معنى الاستواء المطابق للبلاغة والتوحيد

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مرزوق مقبول الهضيباني
    طالب علم
    • Jun 2005
    • 106

    #1

    معنى الاستواء المطابق للبلاغة والتوحيد

    [ALIGN=CENTER]معنى الاستواء المطابق للبلاغة والتوحيد[/ALIGN]
    قال الباحث حامد بك عبد الرحمن:"
    قال تعالى: { إن ربّكم الله الذي خلق السماوات والأرضَ في ستة أيام ثم استوى على العرش يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمرَ والنجومَ مسخّرات بأمره، ألا له الخلق والأمرُ، تبارك اللهُ ربّ العالمين }[ الأعراف: 54 ].
    قبل الشروع في بيان المفهوم من الآية الشريفة، نضرب مثلاً في المخلوقات _ ولله المثل الأعلى _ بصفة تمهيد؛ لتقريب المعنى للعقول، فنقول وبالله تعالى التوفيق والإعانة:
    إننا إذا كلفنا مهندساً ميكانيكياً بعمل مكينة، فإنه يقوم بعملها وتركيبها خير قيام، ولكن إذا كلفناه بتشغيلها فقد يعجز إذا لم يكن كفواً لذلك العمل. وإذا كلفنا غيره بتشغيلها، ممن لهم خبرة بذلك، فإنه يقوم بالمأمور خير قيام، ولكن إذا كلفناه بإنشاء مثلها عجز إذا لم يكن كفؤاً لذلك العمل أيضاً. كما أنه لا يمكنه إصلاح عيوبها إذا تعطلت؛ لأنه لم يكن مباشراً لتركيبها. فلأجل الحصول على إنشاء مكينة تشتغل بانتظام مع ضمان عدم تعطيلها، يجب تكليف مهندس آخر أكفأ منهما ليقوم بالإنشاء والتركيب والتشغيل جميعاً.
    فالأول والثاني: كلاهما ناقص الخبرة والكفاءة، والثالث أكمل منهما، وهو الذي يصح أن يطلب منه هذا العمل مع الاطمئنان؛ لأنه لا يقوم به غيره.
    إذا علمت هذا، فالمفهوم من الآية لأول وهلة: أنه تعالى خلق السماوات والأرض، ثم دبرها وأمرها بما أراده منها فصارت مسخرة بأمره، فله الخلق والأمر، وهذا دليل على تمام القدرة، وإذن: يجب أن يفهم من " الاستواء " المعنى المطابق لذلك، مع ملاحظة البلاغة وقواعد اللغة.
    فنقول وبالله التوفيق:
    أولاً: حيث أن كلمة " خلق " فعل حادث، فما عطف عليه بـ" ثم " حادث أيضاً، والحادث لا يكون صفة لذات القديم جلّ وعلا.
    ثانياً: يجب أن يفهم من " استوى " المعنى الذي يصح أن يكون متأخراً عن خلق السماوات والأرض، وليس ذلك إلا الكناية عن تدبير الملك؛ فحسب اصطلاح اللغة: يقال " استوى فلان على سرير المُلك " كناية عن قيامه بتدبير المملكة، وإن لم يكن هناك سرير.
    وبذلك يكون المفهوم من " استوى " بمعنى " قام بتدبير المخلوقات ": مناسباً لخلق السماوات والأرض ومرتباً عليه؛ لأن التدبير لا يكون إلا بعد الخلق.
    ويؤيد ذلك: ما يفهم من قوله تعالى: { يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر، تبارك الله }، ولذلك يذكر الاستواء بعد الخلق دائماً.
    ويؤكده أيضاً: قوله تعالى: { ألا له الخلق والأمر }؛ فهو لفٌّ ونشر مرتب، فالخلق يشير إلى خلق السماوات والأرض، والأمر يشير إلى الاستواء على العرش.
    ويؤيد هذا المعنى: آية سورة يونس؛ لأن نصها { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يُدبّر الأمر }، فَذِكْر التدبير بعد الاستواء: هو كالتفسير له.
    ثالثاً: أما إذا فُهم من " استوى " معنى " جلس "! فينبني عليه جملة استحالات، وهي:
    أ- أن المعنى يكون هكذا ( أن الله تعالى خلق السماوات والأرض، ثم جلس تعلى على العرش )! وهذا يستلزم أنه قبل خلق السماوات والأرض لم يكن جالساً على العرش!
    ب- فأين كان جالساً؟ وإن لم يكن جالساً على العرش قبل خلقها، فما الداعي لجلوسه تعالى على العرش بعد خلقها؟ وما العلاقة بين خلقه تعالى لها وبين جلوسه تعالى على العرش؟ فهل لم يكن في إمكانه خلقها إلا وهو تعالى غير جالس على العرش؟
    ج- وهل كان العرش خالياً من الجلوس وقت خلق السماوات والأرض، أم كان مشغولاً بغيره تعالى؟
    د- وإن كان خالياً، فلماذا؛ فهل كان تعالى مستغنيا عن الجلوس عليه؟
    هـ- وإن كان تعالى مستغنيا عن العرش قبل خلق السماوات والأرض، فما أوجب احتياجه تعالى إليه؟
    و- وما الموجب لترتيب الجلوس على العرش على خلق السماوات والأرض؟ ولماذا لم الجلوس قبل خلقها؟ فالعقل يقضي بأن الجلوس بمعنى التدبير حاصل من بعد خلقها، أما مجرد الجلوس فلا معنى له ولا فائدة.
    ز- وإن عدم الجلوس أولاً ثم حصوله ثانياً بعد خلقها يستلزم الحركة بعد السكون، وهما حادثان، فكيف يتصف بهما القديم جل وعلا.
    ح- إنه لا تعظيم ولا بلاغة في ذكر مجرد الجلوس على العرش بعد خلق السماوات والأرض؛ لأنه يدل على حصول تعب استوجب الجلوس على العرش للاستراحة، كما أنه ليس مختصاً بالإله، ولا مدح فيه.
    ط- إن جلوس الملك على العرش ليس جلوساً عاديا، ولكنه له معنى خاص بإصدار الأوامر اللازمة لتدبيرهم المملكة، ولذلك يكون جلوسهم مصحوباً بإلقاء خطبة العرش لبيان تدبيرهم. أما جلوسهم المعتاد: فلا يكون على العرش أصلا، حتى ولو جلس على العرش في غير الميعاد المحدّد لبيان برنامج تدبيره فلا يعبّر عنه بأنه جالس على العرش، كما أن الملك يعتبر جالسا على العرش وإن كان متغيباً في جهات أخرى، فهذا الجلوس: كناية عن قيامه بالحكم والتدبير.
    ي- لو كان الجلوس صفة للذات الإلهية لكان قديماً، وهذا يستلزم إما قدم العرش ( وهذا محال )، وإما حدوث الجلوس وحدوث الذات الإلهية ( وهذا محال أيضاً ).
    ك- إن قيل: إنه تعالى فوق العرش، ولكنه يبعد عنه بمسافة! فهذا أيضا محال؛ لأنه ينافي الجلوس، ولأنه تعالى يكون محمولاً في الفضاء، ومحدوداً من أسفله، وهذا يستلزم تحديده تعالى من جميع الجهات؛ لضرورة تماثلها حكما، وهذا كله مستحيل على القديم جل وعلا.
    أما من جهة البلاغة: فنضع أمام عينك المعنى المفهوم على كِلا التفسيرين لكلمة " استوى "؛ لتحكم أيهما اللائق بعظمة الألوهية، وبلاغة القرآن العظيم، وأيهما المناسب لبيان كمال الألوهيّة وصفاتها.
    أ- أما المفهوم من الآية الشريفة على المعنى الأول لـ" استوى "، يكون كالآتي:
    إن ربكم الله العظيم، الذي ليس مثله شيء، والذي لا يعجزه شيء، والذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام دون أن يمسه لغوب ولا تعب، بل قال لهما " كونا " فكانتا كما أراد، ثم استوى برحمانيّته على عرش المملكة، وقام بتدبير مخلوقاته وتسخيرها بقدرته وعلمه، فصارت مسخرة بأمره ومشيئته، ومن تسخيره تعالى إياها: أنه يغشي الليل النهار بقدرته وحكمته، فجعله يطلبه حثيثاً. وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، فله تعالى خلقها جميعاً، وله أمرها جميعاً، ليس لأحد سواه شأن في كل ذلك، فتعالى وتبارك، ووسعت رحمته وقدرته وإرادته وعلمه كل ذلك؛ لأنه رب العالمين، فكيف يتعب؟! وكيف يحتاج لمعين؟! وكيف يكون له شريك؟!
    ويُفهم من الآية التي تليها في السورة: لذلك فادعوا ربكم الرحمن الذي ربّاكم برحمته ونعمه هذه التي سخرها لكم، العظيم المقدس عن صفات الحوادث، تضرعاً وخفية؛ لأنه لا يستحق دعاء العبودية من العبيد سواه، كما لا رب سواه، ولا قادر سواه، ولا غني على الإطلاق سواه، ولا قديم سواه.
    ب- والمفهوم منها على المعنى الثاني لـ" استوى "، يكون كالآتي:
    إن ربكم الله العظيم الذي ليس كمثله شيء، والذي لا يُعجزه شيء، والذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام دون أن يمسّه لغوب ولا تعب، بل قال لهما كونا فكانتا كما أراد، ثم جلس على العرش كما يجلس خلقه بعد أن لم يكن جالسا عليه! _ وعدم جلوسه عليه يوهم أنه كان تحته مع السماوات والأرض التي هي تحت العرش، ثم ارتفع إلى العرش فجلس عليه بعد خلق السماوات والأرض بكيفية توهم التشبيه بالعامل من الخلق، فإذا تعب من الوقوف في العمل جلس ليستريح _، يغشي الليل والنهار بقدرته وحكمته، فجعله يطلبه حثيثاً، وخلق الشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، فله تعالى خلقها جميعاً، وله أمرها جميعاً ليس لأحد سواه شأن في كل ذلك، فتعالى وتبارك وَوَسعت بركتُه ورحمتُه وقدرتُه وإرادتُه وعلمُه كل ذلك؛ لأنه رب العالمين، فكيف يتعب؟ وكيف يحتاج لمعين؟ وكيف يكون له شريك؟
    ويُفهم من الآية التي تليها: لذلك ادعوا ربكم الرحمن الذي رباكم برحمته ونعمه هذه التي سخرها لكم، العظيم المقدس عن صفات الحوادث، تضرعاً وخفية؛ لأنه لا يستحق دعاء العبودية من العبيد سواه، كما لا ربَّ سواه، ولا قادر سواه، ولا غني على الإطلاق سواه، ولا قديم سواه.
    فمعنى " جلس " مناقض لما قبلها وما بعدها من صفات.
    ج- فإذا تأملت في التفسيرين: وجدت أن معنى كلمة " استوى " في الأول متّفقة مع سياق التعظيم والتقديس، دالة على كبرياء الألوهيّة وسيطرتها على الممالك؛ فالاستواء على العرش: رمز للسيطرة التامّة.
    بخلاف معنى " استوى " في التفسير الثاني؛ فإنها اختلفت عما قبلها وما بعدها لفظاً ومعنى، لدرجة توجب الحكم بأنها _ أي: جلس _ ليست من القرآن، وأن معناها يشبه الهذيان والعبث في جميع معانيه، مما لا يليق بصفات المخلوق المدَّعي للعظمة والقدرة، فكيف بمن هو ربّ العظَمة والكبرياء والعِزة والقدرة التي لا نهاية لها، والغنى المطلق، وهذا وجه استحالة صحتها من جهة البلاغة أيضاً.
    فكل هذه الاستحالات نتجت من فرض معنى " استوى " بمعنى " جلس "، فإذا يجب أن يكون المفهوم منها مناسباً لمعنى تدبير الملك، أو معنى آخر يتفق مع ما قبلها وما بعدها، والله تعالى أعلم بمراده.
    أما الجلوس _ الذي يتخيله من لم يفهم دقائق اللغة والتقديس والبلاغة _: فهو خطأ خارج كل الخروج عن قواعد اللغة، وبذلك أرجو أن تزول الشبهة من أذهان الجامدين على الظواهر بدون ملاحظة قواعد اللغة وأصول البلاغة اللائقة بالقرآن العظيم، والله الهادي. "انتهى
    لا يفلح إمعة ؛ لكن من إذا سمع نداء الحق لباه وكان معه .
  • مرزوق مقبول الهضيباني
    طالب علم
    • Jun 2005
    • 106

    #2
    [ALIGN=CENTER] شرح المفهوم من آيات الاستواء على العرش
    بما يطابق أصول اللغة والتوحيد وبلاغة القرآن العظيم[/ALIGN]
    قال الباحث حامد بك عبد الرحمن:"قد أوضحنا في المقالة الأولى ما يجب فهمه من " الاستواء على العرش " المذكور في جملة آيات مع خلق السماوات والأرض، بأن المقصود: هو لازم معناه، وهو: تدبير المملكة الإلهية وتسخير ما فيها، وهو وصف فعلي تأثيره حاصل في السماوات والأرض وما فيها، لا وصف ذاتي كالعلم والحياة، وأثبتنا أن هذا هو الذي يصح أن يُنسب لربّ العالمين، دون الجلوس والاستقرار على العرش الذي ينبني عليه جملة استحالات عقلية ولغويّة، فضلاً عن استلزام التناقض بين آيات الاستواء وغيرها، وبين صفات الجلال والكمال الإلهية، وأخصها الفناء المطلق عن كل ما سواه، فمهما فرض في الاستقرار من نفي الكيفية فهو استقرار حاصل بعد أن لم يكن، وهذا وحده كاف لاستحالة اتصاف رب العزة والكبرياء والغنى المطلق به، فضلا عن الأدلة العقلية السابق ذكرها في تلك المقالة.
    ولزيادة تأكيد استحالته على الله تعالى، نورد الآيات المناقضة لمعنى الاستقرار على العرش، والأدلة الكونية، فنقول:
    [ من ] الآيات المناقضة لمعنى الاستقرار .. هي:
    أولا: قال الله تعالى في سورة الحديد: { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أين ما كنتم، والله بما تعملون عليم }.
    فإذا فهم من الاستواء والمعية ظاهرهما الذي هو " الظرفيّة المكانية " لزم التناقض؛ لأن الاستقرار على العرش يمنع المعية المكانية مع أهل الأرض، والتناقض في كلامه تعالى محال، ولزم اتصاف القديم جل وعلا بصفات الحوادث ( وهي المعية المكانية وما يتبعها ) وهو محال.
    فإن قيل: المقصود من المعية: لازمها، وهو " العلم "؛ بقصد التخلص من مماثلة الحوادث؟
    فالجواب: كذلك المقصود من الاستواء: لازمه، وهو تدبير المملكة الإلهية؛ لأن الموجب في الاستواء والمعية واحد، وهو: ضرورة ملاحظة التقديس عن مماثلة الحوادث.
    أ- وفضلا عن ذلك، فإن الموجبات لهم الاستواء بالتدبير أكثر من موجبات فهم المعية بلازمها _ كما سيأتي بيانه _، مناسب لمعنى التدبير للملكة، ومرتبط به في المعنى، بخلاف الاستقرار الذي لا يتوقف عليه التدبير.
    ب- كونه تعالى معنا بعلمه وصفاته كما يليق بتقديسه، وكونه بصيراً بأعمالنا، كل هذا يدل على المراقبة، والمراقبة تقتضي الإجراءات والتصرفات التي أرادها تعالى بكل مخلوق، وهذا كله يدخل ضمن التدبير، بخلاف الاستقرار.
    ثانياً: قال الله تعالى في سورة ق: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }، وفي سورة الواقعة: { ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون }.
    فلو فهم الاستواء على العرش بمعنى الاستقرار المكاني، لزم التناقض مع هذه الآيات، والتناقض في كلام الله تعالى محال.
    فإن قيل: إن الاستقرار هو بالأمر والحكم والتصرّف، رجع الأمر إلى معنى تدبير المملكة الذي أشرنا إليه.
    ثالثاً: قال الله تعالى في سورة الأنعام: { وهو الله في السماوات وفي الأرض، يعلم سرّكم وجهركم ويعلم ما تكسبون }.
    فلو فهم الاستواء بمعنى الاستقرار، للزم التناقض مع هذه الآية الشريفة، والتناقض في كلام الله تعالى محال.
    رابعاً: قال الله تعالى: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية }.
    فلو كان تعالى مستقراً على العرش لكان محمولاً بالملائكة المحمولين بقدرته، ولكانوا أقوى وأولى بتدبير الملك، ولكان مفتقراً لمن يحمله! وكل هذا من صفات الحوادث الفقراء العجزة، ولكنه تعالى قديم غنيّ عما سواه، قادر لا نهاية لقدرته.
    أما الأدلة الكونيّة، فهي:
    أولاً: بما أن الأرض كرويّة، والسماوات محيطة بها، والعرش فوق السماوات، فلو كان الاستواء على العرش بمعنى " الاستقرار المكاني " لزم اتصافه تعالى بما لا يليق بعلوِّه ورِفعة شأنه على خلقه، ولزم التغيّر في صفاته تعالى، وكل هذا محال للأدلة الآتية:
    أ- أن أهل الأرض يفهمون أن الله تعالى فوقهم على فرض أنه تعالى مستقر على العرش، ولكن إذا دارت الأرض نصف يوم رجاء الليل انعكس الأمر، فيفهمون أن رب العزة تعالى تحتهم، وهو محال من وجهين: ارتفاع المخلوق على الخالق جل وعلا، وتغيّر صفات الخالق سبحانه، وما أدى إلى المحال فهو محال.
    ب- إن أهل الأرض في القسم المقابل يفهمون أن رب العزة تعالى ليس فوقهم، بل تحتهم، وهذا محال؛ لأنه لا يصحّ أن الخالق تعالى فوق قوم وتحت آخرين. فإذا دارت الأرض نصف يوم انقلب حال هؤلاء فصاروا يفهمون أن رب العزة تعالى فوقهم بعد أن كان تعالى في نظرهم تحتهم، والتغير في صفات القديم محال.
    ثانياً: أن الاستقرار المكاني على العرش ضروري لملوك الأرض؛ لأنه يتوقف عليه الاعتراف بتقلّدهم الملك والخضوع لأوامرهم وأحكامهم. أما ملك الملوك والممالك فلا يتوقف ملكه على هذا؛ فإنه تعالى ملك قبل أن يخلق العرش وما حواه من السماوات والأرض، كما أنه تعالى قهر عباده على تنفيذ ما أراد، فكلهم مسخرون بقدرته طوعا وكَرْهاً، عرفوا أنه تعالى ملكهم أو لم يعرفوا، فنسبة الجلوس والاستقرار على العرش إليه تعالى محال؛ لأن فيه تشبيه بملوك الأرض، وإيهام أن الخضوع لإرادته يتوقف على هذا الاستقرار، وكل ذلك محال.
    ثالثا: لو كان الله تعالى مستقراً على العرش، لتخيّل الفكر مكاناً أعلى من العرش بآلاف الأميال، لجاز عقلاً أن يرتفع الإله تعالى إلى ذلك المكان الأعلى، فعدم ارتفاعه إليه يحتاج إلى مرجّح؛ لأنه لا ترجيح بلا مرجح، والاحتياج إلى المرجّح من صفات الحوادث، ولكنه تعالى قديم.
    رابعاً: لو كان تعالى مستقراً على العرش لاقتضى الحال أحد ثلاثة أمور: إما أن يكون تعالى مساوياً للعرش، أو زائداً عليه، أو ناقصاً عنه. وكل هذا تحديد وتقييد، وهما من صفات الحوادث، ولكنه تعالى قديم، وحيث أن فهم الاستواء على العرش بمعنى الاستقرار قد أدّى إلى هذه المحالات فهو محال.
    فإن قيل: فما حكمة وجود العرش؟ وما حكمة الإخبار بأنه تعالى استوى عليه؟ وما سبب توجّه الضمائر إلى العرش؟
    فالجواب: أن حكمة وجوده يعلمها الله تعالى، ولسنا مكلفين بالبحث عنها، ولكن يمكن فهم بعض الحكم، وهي:
    1- إنه تصدر منه الأوامر والأحكام إلى الملائكة لتنفذها في العوالم.
    2- أنه تعالى أخبر بأنه خلق السماوات والأرض ثم استوى على العرش يدبّر الأمر، وهذا هو سبب اتجاه السائلين بضمائرهم وأفكارهم للعرش، انتظاراً لتحقيق مسألتهم وإجابة ملتمسهم من ربهم ، لا أنه تعالى فوق العرش؛ كما أن المصلي يتجه بوجهه للقِبلة في الصلاة، وليس الله تعالى في القِبلة.
    ونؤيّد ذلك بمثال من أنفسنا: فإذا ذُكر الملك، فإن الفكر يتجه لقصره الذي هو محل حكمه، مع أن الملك قد يكون في أوروبا.
    ولكن هذه عادة الخيال لا العقل، ولا يتيسر للعبد ترك هذه العادة حتى يترقى عقله في المعرفة بالله تعالى، وتتمكن العقائد من قلبه فتصير كأنها مشهودة له على الدوام، فعند ذلك يتجه لربه تعالى بقلبه مع كمال التقديس والتعظيم، وهذا هو التوجه الحقيقي لله تعالى بالقلب. أما التوجه بالخيال: فليس حقيقياً؛ لأن الخيال لا يدرك الحقائق، لأن إدراكه معلول بالقياس على ما تدركه الحواس، والحواس لا قدم لها في إدراك الصفات الإلهية، فالخيال أعجز منها في ذلك.
    والمخطئ في فهم الاستواء بمعنى الاستقرار: جعل نفسه محكوماً بحواسه وخياله، كمن رأى السّراب فظنه ماء؛ طبقاً لحال عينه، وليس كذلك، أو من ركب القطار فظن أن الأرض تجري من تحته، وليس كذلك.
    فالعاقل: لا يقبل أن يكون عقله تحت حكم حواسّه، بل يجب عليه أن ينتفع بعقله، ويتصرف بذوقه في معاني القرآن العظيم، ويفهمها بما يتفق مع بلاغته، ومع التقديس الإلهي، ولا يكون كمن جاء لرسول الله ومعه خيط أبيض وخيط أسود ويسأله عن الوقت الذي يمكن فيه الامتناع عن الأكل ليلاً، مع أنهما يمكن تمييزهما من بعضهما طول مدة الليل، فأجابه بما معناه: ( ليس هذا يا عريض القفا، إنما المقصود: هو تبين النور من الظلام في مطلع الفجر ).
    فنسأل الله تعالى أن يلهم عقولنا وقلوبنا وبصائرنا معرفة الحق، والتمسّك به على الدوام، بحق فضله وإحسانه ورحمته وإكرامه لرسوله وأصحابه وأهل بيته ومشايخنا أجمعين.
    لا يفلح إمعة ؛ لكن من إذا سمع نداء الحق لباه وكان معه .

    تعليق

    يعمل...