قال الإمام الكبير حجة المتكلمين أبو المظفر الإسفراييني في كتابه التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين
الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة وبيان مفاخرهم ومحاسن أحوالهم ويقع في هذا الباب فصول ثلاثة :-
أحدها في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة
الثاني في بيان تحقيق النجاة لهم بالطرق التي ننبه عليها
الثالث في بيان فضائلهم
الفصل الأول في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة السليم عن جميع ما ذكرناه من الضلالات فهو:-
1- أن تعلم أن العالم بجميع أركانه وأجسامه وما يشتمل عليه من أنواع النبات والحيوانات وجميع الأفعال والأقوال والاعتقادات كلها مخلوق كائن عن أول حادث بعد ان لم يكن شيئا ولا عينا ولا ذاتا ولا جوهرا ولا عرضا والدليل على حدوثها أنها تتغير عليها الصفات وتخرج من حال إلى حال وحقيقة التغيرات أن تبطل حالة وتحدث أخرى فأما الحالة التي حدثت فحدوثها معلوم بالضرورة والمشاهدة وما كان ضروريا لم يفتقر إلى الإستدلال عليه ولا يجوز أن يقال أنها انتقلت من باطن الجسم إلى ظاهره لاستحالة الانتقالات على الصفات وأما الحالة التي بطلت لو كانت قديمة لم تبطل فبطلانها يدل على حدوثها لأن القديم لا يبطل وإنما قلنا إن القديم لا يبطل لأن خروج الذات عن صفة واجبة له في حال محال لأنها لو جاز خروجها عن تلك الصفة لصارت جائزة الوجود وما كان واجب الوجود لا يصير جائز الوجود كما أن جائز الوجود لا يصير واجب الوجود بحال لأنهما صفتان متناقضتان وإذا تقرر هذه الجملة أن صفات الأجسام مخلوقة ثبت أن الأجسام مخلوقة لأن ما لا يخلو من الحوادث لا يستحق أن يكون محدثا بالكسر وما لا يستحق أن يكون محدثا كان محدثا بالفتح مثلها وقد نبه الله تعالى في كتابه على تحقيق هذه الدلالة وأثنى عليها وسماها حجة ومن علي الخليل إبراهيم عليه السلام بإلهام هذه الدلالة إياه وجعلها سببا لرفع درجته حيث قال وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين إلى قوله نرفع درجات من نشاء إن ربك عليم حكيم استدل بالتغير على حدوث الكواكب والشمس والقمر ثم إن الله تعالى نبه على هذه الطريقة من الإستدلال والإحتجاج فقال إن في خلق السموات والأرض وإختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب وقال وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إلى قوله إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله في السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون .
2- وأن تعلم أن المخلوق لا بد له من خالق لأن الأجسام لو كانت بأنفسها مع تجانس ذواتها لم تختلف بالصفات والأوقات والأحوال والمحال فلما اختلفت علمنا أن لها مخصصا قدم ما قدم وأخر ما أخر وخص كل واحد منها بما اختص به من الصفات لولاه لم يقع الاختصاص في شيء من الأوصاف لأن الاختصاص بأحد الجائزين يقتضي مخصصا لولاه لم يقع التخصيص به وقد نبه الله تعالى على أصل هذه الدلالة بقوله أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون معناه أم خلقوا من غير خالق كأنه قال من غير شيء خلقهم لما تقرر من استحالة ثبوتما ثبت بوصف الخلق من غير خالق خلق ولا صانع دبر وصنع وأنت تعلم أيضا أن خالق الخلق قديم لأنه لو كان محدثا لافتقر إلى محدث وكان حكم الثاني والثالث وما انتهى إليه كذلك وكان كل خالق يفتقر إلى خالق آخر لا إلى نهاية وكان يستحيل وجود المخلوق والخالق جميعا لأن ما شرط وجوده بوجود ما لا نهاية له من الأعداد قبله لم يتقرر وجوده لاستحالة الفراغ عما لا نهاية له لتنتهي النوبة إلى ما بعد وأصل هذه الدلالة في القرآن وهو قوله هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم فبين أنه كان قبل ما يشار إليه بأنه محدث وقوله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم والقيوم مبالغة من القيام وهو الثبات والوجود وهذا دليل على اتصافه بالوجود في جميع الأحوال وأنه لا يجوز وصفه بالعدم بحال وذلك حقيقة القدم وقوله تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير و تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا فإن البركة هي الثبات وأصله من البرك والبركة والبروك وتبارك مبالغة في معناه وهذا يوجب له الوجود في جميع الأحوال لم يزل ولا يزال وقد ورد في خبر عمران بن حصين أن النبي قال كان الله ولم يكن معه شيء وهذا يوجب الكون في جميع الأحوال.
3- وأن تعلم أن خالق العالم واحد لأنه لو كان اثنين ولم يقدر أحدهما على كتمان شيء من صاحبه كانت قدرتهما ناقصة متناهية وأن قدر أحدهما على كتمان شيء من صاحبه كان علم كل واحد منهما ناقصا متناهيا ومن كان علمه أو قدرته متناهيا ناقصا لم يكن إلها صانعا بل كان مخلوقا مصنوعا وقد نبه الله على هذه الدلالة بقوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وقال قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لا تبغوا إلى ذي العرش سبيلا وفي تحقيق التوحيد وردت سورة الإخلاص إلى آخرها وقوله تعالى قل إنما يوحي إلي إنما إلهكم إله واحد .
4- وأن تعلم أن الخالق لشيء ثابت موجود لا يجوز وصفه بالعدم لأن الخالق لا يكون خالقا إلا بأن يكون قادرا ولا يكون قادرا إلا والقدرة قائمة والمعدوم لا يقبل هذه الصفات وقال الله في تحقيقه الله لا إله إلا هو الحي القيوم وقال تعالى فتبارك الله رب العالمين وذلك يوجب الثبات والقيام والوجود في جميع الأحوال من غير تغير ولا زوال.
5- وأن تعلم أن الباري سبحانه وتعالى لا يجوز وصفه بالحاجة فإنه يلزمه أن يخرج من وصف الحاجة إلى وصف الإستغناء وذلك يتضمن بطلان صفة وحدوث صفة والقديم سبحانه وتعالى لا يجوز عليه البطلان ولا الحدوث واصلة قوله سبحانه وتعالى والله الغني وأنتم الفقراء بين بهذا أن صفة الحاجة والافتقار عليه محال.
6- وأن تعلم أن خالق العالم قائم بنفسه ومعناه أنه بوجوده مستغن عن خالق يخلقه وعن محل يحله وعن مكان يقله قال الله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم مبالغة عن القيام والثبات على الإطلاق من غير حاجة إلى صانع يصنعه أو موجد يوجده أو مكان يحله.
7 - وأن تعلم أن القديم سبحانه يرى وتجوز رؤيته بالأبصار لأن ما لا تصح رؤيته لم يتقرر وجوده كالمعدوم وكل ما صح وجوده جازت رؤيته كسائر الموجودات ودلائل هذه المسألة في كتاب الله كثيرة منها قوله تعالى تحيتهم يوم يلقونه سلام واللقاء إذا أطلق في اللغة وقع على الرؤية خصوصا حيث لا يجوز فيه التلاقي بالذوات والتماس بينهما ومنها قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ومنها قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ولا زيادة على نعيم الجنة غير رؤية الرب جل جلاله وقد ورد عن الرسول تفسير هذه الآية بذلك ومنها قوله في قصة موسى عليه السلام قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولو لم تكن الرؤية جائزة لكان لا يتمناها من هو موصوف بالنبوة وأيضا فإنه سبحانه وتعالى قال في جوابه لن تراني ولم يقل لن أرى وفيه دليل على أنه يصح أن يرى لأنه لو كان لا يصح رؤيته لكان يقول لن أرى ولما خص نفي الرؤية به ومنها قوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار يبين أن جميع الأبصار لا تدركه مفهومة أن بعضها يدركه ثم يبين الله سبحانه من يدرك ومن لا يدرك فقال وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وإن الوجوه الباسرة محجوبة عنه كما فرق بين الفريقين في قوله يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فالوجوه السود محجوبة عنه والوجوه البيض الناضرة نا ظرة إليه ثم أن النبي خص لأصحابه هذه الحالة فقال إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون ولا تضارون في رؤيته وفي الحديث قيد تحمل عليه آية الرؤية فكأنه قال لا تدركه الأبصار في غير القيامة وتدركه يومئذ فإن المطلق يحمل على المقيد .
8-وإن تعلم أن الخالق لا يشبه الخلق في شيء لأن مثل الشيء ما يكون مشاركا له في جميع أوصافه الجائزة والواجبة والمستحيلة ويعبر عنه بأن المثلين كل شيئين ينوب أحدهما مناب صاحبه ويسد مسده وأصله قوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وقوله ولم يكن له كفوا أحد وقوله هل تعلم له سميا.
9- وأن تعلم أن خالق العالم لا يجوز عليه الحد والنهاية لأن الشيء لا يكون مخصوصا بحد إلا أن يخصه مخصص بذلك الحد ويقرره على تلك النهاية بجواز غيره من الحدود عليه والصانع لا يكون مصنوعا ولا محدودا ولا مخصصا وأصله في كتاب الله تعالى قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم الآية مع قوله فأتى الله بنيانهم من القواعد ومع قوله الرحمن على العرش استوى ولو كان مخصوصا بحد ونهاية وجملة لم يجز أن يكون منسوبا إلى أماكن مختلفة متضادة وكان لا يجوز أن يكون مع كل واحد وأن يكون على العرش وأن يأتي ببنيان قوم سلط عليهم الهلاك فجاء من الجمع بين هذه الآيات تحقيق القول بنفي الحد والنهاية واستحالة كونه مخصوصا بجهة من الجهات وفي الجمع بين هذه الآيات دليل على أن معنى قوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم إنما هو بمعنى العلم بأسرارهم ومعنى قوله فأتى الله بنيانهم من القواعد أي خلق في بنيان القوم معنى من زلزلة ورجف يكون ذلك سبب خرابه كما قال فخر عليهم السقف من فوقهم وأن معنى قوله الرحمن على العرش استوى معناه قصد إلى خلق العرش كما قال ثم استوى إلى السماء وهي دخان ويكون معنى على في هذا الموضع بمعنى إلى أو يكون العرش في هذه الآية بمنزلة المملكة كما يقال ثل عرش فلان إذا زال ملكه وكما قال الشاعر:-
قد نال عرشا لم ينله نائل ... جن ولا أنس ولا ديار
وقد روى في الخبر عن النبي ما تحقق به المعنى الذي بينا على هذه الظواهر وذلك أنه قال كان ملك يجيء من السماء وآخر من الأرض السابعة فقال كل واحد منهما لصاحبه من أين تجيء قال من عند الله ولو كان له حد ونهاية استحال كونه في جهتين مختلفتين فتقرر به استحالة الحد والنهاية وأن جملة الملكوت تحت سلطانه وقدرته وعلمه ومعرفته
10-وأن تعلم أن القديم سبحانه ليس بجسم ولا جوهر لأن الجسم يكون فيه التأليف والجوهر يجوز فيه التأليف والإتصال وكل ما كان له الإتصال أو جاز عليه الإتصال يكون له حد ونهاية وقد دللنا على استحالة الحد والنهاية على الباري سبحانه وتعالى وقد ذكر الله تعالى في صفة الجسم الزيادة فقال وزاده بسطة في العلم والجسم فبين أن ما كان جسما جازت عليه الزيادة والنقصان ولا تجوز الزيادة والنقصان على الباري سبحانه.
11-وأن تعلم أن القديم سبحانه ليس بعرض لأن العرض مما يستحيل بقاؤه ولا يكون الخالق إلا باقيا أيضا فإن العرض لا يقوم بنفسه ولا يكون الخالق إلا قائما بنفسه ودليله من كتاب الله تعالى فإنه سبحانه أطلق اسم العرض على شيء يقل بقاؤه أو لا يعد باقيا في العرف والعادة حيث قال تريدون عرض الدنيا و هذا عارض ممطرنا
12-وأن تعلم أن الباري سبحانه وتعالى يستحيل عليه الولد والزوجة لأن ذلك لا يكون إلا بالإتصال والمماسة وذلك يوجب الحد والنهاية وقد بينا استحالته عليه سبحانه وتعالى وحقق الله ذلك بقوله لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
13 - وأن تعلم أنه لا يجوز الشريك له في المملكة لما قد بينا من أن الخالق واحد لا ثاني له والمملوك يستحيل أن يكون خارجا من ملك الخالق وهذا تحقيق قوله وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا.
14-وأن تعلم أن الحركة والسكون والذهاب والمجيء والكون في المكان والإجتماع والإفتراق والقرب والبعد من طريق المسافة والإتصال والإنفصال والحجم والجرم والجثة والصورة والحيز والمقدار والنواحي والأقطار والجوانب والجهات كلها لا تجوز عليه تعالى لأن جميعها يوجب الحد والنهاية وقد دللنا على استحالة ذلك على الباري سبحانه وتعالى وأصل هذا في كتاب الله تعالى وذلك أن إبراهيم عليه السلام لما رأى هذه العلامات على الكواكب والشمس والقمر قال لا أحب الآفلين فبين أن ما جاز عليه تلك الصفات لا يكون خالقا.
15-وأن تعلم أن كل ما تصور في الوهم من طول وعرض وعمق وألوان وهيئات مختلفة ينبغي أن تعتقد أن صانع العالم بخلافة وأنه قادر على خلق مثله وإلى هذا المعنى أشار الصديق رضي الله عنه بقوله العجز عن درك الإدراك إدراك ومعناه إذا صح عندك أن الصانع لا يمكن معرفته بالتصوير والتركيب والقياس على الخلق صح عندك أنه خلاف المخلوقات وتحقيقه أنك إذا عجزت عن معرفته بالقياس على أفعاله صح معرفتك له بدلالة الأفعال على ذاته وصفاته وقد وصف الله سبحانه وتعالى نفسه بقوله هو الله الخالق الباريء المصور وما كان مصورا لم يكن مصورا كما أن من كان مخلوقا لم يكن خالقا.
16-وأن تعلم أن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلا للحوادث لم يخل منها وإذا لم يخل كان محدثا مثلها ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام لا أحب الآفلين بين به أن من حل به من المعاني ما يغيره من حال إلى حال كان محدثا لا يصح أن يكون إلها.
17-وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شيء من الحد والنهاية والمكان والجهة والسكون والحركة فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث وعليه يدل ما ذكرناها قبل في قصة الخليل عليه السلام.
18-وأن تعلم أنه سبحانه لا يجوز عليه النقص والآفة لأن الآفة نوع من المنع والمنع يقتضي مانعا وممنوعا وليس فوقه سبحانه مانع وقد نبه الله تعالى عليه بقوله هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون والسلام هو الذي سلم من الآفات والنقائص والقدوس هو المنزه عن النقائص والموانع ويعلم بذلك أن لا طريق للآفات والنقائص والموانع إليه وقد وصف الله تعالى ذاته بقوله ذو العرش المجيد والمجد في كلام العرب كمال الشرف ومن كان لنوع من النقص إليه طريق لم يكمل شرفه ولم يجز وصفه بقوله مجيد فلما اتصف به سبحانه علمنا أنه لا طريق للنقص إليه.
19-وأن تعلم أنه لا يجوز عليه الكيفية والكمية والأينية لأن من لا مثل له لا يمكن أن يقال فيه كيف هو ومن لا عدد له لا يقال فيه كم هو ومن لا أول له لا يقال له مم كان ومن لا مكان له لا يقال فيه أين كان وقد ذكرنا من كتاب الله تعالى ما يدل على التوحيد ونفي التشبيه ونفي المكان والجهة ونفي الابتداء والأولية وقد جاء فيه عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أشفى البيان حين قيل له أين الله فقال إن الذي أين الأين لا يقال له أين فقيل له كيف الله فقال إن الذي كيف الكيف لا يقال له كيف واعلم أن الله تعالى ذكر في سورة الإخلاص ما يتضمن إثبات جميع صفات المدح والكمال ونفي جميع النقائص عنه وذلك قوله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد في هذه السورة بيان ما ينفي عنه من نقائص الصفات وما يستحيل عليه من الآفات بل في كلمة من كلمات هذه السورة وهو قوله الله الصمد والصمد في اللغة على معنيين أحدهما أنه لا جوف له وهذا يوجب أن لا يكون جسما ولا جوهرا لأن ما لا يكون بهذه الصفة جاز أن يكون له جوف والمعنى الثاني للصمد هو السيد الذي يرجع إليه في الحوائج وهذا يتضمن إثبات كل صفة لولاها لم يصح منه الفعل كما نذكره فيما بعد لأن من لا تصح منه الأفعال المختلفة لم يصح الرجوع إليه في الحوائج المتباينة وقد جمع الله سبحانه وتعالى في هذه السورة بين صفات النفي والإثبات وقال فاعلم أنه لا إله إلا الله وقد نبه عليه الرسول فقال من عرف نفسه فقد عرف ربه معناه من عرف نفسه بالعجز والضعف والنقص والقصور عرف أن له ربا موصوفا بالكمال يصح منه جميع الأفعال فلولاه لم يتم بالعبد العاجز شيء من الواردات عليه وفي هذا المعنى ورد قول النبي تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله أي ابتدئوا بالفكرة في خلق الله حتى إذا عرفتم الخلق بالعجز عرفتم أن له خالقا قادرا موصوفا بأوصاف الكمال ومن ابتدأ بالنظر في الخالق أداه إلى ما لا يصح من تشبيه أو تعطيل.
20 - وأن تعلم أن صانع العالم حي قادر عالم مريد متكلم سميع بصير لأن من لم يكن بهذه الصفات كان موصوفا بأضدادها وأضدادها نقائص وآفات تمنع صحة الفعل فصحت ثبوت هذه الصفات له من وجهين أحدهما دلالة الفعل والثاني نفي النقائص وقد دلت على إثبات هذه ظواهر نصوص القرآن وردت جميعها في الأسماء التسعة والتسعين التي استفاضت بها الأخبار في أسماء الرب جل جلاله
قال الله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم وقال وتوكل على الحي الذي لا يموت وقال وعنت الوجوه للحي القيوم وقال قل هو القادر وقال وهو بكل شيء عليم وقال علام الغيوب وقال لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء وقال هو الحكيم العليم والحكيم من وقع أفعاله على موافقة إرادته وجاء في صفته الرحمن الرحيم والغفار والغفور والكريم والتواب وكل ذلك يرجع إلى إرادته للتوبة والنعمة والمغفرة ويدل على إرادته ومما يدل على إثبات كونه متكلما قوله تعالى من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه والإذن من صفات الكلام وقوله إنه غفور شكور و صبار شكور وشكره للعباد مدحه إياهم على طاعته وذلك من صفات الكلام وورد في أسمائه المجيب وذلك يتم بالكلام ومن أسمائه الباعث وذلك مما يدل على الكلام ولا يتم بعث الرسل إلا بالكلام وكذلك الشهيد معناه أنه يشهد أنه أرسله بالصدق يوم القيامة وذلك لا يتم إلا بالكلام وكذلك المؤمن ومعناه أنه يصدق أنبياءه ولا يتم ذلك إلا بالكلام وورد السميع والبصير في الكتاب والسنة أظهر من أن يخفى
21-وأن تعلم أن له حياة وقدرة وعلما وإرادة وكلاما وسمعا وبصرا لأن من كان موصوفا بهذه الأوصاف ثبتت له هذه الصفات ولا يجوز أن يكون غير الموصوف بها موصوفا بهذه الصفات كما لا يجوز أن توجد الصفات من غير أن يكون الموصوف بتلك الأوصاف موصوفا بها وقد ورد في إثبات العلم له آي كثيرة كقوله تعالى أنزله بعلمه ولا يحيطون بشيء من علمه قد أحاط بكل شيء علما وورد في إثبات القدرة له ذو القوة المتين والقوة والقدرة وأخذ في العربية وورد في إثبات الإرادة فعال لما يريد وما تشاؤون إلا أن يشاء الله فيه دليل على إثبات الإرادة والمشيئة.
22-وأن تعلم أن صانع العالم باق لأنا قد دللنا على أنه قديم ولا يكون القديم إلا باقيا وقد ورد في أسمائه البديع الباقي وورد في أسمائه الحي القيوم والقيوم مبالغة من القيام وذلك يتضمن كونه باقيا.
23-وأن تعلم أن له بقاء لأن ما وصف بكونه باقيا ثبت له البقاء وما لا بقاء له لا يكون باقيا بحال لأن الموجود لو كان باقيا بلا بقاء لكان مستغنيا عن القدرة ولوجب منه أن يكون كل موجود في أول حال وجوده قديما والمحدث لا يجوز أن يكون قديما بحال وينبه على هذا المعنى قوله تعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
24 - وأن تعلم أنه لا يجوز فيما ذكرناه من صفات القديم سبحانه أن يقال أنها هي هو أو غيره ولا هي هو ولا هي غيره ولا أنها موافقة أو مخالفة ولا إنها تباينه أو تلازمه أو تتصل به أو تنفصل عنه أو تشبهه أو لا تشبهه ولكن يجب أن يقال إنها صفات له موجودة به قائمة بذاته مختصة به وإنما قلنا إنها لا هي هو لأن هذه الصفات لو كانت هي هو لم يجز أن يكون هو عالما ولا قادرا ولا موصوفا بشيء من هذه الأوصاف لأن العلم لا يكون عالما والقدرة لا تكون قادرة ولا موصوفا بشيء من هذه الصفات وإنما قلنا لا يقال أنها غيره لأن الغيرين يجوز وجود أحدهما مع عدم الآخر ولما استحال هذا المعنى في الذات والصفات لم يجز فيه الخلاف المغاير وإنما قلنا لا هي هو ولا هي غيره لأن في نفي كل واحد منهما إثبات الآخروقد بينا استحالة الإثبات فيه وإنما قلنا لا يقال أنها توافقه أو تخالفه أو تباينه أو تشبهه لأن جميع ذلك يتضمن المغايرة وذلك يتضمن جواز عدم أحدهما مع وجود الآخر وذلك محال.
25-وأن تعلم أن ما يمتنع إطلاقه من هذه العبارات التي ذكرناها على الذات والصفات يمتنع إطلاقها أيضا على كل صفة منها مع سائر الصفات فلا يجوز أن يقال علمه قدرته ولا أن يقال إنه غيرها أو يخالفها أو يوافقها أو يشبهها أو لا يشبهها لأن جميع ذلك يتضمن إثبات المغايرة وذلك يتضمن جواز وجود أحدهما مع عدم الآخر وذلك محال في الصفات بعضها مع بعض وقد نبه رسول الله في خبر عمران بن الحصين على ما يتضمن هذا المعنى الذي وصفناه حين قال كان الله ولم يكن معه شيء غيره وذلك إثبات الصفات ونفي المغايرة بينها.
26-وأن تعلم أن كل صفة قامت بذات الباري جل جلاله لم تكن إلا أزلية قديمة لما قد بينا قبل أن حدوث الحوادث في ذاته لا يجوز.
27-وأن تعلم أن العدم لا يجوز عليه ولا على شيء من صفاته لأنا قد دللناعلى قدم ذاته وصفاته والقديم لا يبطل وقد دللنا عليه لأن البطلان علم الحدوث ولهذا قال إبراهيم الخليل لا أحب الآفلين استدل بأفولة وبطلانه على حدوثه.
28-وأن تعلم أن علمه سبحانه عام في جميع المعلومات وقدرته عامة في جميع المقدورات وإرادته عامة في جميع الإرادات علمها على ما هي عليه وأراد أن يكون ما علم أن يكون وأراد أن لا يكون ما علم أن لا يكون ولا يجري في مملكته ما لا يريد كونه لان شيئا من صفاته هذه لو اختص ببعض لما صح أن يكون عاما وما كان مختصا به متناهيا في ذاته اقتضى مخصصا يخصه بما اختص به وذلك علم الحدوث ومما يدل على أوصافه من كتاب الله تعالى قوله وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة وقوله تعالى وكان الله بكل شيء عليما وقوله تعالى في معنى القدرة والله على كل شيء قدير وقوله تعالى الله خالق كل شيء وهل يكون الخلق إلا بالقدرة وذلك يدل على عموم القدرة في جميع المقدورات وجاء في عموم الإرادة قوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وفي هذه الآية دليل على عموم إرادته وعلى أن كلامه قديم لأنه بين أنه لا يخلق شيئا إلا أن يقول له كن ولو كان ذلك محدثا لكان مفعولا له بكن وكذلك الثاني والثالث ويتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له ومما يدل على عموم كلامه في متعلقاته ونفي النهاية عنه قوله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا وإذا تقرر عموم قدرته وعلمه فاعلم أنه يجوز أن يقال في وصفه سبحانه أنه عالم بكل شيء كما يجوز أن يقال أنه عالم بجميع المعلومات ويجوز أن يقال أنه سبحانه وتعالى قادر على جميع المقدورات ويستحيل أن يقال أنه قادر على كل شيء على هذا الإطلاق لأن القديم شيء يستحيل أن يتعلق به القدرة والذي جاء في القرآن من إطلاق القول بأنه على كل شيء قدير دخله ضرب من التخصيص ومعناه على كل شيء مقدور قدير ولهذا قال أهل المعرفة أن آية العلم لم يدخلها التخصيص وآية القدرة دخلها تخصيص فأما كون العلم والقدرة لم يدخلهما التخصيص فبمعنى أن يقال في العلم أنه عام في جميع المعلومات وفي القدرة أنها عامة في جميع المقدورات.
29-وأن تعلم أن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت لأن الحرف والصوت يتضمنان جواز التقدم والتأخر وذلك مستحيل على القديم سبحانه وما دل من كتاب الله تعالى على أن متعلقات الكلام لا نهاية لها دليل على أنه ليس بحرف ولا صوت لوجوب التناهي فيما صح وصفه به.
30-وأن تعلم أن كلام الله قديم وكلام واحد أمر ونهي وخبر واستخبار على معنى التقدير وكل ما ورد في الكتب من الله تعالى باللغات المختلفة العبرية والعربية والسريانية كلها عبارات تدل على معنى كتاب الله تعالى ولو جاء أضعاف أضعافه لم تستغرق معاني كلامه فمعاني كلام الله تعالى لا تستغرقها عبارات المعبرين كما أن معلومات علم الله لا يستغرقها عبارات المعبرين ومقدروات قدرته لا يمكن ضبطها بالحصر والتحديد وعلى هذه الجملة يدل قوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وقوله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي الآية كما وصفناه قبل.
الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة وبيان مفاخرهم ومحاسن أحوالهم ويقع في هذا الباب فصول ثلاثة :-
أحدها في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة
الثاني في بيان تحقيق النجاة لهم بالطرق التي ننبه عليها
الثالث في بيان فضائلهم
الفصل الأول في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة السليم عن جميع ما ذكرناه من الضلالات فهو:-
1- أن تعلم أن العالم بجميع أركانه وأجسامه وما يشتمل عليه من أنواع النبات والحيوانات وجميع الأفعال والأقوال والاعتقادات كلها مخلوق كائن عن أول حادث بعد ان لم يكن شيئا ولا عينا ولا ذاتا ولا جوهرا ولا عرضا والدليل على حدوثها أنها تتغير عليها الصفات وتخرج من حال إلى حال وحقيقة التغيرات أن تبطل حالة وتحدث أخرى فأما الحالة التي حدثت فحدوثها معلوم بالضرورة والمشاهدة وما كان ضروريا لم يفتقر إلى الإستدلال عليه ولا يجوز أن يقال أنها انتقلت من باطن الجسم إلى ظاهره لاستحالة الانتقالات على الصفات وأما الحالة التي بطلت لو كانت قديمة لم تبطل فبطلانها يدل على حدوثها لأن القديم لا يبطل وإنما قلنا إن القديم لا يبطل لأن خروج الذات عن صفة واجبة له في حال محال لأنها لو جاز خروجها عن تلك الصفة لصارت جائزة الوجود وما كان واجب الوجود لا يصير جائز الوجود كما أن جائز الوجود لا يصير واجب الوجود بحال لأنهما صفتان متناقضتان وإذا تقرر هذه الجملة أن صفات الأجسام مخلوقة ثبت أن الأجسام مخلوقة لأن ما لا يخلو من الحوادث لا يستحق أن يكون محدثا بالكسر وما لا يستحق أن يكون محدثا كان محدثا بالفتح مثلها وقد نبه الله تعالى في كتابه على تحقيق هذه الدلالة وأثنى عليها وسماها حجة ومن علي الخليل إبراهيم عليه السلام بإلهام هذه الدلالة إياه وجعلها سببا لرفع درجته حيث قال وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين إلى قوله نرفع درجات من نشاء إن ربك عليم حكيم استدل بالتغير على حدوث الكواكب والشمس والقمر ثم إن الله تعالى نبه على هذه الطريقة من الإستدلال والإحتجاج فقال إن في خلق السموات والأرض وإختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب وقال وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إلى قوله إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله في السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون .
2- وأن تعلم أن المخلوق لا بد له من خالق لأن الأجسام لو كانت بأنفسها مع تجانس ذواتها لم تختلف بالصفات والأوقات والأحوال والمحال فلما اختلفت علمنا أن لها مخصصا قدم ما قدم وأخر ما أخر وخص كل واحد منها بما اختص به من الصفات لولاه لم يقع الاختصاص في شيء من الأوصاف لأن الاختصاص بأحد الجائزين يقتضي مخصصا لولاه لم يقع التخصيص به وقد نبه الله تعالى على أصل هذه الدلالة بقوله أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون معناه أم خلقوا من غير خالق كأنه قال من غير شيء خلقهم لما تقرر من استحالة ثبوتما ثبت بوصف الخلق من غير خالق خلق ولا صانع دبر وصنع وأنت تعلم أيضا أن خالق الخلق قديم لأنه لو كان محدثا لافتقر إلى محدث وكان حكم الثاني والثالث وما انتهى إليه كذلك وكان كل خالق يفتقر إلى خالق آخر لا إلى نهاية وكان يستحيل وجود المخلوق والخالق جميعا لأن ما شرط وجوده بوجود ما لا نهاية له من الأعداد قبله لم يتقرر وجوده لاستحالة الفراغ عما لا نهاية له لتنتهي النوبة إلى ما بعد وأصل هذه الدلالة في القرآن وهو قوله هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم فبين أنه كان قبل ما يشار إليه بأنه محدث وقوله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم والقيوم مبالغة من القيام وهو الثبات والوجود وهذا دليل على اتصافه بالوجود في جميع الأحوال وأنه لا يجوز وصفه بالعدم بحال وذلك حقيقة القدم وقوله تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير و تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا فإن البركة هي الثبات وأصله من البرك والبركة والبروك وتبارك مبالغة في معناه وهذا يوجب له الوجود في جميع الأحوال لم يزل ولا يزال وقد ورد في خبر عمران بن حصين أن النبي قال كان الله ولم يكن معه شيء وهذا يوجب الكون في جميع الأحوال.
3- وأن تعلم أن خالق العالم واحد لأنه لو كان اثنين ولم يقدر أحدهما على كتمان شيء من صاحبه كانت قدرتهما ناقصة متناهية وأن قدر أحدهما على كتمان شيء من صاحبه كان علم كل واحد منهما ناقصا متناهيا ومن كان علمه أو قدرته متناهيا ناقصا لم يكن إلها صانعا بل كان مخلوقا مصنوعا وقد نبه الله على هذه الدلالة بقوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وقال قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لا تبغوا إلى ذي العرش سبيلا وفي تحقيق التوحيد وردت سورة الإخلاص إلى آخرها وقوله تعالى قل إنما يوحي إلي إنما إلهكم إله واحد .
4- وأن تعلم أن الخالق لشيء ثابت موجود لا يجوز وصفه بالعدم لأن الخالق لا يكون خالقا إلا بأن يكون قادرا ولا يكون قادرا إلا والقدرة قائمة والمعدوم لا يقبل هذه الصفات وقال الله في تحقيقه الله لا إله إلا هو الحي القيوم وقال تعالى فتبارك الله رب العالمين وذلك يوجب الثبات والقيام والوجود في جميع الأحوال من غير تغير ولا زوال.
5- وأن تعلم أن الباري سبحانه وتعالى لا يجوز وصفه بالحاجة فإنه يلزمه أن يخرج من وصف الحاجة إلى وصف الإستغناء وذلك يتضمن بطلان صفة وحدوث صفة والقديم سبحانه وتعالى لا يجوز عليه البطلان ولا الحدوث واصلة قوله سبحانه وتعالى والله الغني وأنتم الفقراء بين بهذا أن صفة الحاجة والافتقار عليه محال.
6- وأن تعلم أن خالق العالم قائم بنفسه ومعناه أنه بوجوده مستغن عن خالق يخلقه وعن محل يحله وعن مكان يقله قال الله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم مبالغة عن القيام والثبات على الإطلاق من غير حاجة إلى صانع يصنعه أو موجد يوجده أو مكان يحله.
7 - وأن تعلم أن القديم سبحانه يرى وتجوز رؤيته بالأبصار لأن ما لا تصح رؤيته لم يتقرر وجوده كالمعدوم وكل ما صح وجوده جازت رؤيته كسائر الموجودات ودلائل هذه المسألة في كتاب الله كثيرة منها قوله تعالى تحيتهم يوم يلقونه سلام واللقاء إذا أطلق في اللغة وقع على الرؤية خصوصا حيث لا يجوز فيه التلاقي بالذوات والتماس بينهما ومنها قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ومنها قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ولا زيادة على نعيم الجنة غير رؤية الرب جل جلاله وقد ورد عن الرسول تفسير هذه الآية بذلك ومنها قوله في قصة موسى عليه السلام قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولو لم تكن الرؤية جائزة لكان لا يتمناها من هو موصوف بالنبوة وأيضا فإنه سبحانه وتعالى قال في جوابه لن تراني ولم يقل لن أرى وفيه دليل على أنه يصح أن يرى لأنه لو كان لا يصح رؤيته لكان يقول لن أرى ولما خص نفي الرؤية به ومنها قوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار يبين أن جميع الأبصار لا تدركه مفهومة أن بعضها يدركه ثم يبين الله سبحانه من يدرك ومن لا يدرك فقال وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وإن الوجوه الباسرة محجوبة عنه كما فرق بين الفريقين في قوله يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فالوجوه السود محجوبة عنه والوجوه البيض الناضرة نا ظرة إليه ثم أن النبي خص لأصحابه هذه الحالة فقال إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون ولا تضارون في رؤيته وفي الحديث قيد تحمل عليه آية الرؤية فكأنه قال لا تدركه الأبصار في غير القيامة وتدركه يومئذ فإن المطلق يحمل على المقيد .
8-وإن تعلم أن الخالق لا يشبه الخلق في شيء لأن مثل الشيء ما يكون مشاركا له في جميع أوصافه الجائزة والواجبة والمستحيلة ويعبر عنه بأن المثلين كل شيئين ينوب أحدهما مناب صاحبه ويسد مسده وأصله قوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وقوله ولم يكن له كفوا أحد وقوله هل تعلم له سميا.
9- وأن تعلم أن خالق العالم لا يجوز عليه الحد والنهاية لأن الشيء لا يكون مخصوصا بحد إلا أن يخصه مخصص بذلك الحد ويقرره على تلك النهاية بجواز غيره من الحدود عليه والصانع لا يكون مصنوعا ولا محدودا ولا مخصصا وأصله في كتاب الله تعالى قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم الآية مع قوله فأتى الله بنيانهم من القواعد ومع قوله الرحمن على العرش استوى ولو كان مخصوصا بحد ونهاية وجملة لم يجز أن يكون منسوبا إلى أماكن مختلفة متضادة وكان لا يجوز أن يكون مع كل واحد وأن يكون على العرش وأن يأتي ببنيان قوم سلط عليهم الهلاك فجاء من الجمع بين هذه الآيات تحقيق القول بنفي الحد والنهاية واستحالة كونه مخصوصا بجهة من الجهات وفي الجمع بين هذه الآيات دليل على أن معنى قوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم إنما هو بمعنى العلم بأسرارهم ومعنى قوله فأتى الله بنيانهم من القواعد أي خلق في بنيان القوم معنى من زلزلة ورجف يكون ذلك سبب خرابه كما قال فخر عليهم السقف من فوقهم وأن معنى قوله الرحمن على العرش استوى معناه قصد إلى خلق العرش كما قال ثم استوى إلى السماء وهي دخان ويكون معنى على في هذا الموضع بمعنى إلى أو يكون العرش في هذه الآية بمنزلة المملكة كما يقال ثل عرش فلان إذا زال ملكه وكما قال الشاعر:-
قد نال عرشا لم ينله نائل ... جن ولا أنس ولا ديار
وقد روى في الخبر عن النبي ما تحقق به المعنى الذي بينا على هذه الظواهر وذلك أنه قال كان ملك يجيء من السماء وآخر من الأرض السابعة فقال كل واحد منهما لصاحبه من أين تجيء قال من عند الله ولو كان له حد ونهاية استحال كونه في جهتين مختلفتين فتقرر به استحالة الحد والنهاية وأن جملة الملكوت تحت سلطانه وقدرته وعلمه ومعرفته
10-وأن تعلم أن القديم سبحانه ليس بجسم ولا جوهر لأن الجسم يكون فيه التأليف والجوهر يجوز فيه التأليف والإتصال وكل ما كان له الإتصال أو جاز عليه الإتصال يكون له حد ونهاية وقد دللنا على استحالة الحد والنهاية على الباري سبحانه وتعالى وقد ذكر الله تعالى في صفة الجسم الزيادة فقال وزاده بسطة في العلم والجسم فبين أن ما كان جسما جازت عليه الزيادة والنقصان ولا تجوز الزيادة والنقصان على الباري سبحانه.
11-وأن تعلم أن القديم سبحانه ليس بعرض لأن العرض مما يستحيل بقاؤه ولا يكون الخالق إلا باقيا أيضا فإن العرض لا يقوم بنفسه ولا يكون الخالق إلا قائما بنفسه ودليله من كتاب الله تعالى فإنه سبحانه أطلق اسم العرض على شيء يقل بقاؤه أو لا يعد باقيا في العرف والعادة حيث قال تريدون عرض الدنيا و هذا عارض ممطرنا
12-وأن تعلم أن الباري سبحانه وتعالى يستحيل عليه الولد والزوجة لأن ذلك لا يكون إلا بالإتصال والمماسة وذلك يوجب الحد والنهاية وقد بينا استحالته عليه سبحانه وتعالى وحقق الله ذلك بقوله لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
13 - وأن تعلم أنه لا يجوز الشريك له في المملكة لما قد بينا من أن الخالق واحد لا ثاني له والمملوك يستحيل أن يكون خارجا من ملك الخالق وهذا تحقيق قوله وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا.
14-وأن تعلم أن الحركة والسكون والذهاب والمجيء والكون في المكان والإجتماع والإفتراق والقرب والبعد من طريق المسافة والإتصال والإنفصال والحجم والجرم والجثة والصورة والحيز والمقدار والنواحي والأقطار والجوانب والجهات كلها لا تجوز عليه تعالى لأن جميعها يوجب الحد والنهاية وقد دللنا على استحالة ذلك على الباري سبحانه وتعالى وأصل هذا في كتاب الله تعالى وذلك أن إبراهيم عليه السلام لما رأى هذه العلامات على الكواكب والشمس والقمر قال لا أحب الآفلين فبين أن ما جاز عليه تلك الصفات لا يكون خالقا.
15-وأن تعلم أن كل ما تصور في الوهم من طول وعرض وعمق وألوان وهيئات مختلفة ينبغي أن تعتقد أن صانع العالم بخلافة وأنه قادر على خلق مثله وإلى هذا المعنى أشار الصديق رضي الله عنه بقوله العجز عن درك الإدراك إدراك ومعناه إذا صح عندك أن الصانع لا يمكن معرفته بالتصوير والتركيب والقياس على الخلق صح عندك أنه خلاف المخلوقات وتحقيقه أنك إذا عجزت عن معرفته بالقياس على أفعاله صح معرفتك له بدلالة الأفعال على ذاته وصفاته وقد وصف الله سبحانه وتعالى نفسه بقوله هو الله الخالق الباريء المصور وما كان مصورا لم يكن مصورا كما أن من كان مخلوقا لم يكن خالقا.
16-وأن تعلم أن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلا للحوادث لم يخل منها وإذا لم يخل كان محدثا مثلها ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام لا أحب الآفلين بين به أن من حل به من المعاني ما يغيره من حال إلى حال كان محدثا لا يصح أن يكون إلها.
17-وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شيء من الحد والنهاية والمكان والجهة والسكون والحركة فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث وعليه يدل ما ذكرناها قبل في قصة الخليل عليه السلام.
18-وأن تعلم أنه سبحانه لا يجوز عليه النقص والآفة لأن الآفة نوع من المنع والمنع يقتضي مانعا وممنوعا وليس فوقه سبحانه مانع وقد نبه الله تعالى عليه بقوله هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون والسلام هو الذي سلم من الآفات والنقائص والقدوس هو المنزه عن النقائص والموانع ويعلم بذلك أن لا طريق للآفات والنقائص والموانع إليه وقد وصف الله تعالى ذاته بقوله ذو العرش المجيد والمجد في كلام العرب كمال الشرف ومن كان لنوع من النقص إليه طريق لم يكمل شرفه ولم يجز وصفه بقوله مجيد فلما اتصف به سبحانه علمنا أنه لا طريق للنقص إليه.
19-وأن تعلم أنه لا يجوز عليه الكيفية والكمية والأينية لأن من لا مثل له لا يمكن أن يقال فيه كيف هو ومن لا عدد له لا يقال فيه كم هو ومن لا أول له لا يقال له مم كان ومن لا مكان له لا يقال فيه أين كان وقد ذكرنا من كتاب الله تعالى ما يدل على التوحيد ونفي التشبيه ونفي المكان والجهة ونفي الابتداء والأولية وقد جاء فيه عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أشفى البيان حين قيل له أين الله فقال إن الذي أين الأين لا يقال له أين فقيل له كيف الله فقال إن الذي كيف الكيف لا يقال له كيف واعلم أن الله تعالى ذكر في سورة الإخلاص ما يتضمن إثبات جميع صفات المدح والكمال ونفي جميع النقائص عنه وذلك قوله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد في هذه السورة بيان ما ينفي عنه من نقائص الصفات وما يستحيل عليه من الآفات بل في كلمة من كلمات هذه السورة وهو قوله الله الصمد والصمد في اللغة على معنيين أحدهما أنه لا جوف له وهذا يوجب أن لا يكون جسما ولا جوهرا لأن ما لا يكون بهذه الصفة جاز أن يكون له جوف والمعنى الثاني للصمد هو السيد الذي يرجع إليه في الحوائج وهذا يتضمن إثبات كل صفة لولاها لم يصح منه الفعل كما نذكره فيما بعد لأن من لا تصح منه الأفعال المختلفة لم يصح الرجوع إليه في الحوائج المتباينة وقد جمع الله سبحانه وتعالى في هذه السورة بين صفات النفي والإثبات وقال فاعلم أنه لا إله إلا الله وقد نبه عليه الرسول فقال من عرف نفسه فقد عرف ربه معناه من عرف نفسه بالعجز والضعف والنقص والقصور عرف أن له ربا موصوفا بالكمال يصح منه جميع الأفعال فلولاه لم يتم بالعبد العاجز شيء من الواردات عليه وفي هذا المعنى ورد قول النبي تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله أي ابتدئوا بالفكرة في خلق الله حتى إذا عرفتم الخلق بالعجز عرفتم أن له خالقا قادرا موصوفا بأوصاف الكمال ومن ابتدأ بالنظر في الخالق أداه إلى ما لا يصح من تشبيه أو تعطيل.
20 - وأن تعلم أن صانع العالم حي قادر عالم مريد متكلم سميع بصير لأن من لم يكن بهذه الصفات كان موصوفا بأضدادها وأضدادها نقائص وآفات تمنع صحة الفعل فصحت ثبوت هذه الصفات له من وجهين أحدهما دلالة الفعل والثاني نفي النقائص وقد دلت على إثبات هذه ظواهر نصوص القرآن وردت جميعها في الأسماء التسعة والتسعين التي استفاضت بها الأخبار في أسماء الرب جل جلاله
قال الله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم وقال وتوكل على الحي الذي لا يموت وقال وعنت الوجوه للحي القيوم وقال قل هو القادر وقال وهو بكل شيء عليم وقال علام الغيوب وقال لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء وقال هو الحكيم العليم والحكيم من وقع أفعاله على موافقة إرادته وجاء في صفته الرحمن الرحيم والغفار والغفور والكريم والتواب وكل ذلك يرجع إلى إرادته للتوبة والنعمة والمغفرة ويدل على إرادته ومما يدل على إثبات كونه متكلما قوله تعالى من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه والإذن من صفات الكلام وقوله إنه غفور شكور و صبار شكور وشكره للعباد مدحه إياهم على طاعته وذلك من صفات الكلام وورد في أسمائه المجيب وذلك يتم بالكلام ومن أسمائه الباعث وذلك مما يدل على الكلام ولا يتم بعث الرسل إلا بالكلام وكذلك الشهيد معناه أنه يشهد أنه أرسله بالصدق يوم القيامة وذلك لا يتم إلا بالكلام وكذلك المؤمن ومعناه أنه يصدق أنبياءه ولا يتم ذلك إلا بالكلام وورد السميع والبصير في الكتاب والسنة أظهر من أن يخفى
21-وأن تعلم أن له حياة وقدرة وعلما وإرادة وكلاما وسمعا وبصرا لأن من كان موصوفا بهذه الأوصاف ثبتت له هذه الصفات ولا يجوز أن يكون غير الموصوف بها موصوفا بهذه الصفات كما لا يجوز أن توجد الصفات من غير أن يكون الموصوف بتلك الأوصاف موصوفا بها وقد ورد في إثبات العلم له آي كثيرة كقوله تعالى أنزله بعلمه ولا يحيطون بشيء من علمه قد أحاط بكل شيء علما وورد في إثبات القدرة له ذو القوة المتين والقوة والقدرة وأخذ في العربية وورد في إثبات الإرادة فعال لما يريد وما تشاؤون إلا أن يشاء الله فيه دليل على إثبات الإرادة والمشيئة.
22-وأن تعلم أن صانع العالم باق لأنا قد دللنا على أنه قديم ولا يكون القديم إلا باقيا وقد ورد في أسمائه البديع الباقي وورد في أسمائه الحي القيوم والقيوم مبالغة من القيام وذلك يتضمن كونه باقيا.
23-وأن تعلم أن له بقاء لأن ما وصف بكونه باقيا ثبت له البقاء وما لا بقاء له لا يكون باقيا بحال لأن الموجود لو كان باقيا بلا بقاء لكان مستغنيا عن القدرة ولوجب منه أن يكون كل موجود في أول حال وجوده قديما والمحدث لا يجوز أن يكون قديما بحال وينبه على هذا المعنى قوله تعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
24 - وأن تعلم أنه لا يجوز فيما ذكرناه من صفات القديم سبحانه أن يقال أنها هي هو أو غيره ولا هي هو ولا هي غيره ولا أنها موافقة أو مخالفة ولا إنها تباينه أو تلازمه أو تتصل به أو تنفصل عنه أو تشبهه أو لا تشبهه ولكن يجب أن يقال إنها صفات له موجودة به قائمة بذاته مختصة به وإنما قلنا إنها لا هي هو لأن هذه الصفات لو كانت هي هو لم يجز أن يكون هو عالما ولا قادرا ولا موصوفا بشيء من هذه الأوصاف لأن العلم لا يكون عالما والقدرة لا تكون قادرة ولا موصوفا بشيء من هذه الصفات وإنما قلنا لا يقال أنها غيره لأن الغيرين يجوز وجود أحدهما مع عدم الآخر ولما استحال هذا المعنى في الذات والصفات لم يجز فيه الخلاف المغاير وإنما قلنا لا هي هو ولا هي غيره لأن في نفي كل واحد منهما إثبات الآخروقد بينا استحالة الإثبات فيه وإنما قلنا لا يقال أنها توافقه أو تخالفه أو تباينه أو تشبهه لأن جميع ذلك يتضمن المغايرة وذلك يتضمن جواز عدم أحدهما مع وجود الآخر وذلك محال.
25-وأن تعلم أن ما يمتنع إطلاقه من هذه العبارات التي ذكرناها على الذات والصفات يمتنع إطلاقها أيضا على كل صفة منها مع سائر الصفات فلا يجوز أن يقال علمه قدرته ولا أن يقال إنه غيرها أو يخالفها أو يوافقها أو يشبهها أو لا يشبهها لأن جميع ذلك يتضمن إثبات المغايرة وذلك يتضمن جواز وجود أحدهما مع عدم الآخر وذلك محال في الصفات بعضها مع بعض وقد نبه رسول الله في خبر عمران بن الحصين على ما يتضمن هذا المعنى الذي وصفناه حين قال كان الله ولم يكن معه شيء غيره وذلك إثبات الصفات ونفي المغايرة بينها.
26-وأن تعلم أن كل صفة قامت بذات الباري جل جلاله لم تكن إلا أزلية قديمة لما قد بينا قبل أن حدوث الحوادث في ذاته لا يجوز.
27-وأن تعلم أن العدم لا يجوز عليه ولا على شيء من صفاته لأنا قد دللناعلى قدم ذاته وصفاته والقديم لا يبطل وقد دللنا عليه لأن البطلان علم الحدوث ولهذا قال إبراهيم الخليل لا أحب الآفلين استدل بأفولة وبطلانه على حدوثه.
28-وأن تعلم أن علمه سبحانه عام في جميع المعلومات وقدرته عامة في جميع المقدورات وإرادته عامة في جميع الإرادات علمها على ما هي عليه وأراد أن يكون ما علم أن يكون وأراد أن لا يكون ما علم أن لا يكون ولا يجري في مملكته ما لا يريد كونه لان شيئا من صفاته هذه لو اختص ببعض لما صح أن يكون عاما وما كان مختصا به متناهيا في ذاته اقتضى مخصصا يخصه بما اختص به وذلك علم الحدوث ومما يدل على أوصافه من كتاب الله تعالى قوله وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة وقوله تعالى وكان الله بكل شيء عليما وقوله تعالى في معنى القدرة والله على كل شيء قدير وقوله تعالى الله خالق كل شيء وهل يكون الخلق إلا بالقدرة وذلك يدل على عموم القدرة في جميع المقدورات وجاء في عموم الإرادة قوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وفي هذه الآية دليل على عموم إرادته وعلى أن كلامه قديم لأنه بين أنه لا يخلق شيئا إلا أن يقول له كن ولو كان ذلك محدثا لكان مفعولا له بكن وكذلك الثاني والثالث ويتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له ومما يدل على عموم كلامه في متعلقاته ونفي النهاية عنه قوله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا وإذا تقرر عموم قدرته وعلمه فاعلم أنه يجوز أن يقال في وصفه سبحانه أنه عالم بكل شيء كما يجوز أن يقال أنه عالم بجميع المعلومات ويجوز أن يقال أنه سبحانه وتعالى قادر على جميع المقدورات ويستحيل أن يقال أنه قادر على كل شيء على هذا الإطلاق لأن القديم شيء يستحيل أن يتعلق به القدرة والذي جاء في القرآن من إطلاق القول بأنه على كل شيء قدير دخله ضرب من التخصيص ومعناه على كل شيء مقدور قدير ولهذا قال أهل المعرفة أن آية العلم لم يدخلها التخصيص وآية القدرة دخلها تخصيص فأما كون العلم والقدرة لم يدخلهما التخصيص فبمعنى أن يقال في العلم أنه عام في جميع المعلومات وفي القدرة أنها عامة في جميع المقدورات.
29-وأن تعلم أن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت لأن الحرف والصوت يتضمنان جواز التقدم والتأخر وذلك مستحيل على القديم سبحانه وما دل من كتاب الله تعالى على أن متعلقات الكلام لا نهاية لها دليل على أنه ليس بحرف ولا صوت لوجوب التناهي فيما صح وصفه به.
30-وأن تعلم أن كلام الله قديم وكلام واحد أمر ونهي وخبر واستخبار على معنى التقدير وكل ما ورد في الكتب من الله تعالى باللغات المختلفة العبرية والعربية والسريانية كلها عبارات تدل على معنى كتاب الله تعالى ولو جاء أضعاف أضعافه لم تستغرق معاني كلامه فمعاني كلام الله تعالى لا تستغرقها عبارات المعبرين كما أن معلومات علم الله لا يستغرقها عبارات المعبرين ومقدروات قدرته لا يمكن ضبطها بالحصر والتحديد وعلى هذه الجملة يدل قوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وقوله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي الآية كما وصفناه قبل.
بفضله وجوده وأما أنواع الاجتهادات الفعلية التي مدارها على أهل السنة والجماعة في بلاد الإسلام فمشهورة مذكورة مثل المساجد والرباطات المثبتة في بلاد أهل السنة أما في أيام بني أمية وأما في أيام بني العباس مثل مسجد دمشق المبني في أيام الوليد بن عبد الملك وكان سنيا قتل في أيامه
تعليق