علماء ديوبند يعضون بالنواجذ على مذهب أهل السنة والجماعة
من كلام الشيخ الإمام حجة الإسلام في الهند، العالم الكبير محمد قاسم بن أسد علي الصديقي النانوتوي أحد العلماء الربانيين
النظرة العادلة تؤكد أن ما يتميز به أهل السنة والجماعة من الجمع بين القانون الشريعة وبين الشخصيات، والاهتمام بفهم مرادات الكتاب والسنة من خلال درس وتدريس الأساتذة الثقات دون الاعتماد على الرأي الشخصي ، والاعتناء بتحقيق استقامة الفهم وتزكية القلب عن طريق ملازمة المربين الثقات ومعاشرتهم وفي ضوء توجيهاتهم وإرشاداتهم، والتعلق في شعبتي العلم والأخلاق بصاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام من خلال السند المتصل ، واحترام السلف والتأدب معهم والاعتراف بعظمتهم فيما يخص الشعبتين؛ كل ذلك مبادئ تُشَكِّلُ بمجموعها مذهبَ أهل السنة والجماعة . وإن علماء ديوبند يعضون بالنواجذ على هذا المذهب بالذات دونما نقص وزيارة.
أما الاستناد العلمي فهناك أسناد القرآن والحديث التي لا يوجد لها مثيل لدى أي أمة من الأمم على وجه الأرض؛ ولكن علماء ديوبند لا يقبلون كتب بقية العلوم والفنون الدينية كذلك إلا إذا كانت مُسْنَدَةً، حتى الكتب الأساسية في الفقه والكلام لا تُعْتَبَرُ إلا مسندة يتصل نسبها بأئمة الفة والكلام الثقات.وبلغوا في الاهتمام بهذا الجانب أنهم لا يعتدّون بكتب التزكية والإجسان الأساسية أيضا إلا إذا كانت ذات سند؛ على حين إنها لا تتعلق بأحكام الحلال والحرام الظاهرة ، وإنما تتعلق بأحكام إصلاح الباطن، التي لا علاقة لها مع قضاء القاضي أو موضوع الحكومت أو ما تقوم عليه الشؤون الدنيوية . حتى إن الأحوال والكيفيات القلبية التي تنشأ من المجاهدة في العبادة وذكر الله عز وجل، لا يُعتدّ بها عندهم علماء ديوبند إلا إذا كانت مُتَوَارَثة لها شجرة نسب موثوق بها. بل إن ذوقهم ومزاجهم المذهبي هو الآخر متصل بالصحابة الكرام وصاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام بسند متصل.
والشعبة الأولى وهي (العلم والتعليم) لا يمكن أن يتحقق في الأغلب فيها السند والاستناد وصحة الذوق وسلامة الفهم للمرادات الربانية وإنزالها في موضعها الصحيحة ، إلا عن طريق الدراسة والتدريس والتربية والتمرين. فلو أخذنا من شعبة العلم علم الكتاب والسنة لوجدنا أن أساسه أيضاً إنما جُعِلَ الدراسةَ والتدريسَ؛ فحينما استنكر القرآن الكريم إعجابَ اليهود برايهم وتقديس النصارى للشخصيات ، وأمرهم أن يكونوا علماء ربانيين ، فلم يجعل الطريق إلى الربانية مجرّد قراءة الكتاب أو مطالعةَ الأوراق، وإنما جعلها الطريق إلى الربانية الدرس والتدريسَ ، فقال:
Pوَلَكِنْ كُوْنُوْا رَبَّانِيِّيْنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُوْنَ الْكِتَابَ وَ بِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُوْنَQ (آل عمران / 79)
يقول العلامة الخازن [علي بن محمد علاء الدين المتوفى 741هـ / 1341م] في تفسيره Mلباب التأويل في معاني التنزيلL المعروف بــMتفسر الخازنL في تفسير الآية :
Mأي كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم الكتاب؛ فدلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياًL (تفسير الخازن: 1/667)
مما يوضح أن MالربانيةL إنما تتأتى عن طريق الدراسة والتدريس والتعليم، ولا تتحقق بمجرد تصفّح الأوراق ومطالعة الكتب.نعم لا تتحقق الربانية في غنى عن التدريس والدراسة كما لا تتحقق إذا كان التشاغل بهما بسوء النية أو بسوء الهدف، وإذاً فلا يكون الذنب هو ذنب الطريق، وإنما يكون الذنب هو ذنب النية التي تعني أن صاحبها لا يود أن يكون ربانياً.
وحين خاطب الله تعالى اليهودَ والنصارى بقوله Mوَلَكِنْ كُوْنُوْا رَبَّانِيِّيْنَQ فكأنّه نبّههم قائلاً : أيها اليهود والنصارى! إذا كنتم مشتغلين بالدراسة والتعليم اللذين هما المؤديان حتماً إلى الربانية، فلماذا لم تُوَفَّقُوْا أن تتحولوا ربانيين ؟ فلماذا ارتكبتم جريمة الإشراك بالألوهية والإشراك بالنبوة والإشراك بالكتاب؟. ومعنى ذلك أن هناك خللاً في نيتكم .
ودل ذلك دلالة واضحة على أن الطريق إلى الربانية أو بكلمة أخرى أن الطريق إلى تحصيل العلم الديني حسب القانون العاديّ الأغلب إنما هو الدراسة والتدريس، وليس مجرد قراءة الكتب أو دراستها. فلو لم ينتهج أحد هذه الطريق المؤدية إلى الربانية، أو انتهجها بسوء نية وبأسلوب خاطئ، لما استحق أن يُسمّى ربانياً أو عالماً دينياً؛ لأنه في هذه الحالة لم ينتهج طريق العلم الصحيح.
ومن البين أن الدرس والتدريس والتعليم والتربية أمور إنما تتعلق بالشخصية وتتوقف عليها، ولا يمكن أن تتحقق بمجرد معالجة الأوراق وفي غنى عن الأستاذ المربي ومصاحبته وتمرينه وترويضه. فقد كانت أوراق الكتاب من قبل بيد اليهود وكانوا يقرؤونها ؛ ولكنهم كانوا محرومين من تعليم المعلمين وتربيتهم ، وكانوا قد اقتصروا على قوة الدراسة منصرفين عن الشخصيات المقدسة ، مما جعلهم يشب زيغهم النفسي. ومن ثم قال التابعي الجليل الإمام ابن سيرين [أبوبكر محمد المتوفى 110هـ / 729م]. Mإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكمL (مقدمة صحيح مسلم ، ج1، ص78، باب بيان أن الإسناد من الدين، ط: دار الكتب العلمية، بيروت)
وإذا كانت الحال هذه فإنه سواء أكانت المسائل المُسْتَمَدَّة من مجرد ألفاظ النصوص أو المستقاة من مجرد إعمال التفكير الذي يكون لا دخل فيه لتربية المربين أو تعليم المعلمين، ولا للذوق المُتَوَارَث والتهذيب الفكري فإنه لا يعود هناك طيق لفهم المرادات إلا تخيل النفس غير الحظيّة بالتربية ، الأمر الذي ليست له أي قيمة فيما يتعلق بالدين. حتى لم يستثن الله عز وتبارك شخصَ النبي S أيضاً من هذا الأسلوب للتعليم، وإنما قام تبارك و تعالى بنفسه بتعليمه S ؛ حيث قال: Pوَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيْمًاQ (النساء / 113)
وإذا كان الأمر كذلك فإن أمته S كانت أحوج ما تكون إلى ذلك؛ فجعل S هذه الطريق نفسها لأمته، فقال: Mإنما بُعِثْتُ معَلمًاL. (رواه ابن ماجة في مقدمة سننه/ باب فضل العلماء)
وجملة القول: إن تحصيل العلم في مذهب أهل السنة والجماعة المُتَّبَع من لدن النبي S ، إنما يتوقّف على العالم المربّي الثبت المسند، ولا يتعلق بمجرد أوراق الكتاب. ولذلك فإن علماء ديوبند كذلك اتّخذوا تعليم و تدريس المعلمين الثقات أساسًا تعليميّاً لهم، سالكين في ذلك مسلكَ أهل السنة والجماعة . واختياراً منهم لأسلوب أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالتعليم ، أقاموا شبكة من آلاف المدارس الإسلامية في داخل البلادوخارجها ، تلك التي لا تقوم على الخطابة والوعظ فقط، وإنما تقوم على الدراسة والتدريس.
أما تطهير الأخلاق وتزكية القلوب فقد جعل في شأنه علماءُ ديوبند التزكية والتربيةَ مبدءاً أساسيّاً . والمنهج المتبعُ في ذلك هو توجيه المربي، وتقوى الله ، والمجاهدة في العبادة، وترويض النفس عليها؛ حيث لا يمكن بدون ذلك أن تترسخ في القلوب الكراهيةُ تجاه الكبائر والصغائر ، والرغبةُ في الطاعات والعبادات؛ ولذلك فقد اعتبر الله عزّ وجل بيعة أوليائه لنبيهS بيعةً منهم له تعالى:
Pإنَّ الَّذِيْنَ يُبَايِعُوْنَكَ إنَّمَا يُبَايِعُوْنَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيْهِمْQ (الفتح / 10)
وعلى ذلك فإن الله تعالى لم يَدَعْ عباده يقتصرن على المُدَوَّن من فن الإحسان أو المصطنع الموضوع من الرياضات، وإنما دلّهم في هذا الصدد على الأصل الأصيل وهو التقوى ، وعلى ما تؤدي إليه من النتائج الخيرة، وعلى التمرن عليها بشكل ثابت ، فقال تعالى:
Pوَاتَّقُوا اللهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللهُQ (البقرة / 282)
وقال في معرض الحديث عن الخضر عليه السلام :
Pوَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَّدُنَّا عِلْماًQ (الكهف / 65)
وكذلك فقد تكفل تعالى تعليمَ و تربيةَ الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام ، كما تنص على ذلك آيات عديدة في القرآن ، نعرض عن سردها تفادياً من الإطالة.
فعلماءُ ديوبند أيضاً اعتمدوا فيما يتعلق بإصلاح الأخلاق وتزكية النفس على أسلوب التزكية والتربية ، وخرّجوا مشايخ ربانيين عملوا على تعميم MالإحسانL الذي دلّ عليه الكتاب والسنة؛ وذلك عن طريق التزكية والتربية ، وبذلك فقد استطاعوا القيام بإصلاح قلوب الآلاف من الناس.
وكما هو المعلوم أن هذين القسمين : العلم والأخلاق أو علم الظاهر وعلم الباطن، أوجِبَ في شأنها صحبةُ الصلحاء ومعيّةُ الأتقياء؛ حيث لا يُتَصَوَّرُ أن تعود بدون ذلك المفاهيمُ والمراداتُ العلميةُ جزءاً من الذهن الإنساني، وأن تثبت الأخلاق الظاهرة والقيم المثلى في القلوب ، وأن تتكيف الروح مع الأحوال الطيبة والخواطر الصادقة . ومن الواضح أن هذا الغرض لم يكن ليتحقق بمجرد الفتوى ما لم تصاحبها التقوى التي لم تكن لتكون فاعلة ما لم تعاضدها صحبة الصديقين ؛ ولذلك فقد قرن القرآن الكريم الأمر بالتقوى مع الأمر بصحة الصادقين، فقال:
Pيَآ أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوا اللهَ وَ كُوْنُوْا مَعَ الصَّادِقِيْنَQ (التوبة / 119)
وكذلك فقد اعتبر القرآن هذه المعيةَ مصدراً لانشراح الصدر والحالات الباطنة والأفعال الحسنة للقلوب؛ فلما نشأ في قلب أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعضُ القلق من أجل الملابسات، طَمْأنَه النبي S بالإحالة إلى هذه المعية ، فقال:
Pلاَ تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَاQ (التوبة / 40)
وجملة القول أنه سواء أكان تحصيل العلم أو تكميل الأخلاق، إن الإسلام يطرح الاتّصال في الإسناد من العلماء الربانيين فيما يتعلق بالعلم وصحبة الصالحين وإصلاح الأخلاق، يطرحه كحجر للزاوية. ولذلك فقد انصبَ اهتمامُ علماء ديوبند أيضاً فيما يتصل بتعليمهم الظاهر والباطن على التقوى الداخلية وصحبة عباد الله الصالحين الخارجية؛ وذلك اتّباعاً منهم للسلف الصالح.
علماء ديوبند من أهل السنة والجماعة في الصورة والحقيقة:
ومجموع هذه الأمور الأساسية هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي يأخذ به علماء ديوبند بشكل متكامل ، بل يصح أن يقال: إنهم بدورهم أهل السنة والجماعة اسماً و رسماً، وصورة وحقيقة، وعلماً و عملاً، وذوقاً ووجداناً. فلا حاجة إلى شرح اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي بشكل مستقل؛ بل إن ما أسلفناه من الاتجاه الديني والمزاج المذهبي لأهل السنة والجماعة ، في الصفحات الماضية ، وما دل على أسسه الكتابُ والسنة، هو نفسه تفصيل للمزاج الديني لدى علماء ديوبند ؛ فهم ليسوا بحاجة إلى شرح مزيد وتفصيل جديدٍ أو لقب مستحدَث، وفعلاً ليس لهم لقب مستحدث. أما MالديوبنديL أو MالقاسميL فهو لقبهم التعليمي الانتمائي ، وليس لقبهم المذهبي والطائفي، كما يحاول معارضوهم أن يعرَّفوهم في الجماهير كفرقة مستقلة ، وهم براء من هذه التهمة ، كما أوضحنا ذلك في البنود التمهيدية.
فهم علماء ديوبند لسوا أهل سنة مصطنعين حتى يُطْلَقَ عليهم لقب MالطائفينL وليسوا من أهل السنة المزعومين الذي ولدتهم الحوادث والسوانح أو الطقوس والتقاليد الرائجة المُبْتَدَعَة ، ولا يحملون دستوراً سماوياً؛ وليسوا فرقة متحررة لا يشرف عليها المعلّمون الثقات والمربون المهذبون ، فيكونون لا يستندون إليهم ولا يصدرون عنهم ؛ بل إن ذوقهم وعملهم ، وهيئتهم العملية، كل ذلك يُوْجَد لديهم متوارثاً متصلاً بالنبي الكريم S ماراً بالسلف الصالحين فالرعيل الأول من الأمة.
ومن أجل تشاغلهم الدائب المستمر بعلوم الكتاب والسنة تعلماً وتعليماً وفهماً وتنزيلاً وتطبيقاً، تَوَلَّد لديهم الشعُورُ القويّ بما يرضاه الله ولا يرضاه؛ وبالحلال والحرام، وبالمكروه والمستحب، وبالسنة والبدعة، وبالتوحيد والشرك، وحصلوا على العلم المُفَرِّق بين ما يصح وما لا يصح. الأمر الذي لم يكن ليُوْجَد بدون التقوى:
Pإنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَّكُمْ فُرْقَانًاQ (الأنفال / 29)
وفي جانب آخر أكسبتهم ملازمة الشخصيات المربية الصالحة ، وحبُّهم والإعجاب بهم، والتربي عليهم، والصدور عن تهذيبهم وتثقيفهم ، عواطفَ فائضةً من الحب: الحب لله ولرسوله وللصحابة وأهل بيت الرسول والأئمة المجتهدين و أولياء الله والعارفين به والعلماء وحكماء الإسلام . الأمر الذي لم يكن ليُوْجَدَ بدون المداومة على الذكر والتفكير في جانب الآخرة ، والإنابة إلى الله ، والانصراف إلى كتاب الله، وسنة رسوله تعلماً وتعليماً و نشراً و تعميماً ، أي عندما يكون الإنسان مصداقاً لقوله تعالى: Pاَلَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللهَ قِيَامًا وَّ قُعُوْداً وَ عَلَى جُنُوْبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُوْنَ فِيْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأرْضِQ (آل عمران / 191)
وإلى جانب ذلك أكسبهم الجمعُ بين الكتاب والشخصية ، أي بين عنصري الهداية كليهما، الاعتدالَ والاتزان وسعة الأخلاق.
إن حبهم للشخصيات الصالحة زوّدهم بالتواضع لله وإنكار الذات. الأمر الذي حال دونهم ودون الغلو والاستكبار والغرور يتسرب إليهم. أما العلم بالكتاب والسنة فقد أكسبهم المعرفةَ بالحدود والمراتب والمراكز ، مما أثار فيهم الإباءَ والاعتدادَ بالنفس؛ فتفادَوا من الذل النفسي لصالح الخلق والعبودية لغير الله تعالى. وعلى ذلك فهم علماء ديوبند ليسوا متورِّرطين في الشبهات التي كانت دائماً فتنةً للعلماء، والتي أوقعت اليهود في الكبر والاستعلاء والجحود والنكران؛ وبالتالي جعلتهم مغضوباً عليهم. وليسوا مُسْتَعْبَدِيْن للشهوات والأهواء التي كانت دائماً فتنة للعاملين ، ومؤدية إلى البدع والمحدثات ؛ وبالتالي إلى الشرك ، والتي جعلت النصارى عبيداً للشخصيات المقدسة فانتهوا إلى الضلال؛ بل إنهم تجنبوا طرفي الغلو كليهما، وصاروا جماعة حقيقية لأهل الحق، لا يصح أن يُطْلَقَ عليها إلا Mأهل السنة والجماعةL فهم مُتَفَادُوْنَ من الإفراط والتفريط وقائمون على الاعتدال؛ وعلى ذلك فهم متواضعون وأبَاةٌ ، منكرون لذواتهم ومحتفظون بشخصياتهم ، أغرارٌ ولكن لا يغرّون أحداً ، مطيعون للسلف ؛ ولكنهم بعيدون كل البعد عن تصور ربوبية الخلق، غير مُعْجَبِيْنَ بأنفسهم ؛ ولكنهم يتمتعون بالطموح ، فهم MكتابيونL و MشخصانيونL في وقت واحد.
فهذا اللقب المركب من Mأهل السنة والجماعةL لا ينطبق على طائفة بمثل ما ينطبق عليهم لامتيازهم بالصفات والخصائص التي أشرنا إليها. ولكل من اسمه نصيب.
وخلاصة القول أن مذهب علماء ديوبند و مزاجهم المذهبي لا يقتصران على MالسنةL وحدها، حتى يصيروا جماعة قد نشأت آخذة فقط بمفهومها اللفظي أواللغوي، صادرة عن نزعاتها الشخصية ، فتتعرض للأمواج المتلاطمة في خضم MالسنةL أو MالقرآنL تعرضاً عشوائياً تُمْنَى به لثقتها برأيها الشخصي ، فلا تجد دالاًّ يهديها للصواب.
وكذلك لم يتكون مزاجهم من مجرد MالجماعةL حتى يصبحوا طائفة متعصبة ، صادرة عن الإعجاب الزائد بالشخصيات ، والثقة المطلقة والمحاكاة الظاهرة لكل قول من أقوالها، وكل فعل من أفعالها، وكل حال من أحوالها؛ فلا تحمل دستوراً، ولا تسير في ضوء من الدلائل والبينات؛ وإنما يكون جل اعتمادها على تقليد الآباء والأجداد.
إن علماء ديوبند يتجنبون جانبي الإفراد والتفريط لكلتا الطائفتين هاتين، فهم يحملون قانون الشريعة أي الكتاب والسنة والفقه الناشئ منهما، ويحملون قانون الإحسان والتزكية والتربية التي يقوم بها أشخاص المربّين من العلماء الربانيين الصالحين.
وعلى ذلك فهم يتمتعون بالطريق وبهداة الطريق وبالصراط و بــMالَّذِيْنَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْL وبسبيل الإنابة وجماعة المنيبين. وباجتماع العنصرين استقرَّت قلوبهم على الاستقامة ، فتوصّلت إلى مرتبة Mالقلب السليمL وتمتعت نفوسُهم بالتعليم والعلم بالأحكام، وبمعرفة ذات الله تعالى وصفاته ، وحب الله عز و جل والخشية منه.
وعلى ذلك فاتجاهُ علماء ديوبند الديني أو مزاجهم المذهبي إنما تَشَكَّلَ باجتماع MالسنةL و MالجماعةL ؛ ولذلك فتسري روح الاعتدال والتوسط في جميع أحوالهم وكيفياتهم من المُعْتَقَدَاتِ والعبادات، والأخلاق والمعاملات، والسياسيات والاجتماعيات.
ومن ثم فبموجب مذهبهم المركب من MالشخصيةL و MالقانونL لم يكن منهجهم في فهم مرادات الكتاب والسنة ذلك المنهجَ الذي عم اتباعُه في هذا Mالعصر الجاهليL حيث قد نهض المُثَقَّفُوْنَ المزعومون والمفكرون المزعومون ليتخذوا منهجاً لفهم مرادات الكتاب والسنة حسب هواهم. ومن المناهج المصطنعة تلك الرأيُ المجرد الذي يُتَّخَذُ نظراً لأوراق الكتاب والسنة وحروفهما وبمساعدة من الذهن ذهن القارئ ويُعْتَبَرُ ذلك الرأي هو الرأيَ الربانيَّ. ومنها الاعتماد على مجرد لغة العرب، أي تحديد الرأي الرباني في ضوء مجرد أساليب العرب في الكلام واستناداً إلى العلم بالعربية والبراعة في الأدب العربي. ومنها الاعتماد على التقاليد والاتجاهات الشعبية، أي يُصاغ ا لكتاب والسنة في قالبها، ويُقَرَّرُ للنصوص المعاني التي تتبادر في ضوء تلك الأعراف والتقاليد التي تتبعها عامة الناس. ومنها الاستناد إلى مُقْتَضَيَات العصر، أي تُتخذ مُقْتَضَيات الحاضر عماداً ودليلاً لفهم مرادات النصوص، ويُصْهَرُ ما في الكتاب والسنة في قالبه، و يقال: إن ذلك هو المراد الإلهي. وما إلى ذلك من الطرق التي اصطنعها الناس من عند أنفسهم.
ولكن مذهبَ علماء ديوبند يختلف في هذا الشأن عن جميع هذه الطرق المصطنعة المُتَّبَعَةِ؛ فهم لا يعتمدون في فهم نصوص الشريعة على الرأي ، ولا على مجرد التضلع من اللغة العربية ، ولا على التقاليد والأعراف، ولا على الأساطير والحكايات، ولا على نظريات العصر ومُقْتَضَيات الزمان؛ وإنما يعتمدون على التعليم والتربية القائِمَيْن على العنصرين الأساسيين؛ الكتاب والسنة ، والمعلم المربي ، الذكي القلب ، الثاقب النظر ، الزكي الفؤاد، مع الشرطين الهامين، وهما: الإسناد والنفسيّة التي هذّبتها التربية المُتَوَارَثَة؛ كما يتمثَّل ذلك في أن الصحابة تعَلَّموا الكتاب والسنة من النبيS وأن التابعين تعلّموهما من الصحابة ، وأن أتباع التابعين تعلّموهما من التابعين ، وأن الأجيال اللاحقة أخذتهما ممن سبقها بشكل متَوَارَث وبإسنادغير منقطع وبسلسلة متصلة؛ وكسبت فيما يتعلق بفهم القرآن والحديث، بصحة من فوقها وتربيتهم ، ذلك الذوقَ المُتَوَارَث الذي كانوا يمتازون به، وعن تعليمهم وتربيتهم تلقَّوا مرادات الكتاب والسنة المقررة من عند الله تعالى. وتلك هي الطريقة التي لا يزال يتوارثها الخلف عن السلف بالسند العلمي والعملي، ومن خلالها ظلت تُرَسَّخُ في الأذهان المراداتُ المُتَوَارَثة المنتقلة من الله إلى الرسولS ، ومنه إلى الصحابة ، ومنهم إلى التابعين ، ومن أتباع التابعين إلى الأجيال التالية المتلاحقة لحد اليوم. ولم يكن بالإمكان أن تكسب الأذهانُ أهليةَ هذا الانصباغ وتلقّي هذه المرادات المأثورة من خلال مجرد الورق، أومجرد الدراسة ، أو الأعراف والتقاليد ، أوالظروف الموقتة، والملابسات الحاضرة، أو النظريات التي يطرحها الزمان ، أو اللغة والأدب، أو الأساطير والقصص، ما لم تتمتع بتربيةوصحبة الشخصيات المتذوقة للشريعة ، المتشربة لروح الدين.
ومن الحقيقة الجلية أن الهداية الحاصلة من اجتماع العنصرين، ستكون مُنَزَّهَةً من الإفراط والتفريط، قائمةً على الاعتدال . ومن الطبيعي أن المهتدين بها سيتمثّل فيهم الاعتدالُ الذي يؤدي أولاً إلى تجردهم كلياً من العنصر الفاسد للعصبية الجاهلية.
ومن ثم ظل علماء ديوبند المتلقّون للتربية عن هذه الطريق ممتازين بنزاهتهم، من حيث المجموع، من خصائل الجاهلية تلك؛ وظلوا دائماً على مستوى مثاليّ من الاعتدال والتوازن، مسالمين مع الجميع، بعيدين عن التورط في النزاع القائم على التعصب مع الطوائف الإسلامية؛ وإنما ظلوا ينظرون إليها نظرةَ الأخوة والمسالمة، ولم يزالوا يَسْعَوْنَ لجمعها على نقطة من الاعتدال.
نعم، ولكنه لئن وُجِدَ من تحامَلَ بسوء الأدب على مذهب الاعتدال لأهل السنة والجماعة، أو أساء الأدب مع السلف الصالحين أوالأئمة ، أو تجرّأ على تخطئتهم، أو اصطنع ممشىً بجانب جادّتهم ؛ فإنهم إذاً لم يلازموا السكوت، وإنما نهضوا للدفاع عن ذلك بشكل موضوعيّ جادّ مُعَضَّدٍ بالدلائل. ولكنه لا يجوز أن يُوْصَفَ موقفهم ذلك بـMالنزاعL أو بــMالعصبيةL أو بـMحمية الجاهليةL وإنما الواجب أن يوصف بـMدفع النزاعL و Mمحاربة الشقاقL لأنهم امتثلوا Pوَجَادِلْهُمْ بِالَّتِيْ هِيَ أحْسَنُQ (النحل / 125). فلا يخدش ذلك كونَهم مسالمين مع جميع الطوائف؛ لأن تأريخهم الممتدّ على أكثر من قرن و ربع قرن دليل ناطق على ذلك.
من كلام الشيخ الإمام حجة الإسلام في الهند، العالم الكبير محمد قاسم بن أسد علي الصديقي النانوتوي أحد العلماء الربانيين
النظرة العادلة تؤكد أن ما يتميز به أهل السنة والجماعة من الجمع بين القانون الشريعة وبين الشخصيات، والاهتمام بفهم مرادات الكتاب والسنة من خلال درس وتدريس الأساتذة الثقات دون الاعتماد على الرأي الشخصي ، والاعتناء بتحقيق استقامة الفهم وتزكية القلب عن طريق ملازمة المربين الثقات ومعاشرتهم وفي ضوء توجيهاتهم وإرشاداتهم، والتعلق في شعبتي العلم والأخلاق بصاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام من خلال السند المتصل ، واحترام السلف والتأدب معهم والاعتراف بعظمتهم فيما يخص الشعبتين؛ كل ذلك مبادئ تُشَكِّلُ بمجموعها مذهبَ أهل السنة والجماعة . وإن علماء ديوبند يعضون بالنواجذ على هذا المذهب بالذات دونما نقص وزيارة.
أما الاستناد العلمي فهناك أسناد القرآن والحديث التي لا يوجد لها مثيل لدى أي أمة من الأمم على وجه الأرض؛ ولكن علماء ديوبند لا يقبلون كتب بقية العلوم والفنون الدينية كذلك إلا إذا كانت مُسْنَدَةً، حتى الكتب الأساسية في الفقه والكلام لا تُعْتَبَرُ إلا مسندة يتصل نسبها بأئمة الفة والكلام الثقات.وبلغوا في الاهتمام بهذا الجانب أنهم لا يعتدّون بكتب التزكية والإجسان الأساسية أيضا إلا إذا كانت ذات سند؛ على حين إنها لا تتعلق بأحكام الحلال والحرام الظاهرة ، وإنما تتعلق بأحكام إصلاح الباطن، التي لا علاقة لها مع قضاء القاضي أو موضوع الحكومت أو ما تقوم عليه الشؤون الدنيوية . حتى إن الأحوال والكيفيات القلبية التي تنشأ من المجاهدة في العبادة وذكر الله عز وجل، لا يُعتدّ بها عندهم علماء ديوبند إلا إذا كانت مُتَوَارَثة لها شجرة نسب موثوق بها. بل إن ذوقهم ومزاجهم المذهبي هو الآخر متصل بالصحابة الكرام وصاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام بسند متصل.
والشعبة الأولى وهي (العلم والتعليم) لا يمكن أن يتحقق في الأغلب فيها السند والاستناد وصحة الذوق وسلامة الفهم للمرادات الربانية وإنزالها في موضعها الصحيحة ، إلا عن طريق الدراسة والتدريس والتربية والتمرين. فلو أخذنا من شعبة العلم علم الكتاب والسنة لوجدنا أن أساسه أيضاً إنما جُعِلَ الدراسةَ والتدريسَ؛ فحينما استنكر القرآن الكريم إعجابَ اليهود برايهم وتقديس النصارى للشخصيات ، وأمرهم أن يكونوا علماء ربانيين ، فلم يجعل الطريق إلى الربانية مجرّد قراءة الكتاب أو مطالعةَ الأوراق، وإنما جعلها الطريق إلى الربانية الدرس والتدريسَ ، فقال:
Pوَلَكِنْ كُوْنُوْا رَبَّانِيِّيْنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُوْنَ الْكِتَابَ وَ بِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُوْنَQ (آل عمران / 79)
يقول العلامة الخازن [علي بن محمد علاء الدين المتوفى 741هـ / 1341م] في تفسيره Mلباب التأويل في معاني التنزيلL المعروف بــMتفسر الخازنL في تفسير الآية :
Mأي كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم الكتاب؛ فدلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياًL (تفسير الخازن: 1/667)
مما يوضح أن MالربانيةL إنما تتأتى عن طريق الدراسة والتدريس والتعليم، ولا تتحقق بمجرد تصفّح الأوراق ومطالعة الكتب.نعم لا تتحقق الربانية في غنى عن التدريس والدراسة كما لا تتحقق إذا كان التشاغل بهما بسوء النية أو بسوء الهدف، وإذاً فلا يكون الذنب هو ذنب الطريق، وإنما يكون الذنب هو ذنب النية التي تعني أن صاحبها لا يود أن يكون ربانياً.
وحين خاطب الله تعالى اليهودَ والنصارى بقوله Mوَلَكِنْ كُوْنُوْا رَبَّانِيِّيْنَQ فكأنّه نبّههم قائلاً : أيها اليهود والنصارى! إذا كنتم مشتغلين بالدراسة والتعليم اللذين هما المؤديان حتماً إلى الربانية، فلماذا لم تُوَفَّقُوْا أن تتحولوا ربانيين ؟ فلماذا ارتكبتم جريمة الإشراك بالألوهية والإشراك بالنبوة والإشراك بالكتاب؟. ومعنى ذلك أن هناك خللاً في نيتكم .
ودل ذلك دلالة واضحة على أن الطريق إلى الربانية أو بكلمة أخرى أن الطريق إلى تحصيل العلم الديني حسب القانون العاديّ الأغلب إنما هو الدراسة والتدريس، وليس مجرد قراءة الكتب أو دراستها. فلو لم ينتهج أحد هذه الطريق المؤدية إلى الربانية، أو انتهجها بسوء نية وبأسلوب خاطئ، لما استحق أن يُسمّى ربانياً أو عالماً دينياً؛ لأنه في هذه الحالة لم ينتهج طريق العلم الصحيح.
ومن البين أن الدرس والتدريس والتعليم والتربية أمور إنما تتعلق بالشخصية وتتوقف عليها، ولا يمكن أن تتحقق بمجرد معالجة الأوراق وفي غنى عن الأستاذ المربي ومصاحبته وتمرينه وترويضه. فقد كانت أوراق الكتاب من قبل بيد اليهود وكانوا يقرؤونها ؛ ولكنهم كانوا محرومين من تعليم المعلمين وتربيتهم ، وكانوا قد اقتصروا على قوة الدراسة منصرفين عن الشخصيات المقدسة ، مما جعلهم يشب زيغهم النفسي. ومن ثم قال التابعي الجليل الإمام ابن سيرين [أبوبكر محمد المتوفى 110هـ / 729م]. Mإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكمL (مقدمة صحيح مسلم ، ج1، ص78، باب بيان أن الإسناد من الدين، ط: دار الكتب العلمية، بيروت)
وإذا كانت الحال هذه فإنه سواء أكانت المسائل المُسْتَمَدَّة من مجرد ألفاظ النصوص أو المستقاة من مجرد إعمال التفكير الذي يكون لا دخل فيه لتربية المربين أو تعليم المعلمين، ولا للذوق المُتَوَارَث والتهذيب الفكري فإنه لا يعود هناك طيق لفهم المرادات إلا تخيل النفس غير الحظيّة بالتربية ، الأمر الذي ليست له أي قيمة فيما يتعلق بالدين. حتى لم يستثن الله عز وتبارك شخصَ النبي S أيضاً من هذا الأسلوب للتعليم، وإنما قام تبارك و تعالى بنفسه بتعليمه S ؛ حيث قال: Pوَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيْمًاQ (النساء / 113)
وإذا كان الأمر كذلك فإن أمته S كانت أحوج ما تكون إلى ذلك؛ فجعل S هذه الطريق نفسها لأمته، فقال: Mإنما بُعِثْتُ معَلمًاL. (رواه ابن ماجة في مقدمة سننه/ باب فضل العلماء)
وجملة القول: إن تحصيل العلم في مذهب أهل السنة والجماعة المُتَّبَع من لدن النبي S ، إنما يتوقّف على العالم المربّي الثبت المسند، ولا يتعلق بمجرد أوراق الكتاب. ولذلك فإن علماء ديوبند كذلك اتّخذوا تعليم و تدريس المعلمين الثقات أساسًا تعليميّاً لهم، سالكين في ذلك مسلكَ أهل السنة والجماعة . واختياراً منهم لأسلوب أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالتعليم ، أقاموا شبكة من آلاف المدارس الإسلامية في داخل البلادوخارجها ، تلك التي لا تقوم على الخطابة والوعظ فقط، وإنما تقوم على الدراسة والتدريس.
أما تطهير الأخلاق وتزكية القلوب فقد جعل في شأنه علماءُ ديوبند التزكية والتربيةَ مبدءاً أساسيّاً . والمنهج المتبعُ في ذلك هو توجيه المربي، وتقوى الله ، والمجاهدة في العبادة، وترويض النفس عليها؛ حيث لا يمكن بدون ذلك أن تترسخ في القلوب الكراهيةُ تجاه الكبائر والصغائر ، والرغبةُ في الطاعات والعبادات؛ ولذلك فقد اعتبر الله عزّ وجل بيعة أوليائه لنبيهS بيعةً منهم له تعالى:
Pإنَّ الَّذِيْنَ يُبَايِعُوْنَكَ إنَّمَا يُبَايِعُوْنَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيْهِمْQ (الفتح / 10)
وعلى ذلك فإن الله تعالى لم يَدَعْ عباده يقتصرن على المُدَوَّن من فن الإحسان أو المصطنع الموضوع من الرياضات، وإنما دلّهم في هذا الصدد على الأصل الأصيل وهو التقوى ، وعلى ما تؤدي إليه من النتائج الخيرة، وعلى التمرن عليها بشكل ثابت ، فقال تعالى:
Pوَاتَّقُوا اللهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللهُQ (البقرة / 282)
وقال في معرض الحديث عن الخضر عليه السلام :
Pوَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَّدُنَّا عِلْماًQ (الكهف / 65)
وكذلك فقد تكفل تعالى تعليمَ و تربيةَ الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام ، كما تنص على ذلك آيات عديدة في القرآن ، نعرض عن سردها تفادياً من الإطالة.
فعلماءُ ديوبند أيضاً اعتمدوا فيما يتعلق بإصلاح الأخلاق وتزكية النفس على أسلوب التزكية والتربية ، وخرّجوا مشايخ ربانيين عملوا على تعميم MالإحسانL الذي دلّ عليه الكتاب والسنة؛ وذلك عن طريق التزكية والتربية ، وبذلك فقد استطاعوا القيام بإصلاح قلوب الآلاف من الناس.
وكما هو المعلوم أن هذين القسمين : العلم والأخلاق أو علم الظاهر وعلم الباطن، أوجِبَ في شأنها صحبةُ الصلحاء ومعيّةُ الأتقياء؛ حيث لا يُتَصَوَّرُ أن تعود بدون ذلك المفاهيمُ والمراداتُ العلميةُ جزءاً من الذهن الإنساني، وأن تثبت الأخلاق الظاهرة والقيم المثلى في القلوب ، وأن تتكيف الروح مع الأحوال الطيبة والخواطر الصادقة . ومن الواضح أن هذا الغرض لم يكن ليتحقق بمجرد الفتوى ما لم تصاحبها التقوى التي لم تكن لتكون فاعلة ما لم تعاضدها صحبة الصديقين ؛ ولذلك فقد قرن القرآن الكريم الأمر بالتقوى مع الأمر بصحة الصادقين، فقال:
Pيَآ أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوا اللهَ وَ كُوْنُوْا مَعَ الصَّادِقِيْنَQ (التوبة / 119)
وكذلك فقد اعتبر القرآن هذه المعيةَ مصدراً لانشراح الصدر والحالات الباطنة والأفعال الحسنة للقلوب؛ فلما نشأ في قلب أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعضُ القلق من أجل الملابسات، طَمْأنَه النبي S بالإحالة إلى هذه المعية ، فقال:
Pلاَ تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَاQ (التوبة / 40)
وجملة القول أنه سواء أكان تحصيل العلم أو تكميل الأخلاق، إن الإسلام يطرح الاتّصال في الإسناد من العلماء الربانيين فيما يتعلق بالعلم وصحبة الصالحين وإصلاح الأخلاق، يطرحه كحجر للزاوية. ولذلك فقد انصبَ اهتمامُ علماء ديوبند أيضاً فيما يتصل بتعليمهم الظاهر والباطن على التقوى الداخلية وصحبة عباد الله الصالحين الخارجية؛ وذلك اتّباعاً منهم للسلف الصالح.
علماء ديوبند من أهل السنة والجماعة في الصورة والحقيقة:
ومجموع هذه الأمور الأساسية هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي يأخذ به علماء ديوبند بشكل متكامل ، بل يصح أن يقال: إنهم بدورهم أهل السنة والجماعة اسماً و رسماً، وصورة وحقيقة، وعلماً و عملاً، وذوقاً ووجداناً. فلا حاجة إلى شرح اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي بشكل مستقل؛ بل إن ما أسلفناه من الاتجاه الديني والمزاج المذهبي لأهل السنة والجماعة ، في الصفحات الماضية ، وما دل على أسسه الكتابُ والسنة، هو نفسه تفصيل للمزاج الديني لدى علماء ديوبند ؛ فهم ليسوا بحاجة إلى شرح مزيد وتفصيل جديدٍ أو لقب مستحدَث، وفعلاً ليس لهم لقب مستحدث. أما MالديوبنديL أو MالقاسميL فهو لقبهم التعليمي الانتمائي ، وليس لقبهم المذهبي والطائفي، كما يحاول معارضوهم أن يعرَّفوهم في الجماهير كفرقة مستقلة ، وهم براء من هذه التهمة ، كما أوضحنا ذلك في البنود التمهيدية.
فهم علماء ديوبند لسوا أهل سنة مصطنعين حتى يُطْلَقَ عليهم لقب MالطائفينL وليسوا من أهل السنة المزعومين الذي ولدتهم الحوادث والسوانح أو الطقوس والتقاليد الرائجة المُبْتَدَعَة ، ولا يحملون دستوراً سماوياً؛ وليسوا فرقة متحررة لا يشرف عليها المعلّمون الثقات والمربون المهذبون ، فيكونون لا يستندون إليهم ولا يصدرون عنهم ؛ بل إن ذوقهم وعملهم ، وهيئتهم العملية، كل ذلك يُوْجَد لديهم متوارثاً متصلاً بالنبي الكريم S ماراً بالسلف الصالحين فالرعيل الأول من الأمة.
ومن أجل تشاغلهم الدائب المستمر بعلوم الكتاب والسنة تعلماً وتعليماً وفهماً وتنزيلاً وتطبيقاً، تَوَلَّد لديهم الشعُورُ القويّ بما يرضاه الله ولا يرضاه؛ وبالحلال والحرام، وبالمكروه والمستحب، وبالسنة والبدعة، وبالتوحيد والشرك، وحصلوا على العلم المُفَرِّق بين ما يصح وما لا يصح. الأمر الذي لم يكن ليُوْجَد بدون التقوى:
Pإنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَّكُمْ فُرْقَانًاQ (الأنفال / 29)
وفي جانب آخر أكسبتهم ملازمة الشخصيات المربية الصالحة ، وحبُّهم والإعجاب بهم، والتربي عليهم، والصدور عن تهذيبهم وتثقيفهم ، عواطفَ فائضةً من الحب: الحب لله ولرسوله وللصحابة وأهل بيت الرسول والأئمة المجتهدين و أولياء الله والعارفين به والعلماء وحكماء الإسلام . الأمر الذي لم يكن ليُوْجَدَ بدون المداومة على الذكر والتفكير في جانب الآخرة ، والإنابة إلى الله ، والانصراف إلى كتاب الله، وسنة رسوله تعلماً وتعليماً و نشراً و تعميماً ، أي عندما يكون الإنسان مصداقاً لقوله تعالى: Pاَلَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللهَ قِيَامًا وَّ قُعُوْداً وَ عَلَى جُنُوْبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُوْنَ فِيْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأرْضِQ (آل عمران / 191)
وإلى جانب ذلك أكسبهم الجمعُ بين الكتاب والشخصية ، أي بين عنصري الهداية كليهما، الاعتدالَ والاتزان وسعة الأخلاق.
إن حبهم للشخصيات الصالحة زوّدهم بالتواضع لله وإنكار الذات. الأمر الذي حال دونهم ودون الغلو والاستكبار والغرور يتسرب إليهم. أما العلم بالكتاب والسنة فقد أكسبهم المعرفةَ بالحدود والمراتب والمراكز ، مما أثار فيهم الإباءَ والاعتدادَ بالنفس؛ فتفادَوا من الذل النفسي لصالح الخلق والعبودية لغير الله تعالى. وعلى ذلك فهم علماء ديوبند ليسوا متورِّرطين في الشبهات التي كانت دائماً فتنةً للعلماء، والتي أوقعت اليهود في الكبر والاستعلاء والجحود والنكران؛ وبالتالي جعلتهم مغضوباً عليهم. وليسوا مُسْتَعْبَدِيْن للشهوات والأهواء التي كانت دائماً فتنة للعاملين ، ومؤدية إلى البدع والمحدثات ؛ وبالتالي إلى الشرك ، والتي جعلت النصارى عبيداً للشخصيات المقدسة فانتهوا إلى الضلال؛ بل إنهم تجنبوا طرفي الغلو كليهما، وصاروا جماعة حقيقية لأهل الحق، لا يصح أن يُطْلَقَ عليها إلا Mأهل السنة والجماعةL فهم مُتَفَادُوْنَ من الإفراط والتفريط وقائمون على الاعتدال؛ وعلى ذلك فهم متواضعون وأبَاةٌ ، منكرون لذواتهم ومحتفظون بشخصياتهم ، أغرارٌ ولكن لا يغرّون أحداً ، مطيعون للسلف ؛ ولكنهم بعيدون كل البعد عن تصور ربوبية الخلق، غير مُعْجَبِيْنَ بأنفسهم ؛ ولكنهم يتمتعون بالطموح ، فهم MكتابيونL و MشخصانيونL في وقت واحد.
فهذا اللقب المركب من Mأهل السنة والجماعةL لا ينطبق على طائفة بمثل ما ينطبق عليهم لامتيازهم بالصفات والخصائص التي أشرنا إليها. ولكل من اسمه نصيب.
وخلاصة القول أن مذهب علماء ديوبند و مزاجهم المذهبي لا يقتصران على MالسنةL وحدها، حتى يصيروا جماعة قد نشأت آخذة فقط بمفهومها اللفظي أواللغوي، صادرة عن نزعاتها الشخصية ، فتتعرض للأمواج المتلاطمة في خضم MالسنةL أو MالقرآنL تعرضاً عشوائياً تُمْنَى به لثقتها برأيها الشخصي ، فلا تجد دالاًّ يهديها للصواب.
وكذلك لم يتكون مزاجهم من مجرد MالجماعةL حتى يصبحوا طائفة متعصبة ، صادرة عن الإعجاب الزائد بالشخصيات ، والثقة المطلقة والمحاكاة الظاهرة لكل قول من أقوالها، وكل فعل من أفعالها، وكل حال من أحوالها؛ فلا تحمل دستوراً، ولا تسير في ضوء من الدلائل والبينات؛ وإنما يكون جل اعتمادها على تقليد الآباء والأجداد.
إن علماء ديوبند يتجنبون جانبي الإفراد والتفريط لكلتا الطائفتين هاتين، فهم يحملون قانون الشريعة أي الكتاب والسنة والفقه الناشئ منهما، ويحملون قانون الإحسان والتزكية والتربية التي يقوم بها أشخاص المربّين من العلماء الربانيين الصالحين.
وعلى ذلك فهم يتمتعون بالطريق وبهداة الطريق وبالصراط و بــMالَّذِيْنَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْL وبسبيل الإنابة وجماعة المنيبين. وباجتماع العنصرين استقرَّت قلوبهم على الاستقامة ، فتوصّلت إلى مرتبة Mالقلب السليمL وتمتعت نفوسُهم بالتعليم والعلم بالأحكام، وبمعرفة ذات الله تعالى وصفاته ، وحب الله عز و جل والخشية منه.
وعلى ذلك فاتجاهُ علماء ديوبند الديني أو مزاجهم المذهبي إنما تَشَكَّلَ باجتماع MالسنةL و MالجماعةL ؛ ولذلك فتسري روح الاعتدال والتوسط في جميع أحوالهم وكيفياتهم من المُعْتَقَدَاتِ والعبادات، والأخلاق والمعاملات، والسياسيات والاجتماعيات.
ومن ثم فبموجب مذهبهم المركب من MالشخصيةL و MالقانونL لم يكن منهجهم في فهم مرادات الكتاب والسنة ذلك المنهجَ الذي عم اتباعُه في هذا Mالعصر الجاهليL حيث قد نهض المُثَقَّفُوْنَ المزعومون والمفكرون المزعومون ليتخذوا منهجاً لفهم مرادات الكتاب والسنة حسب هواهم. ومن المناهج المصطنعة تلك الرأيُ المجرد الذي يُتَّخَذُ نظراً لأوراق الكتاب والسنة وحروفهما وبمساعدة من الذهن ذهن القارئ ويُعْتَبَرُ ذلك الرأي هو الرأيَ الربانيَّ. ومنها الاعتماد على مجرد لغة العرب، أي تحديد الرأي الرباني في ضوء مجرد أساليب العرب في الكلام واستناداً إلى العلم بالعربية والبراعة في الأدب العربي. ومنها الاعتماد على التقاليد والاتجاهات الشعبية، أي يُصاغ ا لكتاب والسنة في قالبها، ويُقَرَّرُ للنصوص المعاني التي تتبادر في ضوء تلك الأعراف والتقاليد التي تتبعها عامة الناس. ومنها الاستناد إلى مُقْتَضَيَات العصر، أي تُتخذ مُقْتَضَيات الحاضر عماداً ودليلاً لفهم مرادات النصوص، ويُصْهَرُ ما في الكتاب والسنة في قالبه، و يقال: إن ذلك هو المراد الإلهي. وما إلى ذلك من الطرق التي اصطنعها الناس من عند أنفسهم.
ولكن مذهبَ علماء ديوبند يختلف في هذا الشأن عن جميع هذه الطرق المصطنعة المُتَّبَعَةِ؛ فهم لا يعتمدون في فهم نصوص الشريعة على الرأي ، ولا على مجرد التضلع من اللغة العربية ، ولا على التقاليد والأعراف، ولا على الأساطير والحكايات، ولا على نظريات العصر ومُقْتَضَيات الزمان؛ وإنما يعتمدون على التعليم والتربية القائِمَيْن على العنصرين الأساسيين؛ الكتاب والسنة ، والمعلم المربي ، الذكي القلب ، الثاقب النظر ، الزكي الفؤاد، مع الشرطين الهامين، وهما: الإسناد والنفسيّة التي هذّبتها التربية المُتَوَارَثَة؛ كما يتمثَّل ذلك في أن الصحابة تعَلَّموا الكتاب والسنة من النبيS وأن التابعين تعلّموهما من الصحابة ، وأن أتباع التابعين تعلّموهما من التابعين ، وأن الأجيال اللاحقة أخذتهما ممن سبقها بشكل متَوَارَث وبإسنادغير منقطع وبسلسلة متصلة؛ وكسبت فيما يتعلق بفهم القرآن والحديث، بصحة من فوقها وتربيتهم ، ذلك الذوقَ المُتَوَارَث الذي كانوا يمتازون به، وعن تعليمهم وتربيتهم تلقَّوا مرادات الكتاب والسنة المقررة من عند الله تعالى. وتلك هي الطريقة التي لا يزال يتوارثها الخلف عن السلف بالسند العلمي والعملي، ومن خلالها ظلت تُرَسَّخُ في الأذهان المراداتُ المُتَوَارَثة المنتقلة من الله إلى الرسولS ، ومنه إلى الصحابة ، ومنهم إلى التابعين ، ومن أتباع التابعين إلى الأجيال التالية المتلاحقة لحد اليوم. ولم يكن بالإمكان أن تكسب الأذهانُ أهليةَ هذا الانصباغ وتلقّي هذه المرادات المأثورة من خلال مجرد الورق، أومجرد الدراسة ، أو الأعراف والتقاليد ، أوالظروف الموقتة، والملابسات الحاضرة، أو النظريات التي يطرحها الزمان ، أو اللغة والأدب، أو الأساطير والقصص، ما لم تتمتع بتربيةوصحبة الشخصيات المتذوقة للشريعة ، المتشربة لروح الدين.
ومن الحقيقة الجلية أن الهداية الحاصلة من اجتماع العنصرين، ستكون مُنَزَّهَةً من الإفراط والتفريط، قائمةً على الاعتدال . ومن الطبيعي أن المهتدين بها سيتمثّل فيهم الاعتدالُ الذي يؤدي أولاً إلى تجردهم كلياً من العنصر الفاسد للعصبية الجاهلية.
ومن ثم ظل علماء ديوبند المتلقّون للتربية عن هذه الطريق ممتازين بنزاهتهم، من حيث المجموع، من خصائل الجاهلية تلك؛ وظلوا دائماً على مستوى مثاليّ من الاعتدال والتوازن، مسالمين مع الجميع، بعيدين عن التورط في النزاع القائم على التعصب مع الطوائف الإسلامية؛ وإنما ظلوا ينظرون إليها نظرةَ الأخوة والمسالمة، ولم يزالوا يَسْعَوْنَ لجمعها على نقطة من الاعتدال.
نعم، ولكنه لئن وُجِدَ من تحامَلَ بسوء الأدب على مذهب الاعتدال لأهل السنة والجماعة، أو أساء الأدب مع السلف الصالحين أوالأئمة ، أو تجرّأ على تخطئتهم، أو اصطنع ممشىً بجانب جادّتهم ؛ فإنهم إذاً لم يلازموا السكوت، وإنما نهضوا للدفاع عن ذلك بشكل موضوعيّ جادّ مُعَضَّدٍ بالدلائل. ولكنه لا يجوز أن يُوْصَفَ موقفهم ذلك بـMالنزاعL أو بــMالعصبيةL أو بـMحمية الجاهليةL وإنما الواجب أن يوصف بـMدفع النزاعL و Mمحاربة الشقاقL لأنهم امتثلوا Pوَجَادِلْهُمْ بِالَّتِيْ هِيَ أحْسَنُQ (النحل / 125). فلا يخدش ذلك كونَهم مسالمين مع جميع الطوائف؛ لأن تأريخهم الممتدّ على أكثر من قرن و ربع قرن دليل ناطق على ذلك.
تعليق