بسم الله الرحمن الرحيم
موقف الجيلي
من عذاب الكفار في النار
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
مقدمة:
سنحاول في هذا البحث الموجز بيان موقف الشيخ عبد الكريم الجيلي في كتاب الإنسان الكامل( ) من عذاب النار وأهلها، وعلاقة ذلك بابن عربي، وفيما إذا كان له تأثر به أم لا، وما إذا كان يوافقه أو يخالفه؟
والغرض من هذا البحث أساساً ليس مجرد دراسة آراء الجيلي الموافق في كثير من الأصول لمدرسة ابن عربي، بل المراد منه زيادة على ذلك إظهار أن كثيرا من التصورات والآراء والتعليلات التي يقررها في هذه المسألة، فيها خلاف واضح مع طريقة أهل السنة في معالجة الأمور، وفي فهم النصوص، وفي استنباط الأدلة واعتماد الأحكام.
وبالتالي فإنه من الواضح أن ينتج لدى هذه المدرسة آراء وأحكام ومناهج استدلالية مخالفة لبعض آراء أهل السنة، وأن هذه الآراء يستحيل عند أهل العقل أن يقال إنها ظهرت عرَضا في كلامهم (أي كلام ابن عربي والجيلي...الخ) وأنهم لم يقصدوا المعاني الظاهرة منها، فإن كل من يقرأ كلامهم، يعرف تماما خطأ هذا التصور، فإنهم يبنون على قواعد وتصورات خاصة بهم، ويبنون مذهبا خاصا بهم، بغض النظر وافق أهل السنة أو خالفهم، فهم يعتقدون في أنفسهم أنهم بلغوا درجة من القدرة والعلم بحيث يصح لهم أن يقولوا في الدين قولا خاصا، ولهم الحق في ذلك، ولكن ليس لهم الحق أن يزعموا أنهم موافقون في الأصول لأهل السنة، كما أنه ليس لبعض المنتسبين إلى أهل السنة الحق أن يزعموا أن هذه المدرسة مع كل ما نلاحظه في آرائها من اختلافات وما في تعليلاتها من اعتبارات، وما في أحكامها من تناقضات مع أهل السنة أنَّ أتباعها موافقون لأهل السنة! أو أنهم لم يقصدوا في كلامهم الظاهر الخلاف لأهل السنة ما يظهر لنا منه، وأنه لا بد أن يكون هناك وجه أو معنى خاص عرفناه أو لم نعرفه وذلك الوجه أو المعنى موافق لأهل السنة، لا يجوز ذلك مع كل ما نراه من تصريحات بمخالفة آراء أهل السنة وأحكامهم ومناهجهم في النظر والاستدلال. وما مسألة عذاب أهل النار إلا مثال واحد على ما نقول.
ومع ظهور هذا الأمر، بل مع تصريح كبراء هذا المذهب والعارفين به أنهم لا يبالون بمخالفتهم لقواعد أهل السنة بمعنى أنهم لا يقيدون أنفسهم بها بل إن لهم قواعد وأصولاً أخرى رجحت في نظرهم، وإن لهم تصورات خاصة بهم، إلا أننا نستغرب عندما نرى بعض المنتسبين لأهل السنة يصرون مع ذلك كله على أن هؤلاء تابعون لأهل السنة! ولا ندري ما هي أصول أهل السنة التي بناء عليها يصح هذا الفهم الغريب للنصوص المتعلقة بعذاب أهل النار، وبطريقة التخريج للنصوص التي لا نرى لها ما يشابهها في المناهج المعتبرة عند أهل السنة.
ونستغرب من حرص بعض المنتسبين لأهل السنة الذين يبذلون كل جهد لتأويل كلام ابن عربي في بعض المسائل، وسيبذلون كل ما يطيقون كذلك لتأويل كلام الجيلي، فقط لأنهم اعتقدوا أن الأصل أنه موافق لأهل السنة، حسنا لو كان الأصل هو ذلك، أفلا يجوز عقلا وواقعا أنه بعدما قطع أشواطا من النظر والتأمل بطريقته التي اعتمدها، توصل إلى أمور وأحكام وتصورات مخالفة لأهل السنة! نعم إن ذلك جائز، فإذا كان هذا محتملا بل واقعاً، فمن أين يجب علينا أن نبقى على القول بأن فلاناً هو دائما موافق لأهل السنة، إلى أن يصل بعضهم إلى اعتبار أقواله معتبرة عند أهل السنة لمجرد انتسابه إلى أهل السنة بوجه ما، دون ان يكون هناك مراجعة للقواعد والأدلة التي بنى عليها تلك الأقوال!
وقد بينا أن هناك فرقا بين أن يكون بعض العلماء قد قال قولا مخرَّجا على أصول أهل السنة، وبين أن يكون بعض علماء أهل السنة ممن يعتبر نفسه مجتهدا إلى درجة أن يسلك من مسالك النظر ما يخالف أهل السنة في نتائجه أو في دلائله، وهو من حيث هو مجتهد في نظر نفسه، ينبغي عليه الالتزام بقوله ما دام يعتبره أرجح من قول أهل السنة، هذا متصور، ولكن غير المتصور أن ترى بعض أهل السنة الذين ينظرون في قوله، ويرون تباعد رأيه عن رأي أهل السنة، ويعرفون الافتراق بين مناهجه النظرية والدلالية وبين ما اعتمده أهل السنة، بحيث يفضي به ذلك إلى مخالفة أهل السنة في بعض الأحكام، تراهم مصرين على القول بأنه ما دام من أهل السنة ولو في ابتداء أمره فينبغي علينا أن نعد قوله موافقاً لأهل السنة! وأيضاً ينبغي علينا أن نقول إن قوله معتبر عند أهل السنة ولا يجوز لنا أن نقول بغلطه فيه! هذا التصرف مستغرب جداً ومخالف بلا ريب للأصول الفقهية والعقدية والقواعد المرعية والمناهج السديدة.
ومن جهة أخرى: نستغرب عندما نرى بعض هؤلاء مصراً على أن هذه الأقوال الظاهرة في مخالفة أهل السنة، لا بدَّ أن يتمّ تأويلها، وحملها على معانٍ موافقة لأهل السنة، حتى لو أدى ذلك إلى إكراه نصوصه وكلامه وقسرها على خلاف دلالاتها، حتى وإن كان ذلك بغير قرائن راجحة، مع رؤيتهم رجحان وظهور عباراته في المعاني المذكورة.
ونستغرب أيضا عندما نرى بعض المنتسبين لأهل العلم يحاولون إجبار غيرهم على السير في هذا المسار على سبيل التعيين، أعني: إنهم يرفضون قول من يقول:
[إن رأي ابن عربي غير قابل للتأويل تأويلا راجحا غير متعسف، بل إنه ظاهر فيما ينسب إليه من معنى بحسب الدلالات المعتبرة، وبحسب ألفاظه الواردة بعدة أساليب وفي غير موضع، وأن ظهور هذه المعاني ثابت من عدة جهات بحيث يكون محاولة تأويلها مكابرة أو قريبا منها.
ويقول هؤلاء: إن ما يُزْعَمُ أنه مدسوس لم تقم عندنا شواهد كافية على أنه مدسوس عليه، بل إن الظواهر والقرائن على ثبوت نسبته لابن عربي هي الأكثر ثبوتا والأرجح.
ويقول هذا الفريق من الباحثين والعلماء: قول ابن عربي في نفسه باطل، باعتبارين:
الاعتبار الأول: من حيث بطلان ما يستدلون به عليه من معاني الآيات والأحاديث.
والاعتبار الثاني: من حيث إنه غير متوافق أيضاً مع أصول أهل السنة والجماعة.
أي إنهم يقولون: بأن نسبة الكلام لابن عربي ثابتة، ولا موجب للتشكيك فيها، ودلائله على المعاني محل الخلاف ظاهرة أيضا، فلا مجال لتأويلها تأويلا معتبراً، وإن هذه المعاني نفسها غير صحيحة باعتبار أدلة الكتاب والسنة، وباعتبار القواعد التي صرح بها أهل السنة والأحكام التي قرروها]
نقول: نستغرب أن يوجد أناس يحاولون قَسْرَ مَنْ يقول بهذا القول على تغيير رأيه، وإلا فإنه يكون من المفسدين الطاعنين في الأشخاص والذين يحاولون عمل فتنة، ويطعنون في الصوفية هكذا على العموم، ويقدحون في أولياء الله تعالى! وكأن أولياء الله تعالى يصح لهم أن يقولوا ما يخالف ظاهر كلام الله تعالى وهم في صحوهم!؟ لا مرة واحدة بل مرات ومرات، ومع ذلك فإن على الجميع أن يسكتوا ولا يخالفوهم في ذلك أبداً، ولا يعترضوا عليهم!
نعم إننا نرى أن موقف هذه الطائفة المتعنتة المتشددة المنكرة على أصحاب هذا الرأي المبين آنفاً موقف باطل أخلاقيا وعلمياً.
وأيضا لنا أن نستغرب من بعض العلماء عندما يصرون على القول بأن هذه المسائل الواردة في كتب ابن عربي أو الجيلي أو غيرهما مدسوسة عليهم، وبعضهم يقول إنها قد دسها بعض اليهود عليهم! وهذا يبعث على الاستغراب، ولعمر الحق إن هذا الرأي إن لم يؤيده قرائن علمية كافية فإنه غير معتبر، ولا ينبغي الالتفات إليه أصلاً.
وقد يقول قائل: إننا ما دمنا افترضنا أن فلانا من أهل السنة، إذن يستحيل أن يصدر عنه ما يخالف أهل السنة خصوصا في الأصول والمسائل العظيمة كهذه المسألة، ويقولون إن هذا الاعتبار كافٍ في نظرهم لأن يقولوا إن جميع ما ورد عنه مما يخالف أهل السنة، إما مدسوس عليه، أو ينبغي تأويله، إن أطقنا تأويله وحمله بحسب قوانين التأويل المعتبرة فذاك -وقد مرَّ بيان الرأي في هذا المسلك-، وإلا فلنفرض أن لعباراته معاني لا ندركها نحن، فإنهم يستعملونها بحسب اصطلاحات خاصة لا ندريها ولا نعرفها، ولكنها قطعا لا تدل في نهاية الأمر على ما يخالف أهل السنة.
والحقيقة أن هذا الموقف أشد ما يبعث صاحبه عليه شدة الحرص على عدم الحكم بأن فلانا خرج عن أقوال أهل السنة، أو أنه قال قولا يعتبره هو مخالفا لدلائل القرآن، وبناء على حسن ظنه وثقته بفلان تراه جازما بأن هذه العبارات قلت أو كثرت، لا بد من حملها على ما لا يخالف أهل السنة، نعم هكذا! سواء عرفنا لها معنى معينا، أو لم نعرف، وسواء كان لدينا قرينة خاصة راجحة على هذا الحمل أو لم يكن إلا حسن ظننا وثقتنا بفلان.
ولكن نحن نعتقد أن هذه النظرة لا تقوى على الصمود علمياً ولا تقف أمام النقد الجاد، فإن المجتهد العالم قد يخالف أهل السنة، وقد يخالف الفهم السائد عند أهل السنة لنصوص القرآن والسنة، وذلك راجع كما ترى إلى قناعته بسداد منهجه وصحة رؤيته، فهو عندما يقول ما يقول، لا يعتقد أنه مخالف للقرآن ولا أنه مصادم للحق، ولا أنه قائل بما لا ينبغي القول به، بل إنه يكون معتقدا بسلامة رأيه، ويكون عارفا أن رأيه هذا قد يصدم كثيرا من الناس الذين يعتبرونه من أهل السنة، لما فيه من الخلاف معهم.
فقولنا: إنه لا يمكن أن يخالف أهل السنة، ولا القرآن، ولا السنة -بحسب ما نفهمها نحن-، لا يكفي إذن للاعتماد عليه لكي نقول إنه لا بدَّ أن يكون موافقاً للمعاني والطرائق المعتمدة عند أهل السنة ولطريقتهم في فهم الآيات والنصوص الشرعية، فقد يكون هناك مصدوق آخر عنده لمعاني الكتاب والسنة، بل إن ذلك هو الاحتمال الراجح خصوصا مع كثرة النصوص الواردة عنه والموجودة في كتبه من النصوص المخالفة في دلالاتها الظاهرة لأهل السنة ولطريقة فهمهم للكتاب والسنة، أنه يعتقد أن ما يدلي به هو الحق، وأنه غاب عن أعلام أهل السنة، وأنه تنبه لأمر قد لا يكونون انتبهوا إليه! وأنه إذ يقول به فإنه يقول بما يعتقد أنه الحق.
وبناء عليه لا يصح أن يقال:
إنه لا يمكن أن يخالف مذهب أهل السنة. وبناء على ذلك ينبغي اتخاذ الموقف التالي من عباراته ومسائله التي قال بها، وذلك بأن يقال:
(هذه العبارات والمسائل التي تناولها في كتبها وبسط بحثه فيها، مما فيها خلاف ظاهر مع مذهب أهل السنة، هي إما مدسوسة عليه، أو مؤولة محمولة على معنى خاصٍّ، أي إن هذه العبارات باعتبار معناها الظاهر من الدلالات المعتبرة والذي نعلم أنه مخالف لأهل السنة ولأدلة القرآن الكريم:
-إما أن يكون لها معنى آخر نستطيع تعيينه وتمييزه ولو بتكلف ولو بأدنى احتمال.
-أو تكون هذه العبارات دالة على معنى غير معين عندنا ولا نعرفه نحن، بل صاحب الكلام يعرفه، وعلينا إهمال جميع الدلالات اللغوية والسياقية التي تنافي هذا الأمر! )
هذا مع كل ما نراه من تفاصيل يبديها في تجلية رأيه وبيان أحكامه وإظهار مستنده في ذلك كله، بحيث يكون مجموع ذلك كله وأفراده دالا على ذلك المعنى الظاهر المرفوض من أعلام أهل السنة ابتداءً، وتكون تلك القرائن والأساليب والتعبيرات بحيث لو اطلع عليه أي باحث أو أي عالم يندثر عنده بعد قراءتها احتمالُ أن يكون هذا الكلام مدسوساً عليه، ويبطل عنده أن يكون هذا الكلام مؤولا مصروفا عن ظاهره سواء إلى معنى معين عندنا أو إلى معنى غيره مجهول عندنا غير معين.
لا شكَّ في غرابة هذا الموقف، ولا ريب في خروجه عن قواعد العلم المطردة.
ويبدو أن بعض ما يحملهم على اللجوء إلى هذا الموقف خوفهم من مسارعتهم هم أو مسارعة بعض الناس إلى التكفير لمجرد معرفتهم بأنه يقول بهذه الأقوال على ظاهرها! فيندفعون إلى التلبس بكل هذه الطرائق التي نراها غريبة من ناحية علمية لدفع تهمة التكفير.
ولكن ماذا لو قيل لهم:
إنه حتى لو ثبتت هذه الأقوال إليه فليس التكفير بلازم بالضرورة، لأن الحكم بالتكفير له قوانينه الخاصة، فقد يدرأ التكفير لشبهة خاصة، أو قرينة خاصة، وهذه القرائن قد تكون غير مندرجة بالضرورة في القرائن والدلالات اللفظية التي كنا نبحث فيها من ناحية الكشف عن المعنى الذي يريده ابن عربي أو غيره من كلامه. فبيان معنى الكلام يعتمد على القرائن التي تُظْهِرُ المعاني، إما الحقيقة الوضعية أو الاستعمالية العرفية أو قرائن أخرة متصلة أو منفصلة، ولكنها كلها ينبغي أن تكون ظاهرة مرجحة لذلك الصرف! فإن كانت قرائن ضعيفة أو غير ذات تعلق بوظيفة إظهار المعنى المراد من الكلم المنظوم، فلا يلتفت إليها في حال إرادة الكشف عن المعنى الدلالي أو السياقي للكلام، ولكن قد تكون تلك القرائن معتبرة في دفع الكفر عنه. هذا احتمال.
واحتمال آخر:
قد لا يكون هو أصلاً مقتنعًا بلزوم الكفر على قوله، وهذا هو الظاهر وإلا لما قاله وقرره، نحن نعلم أنه لم يقله إلا لاعتقاده بصوابه وأرجحيته، وبالتالي فإنه قد لا يلتفت كثيرا لمن يكفره بناء على ما يراه هو -أي المكفِّر- لأن هذا الرأيَ غير معتبر عند صاحب هذا الرأي أصلاً.
ومن ناحية أخرى، فلو لم تكن المسألة مستلزمة بالضرورة للتكفير، ألا يكفي في خطورتها كونها مخالفة لظواهر النصوص، وألا يدفع كونها مرجوحة أيَّ واحد من أهل العلم لأن يضعها في محلها الصحيح، أي: من حيث كونها مبنية على طرائق غير معتبرة أصلا عند أهل السنة والجماعة! وذلك بأن يحكم عليها بانه غلط أو خطأ أو نحو ذلك...فإذا قال بهذا الرأي فلانٌ من الناس، ألا ينبغي الردُّ عليه لمجرد أنه اعتمد على أدلة مرجوحة أو ضعيفة جداً في الوصول إلى ما قال! فضلا عن أن تكون منزلة تلك الأدلة أدنى من ذلك.
إن مجموعة من المسائل التي قال بها ابن عربي قد لا يلزم عليها التكفير أصلا، ولكن ينبغي الردُّ عليها والكشف عن ضعفها على الأقل من وجهة نظر أعلام أهل السنة والمفسرين المعتبرين لديهم، حتى لو كانت هذه المسألة أو المسائل معتبرة وقوية في نظر ابن عربي نفسه، ولا أظنُّ أن ذلك مما يستغرب ولا يستبعد أصلاً.
وقد يقول قائل: إن إثبات مخالفة ابن عربي لأهل السنة في بعض المسائل، هو في الحقيقة محاولة لهدم التصوف! أو القدح في الأولياء!
وهذا الزعم مع انتشاره على ألسن بعض الناس الذين يبدو أنهم لا يحسنون صنعة العلم، بل لا يبرعون إلا في الإشاعات الباطلة، إلا أنه مما تضحك منه الثكلى. بيان ذلك:
أنا لو فرضنا أن ابن عربي ومن تبعه يقول بمجموعة من المسائل، وثبت فعلا أن هذه المسائل تعارض عقيدة أهل السنة، نقول لو ثبت ذلك، فمن أين يثبت أن الحكم بغلط ابن عربي فيها، يستلزم الحكم على الصوفية والأولياء جميعا بالخطأ والغلط، ومن أين يستلزم ذلك القدح في الأولياء وفي التصوف على ما يزعم هؤلاء المغرضون.
نقول أولا: إن مقام التصوف المبني على أصول صحيحة من ناحية العقيدة والفقه والتأصيل محفوظ عند أهل السنة بما لا يقدر واحد على نفيه، وقد كتب في ذلك أعلام العلماء مثل الكلاباذي والقشيري والشيخ زكرياء وغيرهم من أعلام أهل السنة. وأظنُّ أن هذه المقدمة متفق عليها لا ينكرها منكر متبع لأهل السنة.
أما ما يتعلق بالجواب عن السؤال فنقول اختصاراً:
إن الصوفية المنتسبين لأهل السنة والملتزمين بمذهبهم مخالفون لابن عربي في هذه المسائل الموجودة في كتبه التي تعارض مذهبَ أهل السنة، ولا يوافقونه عليها، ويرفضون أن يتبعها واحد من المريدين الملتزمين بأهل السنة أصلاً، ولذلك، فإنهم كما هو معلوم يمنعون أتباعهم من قراءة أكثر كتب ابن عربي لما فيها من أمثال هذه المسائل، حفاظا عليهم من أن يغتروا بها، وأكثر طلاب العلم لأجل هذه التحذيرات الشائعة بين مدارس أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين، ومن شتى المدارس الرفاعية النقشبندية والجيلانية والغزالية وغيرهم لا يقرأون كتب ابن عربي ولا يعرفون ما فيها.
وأيضاً: فقد صرح أكثر الصوفية من المتقدمين والمتأخرين من المحافظين على مذهب أهل السنة بالنكير على القائل بهذه المسائل، مثل مسألة تحول العذاب إلى عذوبة، بل كثير منهم وصفها بأنها كفر بما جاء به الله تعالى في الكتاب العزيز، وأنكروا على القائل بها، غاية الأمر عند هؤلاء أن كثيرا منهم يستبعد أن يكون ابن عربي قائلا بها فعلاً، بناء على طريقة الدس أو التأويل كما مضى، أما من حيث المعنى، فالكل موافق لنا في الإنكار على القائلين بهذه المسائل الباطلة.
فإن افترضنا أن ابن عربي يقول بهذه المسائل، أقول لو افترضنا، ذلك. وثبت أن هذه المسائل باطلة.
وثبت أن أكثر الصوفية والأولياء لا يقولون بها، وينكرون على من يقولون بها.
فمن أين يلزم بناء على ذلك أن إثبات قول ابن عربي بها هو في الحقيقة قادح في الصوفية هكذا بإطلاق، أو في الأولياء، أو أن هذا المسلك يهدم التصوف!
أليس من الظاهر أنَّ هذه الطريقة العجيبة من التفكير تتضمنُ كما هائلاً من المغالطات والتلبيسات المفضوحة!؟
غاية ما يلزم أن هؤلاء الذين كانوا يبرئون ابن عربي من القول بهذه المسائل الباطلة أو الخاطئة، كانوا مخطئين في ذلك الموقف.
ومن أين يستلزم ذلك القدحَ في التصوف وفي الأولياء؟
ومن أين يستلزم ذلك هدمَ التصوف أيها العقلاء؟!
لا يقول بالاستلزام إلا صاحب غرض أو هوى كما هو ظاهر!
ما الغرض من عرض رأي الجيلي في هذه المسألة؟
لما رأينا كثيرا من المشايخ يستغربون من إبداء رأينا في قول ابن عربي، ورأينا أن ابن عربي يقول فعلاً بهذه المسألة، ويقولون: لا داعي لأن تبالغوا في وجهة نظركم، فإن ثبت ما تقولون، فغايته أن واحدا من الناس هو ابن عربي قال بها، وليس في ذلك كثير من الخطر، فها نحن ننبه الناس من اتباع كتب ابن عربي، ونحذرهم من الاغترار به في ذلك. فالأمر مقصور عليه ولم نرَ أحدا تأثر به في هذا القول.
نقول:
إن هذا الرأي يعتمد على أن هذا الرأي مقصور على ابن عربي، وأنه لم يتابعه فيه أحد، لأن الأمر عندهم مبنيٌّ على كشف خاص أو ذوق خاص لابن عربي. فلا حاجة للخوف الشديد من هذا الأمر إذن.
والحقيقة أن هذا الموقف يحتاج قائله لأن يتنبه إلى أن ابن عربي أولا لم يبن رأيه على مجرد كشف، بل ناقش الحجج الشرعية التي يحتج بها أهل السنة على ما يقولون. وأقام في مقابلها حججاً بناء على تأويله وفهمه للنصوص الشرعية، وأضاف الكشف إلى ذلك مع تعليلات عقلية خاصة بمذهبه.
ونحن نرى أن هذا عبارة عن مذهب متكامل في هذه المسألة لأنه يحتوي على الحكم والتصور والدليل. ونرى أن هذا المجموع كله قد انتقل من ابن عربي لبعض الصوفية الذين راق لهم طريقة ابن عربي ومذهبه وفهمه لذلك كله. فقوله انتشر بين مجموعة معينة من الناس منهم من ينتسب لأول الأمر لأهل السنة ومنهم من حاله ليس كذلك. فأردنا إعطاء مثال واحد فقط على بعض الصوفية المشهورين من المتأثرين بابن عربي في أدلته وكشفه وذوقه، وقد اتبعه في أغلب ما قرره في هذه المسألة، ونراه قد صرح بذلك تصريحا، وإن كان له بعض التقييدات في بعض الجهات، ولكنه من ناحية عامة متابع لابن عربي في أكثر تأصيلاته فيها. ونعتقد أن إعطاء مثال على المتأثرين بابن عربي بواحد بوزن الجيلي له اعتبار عظيم عند العقلاء.
فهو من جهة يدلُّ على أن بعض الصوفية ممن يعتقد فيه أنه موافق لأهل السنة قد خالفهم أيضا في هذه المسألة تبعا لابن عربي، ومن جهة أخرى فهذا يدل على أن لهذا الرأي امتدادا في هذا المجال بعد حياة ابن عربي، ولا يبعد أيضا أن يكون هذا الاتجاه موجودا حاضرا عند هؤلاء حتى هذه اللحظة الزمانية التي نعيشها، بل نحن نعرف بيقين تحقق ذلك بين بعض المنتسبين للصوفية في بعض البلاد العربية وغير العربية. ولسنا الآن في معرض ذكر مَنْ قام بمتابعة ابن عربي سواء في هذه المسألة أو في غيرها من الأصول المخالفة لأهل السنة. ومع ذلك تراهم ينادون في ظاهر الأمر أنهم من أهل السنة ولا يقولون إلا بقول أهل السنة. فغرضنا الأصليُّ مناقشة المسائل لا التشنيع على الناس، وذكر ابن عربي والجيلي كان لازماً لما لا يخفى.
ولا يخفى ما لهذا الأمر والاعتبار من أثر عظيم غير محمود في تماسك مواقف أهل السنة وحسن عملهم في نشر مذهبهم بين العامة والخاصة، خصوصا إذا طرحت أمثال هذه المسائل التي تمسُّهم في صميم اعتقاداتهم التي لا يعرف كثير من الناس أنهم يقولون بها. ويتعللون بقولهم: إننا لا نعلن ذلك للعامة لما قد يلزم عن معرفة العوام لأمثال هذه المسائل في هذه الأحوال التي نعيشها من أثر سلبي، ويرون ذلك من الحكمة! ولذلك قد نراهم ينتظرون ظروفا أخرى تتيح لهم التصريح عما يعتقدون، بل إننا رأينا مَنْ يصرِّحُ بهذا المعنى على صفحات الإنترنت في بعض المسائل.
ويمكننا أيضا إعطاء مجموعة من الأمثلة على من وافق ابن عربي في طريقته في فهم هذه المسألة وتقريرها، ليعرف الباحثون أن لدراسة هذه المسألة أثرا مهما، وأن البحث فيها ليست بحثا في فراغ، لاعتقادهم أن صاحب هذا القول قد مات، ولا حاجة لنا إلى إعادة البحث في هذه المسألة مع موت صاحبها، نعم المنظر الأشهر -لهذه المسألة- قد مات، ولكن يبدو أنه ما زالت مجموعات متوالية حريصة على الحفاظ على هذه العقائد والأفهام من خلال عباءة أهل السنة والجماعة.
فنحن نحذر أهل السنة وغيرهم من الحريصين على اتباع الشرع الشريف من اتباع هذه الأقوال والتصورات الباطلة المبنية على أدلة متهاوية لأجل أن فلانا قال بها، كما نحذر المستهينين بطرح هذه البحوث بحجة أنه لا قائل بها وأن النقاش فيها نقاش مع أموات.
فنقول للفريق الأول:
احذر أن تتابع رأي من تبين أن قوله باطل ودليله متهاو لأجل أنه فلان، فأنت مكلف بما كلفك به ربك.
ونقول للفريق الثاني:
قد تحسن الظن ببعض الناس ممن تعتقد فيهم سلامة الجوهر فتظن أنهم موافقون لأهل السنة! ليصبح حسنُ ظنك بهم طريقا لهم لصرفك عن الحق الظاهر من الكتاب والسنة تدريجياً بناء على تلبسك بمحبتهم وخوفك من مخالفة أمرهم، أو قد يكون حسن ظنك بهم مما يقوي اعتقادك بما يرشدونك إليه من اعتقادات باطلة في نظر أهل السنة، وأنت غافل عن ذلك.
وإذا أضفنا لذلك كله ما نراه من نشاط هائل لموجة الإلحاد في هذا العصر، مع حرصهم على إثارة أي مسألة من شأنها أن تعينهم في نظراتهم المشككة في الدين، ومع ما نلاحظه ونرصده من ظهور دعوة التعددية الدينية الفلسفية التي وإن بدأت في الغرب، إلا أننا صرنا نجد حاليا مناصرين لها هنا وهناك من بني جلدتنا، ونحن على علم بأن هؤلاء يعرفون أن هذه المسائل قد قال بها فلان وفلان من المسلمين، ولا ريب في أن هؤلاء سوف يسرون جدا إذا لم يجدوا أحداً يجرؤ على تخطئة من قال بهذه المسائل لكونه صوفيا أو وليا من أولياء الله تعالى، بل إنهم قد يعملون على ترسيخ هذا الموقف في نفوس الناس، بالتشنيع والتهويل، والاتهامات الباطلة! وكأن أولياء الله لا يخطئون أو كأنهم معصومون، وسوف يكون سكوتنا عن تخطئة أمثال ابن عربي مع قوله بها محفزًا لهم لاستعمالها في نشر شبهاتهم في التعددية وما يترتب عليها، ونحن نعلم أن ابن عربي لا يريد التعددية التي نشير إليها، ولكن هؤلاء لن يتوقفوا عند قصد ابن عربي وما يعتقد به، بل سوف يستعملون المسائل التي قال بها كما يستعملون المسائل التي قال بها غيره لإغراء الناس بالتسليم لنظرتهم التعددية، وهو ما سيجلب الوبال على الدين كله.
فإذا قمنا بالإعلان عن غلط هذه المسألة ولم نتوقف في تخطئتها حتى وإن كان بعض العلماء قد قالوا بها، فبعض العلماء قد يغلطون، فإننا نكون قد حققنا منهجية أهل السنة على وجه الحقيقة بالتنبيه على أغلاط بعض العلماء في علم التوحيد وفي غيره من العلوم، ولم يكن يمنعهم مكانة العالم سواء كان متكلما أو صوفيا أو أصوليا أو فقيها عن الإعلان عن غلطه فيما قرره. فإن هذا سيكون حائط سد ووقاية عظيمة لدين المسلمين من خطر نراه وشيكا.
والله هو المستعان وعليه التكلان، ونسأل الله تعالى حسن الختام.
يتبع.............
موقف الجيلي من عذاب أهل النار.pdf
موقف الجيلي
من عذاب الكفار في النار
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
مقدمة:
سنحاول في هذا البحث الموجز بيان موقف الشيخ عبد الكريم الجيلي في كتاب الإنسان الكامل( ) من عذاب النار وأهلها، وعلاقة ذلك بابن عربي، وفيما إذا كان له تأثر به أم لا، وما إذا كان يوافقه أو يخالفه؟
والغرض من هذا البحث أساساً ليس مجرد دراسة آراء الجيلي الموافق في كثير من الأصول لمدرسة ابن عربي، بل المراد منه زيادة على ذلك إظهار أن كثيرا من التصورات والآراء والتعليلات التي يقررها في هذه المسألة، فيها خلاف واضح مع طريقة أهل السنة في معالجة الأمور، وفي فهم النصوص، وفي استنباط الأدلة واعتماد الأحكام.
وبالتالي فإنه من الواضح أن ينتج لدى هذه المدرسة آراء وأحكام ومناهج استدلالية مخالفة لبعض آراء أهل السنة، وأن هذه الآراء يستحيل عند أهل العقل أن يقال إنها ظهرت عرَضا في كلامهم (أي كلام ابن عربي والجيلي...الخ) وأنهم لم يقصدوا المعاني الظاهرة منها، فإن كل من يقرأ كلامهم، يعرف تماما خطأ هذا التصور، فإنهم يبنون على قواعد وتصورات خاصة بهم، ويبنون مذهبا خاصا بهم، بغض النظر وافق أهل السنة أو خالفهم، فهم يعتقدون في أنفسهم أنهم بلغوا درجة من القدرة والعلم بحيث يصح لهم أن يقولوا في الدين قولا خاصا، ولهم الحق في ذلك، ولكن ليس لهم الحق أن يزعموا أنهم موافقون في الأصول لأهل السنة، كما أنه ليس لبعض المنتسبين إلى أهل السنة الحق أن يزعموا أن هذه المدرسة مع كل ما نلاحظه في آرائها من اختلافات وما في تعليلاتها من اعتبارات، وما في أحكامها من تناقضات مع أهل السنة أنَّ أتباعها موافقون لأهل السنة! أو أنهم لم يقصدوا في كلامهم الظاهر الخلاف لأهل السنة ما يظهر لنا منه، وأنه لا بد أن يكون هناك وجه أو معنى خاص عرفناه أو لم نعرفه وذلك الوجه أو المعنى موافق لأهل السنة، لا يجوز ذلك مع كل ما نراه من تصريحات بمخالفة آراء أهل السنة وأحكامهم ومناهجهم في النظر والاستدلال. وما مسألة عذاب أهل النار إلا مثال واحد على ما نقول.
ومع ظهور هذا الأمر، بل مع تصريح كبراء هذا المذهب والعارفين به أنهم لا يبالون بمخالفتهم لقواعد أهل السنة بمعنى أنهم لا يقيدون أنفسهم بها بل إن لهم قواعد وأصولاً أخرى رجحت في نظرهم، وإن لهم تصورات خاصة بهم، إلا أننا نستغرب عندما نرى بعض المنتسبين لأهل السنة يصرون مع ذلك كله على أن هؤلاء تابعون لأهل السنة! ولا ندري ما هي أصول أهل السنة التي بناء عليها يصح هذا الفهم الغريب للنصوص المتعلقة بعذاب أهل النار، وبطريقة التخريج للنصوص التي لا نرى لها ما يشابهها في المناهج المعتبرة عند أهل السنة.
ونستغرب من حرص بعض المنتسبين لأهل السنة الذين يبذلون كل جهد لتأويل كلام ابن عربي في بعض المسائل، وسيبذلون كل ما يطيقون كذلك لتأويل كلام الجيلي، فقط لأنهم اعتقدوا أن الأصل أنه موافق لأهل السنة، حسنا لو كان الأصل هو ذلك، أفلا يجوز عقلا وواقعا أنه بعدما قطع أشواطا من النظر والتأمل بطريقته التي اعتمدها، توصل إلى أمور وأحكام وتصورات مخالفة لأهل السنة! نعم إن ذلك جائز، فإذا كان هذا محتملا بل واقعاً، فمن أين يجب علينا أن نبقى على القول بأن فلاناً هو دائما موافق لأهل السنة، إلى أن يصل بعضهم إلى اعتبار أقواله معتبرة عند أهل السنة لمجرد انتسابه إلى أهل السنة بوجه ما، دون ان يكون هناك مراجعة للقواعد والأدلة التي بنى عليها تلك الأقوال!
وقد بينا أن هناك فرقا بين أن يكون بعض العلماء قد قال قولا مخرَّجا على أصول أهل السنة، وبين أن يكون بعض علماء أهل السنة ممن يعتبر نفسه مجتهدا إلى درجة أن يسلك من مسالك النظر ما يخالف أهل السنة في نتائجه أو في دلائله، وهو من حيث هو مجتهد في نظر نفسه، ينبغي عليه الالتزام بقوله ما دام يعتبره أرجح من قول أهل السنة، هذا متصور، ولكن غير المتصور أن ترى بعض أهل السنة الذين ينظرون في قوله، ويرون تباعد رأيه عن رأي أهل السنة، ويعرفون الافتراق بين مناهجه النظرية والدلالية وبين ما اعتمده أهل السنة، بحيث يفضي به ذلك إلى مخالفة أهل السنة في بعض الأحكام، تراهم مصرين على القول بأنه ما دام من أهل السنة ولو في ابتداء أمره فينبغي علينا أن نعد قوله موافقاً لأهل السنة! وأيضاً ينبغي علينا أن نقول إن قوله معتبر عند أهل السنة ولا يجوز لنا أن نقول بغلطه فيه! هذا التصرف مستغرب جداً ومخالف بلا ريب للأصول الفقهية والعقدية والقواعد المرعية والمناهج السديدة.
ومن جهة أخرى: نستغرب عندما نرى بعض هؤلاء مصراً على أن هذه الأقوال الظاهرة في مخالفة أهل السنة، لا بدَّ أن يتمّ تأويلها، وحملها على معانٍ موافقة لأهل السنة، حتى لو أدى ذلك إلى إكراه نصوصه وكلامه وقسرها على خلاف دلالاتها، حتى وإن كان ذلك بغير قرائن راجحة، مع رؤيتهم رجحان وظهور عباراته في المعاني المذكورة.
ونستغرب أيضا عندما نرى بعض المنتسبين لأهل العلم يحاولون إجبار غيرهم على السير في هذا المسار على سبيل التعيين، أعني: إنهم يرفضون قول من يقول:
[إن رأي ابن عربي غير قابل للتأويل تأويلا راجحا غير متعسف، بل إنه ظاهر فيما ينسب إليه من معنى بحسب الدلالات المعتبرة، وبحسب ألفاظه الواردة بعدة أساليب وفي غير موضع، وأن ظهور هذه المعاني ثابت من عدة جهات بحيث يكون محاولة تأويلها مكابرة أو قريبا منها.
ويقول هؤلاء: إن ما يُزْعَمُ أنه مدسوس لم تقم عندنا شواهد كافية على أنه مدسوس عليه، بل إن الظواهر والقرائن على ثبوت نسبته لابن عربي هي الأكثر ثبوتا والأرجح.
ويقول هذا الفريق من الباحثين والعلماء: قول ابن عربي في نفسه باطل، باعتبارين:
الاعتبار الأول: من حيث بطلان ما يستدلون به عليه من معاني الآيات والأحاديث.
والاعتبار الثاني: من حيث إنه غير متوافق أيضاً مع أصول أهل السنة والجماعة.
أي إنهم يقولون: بأن نسبة الكلام لابن عربي ثابتة، ولا موجب للتشكيك فيها، ودلائله على المعاني محل الخلاف ظاهرة أيضا، فلا مجال لتأويلها تأويلا معتبراً، وإن هذه المعاني نفسها غير صحيحة باعتبار أدلة الكتاب والسنة، وباعتبار القواعد التي صرح بها أهل السنة والأحكام التي قرروها]
نقول: نستغرب أن يوجد أناس يحاولون قَسْرَ مَنْ يقول بهذا القول على تغيير رأيه، وإلا فإنه يكون من المفسدين الطاعنين في الأشخاص والذين يحاولون عمل فتنة، ويطعنون في الصوفية هكذا على العموم، ويقدحون في أولياء الله تعالى! وكأن أولياء الله تعالى يصح لهم أن يقولوا ما يخالف ظاهر كلام الله تعالى وهم في صحوهم!؟ لا مرة واحدة بل مرات ومرات، ومع ذلك فإن على الجميع أن يسكتوا ولا يخالفوهم في ذلك أبداً، ولا يعترضوا عليهم!
نعم إننا نرى أن موقف هذه الطائفة المتعنتة المتشددة المنكرة على أصحاب هذا الرأي المبين آنفاً موقف باطل أخلاقيا وعلمياً.
وأيضا لنا أن نستغرب من بعض العلماء عندما يصرون على القول بأن هذه المسائل الواردة في كتب ابن عربي أو الجيلي أو غيرهما مدسوسة عليهم، وبعضهم يقول إنها قد دسها بعض اليهود عليهم! وهذا يبعث على الاستغراب، ولعمر الحق إن هذا الرأي إن لم يؤيده قرائن علمية كافية فإنه غير معتبر، ولا ينبغي الالتفات إليه أصلاً.
وقد يقول قائل: إننا ما دمنا افترضنا أن فلانا من أهل السنة، إذن يستحيل أن يصدر عنه ما يخالف أهل السنة خصوصا في الأصول والمسائل العظيمة كهذه المسألة، ويقولون إن هذا الاعتبار كافٍ في نظرهم لأن يقولوا إن جميع ما ورد عنه مما يخالف أهل السنة، إما مدسوس عليه، أو ينبغي تأويله، إن أطقنا تأويله وحمله بحسب قوانين التأويل المعتبرة فذاك -وقد مرَّ بيان الرأي في هذا المسلك-، وإلا فلنفرض أن لعباراته معاني لا ندركها نحن، فإنهم يستعملونها بحسب اصطلاحات خاصة لا ندريها ولا نعرفها، ولكنها قطعا لا تدل في نهاية الأمر على ما يخالف أهل السنة.
والحقيقة أن هذا الموقف أشد ما يبعث صاحبه عليه شدة الحرص على عدم الحكم بأن فلانا خرج عن أقوال أهل السنة، أو أنه قال قولا يعتبره هو مخالفا لدلائل القرآن، وبناء على حسن ظنه وثقته بفلان تراه جازما بأن هذه العبارات قلت أو كثرت، لا بد من حملها على ما لا يخالف أهل السنة، نعم هكذا! سواء عرفنا لها معنى معينا، أو لم نعرف، وسواء كان لدينا قرينة خاصة راجحة على هذا الحمل أو لم يكن إلا حسن ظننا وثقتنا بفلان.
ولكن نحن نعتقد أن هذه النظرة لا تقوى على الصمود علمياً ولا تقف أمام النقد الجاد، فإن المجتهد العالم قد يخالف أهل السنة، وقد يخالف الفهم السائد عند أهل السنة لنصوص القرآن والسنة، وذلك راجع كما ترى إلى قناعته بسداد منهجه وصحة رؤيته، فهو عندما يقول ما يقول، لا يعتقد أنه مخالف للقرآن ولا أنه مصادم للحق، ولا أنه قائل بما لا ينبغي القول به، بل إنه يكون معتقدا بسلامة رأيه، ويكون عارفا أن رأيه هذا قد يصدم كثيرا من الناس الذين يعتبرونه من أهل السنة، لما فيه من الخلاف معهم.
فقولنا: إنه لا يمكن أن يخالف أهل السنة، ولا القرآن، ولا السنة -بحسب ما نفهمها نحن-، لا يكفي إذن للاعتماد عليه لكي نقول إنه لا بدَّ أن يكون موافقاً للمعاني والطرائق المعتمدة عند أهل السنة ولطريقتهم في فهم الآيات والنصوص الشرعية، فقد يكون هناك مصدوق آخر عنده لمعاني الكتاب والسنة، بل إن ذلك هو الاحتمال الراجح خصوصا مع كثرة النصوص الواردة عنه والموجودة في كتبه من النصوص المخالفة في دلالاتها الظاهرة لأهل السنة ولطريقة فهمهم للكتاب والسنة، أنه يعتقد أن ما يدلي به هو الحق، وأنه غاب عن أعلام أهل السنة، وأنه تنبه لأمر قد لا يكونون انتبهوا إليه! وأنه إذ يقول به فإنه يقول بما يعتقد أنه الحق.
وبناء عليه لا يصح أن يقال:
إنه لا يمكن أن يخالف مذهب أهل السنة. وبناء على ذلك ينبغي اتخاذ الموقف التالي من عباراته ومسائله التي قال بها، وذلك بأن يقال:
(هذه العبارات والمسائل التي تناولها في كتبها وبسط بحثه فيها، مما فيها خلاف ظاهر مع مذهب أهل السنة، هي إما مدسوسة عليه، أو مؤولة محمولة على معنى خاصٍّ، أي إن هذه العبارات باعتبار معناها الظاهر من الدلالات المعتبرة والذي نعلم أنه مخالف لأهل السنة ولأدلة القرآن الكريم:
-إما أن يكون لها معنى آخر نستطيع تعيينه وتمييزه ولو بتكلف ولو بأدنى احتمال.
-أو تكون هذه العبارات دالة على معنى غير معين عندنا ولا نعرفه نحن، بل صاحب الكلام يعرفه، وعلينا إهمال جميع الدلالات اللغوية والسياقية التي تنافي هذا الأمر! )
هذا مع كل ما نراه من تفاصيل يبديها في تجلية رأيه وبيان أحكامه وإظهار مستنده في ذلك كله، بحيث يكون مجموع ذلك كله وأفراده دالا على ذلك المعنى الظاهر المرفوض من أعلام أهل السنة ابتداءً، وتكون تلك القرائن والأساليب والتعبيرات بحيث لو اطلع عليه أي باحث أو أي عالم يندثر عنده بعد قراءتها احتمالُ أن يكون هذا الكلام مدسوساً عليه، ويبطل عنده أن يكون هذا الكلام مؤولا مصروفا عن ظاهره سواء إلى معنى معين عندنا أو إلى معنى غيره مجهول عندنا غير معين.
لا شكَّ في غرابة هذا الموقف، ولا ريب في خروجه عن قواعد العلم المطردة.
ويبدو أن بعض ما يحملهم على اللجوء إلى هذا الموقف خوفهم من مسارعتهم هم أو مسارعة بعض الناس إلى التكفير لمجرد معرفتهم بأنه يقول بهذه الأقوال على ظاهرها! فيندفعون إلى التلبس بكل هذه الطرائق التي نراها غريبة من ناحية علمية لدفع تهمة التكفير.
ولكن ماذا لو قيل لهم:
إنه حتى لو ثبتت هذه الأقوال إليه فليس التكفير بلازم بالضرورة، لأن الحكم بالتكفير له قوانينه الخاصة، فقد يدرأ التكفير لشبهة خاصة، أو قرينة خاصة، وهذه القرائن قد تكون غير مندرجة بالضرورة في القرائن والدلالات اللفظية التي كنا نبحث فيها من ناحية الكشف عن المعنى الذي يريده ابن عربي أو غيره من كلامه. فبيان معنى الكلام يعتمد على القرائن التي تُظْهِرُ المعاني، إما الحقيقة الوضعية أو الاستعمالية العرفية أو قرائن أخرة متصلة أو منفصلة، ولكنها كلها ينبغي أن تكون ظاهرة مرجحة لذلك الصرف! فإن كانت قرائن ضعيفة أو غير ذات تعلق بوظيفة إظهار المعنى المراد من الكلم المنظوم، فلا يلتفت إليها في حال إرادة الكشف عن المعنى الدلالي أو السياقي للكلام، ولكن قد تكون تلك القرائن معتبرة في دفع الكفر عنه. هذا احتمال.
واحتمال آخر:
قد لا يكون هو أصلاً مقتنعًا بلزوم الكفر على قوله، وهذا هو الظاهر وإلا لما قاله وقرره، نحن نعلم أنه لم يقله إلا لاعتقاده بصوابه وأرجحيته، وبالتالي فإنه قد لا يلتفت كثيرا لمن يكفره بناء على ما يراه هو -أي المكفِّر- لأن هذا الرأيَ غير معتبر عند صاحب هذا الرأي أصلاً.
ومن ناحية أخرى، فلو لم تكن المسألة مستلزمة بالضرورة للتكفير، ألا يكفي في خطورتها كونها مخالفة لظواهر النصوص، وألا يدفع كونها مرجوحة أيَّ واحد من أهل العلم لأن يضعها في محلها الصحيح، أي: من حيث كونها مبنية على طرائق غير معتبرة أصلا عند أهل السنة والجماعة! وذلك بأن يحكم عليها بانه غلط أو خطأ أو نحو ذلك...فإذا قال بهذا الرأي فلانٌ من الناس، ألا ينبغي الردُّ عليه لمجرد أنه اعتمد على أدلة مرجوحة أو ضعيفة جداً في الوصول إلى ما قال! فضلا عن أن تكون منزلة تلك الأدلة أدنى من ذلك.
إن مجموعة من المسائل التي قال بها ابن عربي قد لا يلزم عليها التكفير أصلا، ولكن ينبغي الردُّ عليها والكشف عن ضعفها على الأقل من وجهة نظر أعلام أهل السنة والمفسرين المعتبرين لديهم، حتى لو كانت هذه المسألة أو المسائل معتبرة وقوية في نظر ابن عربي نفسه، ولا أظنُّ أن ذلك مما يستغرب ولا يستبعد أصلاً.
وقد يقول قائل: إن إثبات مخالفة ابن عربي لأهل السنة في بعض المسائل، هو في الحقيقة محاولة لهدم التصوف! أو القدح في الأولياء!
وهذا الزعم مع انتشاره على ألسن بعض الناس الذين يبدو أنهم لا يحسنون صنعة العلم، بل لا يبرعون إلا في الإشاعات الباطلة، إلا أنه مما تضحك منه الثكلى. بيان ذلك:
أنا لو فرضنا أن ابن عربي ومن تبعه يقول بمجموعة من المسائل، وثبت فعلا أن هذه المسائل تعارض عقيدة أهل السنة، نقول لو ثبت ذلك، فمن أين يثبت أن الحكم بغلط ابن عربي فيها، يستلزم الحكم على الصوفية والأولياء جميعا بالخطأ والغلط، ومن أين يستلزم ذلك القدح في الأولياء وفي التصوف على ما يزعم هؤلاء المغرضون.
نقول أولا: إن مقام التصوف المبني على أصول صحيحة من ناحية العقيدة والفقه والتأصيل محفوظ عند أهل السنة بما لا يقدر واحد على نفيه، وقد كتب في ذلك أعلام العلماء مثل الكلاباذي والقشيري والشيخ زكرياء وغيرهم من أعلام أهل السنة. وأظنُّ أن هذه المقدمة متفق عليها لا ينكرها منكر متبع لأهل السنة.
أما ما يتعلق بالجواب عن السؤال فنقول اختصاراً:
إن الصوفية المنتسبين لأهل السنة والملتزمين بمذهبهم مخالفون لابن عربي في هذه المسائل الموجودة في كتبه التي تعارض مذهبَ أهل السنة، ولا يوافقونه عليها، ويرفضون أن يتبعها واحد من المريدين الملتزمين بأهل السنة أصلاً، ولذلك، فإنهم كما هو معلوم يمنعون أتباعهم من قراءة أكثر كتب ابن عربي لما فيها من أمثال هذه المسائل، حفاظا عليهم من أن يغتروا بها، وأكثر طلاب العلم لأجل هذه التحذيرات الشائعة بين مدارس أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين، ومن شتى المدارس الرفاعية النقشبندية والجيلانية والغزالية وغيرهم لا يقرأون كتب ابن عربي ولا يعرفون ما فيها.
وأيضاً: فقد صرح أكثر الصوفية من المتقدمين والمتأخرين من المحافظين على مذهب أهل السنة بالنكير على القائل بهذه المسائل، مثل مسألة تحول العذاب إلى عذوبة، بل كثير منهم وصفها بأنها كفر بما جاء به الله تعالى في الكتاب العزيز، وأنكروا على القائل بها، غاية الأمر عند هؤلاء أن كثيرا منهم يستبعد أن يكون ابن عربي قائلا بها فعلاً، بناء على طريقة الدس أو التأويل كما مضى، أما من حيث المعنى، فالكل موافق لنا في الإنكار على القائلين بهذه المسائل الباطلة.
فإن افترضنا أن ابن عربي يقول بهذه المسائل، أقول لو افترضنا، ذلك. وثبت أن هذه المسائل باطلة.
وثبت أن أكثر الصوفية والأولياء لا يقولون بها، وينكرون على من يقولون بها.
فمن أين يلزم بناء على ذلك أن إثبات قول ابن عربي بها هو في الحقيقة قادح في الصوفية هكذا بإطلاق، أو في الأولياء، أو أن هذا المسلك يهدم التصوف!
أليس من الظاهر أنَّ هذه الطريقة العجيبة من التفكير تتضمنُ كما هائلاً من المغالطات والتلبيسات المفضوحة!؟
غاية ما يلزم أن هؤلاء الذين كانوا يبرئون ابن عربي من القول بهذه المسائل الباطلة أو الخاطئة، كانوا مخطئين في ذلك الموقف.
ومن أين يستلزم ذلك القدحَ في التصوف وفي الأولياء؟
ومن أين يستلزم ذلك هدمَ التصوف أيها العقلاء؟!
لا يقول بالاستلزام إلا صاحب غرض أو هوى كما هو ظاهر!
ما الغرض من عرض رأي الجيلي في هذه المسألة؟
لما رأينا كثيرا من المشايخ يستغربون من إبداء رأينا في قول ابن عربي، ورأينا أن ابن عربي يقول فعلاً بهذه المسألة، ويقولون: لا داعي لأن تبالغوا في وجهة نظركم، فإن ثبت ما تقولون، فغايته أن واحدا من الناس هو ابن عربي قال بها، وليس في ذلك كثير من الخطر، فها نحن ننبه الناس من اتباع كتب ابن عربي، ونحذرهم من الاغترار به في ذلك. فالأمر مقصور عليه ولم نرَ أحدا تأثر به في هذا القول.
نقول:
إن هذا الرأي يعتمد على أن هذا الرأي مقصور على ابن عربي، وأنه لم يتابعه فيه أحد، لأن الأمر عندهم مبنيٌّ على كشف خاص أو ذوق خاص لابن عربي. فلا حاجة للخوف الشديد من هذا الأمر إذن.
والحقيقة أن هذا الموقف يحتاج قائله لأن يتنبه إلى أن ابن عربي أولا لم يبن رأيه على مجرد كشف، بل ناقش الحجج الشرعية التي يحتج بها أهل السنة على ما يقولون. وأقام في مقابلها حججاً بناء على تأويله وفهمه للنصوص الشرعية، وأضاف الكشف إلى ذلك مع تعليلات عقلية خاصة بمذهبه.
ونحن نرى أن هذا عبارة عن مذهب متكامل في هذه المسألة لأنه يحتوي على الحكم والتصور والدليل. ونرى أن هذا المجموع كله قد انتقل من ابن عربي لبعض الصوفية الذين راق لهم طريقة ابن عربي ومذهبه وفهمه لذلك كله. فقوله انتشر بين مجموعة معينة من الناس منهم من ينتسب لأول الأمر لأهل السنة ومنهم من حاله ليس كذلك. فأردنا إعطاء مثال واحد فقط على بعض الصوفية المشهورين من المتأثرين بابن عربي في أدلته وكشفه وذوقه، وقد اتبعه في أغلب ما قرره في هذه المسألة، ونراه قد صرح بذلك تصريحا، وإن كان له بعض التقييدات في بعض الجهات، ولكنه من ناحية عامة متابع لابن عربي في أكثر تأصيلاته فيها. ونعتقد أن إعطاء مثال على المتأثرين بابن عربي بواحد بوزن الجيلي له اعتبار عظيم عند العقلاء.
فهو من جهة يدلُّ على أن بعض الصوفية ممن يعتقد فيه أنه موافق لأهل السنة قد خالفهم أيضا في هذه المسألة تبعا لابن عربي، ومن جهة أخرى فهذا يدل على أن لهذا الرأي امتدادا في هذا المجال بعد حياة ابن عربي، ولا يبعد أيضا أن يكون هذا الاتجاه موجودا حاضرا عند هؤلاء حتى هذه اللحظة الزمانية التي نعيشها، بل نحن نعرف بيقين تحقق ذلك بين بعض المنتسبين للصوفية في بعض البلاد العربية وغير العربية. ولسنا الآن في معرض ذكر مَنْ قام بمتابعة ابن عربي سواء في هذه المسألة أو في غيرها من الأصول المخالفة لأهل السنة. ومع ذلك تراهم ينادون في ظاهر الأمر أنهم من أهل السنة ولا يقولون إلا بقول أهل السنة. فغرضنا الأصليُّ مناقشة المسائل لا التشنيع على الناس، وذكر ابن عربي والجيلي كان لازماً لما لا يخفى.
ولا يخفى ما لهذا الأمر والاعتبار من أثر عظيم غير محمود في تماسك مواقف أهل السنة وحسن عملهم في نشر مذهبهم بين العامة والخاصة، خصوصا إذا طرحت أمثال هذه المسائل التي تمسُّهم في صميم اعتقاداتهم التي لا يعرف كثير من الناس أنهم يقولون بها. ويتعللون بقولهم: إننا لا نعلن ذلك للعامة لما قد يلزم عن معرفة العوام لأمثال هذه المسائل في هذه الأحوال التي نعيشها من أثر سلبي، ويرون ذلك من الحكمة! ولذلك قد نراهم ينتظرون ظروفا أخرى تتيح لهم التصريح عما يعتقدون، بل إننا رأينا مَنْ يصرِّحُ بهذا المعنى على صفحات الإنترنت في بعض المسائل.
ويمكننا أيضا إعطاء مجموعة من الأمثلة على من وافق ابن عربي في طريقته في فهم هذه المسألة وتقريرها، ليعرف الباحثون أن لدراسة هذه المسألة أثرا مهما، وأن البحث فيها ليست بحثا في فراغ، لاعتقادهم أن صاحب هذا القول قد مات، ولا حاجة لنا إلى إعادة البحث في هذه المسألة مع موت صاحبها، نعم المنظر الأشهر -لهذه المسألة- قد مات، ولكن يبدو أنه ما زالت مجموعات متوالية حريصة على الحفاظ على هذه العقائد والأفهام من خلال عباءة أهل السنة والجماعة.
فنحن نحذر أهل السنة وغيرهم من الحريصين على اتباع الشرع الشريف من اتباع هذه الأقوال والتصورات الباطلة المبنية على أدلة متهاوية لأجل أن فلانا قال بها، كما نحذر المستهينين بطرح هذه البحوث بحجة أنه لا قائل بها وأن النقاش فيها نقاش مع أموات.
فنقول للفريق الأول:
احذر أن تتابع رأي من تبين أن قوله باطل ودليله متهاو لأجل أنه فلان، فأنت مكلف بما كلفك به ربك.
ونقول للفريق الثاني:
قد تحسن الظن ببعض الناس ممن تعتقد فيهم سلامة الجوهر فتظن أنهم موافقون لأهل السنة! ليصبح حسنُ ظنك بهم طريقا لهم لصرفك عن الحق الظاهر من الكتاب والسنة تدريجياً بناء على تلبسك بمحبتهم وخوفك من مخالفة أمرهم، أو قد يكون حسن ظنك بهم مما يقوي اعتقادك بما يرشدونك إليه من اعتقادات باطلة في نظر أهل السنة، وأنت غافل عن ذلك.
وإذا أضفنا لذلك كله ما نراه من نشاط هائل لموجة الإلحاد في هذا العصر، مع حرصهم على إثارة أي مسألة من شأنها أن تعينهم في نظراتهم المشككة في الدين، ومع ما نلاحظه ونرصده من ظهور دعوة التعددية الدينية الفلسفية التي وإن بدأت في الغرب، إلا أننا صرنا نجد حاليا مناصرين لها هنا وهناك من بني جلدتنا، ونحن على علم بأن هؤلاء يعرفون أن هذه المسائل قد قال بها فلان وفلان من المسلمين، ولا ريب في أن هؤلاء سوف يسرون جدا إذا لم يجدوا أحداً يجرؤ على تخطئة من قال بهذه المسائل لكونه صوفيا أو وليا من أولياء الله تعالى، بل إنهم قد يعملون على ترسيخ هذا الموقف في نفوس الناس، بالتشنيع والتهويل، والاتهامات الباطلة! وكأن أولياء الله لا يخطئون أو كأنهم معصومون، وسوف يكون سكوتنا عن تخطئة أمثال ابن عربي مع قوله بها محفزًا لهم لاستعمالها في نشر شبهاتهم في التعددية وما يترتب عليها، ونحن نعلم أن ابن عربي لا يريد التعددية التي نشير إليها، ولكن هؤلاء لن يتوقفوا عند قصد ابن عربي وما يعتقد به، بل سوف يستعملون المسائل التي قال بها كما يستعملون المسائل التي قال بها غيره لإغراء الناس بالتسليم لنظرتهم التعددية، وهو ما سيجلب الوبال على الدين كله.
فإذا قمنا بالإعلان عن غلط هذه المسألة ولم نتوقف في تخطئتها حتى وإن كان بعض العلماء قد قالوا بها، فبعض العلماء قد يغلطون، فإننا نكون قد حققنا منهجية أهل السنة على وجه الحقيقة بالتنبيه على أغلاط بعض العلماء في علم التوحيد وفي غيره من العلوم، ولم يكن يمنعهم مكانة العالم سواء كان متكلما أو صوفيا أو أصوليا أو فقيها عن الإعلان عن غلطه فيما قرره. فإن هذا سيكون حائط سد ووقاية عظيمة لدين المسلمين من خطر نراه وشيكا.
والله هو المستعان وعليه التكلان، ونسأل الله تعالى حسن الختام.
يتبع.............
تعليق