفضون القول بأنه انحرف عن أهل السنة أيضا في هذه المسألة. فها أنتم تقولون إن من وظائفكم التي تتبرعون بها :"دفع ما يسعى له بعض الخصوم من تكفير الشيخ بها أو زعم انحراف الشيخ عن الدين القويم بسبب قوله بها".
إذن فانتم ترفضون أيضا أن يقال بأن الشيخ انحرف عن الدين القويم، ورفضُ الانحراف، معناه رفض أنه أخطأ أصلاً في هذه المسألة، لأنَّ الانحراف ينطلق في الأساس على الخطأ، سواء في الأصول أم في الفروع، أعمَّ من أن يكون كفرًا أو لا، فظاهر التعبير: رفضُ إطلاق القول بأن في قوله انحرافًا هكذا على الإطلاق.
ومن المعلوم أن أهل السنة بدّعوا من قال بأن أهل النار لا يعذبون في النار، والظاهر من العذاب هو المصاحب للألم، بل هو الأصل فيه، وعذاب بلا ألم لا معنى له، فالقول بعذاب في الظاهر مع العذوبة في الحقيقة كلام متناقض أصلاً.
والقول بأنَّ الألم الحسيّ ينعدم بعد فترة، مخالف لما في الكتاب من أنَّ عذابهم دائم، وأن النار دار العذاب المتضمن للألم، وإرادة الألم الحسي أصالة لأن الاتفاق حاصل على وقوع الألم النفسي يوم القيامة.
ونحن هنا لا نريد أن نناقش المسألة، بل نناقش ما التزموا به.
إذن فمنهجكم رفض القول بالانحراف=الخطأ والتغليط، ويتضمن رفض الاعتراف بأن هذا القول غلط باعتبار الشريعة، أو باعتبار أهل السنة، وإنما نذكر أهل السنة لأنكم وافقتم على كون الشيخ ابن عربي راجعا في مذهبه لأهل السنة أعمَّ من أن يكون أشعريا أو غير أشعريّ.
قال د. محمد نصار: " وقلنا في نقاشات سابقة إن وضع عقيدة العوام في بداية الفتوحات تعني:
1- صلاحية هذه العقيدة للمسلم في نفسها وكونها كافية في العموم بذاتها
2- كونها مبدأ للولوج إلى المعرفة المتحصلة بالسلوك
3- كون انتساب الشيخ هو لأهل السنة وعدم جواز ربطه بأي إطار آخر
ومناقشات الشيخ مع الأشاعرة في الكتاب لا تختلف كثيرا بعد ذلك عن مناقشات الأشاعرة مع بعضهم وإنما حصل التركيز على كلام الشيخ ووصمه بالمخالفة والانحراف فبدا الأمر أكبر مما يحتمل." انتهى كلامه، وهذه صورته:
فأنتم تعتقدون أن الشيخ ملتزم بإطار أهل السنة مطلقا أعم من أن يكون أشعريا أو ماتريديا أو غير ذلك، ونحن نرحب فعلا بأن يكون الشيخ كذلك، ولو كان كذلك فنحن أول من سيسر فعلا، ونحن أصلا لا ننفي موافقة الشيخ ابن عربي لأهل السنة في كثير من الموارد، ولكن هذا كله لا ينفي أن الشيخ قد قال أقوالا فيها مخالفة لأهل السنة أصولا أو فروعاً بهذا المعنى أيضا، فلا أظنُّ أحدا من أهل السنة قال بانقلاب العذاب عذوبة مثلا، أو قال بأن الألم الحسي ينقطع عن أهل النار سواء التذوا أو لا، فيا ليت الإخوة الأفاضل يبينون كيف يكون الشيخ موافقا لأهل السنة، وأعني بأهل السنة : قواعد أهل السنة وأقوالهم في ذلك، ولا أعني أن واحداً أو غيره من المنتسبين لأهل السنة وافقه أو لا، فالعبرة ها هنا بالقواعد وطرق الاستدلال الموصلة للنتائج، لا لأعيان الناس، فمجرد نسبة القول لواحد من علماء أهل السنة ولو كانت نسبة صحيحة، لا يستلزم أن هذا قول لأهل السنة إلا إذا كان موافقا لأصولهم، وهذا أمر لا يخفى.
4- يا ليت المشايخ أعضاء المجموعة يبينون لنا كيف يقولون إنهم لا يفتحون باب الترويج لهذا القول، ومع ذلك يصرون على رفض أن يقال إن هذا القول منحرف عن الدين، فلا ندري السبب الذي جعلكم تقولون بمنع إطلاق الانحراف على تلك الآراء، وكيف يمكنكم تصحيح موقفكم بأنكم لا تروجون وأنتم تمنعون القول بخطأ القول أصلاً.
فمجرد القول إن هذا القول لا يصح وصفه بالانحراف عن الدين، قد يحتمل فتح باب الترويج إن لم يكن لأنفسكم من حيث إنكم لا تقولون به، وكذا من حيث إنكم لا تحضون الناس على القول به، فهذا قد يفتح الباب لأناس آخرين غفلوا عن مخالفته لأهل السنة وسمعوكم تقولون إنه غير منحرف عن الدين، فأجازوا لأنفسهم بناء على ذلك القول به... ألا ترون أن إصراركم على القول بأنه ليس انحرافا عن الدين، قد يفتح الفرصة مفتوحة للاحتجاج برأيكم هذا ليتخذ أحدهم رأيَ ابن عربي قولاً له خصوصا أن بعضكم يقول إنه لم يخرج عن أصول أهل السنة بالمعنى الشامل لأهل السنة...وإن كان لديكم مقصود مفصل يزيح هذا الإشكال فنرجو أن تذكروه.
5-نفهم أيها المشايخ من منشوركم أن مسألة تحول العذاب إلى عذوبة لم تعد في نظركم مجرد ذوق عَصِيٍّ على أفهام المحجوبين!! أو الظاهريين كما تقولون!؟ أو أنه لا يقدر على فهمها إلا الذائقون أو العارفون الذين بلغوا أطوارا من المراتب والأحوال ورأوا المشاهد! وهو ما كنا نسمعه كثيراً وما زال يردده بعض المتابعين حتى الآن، فأنتم تقولون حالياً أنكم تأخذون على عاتقكم: "بيان مأخذ المسألة عند الشيخ، أي من أي وجه أو دليل أخذها" انتهى كلامكم، إذن صارت المسألة في نظركم -على الأقل من جهة معينة- مسألة علمية.
ومعنى أنها مسألة علمية:
أي يمكن النظر فيها من حيث الأدلة التي تفضي إليها، وليست مجرد كشف أو ذوق لا يتعارض مع ظواهر الأدلة لأنه لا يتكلم في الاعتقادات ولا من أبواب الأحكام التي تقع في مستوى الأحكام العقائدية، وأعتقد أن هذا منحىً مهمّ من أنحاء التطور الحاصل على مواقفكم، وإن كان عين ما كنا نقول به منذ عقود، أعني: إن كثيرا مما يقوله ابن عربي في هذه المسألة -وفي مجموعة أخرى من المسائل التي قد نعارضه فيها- ليس مجرد ذوق أو كشف أو أحوال لا علاقة لها بالعقيدة، بل هو مبني أيضا على أفهام معينة لنصوص الكتاب والسنة وتأويلات خاصة نرى نحن أنها غير متوافقة مع طريقة أهل السنة في النظر وفي الاعتبار. ونرى أنها من حيث المنهج ومن حيث النتيجة متعارضة مع أصول أهل السنة، ولذلك نصرح بأن هذا القول -وأمثاله مما قد نورد أمثلة أخرى له- لا يصح أن ينسب لأهل السنة. من حيث المنهج الاستدلالي أو من حيث النتيجة التي وصل إليها. والله تعالى أعلم.
والحال أنكم كنتم تشنعون علينا وما زلتم أو ما يزال بعضكم يشنع علينا بأنا نعترض على الشيخ في أمور ذوقية، وأنه ينبغي ترك الأذواق لأصحابها، وأن من لم يذق لا يصح له أن يتكلم، ومع عدم تسليمنا أصلا بما كنتم تدَّعون! فإن اعترفتم الآن أن المسألة على الأقل من بعض وجوهها علمية لها مآخذ، إذن يمكننا نحن وغيرنا من أهل العلوم الظاهرية أن نناقش الشيخ في رأيه أو نعارضه بأدلة تُظْهِرُ عدم سلامة استدلالاته، وعدمَ توافق أقواله مع طرق فَهْمِ الدلالات النصية المعتبرة عند أهل السنة، فضلا عن القواعد الأصولية المرعية.
6-وأما قولكم بأنكم ستقومون أيضا: "ببيان أنه مسبوق فيها على نحو من الأنحاء" اهـ، فلا ندري ما معنى قولكم على نحو من الأنحاء! هل تقيدون هذا النحوَ: بكونه نحوا معتبرًا عند أهل السنة ودلائل الشريعة، أو أنه يكفي أن يكون على أيِّ نحو كان؟
أي إننا نسألكم: ألا ينبغي اعتبار جهة موافقته لأهل السنة أو لا، وموافقته لأدلة القرآن والسنة أو لا!؟
نحن لا نظنُّ إلا أنكم تريدون التقييد الذي عنيناه وذكرناه، وهذا بناء على ما أطلقتموه في بعض مكتوباتكم من أن ابن عربي ملتزم بأهل السنة عموما.
وفي هذا الخصوص، فقد قمنا ببيان نقلٍ عن الإمام الأشعري يذكر فيه أن بعض الفرق القديمة قد قالت بقول شبيه بهذا القول فعلا، كما ذكرناه في كتاب أصحاب النار، فهل هذا يحقق غرضكم من إثبات "أنه مسبوق بهذا القول على نحو من الأنحاء".
ألا يلزم بيان أن هذا النحو موافق أو مخالف لأهل السنة بالمعنى الشامل لهم ولغيرهم، ولقواعدهم المعتبرة، ولنصوص الكتاب والسنة قبل ذلك كله، أليس هذا هو المرجع الذي تريدون وضع ابن عربي فيه، فالنحو الذي لا بد من تبيينه إذن يجب أن يكون مقيداً بهذه الجهة....فإن فعلتم ذلك نكون شاكرين لكم...ونحن بالانتظار.
....يتبع
تعليق على النقاط التي اعتمدها أصحاب صفحة
الدفاع عن الشيخ الأكبر
في مسألة عذاب النار
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه
أما بعد،
فقد رأيت منشوراً لفت نظري نشره بعض المشايخ -وفقهم الله لكل خير- في صفحة الدفاع عن الشيخ الأكبر، ولما كان لهذا الكلام علاقة فيما نشتغل فيه، فقد أحببت مشاركتهم في البحوث والنظر في هذا الموضوع المهم، لنتعاون على البرّ كما أمرنا الله تعالى، وقد بادرت إلى كتابة هذه الورقات حالما قرأت ما نشروه قراءة كاملة، وهو اليوم قبل الإفطار، وأسأل الله تعالى أن يكون فيما نكتبه فائدة، مع تمنياتنا لهم ولجميع المسلمين بالتوفيق في دنياهم وآخرتهم.
ونبدأ الكلام دون تطويل حفظا لوقت المهتمين المتابعين:
وسنحاول البيان قدر ما استطعنا مع الإيجاز، وإن كان في كلامنا تكرار فإنما هو للحرص على إظهار المعنى المراد، ورجاؤنا عندهم إن رأوا في كلامنا خللا أن يذكروا لنا رأيهم، ويحسنوا الظنَّ بما نريد، فلا نريد إلا الخير لنا ولهم بإذن الله تعالى وتوفيقه.
قال فخر الدين الازهري: "السادة الأعضاء الكرام
مسألة استعذاب عذاب النار بعد التألم بها حِقَبًا الواردة عن سيدنا الشيخ الأكبر مسألة انفرد بها الشيخ على هذا النحو، والكلام في جوازها العقلي خارج عن البحث، لأنها من جملة الممكنات، وإنما الكلام في حكمها الشرعي. وقد اتفق المشايخ في المجموعة على ألا تكون المجموعة مروجة لقول سيدنا الشيخ محيي الدين هذا، وأن يكون تعاملنا مع هذه المسألة هو كالتالي:
1- بيان مأخذ المسألة عند الشيخ، أي من أي وجه أو دليل أخذها
2- نقل كلام العارفين عليها ممن يشرحون مأخذ الشيخ فيها
3- دفع ما يسعى له بعض الخصوم من تكفير الشيخ بها أو زعم انحراف الشيخ عن الدين القويم بسبب قوله بها، ببيان أنه مسبوق فيها على نحو من الأنحاء وأن قوله فيها خير من قول غيره ممن قالوا بفناء النار مثلا وبعضهم أئمة مقبولون في مذهبهم الحنبلي على الجملة.
4- إفساح المجال لمن يقول بدسها، فالقول بدسها رأي شائع بين العلماء أيضاً.
فهذه هي الطرق التي تنتهجها المجموعة في التعامل مع هذه المسألة، والمتحصل لدينا أنه لا أحد ممن استشرناهم من الأفاضل يقول بها.
نفعنا الله بعلوم سيدنا الشيخ محيي الدين ورضي عنه اللهم آمين".
وهذه صورتها:
ولنا تعليق على بعض هذه النقاط:
ذكر في النقطة الثالثة أن هؤلاء الإخوة الطريقة التالية:
"دفع ما يسعى له بعض الخصوم من تكفير الشيخ بها أو زعم انحراف الشيخ عن الدين القويم بسبب قوله بها، ببيان أنه مسبوق فيها على نحو من الأنحاء وأن قوله فيها خير من قول غيره ممن قالوا بفناء النار مثلا وبعضهم أئمة مقبولون في مذهبهم الحنبلي على الجملة."
1-نعم نقول معكم لسنا مع السعي لتكفير الشيخ ابن عربي، ولا غير الشيخ ابن عربي ما دام هناك احتمال لعدم التكفير، وإن قطعنا ببطلان رأيه، وهذا ما نصرح به دائما، ولكن لا يخفى على نظركم أنَّ التكفير ليس هو المرتبة الوحيدة في إظهار المخالفة للآراء التي يقول بها العلماء، فليس الأمر منحصرا بين الموافقة والتكفير، يعني أن الأمر لا ينحصر : بين إما أن توافق أو تكفر، لا، فهناك الخطأ والابتداع، والابتداع مراتب كما أن الخطأ مراتب، ولا يلزم الحكم بالتكفير على الحكم بالخطأ بالضرورة، وكل منهما قد يكون في أصول الدين وقد يكون في فروعه، وهذه المراتب كلها ينبغي أن تأخذ حقها عند أهل الشريعة والملتزمين بالنصوص الشرعية والقواعد المعتبرة عند أهل السنة، فضلا عن سائر الفرق الإسلامية.
فإن لم يكن القول موجبا للتكفير، فهل هو صحيح راجح أو ضعيف مرجوح، وهل الخلاف في هذه المسألة في أصول الدين أو في فروعه. وهل الخلاف فيها معتبر بحيث يجوز لنا عده من آراء أهل السنة التي يجوز للناس اتباعها على إطلاقها، أو أنَّ الأمر على غير ذلك. أظنُّ أن هذا يحسن بنا التنبيه عليه أيضاً في بحوث على هذا المستوى من الخطورة والأهمية.
وبعبارة أخرى: هل يصح أن يكون هذا الرأي معتبراً ليقال بعد ذلك إن لأهل السنة مثلا قولين في أهل النار: القول الأول أنهم خالدون في النار معذبون بالألم الحسي والمعنوي، والقول الثاني: أنهم يعذبون فترة ثم ينقلب العذاب عذوبة أو ينقطع العذاب الحسي ويبقى النفسي.
ترى .... هل المسألة بهذه الصورة؟!
2- أنتم نرى أنتم ترفضون أيضا أن يقال: إن الشيخ انحرف عن الدين، وهذا نفهمه نحن على النحو التالي: فأنتم ترفضون أن يقال إن ابن عربي انحرف عن الفهم الراجح أو الصحيح للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وترفضون القول بأنه انحرف عن أهل السنة أيضا في هذه المسألة. فها أنتم تقولون إن من وظائفكم التي تتبرعون بها :"دفع ما يسعى له بعض الخصوم من تكفير الشيخ بها أو زعم انحراف الشيخ عن الدين القويم بسبب قوله بها".
إذن فانتم ترفضون أيضا أن يقال بأن الشيخ انحرف عن الدين القويم، ورفضُ الانحراف، معناه رفض أنه أخطأ أصلاً في هذه المسألة، لأنَّ الانحراف ينطلق في الأساس على الخطأ، سواء في الأصول أم في الفروع، أعمَّ من أن يكون كفرًا أو لا، فظاهر التعبير: رفضُ إطلاق القول بأن في قوله انحرافًا هكذا على الإطلاق.
ومن المعلوم أن أهل السنة بدّعوا من قال بأن أهل النار لا يعذبون في النار، والظاهر من العذاب هو المصاحب للألم، بل هو الأصل فيه، وعذاب بلا ألم لا معنى له، فالقول بعذاب في الظاهر مع العذوبة في الحقيقة كلام متناقض أصلاً.
والقول بأنَّ الألم الحسيّ ينعدم بعد فترة، مخالف لما في الكتاب من أنَّ عذابهم دائم، وأن النار دار العذاب المتضمن للألم، وإرادة الألم الحسي أصالة لأن الاتفاق حاصل على وقوع الألم النفسي يوم القيامة.
ونحن هنا لا نريد أن نناقش المسألة، بل نناقش ما التزموا به.
إذن فمنهجكم رفض القول بالانحراف=الخطأ والتغليط، ويتضمن رفض الاعتراف بأن هذا القول غلط باعتبار الشريعة، أو باعتبار أهل السنة، وإنما نذكر أهل السنة لأنكم وافقتم على كون الشيخ ابن عربي راجعا في مذهبه لأهل السنة أعمَّ من أن يكون أشعريا أو غير أشعريّ.
قال د. محمد نصار: " وقلنا في نقاشات سابقة إن وضع عقيدة العوام في بداية الفتوحات تعني:
1- صلاحية هذه العقيدة للمسلم في نفسها وكونها كافية في العموم بذاتها
2- كونها مبدأ للولوج إلى المعرفة المتحصلة بالسلوك
3- كون انتساب الشيخ هو لأهل السنة وعدم جواز ربطه بأي إطار آخر
ومناقشات الشيخ مع الأشاعرة في الكتاب لا تختلف كثيرا بعد ذلك عن مناقشات الأشاعرة مع بعضهم وإنما حصل التركيز على كلام الشيخ ووصمه بالمخالفة والانحراف فبدا الأمر أكبر مما يحتمل." انتهى كلامه، وهذه صورته:
فأنتم تعتقدون أن الشيخ ملتزم بإطار أهل السنة مطلقا أعم من أن يكون أشعريا أو ماتريديا أو غير ذلك، ونحن نرحب فعلا بأن يكون الشيخ كذلك، ولو كان كذلك فنحن أول من سيسر فعلا، ونحن أصلا لا ننفي موافقة الشيخ ابن عربي لأهل السنة في كثير من الموارد، ولكن هذا كله لا ينفي أن الشيخ قد قال أقوالا فيها مخالفة لأهل السنة أصولا أو فروعاً بهذا المعنى أيضا، فلا أظنُّ أحدا من أهل السنة قال بانقلاب العذاب عذوبة مثلا، أو قال بأن الألم الحسي ينقطع عن أهل النار سواء التذوا أو لا، فيا ليت الإخوة الأفاضل يبينون كيف يكون الشيخ موافقا لأهل السنة، وأعني بأهل السنة : قواعد أهل السنة وأقوالهم في ذلك، ولا أعني أن واحداً أو غيره من المنتسبين لأهل السنة وافقه أو لا، فالعبرة ها هنا بالقواعد وطرق الاستدلال الموصلة للنتائج، لا لأعيان الناس، فمجرد نسبة القول لواحد من علماء أهل السنة ولو كانت نسبة صحيحة، لا يستلزم أن هذا قول لأهل السنة إلا إذا كان موافقا لأصولهم، وهذا أمر لا يخفى.
4- يا ليت المشايخ أعضاء المجموعة يبينون لنا كيف يقولون إنهم لا يفتحون باب الترويج لهذا القول، ومع ذلك يصرون على رفض أن يقال إن هذا القول منحرف عن الدين، فلا ندري السبب الذي جعلكم تقولون بمنع إطلاق الانحراف على تلك الآراء، وكيف يمكنكم تصحيح موقفكم بأنكم لا تروجون وأنتم تمنعون القول بخطأ القول أصلاً.
فمجرد القول إن هذا القول لا يصح وصفه بالانحراف عن الدين، قد يحتمل فتح باب الترويج إن لم يكن لأنفسكم من حيث إنكم لا تقولون به، وكذا من حيث إنكم لا تحضون الناس على القول به، فهذا قد يفتح الباب لأناس آخرين غفلوا عن مخالفته لأهل السنة وسمعوكم تقولون إنه غير منحرف عن الدين، فأجازوا لأنفسهم بناء على ذلك القول به... ألا ترون أن إصراركم على القول بأنه ليس انحرافا عن الدين، قد يفتح الفرصة مفتوحة للاحتجاج برأيكم هذا ليتخذ أحدهم رأيَ ابن عربي قولاً له خصوصا أن بعضكم يقول إنه لم يخرج عن أصول أهل السنة بالمعنى الشامل لأهل السنة...وإن كان لديكم مقصود مفصل يزيح هذا الإشكال فنرجو أن تذكروه.
5-نفهم أيها المشايخ من منشوركم أن مسألة تحول العذاب إلى عذوبة لم تعد في نظركم مجرد ذوق عَصِيٍّ على أفهام المحجوبين!! أو الظاهريين كما تقولون!؟ أو أنه لا يقدر على فهمها إلا الذائقون أو العارفون الذين بلغوا أطوارا من المراتب والأحوال ورأوا المشاهد! وهو ما كنا نسمعه كثيراً وما زال يردده بعض المتابعين حتى الآن، فأنتم تقولون حالياً أنكم تأخذون على عاتقكم: "بيان مأخذ المسألة عند الشيخ، أي من أي وجه أو دليل أخذها" انتهى كلامكم، إذن صارت المسألة في نظركم -على الأقل من جهة معينة- مسألة علمية.
ومعنى أنها مسألة علمية:
أي يمكن النظر فيها من حيث الأدلة التي تفضي إليها، وليست مجرد كشف أو ذوق لا يتعارض مع ظواهر الأدلة لأنه لا يتكلم في الاعتقادات ولا من أبواب الأحكام التي تقع في مستوى الأحكام العقائدية، وأعتقد أن هذا منحىً مهمّ من أنحاء التطور الحاصل على مواقفكم، وإن كان عين ما كنا نقول به منذ عقود، أعني: إن كثيرا مما يقوله ابن عربي في هذه المسألة -وفي مجموعة أخرى من المسائل التي قد نعارضه فيها- ليس مجرد ذوق أو كشف أو أحوال لا علاقة لها بالعقيدة، بل هو مبني أيضا على أفهام معينة لنصوص الكتاب والسنة وتأويلات خاصة نرى نحن أنها غير متوافقة مع طريقة أهل السنة في النظر وفي الاعتبار. ونرى أنها من حيث المنهج ومن حيث النتيجة متعارضة مع أصول أهل السنة، ولذلك نصرح بأن هذا القول -وأمثاله مما قد نورد أمثلة أخرى له- لا يصح أن ينسب لأهل السنة. من حيث المنهج الاستدلالي أو من حيث النتيجة التي وصل إليها. والله تعالى أعلم.
والحال أنكم كنتم تشنعون علينا وما زلتم أو ما يزال بعضكم يشنع علينا بأنا نعترض على الشيخ في أمور ذوقية، وأنه ينبغي ترك الأذواق لأصحابها، وأن من لم يذق لا يصح له أن يتكلم، ومع عدم تسليمنا أصلا بما كنتم تدَّعون! فإن اعترفتم الآن أن المسألة على الأقل من بعض وجوهها علمية لها مآخذ، إذن يمكننا نحن وغيرنا من أهل العلوم الظاهرية أن نناقش الشيخ في رأيه أو نعارضه بأدلة تُظْهِرُ عدم سلامة استدلالاته، وعدمَ توافق أقواله مع طرق فَهْمِ الدلالات النصية المعتبرة عند أهل السنة، فضلا عن القواعد الأصولية المرعية.
6-وأما قولكم بأنكم ستقومون أيضا: "ببيان أنه مسبوق فيها على نحو من الأنحاء" اهـ، فلا ندري ما معنى قولكم على نحو من الأنحاء! هل تقيدون هذا النحوَ: بكونه نحوا معتبرًا عند أهل السنة ودلائل الشريعة، أو أنه يكفي أن يكون على أيِّ نحو كان؟
أي إننا نسألكم: ألا ينبغي اعتبار جهة موافقته لأهل السنة أو لا، وموافقته لأدلة القرآن والسنة أو لا!؟
نحن لا نظنُّ إلا أنكم تريدون التقييد الذي عنيناه وذكرناه، وهذا بناء على ما أطلقتموه في بعض مكتوباتكم من أن ابن عربي ملتزم بأهل السنة عموما.
وفي هذا الخصوص، فقد قمنا ببيان نقلٍ عن الإمام الأشعري يذكر فيه أن بعض الفرق القديمة قد قالت بقول شبيه بهذا القول فعلا، كما ذكرناه في كتاب أصحاب النار، فهل هذا يحقق غرضكم من إثبات "أنه مسبوق بهذا القول على نحو من الأنحاء".
ألا يلزم بيان أن هذا النحو موافق أو مخالف لأهل السنة بالمعنى الشامل لهم ولغيرهم، ولقواعدهم المعتبرة، ولنصوص الكتاب والسنة قبل ذلك كله، أليس هذا هو المرجع الذي تريدون وضع ابن عربي فيه، فالنحو الذي لا بد من تبيينه إذن يجب أن يكون مقيداً بهذه الجهة....فإن فعلتم ذلك نكون شاكرين لكم...ونحن بالانتظار.
....يتبع
تعليق