[ALIGN=CENTER]معنى الاستواء المطابق للبلاغة والتوحيد[/ALIGN]
قال الباحث حامد بك عبد الرحمن:"
قال تعالى: { إن ربّكم الله الذي خلق السماوات والأرضَ في ستة أيام ثم استوى على العرش يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمرَ والنجومَ مسخّرات بأمره، ألا له الخلق والأمرُ، تبارك اللهُ ربّ العالمين }[ الأعراف: 54 ].
قبل الشروع في بيان المفهوم من الآية الشريفة، نضرب مثلاً في المخلوقات _ ولله المثل الأعلى _ بصفة تمهيد؛ لتقريب المعنى للعقول، فنقول وبالله تعالى التوفيق والإعانة:
إننا إذا كلفنا مهندساً ميكانيكياً بعمل مكينة، فإنه يقوم بعملها وتركيبها خير قيام، ولكن إذا كلفناه بتشغيلها فقد يعجز إذا لم يكن كفواً لذلك العمل. وإذا كلفنا غيره بتشغيلها، ممن لهم خبرة بذلك، فإنه يقوم بالمأمور خير قيام، ولكن إذا كلفناه بإنشاء مثلها عجز إذا لم يكن كفؤاً لذلك العمل أيضاً. كما أنه لا يمكنه إصلاح عيوبها إذا تعطلت؛ لأنه لم يكن مباشراً لتركيبها. فلأجل الحصول على إنشاء مكينة تشتغل بانتظام مع ضمان عدم تعطيلها، يجب تكليف مهندس آخر أكفأ منهما ليقوم بالإنشاء والتركيب والتشغيل جميعاً.
فالأول والثاني: كلاهما ناقص الخبرة والكفاءة، والثالث أكمل منهما، وهو الذي يصح أن يطلب منه هذا العمل مع الاطمئنان؛ لأنه لا يقوم به غيره.
إذا علمت هذا، فالمفهوم من الآية لأول وهلة: أنه تعالى خلق السماوات والأرض، ثم دبرها وأمرها بما أراده منها فصارت مسخرة بأمره، فله الخلق والأمر، وهذا دليل على تمام القدرة، وإذن: يجب أن يفهم من " الاستواء " المعنى المطابق لذلك، مع ملاحظة البلاغة وقواعد اللغة.
فنقول وبالله التوفيق:
أولاً: حيث أن كلمة " خلق " فعل حادث، فما عطف عليه بـ" ثم " حادث أيضاً، والحادث لا يكون صفة لذات القديم جلّ وعلا.
ثانياً: يجب أن يفهم من " استوى " المعنى الذي يصح أن يكون متأخراً عن خلق السماوات والأرض، وليس ذلك إلا الكناية عن تدبير الملك؛ فحسب اصطلاح اللغة: يقال " استوى فلان على سرير المُلك " كناية عن قيامه بتدبير المملكة، وإن لم يكن هناك سرير.
وبذلك يكون المفهوم من " استوى " بمعنى " قام بتدبير المخلوقات ": مناسباً لخلق السماوات والأرض ومرتباً عليه؛ لأن التدبير لا يكون إلا بعد الخلق.
ويؤيد ذلك: ما يفهم من قوله تعالى: { يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر، تبارك الله }، ولذلك يذكر الاستواء بعد الخلق دائماً.
ويؤكده أيضاً: قوله تعالى: { ألا له الخلق والأمر }؛ فهو لفٌّ ونشر مرتب، فالخلق يشير إلى خلق السماوات والأرض، والأمر يشير إلى الاستواء على العرش.
ويؤيد هذا المعنى: آية سورة يونس؛ لأن نصها { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يُدبّر الأمر }، فَذِكْر التدبير بعد الاستواء: هو كالتفسير له.
ثالثاً: أما إذا فُهم من " استوى " معنى " جلس "! فينبني عليه جملة استحالات، وهي:
أ- أن المعنى يكون هكذا ( أن الله تعالى خلق السماوات والأرض، ثم جلس تعلى على العرش )! وهذا يستلزم أنه قبل خلق السماوات والأرض لم يكن جالساً على العرش!
ب- فأين كان جالساً؟ وإن لم يكن جالساً على العرش قبل خلقها، فما الداعي لجلوسه تعالى على العرش بعد خلقها؟ وما العلاقة بين خلقه تعالى لها وبين جلوسه تعالى على العرش؟ فهل لم يكن في إمكانه خلقها إلا وهو تعالى غير جالس على العرش؟
ج- وهل كان العرش خالياً من الجلوس وقت خلق السماوات والأرض، أم كان مشغولاً بغيره تعالى؟
د- وإن كان خالياً، فلماذا؛ فهل كان تعالى مستغنيا عن الجلوس عليه؟
هـ- وإن كان تعالى مستغنيا عن العرش قبل خلق السماوات والأرض، فما أوجب احتياجه تعالى إليه؟
و- وما الموجب لترتيب الجلوس على العرش على خلق السماوات والأرض؟ ولماذا لم الجلوس قبل خلقها؟ فالعقل يقضي بأن الجلوس بمعنى التدبير حاصل من بعد خلقها، أما مجرد الجلوس فلا معنى له ولا فائدة.
ز- وإن عدم الجلوس أولاً ثم حصوله ثانياً بعد خلقها يستلزم الحركة بعد السكون، وهما حادثان، فكيف يتصف بهما القديم جل وعلا.
ح- إنه لا تعظيم ولا بلاغة في ذكر مجرد الجلوس على العرش بعد خلق السماوات والأرض؛ لأنه يدل على حصول تعب استوجب الجلوس على العرش للاستراحة، كما أنه ليس مختصاً بالإله، ولا مدح فيه.
ط- إن جلوس الملك على العرش ليس جلوساً عاديا، ولكنه له معنى خاص بإصدار الأوامر اللازمة لتدبيرهم المملكة، ولذلك يكون جلوسهم مصحوباً بإلقاء خطبة العرش لبيان تدبيرهم. أما جلوسهم المعتاد: فلا يكون على العرش أصلا، حتى ولو جلس على العرش في غير الميعاد المحدّد لبيان برنامج تدبيره فلا يعبّر عنه بأنه جالس على العرش، كما أن الملك يعتبر جالسا على العرش وإن كان متغيباً في جهات أخرى، فهذا الجلوس: كناية عن قيامه بالحكم والتدبير.
ي- لو كان الجلوس صفة للذات الإلهية لكان قديماً، وهذا يستلزم إما قدم العرش ( وهذا محال )، وإما حدوث الجلوس وحدوث الذات الإلهية ( وهذا محال أيضاً ).
ك- إن قيل: إنه تعالى فوق العرش، ولكنه يبعد عنه بمسافة! فهذا أيضا محال؛ لأنه ينافي الجلوس، ولأنه تعالى يكون محمولاً في الفضاء، ومحدوداً من أسفله، وهذا يستلزم تحديده تعالى من جميع الجهات؛ لضرورة تماثلها حكما، وهذا كله مستحيل على القديم جل وعلا.
أما من جهة البلاغة: فنضع أمام عينك المعنى المفهوم على كِلا التفسيرين لكلمة " استوى "؛ لتحكم أيهما اللائق بعظمة الألوهية، وبلاغة القرآن العظيم، وأيهما المناسب لبيان كمال الألوهيّة وصفاتها.
أ- أما المفهوم من الآية الشريفة على المعنى الأول لـ" استوى "، يكون كالآتي:
إن ربكم الله العظيم، الذي ليس مثله شيء، والذي لا يعجزه شيء، والذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام دون أن يمسه لغوب ولا تعب، بل قال لهما " كونا " فكانتا كما أراد، ثم استوى برحمانيّته على عرش المملكة، وقام بتدبير مخلوقاته وتسخيرها بقدرته وعلمه، فصارت مسخرة بأمره ومشيئته، ومن تسخيره تعالى إياها: أنه يغشي الليل النهار بقدرته وحكمته، فجعله يطلبه حثيثاً. وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، فله تعالى خلقها جميعاً، وله أمرها جميعاً، ليس لأحد سواه شأن في كل ذلك، فتعالى وتبارك، ووسعت رحمته وقدرته وإرادته وعلمه كل ذلك؛ لأنه رب العالمين، فكيف يتعب؟! وكيف يحتاج لمعين؟! وكيف يكون له شريك؟!
ويُفهم من الآية التي تليها في السورة: لذلك فادعوا ربكم الرحمن الذي ربّاكم برحمته ونعمه هذه التي سخرها لكم، العظيم المقدس عن صفات الحوادث، تضرعاً وخفية؛ لأنه لا يستحق دعاء العبودية من العبيد سواه، كما لا رب سواه، ولا قادر سواه، ولا غني على الإطلاق سواه، ولا قديم سواه.
ب- والمفهوم منها على المعنى الثاني لـ" استوى "، يكون كالآتي:
إن ربكم الله العظيم الذي ليس كمثله شيء، والذي لا يُعجزه شيء، والذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام دون أن يمسّه لغوب ولا تعب، بل قال لهما كونا فكانتا كما أراد، ثم جلس على العرش كما يجلس خلقه بعد أن لم يكن جالسا عليه! _ وعدم جلوسه عليه يوهم أنه كان تحته مع السماوات والأرض التي هي تحت العرش، ثم ارتفع إلى العرش فجلس عليه بعد خلق السماوات والأرض بكيفية توهم التشبيه بالعامل من الخلق، فإذا تعب من الوقوف في العمل جلس ليستريح _، يغشي الليل والنهار بقدرته وحكمته، فجعله يطلبه حثيثاً، وخلق الشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، فله تعالى خلقها جميعاً، وله أمرها جميعاً ليس لأحد سواه شأن في كل ذلك، فتعالى وتبارك وَوَسعت بركتُه ورحمتُه وقدرتُه وإرادتُه وعلمُه كل ذلك؛ لأنه رب العالمين، فكيف يتعب؟ وكيف يحتاج لمعين؟ وكيف يكون له شريك؟
ويُفهم من الآية التي تليها: لذلك ادعوا ربكم الرحمن الذي رباكم برحمته ونعمه هذه التي سخرها لكم، العظيم المقدس عن صفات الحوادث، تضرعاً وخفية؛ لأنه لا يستحق دعاء العبودية من العبيد سواه، كما لا ربَّ سواه، ولا قادر سواه، ولا غني على الإطلاق سواه، ولا قديم سواه.
فمعنى " جلس " مناقض لما قبلها وما بعدها من صفات.
ج- فإذا تأملت في التفسيرين: وجدت أن معنى كلمة " استوى " في الأول متّفقة مع سياق التعظيم والتقديس، دالة على كبرياء الألوهيّة وسيطرتها على الممالك؛ فالاستواء على العرش: رمز للسيطرة التامّة.
بخلاف معنى " استوى " في التفسير الثاني؛ فإنها اختلفت عما قبلها وما بعدها لفظاً ومعنى، لدرجة توجب الحكم بأنها _ أي: جلس _ ليست من القرآن، وأن معناها يشبه الهذيان والعبث في جميع معانيه، مما لا يليق بصفات المخلوق المدَّعي للعظمة والقدرة، فكيف بمن هو ربّ العظَمة والكبرياء والعِزة والقدرة التي لا نهاية لها، والغنى المطلق، وهذا وجه استحالة صحتها من جهة البلاغة أيضاً.
فكل هذه الاستحالات نتجت من فرض معنى " استوى " بمعنى " جلس "، فإذا يجب أن يكون المفهوم منها مناسباً لمعنى تدبير الملك، أو معنى آخر يتفق مع ما قبلها وما بعدها، والله تعالى أعلم بمراده.
أما الجلوس _ الذي يتخيله من لم يفهم دقائق اللغة والتقديس والبلاغة _: فهو خطأ خارج كل الخروج عن قواعد اللغة، وبذلك أرجو أن تزول الشبهة من أذهان الجامدين على الظواهر بدون ملاحظة قواعد اللغة وأصول البلاغة اللائقة بالقرآن العظيم، والله الهادي. "انتهى
قال الباحث حامد بك عبد الرحمن:"
قال تعالى: { إن ربّكم الله الذي خلق السماوات والأرضَ في ستة أيام ثم استوى على العرش يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمرَ والنجومَ مسخّرات بأمره، ألا له الخلق والأمرُ، تبارك اللهُ ربّ العالمين }[ الأعراف: 54 ].
قبل الشروع في بيان المفهوم من الآية الشريفة، نضرب مثلاً في المخلوقات _ ولله المثل الأعلى _ بصفة تمهيد؛ لتقريب المعنى للعقول، فنقول وبالله تعالى التوفيق والإعانة:
إننا إذا كلفنا مهندساً ميكانيكياً بعمل مكينة، فإنه يقوم بعملها وتركيبها خير قيام، ولكن إذا كلفناه بتشغيلها فقد يعجز إذا لم يكن كفواً لذلك العمل. وإذا كلفنا غيره بتشغيلها، ممن لهم خبرة بذلك، فإنه يقوم بالمأمور خير قيام، ولكن إذا كلفناه بإنشاء مثلها عجز إذا لم يكن كفؤاً لذلك العمل أيضاً. كما أنه لا يمكنه إصلاح عيوبها إذا تعطلت؛ لأنه لم يكن مباشراً لتركيبها. فلأجل الحصول على إنشاء مكينة تشتغل بانتظام مع ضمان عدم تعطيلها، يجب تكليف مهندس آخر أكفأ منهما ليقوم بالإنشاء والتركيب والتشغيل جميعاً.
فالأول والثاني: كلاهما ناقص الخبرة والكفاءة، والثالث أكمل منهما، وهو الذي يصح أن يطلب منه هذا العمل مع الاطمئنان؛ لأنه لا يقوم به غيره.
إذا علمت هذا، فالمفهوم من الآية لأول وهلة: أنه تعالى خلق السماوات والأرض، ثم دبرها وأمرها بما أراده منها فصارت مسخرة بأمره، فله الخلق والأمر، وهذا دليل على تمام القدرة، وإذن: يجب أن يفهم من " الاستواء " المعنى المطابق لذلك، مع ملاحظة البلاغة وقواعد اللغة.
فنقول وبالله التوفيق:
أولاً: حيث أن كلمة " خلق " فعل حادث، فما عطف عليه بـ" ثم " حادث أيضاً، والحادث لا يكون صفة لذات القديم جلّ وعلا.
ثانياً: يجب أن يفهم من " استوى " المعنى الذي يصح أن يكون متأخراً عن خلق السماوات والأرض، وليس ذلك إلا الكناية عن تدبير الملك؛ فحسب اصطلاح اللغة: يقال " استوى فلان على سرير المُلك " كناية عن قيامه بتدبير المملكة، وإن لم يكن هناك سرير.
وبذلك يكون المفهوم من " استوى " بمعنى " قام بتدبير المخلوقات ": مناسباً لخلق السماوات والأرض ومرتباً عليه؛ لأن التدبير لا يكون إلا بعد الخلق.
ويؤيد ذلك: ما يفهم من قوله تعالى: { يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر، تبارك الله }، ولذلك يذكر الاستواء بعد الخلق دائماً.
ويؤكده أيضاً: قوله تعالى: { ألا له الخلق والأمر }؛ فهو لفٌّ ونشر مرتب، فالخلق يشير إلى خلق السماوات والأرض، والأمر يشير إلى الاستواء على العرش.
ويؤيد هذا المعنى: آية سورة يونس؛ لأن نصها { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يُدبّر الأمر }، فَذِكْر التدبير بعد الاستواء: هو كالتفسير له.
ثالثاً: أما إذا فُهم من " استوى " معنى " جلس "! فينبني عليه جملة استحالات، وهي:
أ- أن المعنى يكون هكذا ( أن الله تعالى خلق السماوات والأرض، ثم جلس تعلى على العرش )! وهذا يستلزم أنه قبل خلق السماوات والأرض لم يكن جالساً على العرش!
ب- فأين كان جالساً؟ وإن لم يكن جالساً على العرش قبل خلقها، فما الداعي لجلوسه تعالى على العرش بعد خلقها؟ وما العلاقة بين خلقه تعالى لها وبين جلوسه تعالى على العرش؟ فهل لم يكن في إمكانه خلقها إلا وهو تعالى غير جالس على العرش؟
ج- وهل كان العرش خالياً من الجلوس وقت خلق السماوات والأرض، أم كان مشغولاً بغيره تعالى؟
د- وإن كان خالياً، فلماذا؛ فهل كان تعالى مستغنيا عن الجلوس عليه؟
هـ- وإن كان تعالى مستغنيا عن العرش قبل خلق السماوات والأرض، فما أوجب احتياجه تعالى إليه؟
و- وما الموجب لترتيب الجلوس على العرش على خلق السماوات والأرض؟ ولماذا لم الجلوس قبل خلقها؟ فالعقل يقضي بأن الجلوس بمعنى التدبير حاصل من بعد خلقها، أما مجرد الجلوس فلا معنى له ولا فائدة.
ز- وإن عدم الجلوس أولاً ثم حصوله ثانياً بعد خلقها يستلزم الحركة بعد السكون، وهما حادثان، فكيف يتصف بهما القديم جل وعلا.
ح- إنه لا تعظيم ولا بلاغة في ذكر مجرد الجلوس على العرش بعد خلق السماوات والأرض؛ لأنه يدل على حصول تعب استوجب الجلوس على العرش للاستراحة، كما أنه ليس مختصاً بالإله، ولا مدح فيه.
ط- إن جلوس الملك على العرش ليس جلوساً عاديا، ولكنه له معنى خاص بإصدار الأوامر اللازمة لتدبيرهم المملكة، ولذلك يكون جلوسهم مصحوباً بإلقاء خطبة العرش لبيان تدبيرهم. أما جلوسهم المعتاد: فلا يكون على العرش أصلا، حتى ولو جلس على العرش في غير الميعاد المحدّد لبيان برنامج تدبيره فلا يعبّر عنه بأنه جالس على العرش، كما أن الملك يعتبر جالسا على العرش وإن كان متغيباً في جهات أخرى، فهذا الجلوس: كناية عن قيامه بالحكم والتدبير.
ي- لو كان الجلوس صفة للذات الإلهية لكان قديماً، وهذا يستلزم إما قدم العرش ( وهذا محال )، وإما حدوث الجلوس وحدوث الذات الإلهية ( وهذا محال أيضاً ).
ك- إن قيل: إنه تعالى فوق العرش، ولكنه يبعد عنه بمسافة! فهذا أيضا محال؛ لأنه ينافي الجلوس، ولأنه تعالى يكون محمولاً في الفضاء، ومحدوداً من أسفله، وهذا يستلزم تحديده تعالى من جميع الجهات؛ لضرورة تماثلها حكما، وهذا كله مستحيل على القديم جل وعلا.
أما من جهة البلاغة: فنضع أمام عينك المعنى المفهوم على كِلا التفسيرين لكلمة " استوى "؛ لتحكم أيهما اللائق بعظمة الألوهية، وبلاغة القرآن العظيم، وأيهما المناسب لبيان كمال الألوهيّة وصفاتها.
أ- أما المفهوم من الآية الشريفة على المعنى الأول لـ" استوى "، يكون كالآتي:
إن ربكم الله العظيم، الذي ليس مثله شيء، والذي لا يعجزه شيء، والذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام دون أن يمسه لغوب ولا تعب، بل قال لهما " كونا " فكانتا كما أراد، ثم استوى برحمانيّته على عرش المملكة، وقام بتدبير مخلوقاته وتسخيرها بقدرته وعلمه، فصارت مسخرة بأمره ومشيئته، ومن تسخيره تعالى إياها: أنه يغشي الليل النهار بقدرته وحكمته، فجعله يطلبه حثيثاً. وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، فله تعالى خلقها جميعاً، وله أمرها جميعاً، ليس لأحد سواه شأن في كل ذلك، فتعالى وتبارك، ووسعت رحمته وقدرته وإرادته وعلمه كل ذلك؛ لأنه رب العالمين، فكيف يتعب؟! وكيف يحتاج لمعين؟! وكيف يكون له شريك؟!
ويُفهم من الآية التي تليها في السورة: لذلك فادعوا ربكم الرحمن الذي ربّاكم برحمته ونعمه هذه التي سخرها لكم، العظيم المقدس عن صفات الحوادث، تضرعاً وخفية؛ لأنه لا يستحق دعاء العبودية من العبيد سواه، كما لا رب سواه، ولا قادر سواه، ولا غني على الإطلاق سواه، ولا قديم سواه.
ب- والمفهوم منها على المعنى الثاني لـ" استوى "، يكون كالآتي:
إن ربكم الله العظيم الذي ليس كمثله شيء، والذي لا يُعجزه شيء، والذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام دون أن يمسّه لغوب ولا تعب، بل قال لهما كونا فكانتا كما أراد، ثم جلس على العرش كما يجلس خلقه بعد أن لم يكن جالسا عليه! _ وعدم جلوسه عليه يوهم أنه كان تحته مع السماوات والأرض التي هي تحت العرش، ثم ارتفع إلى العرش فجلس عليه بعد خلق السماوات والأرض بكيفية توهم التشبيه بالعامل من الخلق، فإذا تعب من الوقوف في العمل جلس ليستريح _، يغشي الليل والنهار بقدرته وحكمته، فجعله يطلبه حثيثاً، وخلق الشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، فله تعالى خلقها جميعاً، وله أمرها جميعاً ليس لأحد سواه شأن في كل ذلك، فتعالى وتبارك وَوَسعت بركتُه ورحمتُه وقدرتُه وإرادتُه وعلمُه كل ذلك؛ لأنه رب العالمين، فكيف يتعب؟ وكيف يحتاج لمعين؟ وكيف يكون له شريك؟
ويُفهم من الآية التي تليها: لذلك ادعوا ربكم الرحمن الذي رباكم برحمته ونعمه هذه التي سخرها لكم، العظيم المقدس عن صفات الحوادث، تضرعاً وخفية؛ لأنه لا يستحق دعاء العبودية من العبيد سواه، كما لا ربَّ سواه، ولا قادر سواه، ولا غني على الإطلاق سواه، ولا قديم سواه.
فمعنى " جلس " مناقض لما قبلها وما بعدها من صفات.
ج- فإذا تأملت في التفسيرين: وجدت أن معنى كلمة " استوى " في الأول متّفقة مع سياق التعظيم والتقديس، دالة على كبرياء الألوهيّة وسيطرتها على الممالك؛ فالاستواء على العرش: رمز للسيطرة التامّة.
بخلاف معنى " استوى " في التفسير الثاني؛ فإنها اختلفت عما قبلها وما بعدها لفظاً ومعنى، لدرجة توجب الحكم بأنها _ أي: جلس _ ليست من القرآن، وأن معناها يشبه الهذيان والعبث في جميع معانيه، مما لا يليق بصفات المخلوق المدَّعي للعظمة والقدرة، فكيف بمن هو ربّ العظَمة والكبرياء والعِزة والقدرة التي لا نهاية لها، والغنى المطلق، وهذا وجه استحالة صحتها من جهة البلاغة أيضاً.
فكل هذه الاستحالات نتجت من فرض معنى " استوى " بمعنى " جلس "، فإذا يجب أن يكون المفهوم منها مناسباً لمعنى تدبير الملك، أو معنى آخر يتفق مع ما قبلها وما بعدها، والله تعالى أعلم بمراده.
أما الجلوس _ الذي يتخيله من لم يفهم دقائق اللغة والتقديس والبلاغة _: فهو خطأ خارج كل الخروج عن قواعد اللغة، وبذلك أرجو أن تزول الشبهة من أذهان الجامدين على الظواهر بدون ملاحظة قواعد اللغة وأصول البلاغة اللائقة بالقرآن العظيم، والله الهادي. "انتهى
تعليق