رسالة النفحات في الصفات للامام عبدالرحمن العيدروس

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد ال عمر التمر
    طالب علم
    • Jun 2005
    • 1243

    #1

    رسالة النفحات في الصفات للامام عبدالرحمن العيدروس

    هذة رسالة النفحات في الصفات للامام عبدالرحمن العيدروس (1135هـ -1192هـ) شيخ الحافظ الزبيدي.
    وهي في الكلام على الصفات على مذهب التصوف:

    بسم الله الرحم الرحيم

    بسم الله، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وأولياء الله.
    أما بعد:

    فالذي تعطيه عبارة أهل التحقيق نفع الله بهم أن زيادة الصفات على الذات، إنما هي في الذهن. لتصريحهم بكون العلم نسبة وهي لا وجود لها في الخارج فليس زيادتها أن لها وجودا في الخارج غير وجود الذات.
    ولكن المفهوم من العلم معناه غير المفهوم من الذات، فيكون غير الذات في الذهن وزائدا عليها فيه. وهذا لا ينافي أن يكون عينه في الخارج بمعنى أن يكون ما صدق الذات والعلم وجودا واحدا لكن باعتبارين مختلفين.
    وعلى هذا لا يلزم من إثبات الصفات تعدد القدماء المستقلة الوجودية حتى يرد عليهم ما أورده المعتزلة.
    وإنما يلزم إثبات قديم واحد له اعتبارات ونسب قديمة زائدة على ذاته بحسب المفهوم وهذا كلام صحيح لا يقدح فيه قادح.
    وفي صحيح البخاري : " كان الله ولم يكن شيء غيره" نفى أن يكون شيء في الأزل متصفا بمغايرة الحق. والصفات أزلية فهي ليست غير الذات شرعا.
    وتصريح الأشعري بأن كلام الله تعالى غير مخلوق، دليل على أن الصفات موجودة بوجود الذات واجبة بوجوبها باقية ببقائها، فلا تحتاج إلى جعل . كما يوضحه حديث :" كان الله ولا شيء غيره" فإن المحتاج إلى الجعل، إنما هو مسمى العالم الذي هو موجود غير الله.
    والشرع قد نفى أن تكون هذه الصفات أغيارا للحق سبحانه فهو لا هو مفهوما وعقلا ولا غيره شرعا فلا حاجة إلى الجعل.
    ولا يلزم تعدد القدماء المنافي لله وحده كما ظنه المعتزلة وإنما يلزم قدم مسمى الله الذي هو الذات المستجمع لجميع الكمالات لذاته وحدوث غيره.
    وهو عين التوحيد لأن كلمة التوحيد هي لا إله إلا الله بالإجماع وقد تبين دلالتها على قصر الألوهية على الله قصرا حقيقيا.
    والله اسم للذات الجامعة لجميع الكمالات التي منها الصفات وكلما كان هذا توحيدا شرعا لم يلزم من إثبات ذات متصفة بصفات قديمة تعدد القدماء المنافي للإيمان بالله وحده كما لا يخفى. فالمؤمن بـ ( لا إله إلا الله) مفسرا لله فيها بالذات الجامع للكمالات مؤمن بالله وحده لأنه مؤمن بإله قديم له صفات قديمة وهي مسمى الله المتجلي بذاته لذاته على ذاته.
    وكلما كان كذلك، كان موحدا شرعا وهو المطلوب وبالله التوفيق.

    وأما من قال إن الصفات واجبة لذات الواجب أما في نفسها فهي ممكنه أي إن الصفات في نفسها لذاتها ممكنة ولذات الله واجبة فجوابه أنه ليس لنا شيء ممكن لذات قائم بذات القديم من حيث علم الله القديم أزلا وأبدا واجب بالقديم لا بنفسه غير منفصل من حيث علم الله به عن العلم إلا الممكنات الجائزات المفعولات القابلة للإيجاد والإعدام في عالم التصوير لا في العلم الأزلي.
    ولا استحالة في قدم الممكنات من حيث علم الله بها لعدم فصلها عن العلم أو حدوثها فيه أزلا وأبدا.
    وليست مع ذلك بآلهه ولا قديمة لذاتها وان كانت قديمة بالقديم من حيث علم الله بها لعدم حدوثها فيه. ننسب إليها القدم بالعرض والامكان بالذات لقبولها الحدوث والتجديد لذاتها لإمكانها لا للغير ولا تكون فيه إلا بالغير. فالقول بإمكان الصفات يلحق الصفات بالأفعال أو يلحق الأفعال بالصفات وذلك بين البطلان.
    وفي الفتوحات المكية للشيخ الأكبر نفع الله به ما صورته: مسألة كون الباري حيا عالما قادرا إلى سائر الصفات نسب وإضافات له تعالى لا أعيان زائدة على ذاته لما يؤدي إلى نفيها من النقص.وليست بزائدة على الذات إذ الكامل بالزائد على ذاته ناقص بالذات عن كماله لكماله بالزائد.
    والحق تعالى كامل بذاته لذاته فالزائد بالذات على الذات محال وبالنسب والإضافات من الأسماء والصفات ليس بمحال.اهـ
    وقال عين القضاة الهمداني من صار إلى إثبات الذات ولم يثبت الصفات كان جاهلا مبتدعا. ومن صار إلى إثبات صفات مغايرة للذات حق المغايرة فهو ثنوي كافر ومع كفره جاهل. وقال ايضا: قوم ذهبوا إلى نفي الصفات وتذوق الأنبياء والأولياء يشهد بخلافه. وقوم أثبتوها وحكموا بمغايرتها للذات حق المغايرة وذلك كفر محض وشرك بحت.
    وقال أيضا ذواتنا ناقصة وإنما تكملها الصفات وأما ذات الله فهي كاملة لا تحتاج في شيء إلى شيء إذ كل ما يحتاج في شيء إلى شيء فهو ناقص.
    والنقصان لا يليق بالواجب تعالى فذاته تعالى كافية للكل في الكل فهي بالنسبة إلى المعلومات علم وبالنسبة إلى المرادات إرادة وهي واحدة، ليس فيها اثنينية بوحه من الوجوه.
    وقوله ذواتنا ناقصة ظاهر هذا الكلام اقرب إلى قول الحكماء لكن المراد بها ما يطابق قول الصوفية.
    وقوله فهي بالنسبة إلى المعلومات علم إلى آخره أي فصفاته ليست إضافات تلحق الذات المتعالية، بقياسها إلى متعلقاتها.
    وقوله ليس فيه اثنينية بوجه من الوجوه بحسب الواقع والوجود الحقيقي وإنما الاثنينية كله بحسب العلم والتعقل كما سيأتي.
    وقال العارف الجامي قدس سره: ذهب الحكماء إلى إن صفاته تعالى عين ذاته لا بمعنى أن هناك ذاتا وله صفة وهما متحدان حقيقة، بل بمعنى ان ذاته تعالى يترتب عليها ما يترتب على ذات وصفة معا.
    مثلا ذاتك ليست كافية في انكشاف الأشياء أي ظهورها عليك بل تحتاج إلى صفة العلم التي تقوم بك.
    بخلاف ذاته تعالى فانه لا يحتاج إلي انكشاف الأشياء وظهورها عليه إلى صفة تقوم به. بل المفهومات بأسرها منكشفة عليه لأجل ذاته، فذاته بهذا الاعتبار حقيقة العلم.
    وكذا الحال في القدرة فإن ذاته مؤثرة بنفسها لا بصفة زائدة عليها كما في ذواتنا. فهي على هذا الاعتبار قدرة وعلى هذا تكون الذات والصفات متحدة في الحقيقة متغايرة بالاعتبار والمفهوم.
    وأما الصوفية فذهبوا إلى أن الصفات عين ذاته بحسب الوجود وغيرها بحسب التعقل.
    وقال شيخ شيخنا الملا إبراهيم الكردي المدني بعد كلام الجامي:
    قد يتوهم في ظاهر العبارة عدم فرق بين مذهب الحكماء والصوفية لأن الظاهر إن التغاير بحسب المفهوم والتغاير بحسب العقد واحد. وفي التحقيق فرق بينهما لان المغايرة بين الذات والصفة بسحب المفهوم إن مفهوميهما متغايران و "ما صدقهما" عليه واحد. والمراد بالمتغاير بحسب التعقل في قول الصوفية أن مفهوم الصفة كما أن يكون مغايرا مفهوم الذات كذلك ما صدق عليه الصفة مغاير لما صدق عليه الذات ولكن مغايرة هذا بحسب التعقل وبحسب الوجود العلمي التعييني.
    فإن علمه سبحانه تعين من جملة تعينات ذاته كالأمور المنفصلة بعينه بلا تفاوت في ذلك أصلا فان كل ما عداه فهو تعين من تعيناته ولا فرق في ذلك بين الصفات والأمور المنفصلة . وإنما تمتاز الصفة من غيرها بنسبة وخصوصية أخرى لكن التأثير للذات لا للصفات فمبدأ الانكشاف ذاته لا صفته هذه فليتأمل.
    فهو سبحانه وتعالى باعتبار مبدئية الانكشاف علم وهو لا باعتبار ذلك وكل اعتبار هو الذات، وهو باعتبار العلم لا يتحقق إلا بالعلم. فما صدق عليه العلم حقيقة ليس ذاته بل ذاته مع اعتبار ما، وهو غير ممكن.
    وكذلك ما صدق عليه الواجب ليس نفس ذاته بل ذاته مع اعتبار ما، وهو وصف الوجوب, فذاته سبحانه مصداق الواجب لا ما صدق عليه الواجب. وقس عليه جميع الصفات والاعتبارات التي تحمل على الذات فإنها من حيث هي هي. وفي المرتبة التي هي فيها هي هي لا نعت ولا اسم ولا رسم فاحفظ هذا.
    صرح بذلك قدس سره في الحاشية بقوله: فصفاته سبحانه نسب واعتبارات وإضافات تلحق الذات المتعالية بقياسها إلى متعلقاتها.
    وقال قدس سره: والفرق بين كلامي الحكماء والصوفية في إثبات الصفات إن الحكماء وحدوا لذات الواجب بذات شخصه وحدة شخصية.
    وأما الصوفية فإنهم وحدوها بوحدة ذاتية مطلقة لا شخصية جزئية واثبتوا لها صفات متكثرة بكثرة اعتبارية، هي مظاهر لها في العين.
    والحكماء منكرون وجود صفات متكثرة وهي مظاهر لها مع اتحاد الذات، لأن عندهم وجودها واجد بوحدة شخصية ويمتنع اتحادها بشيء آخر لامتناع صحة الحمل بينهما. انتهى
    قال شيخ شيخنا المحقق ملا إبراهيم المذكور قدس سره: وأما من قال لا هي هو ولا هي غيره مع القول بزيادتها وقيامها بالذات فلم يقل بمغايرتها حق المغايرة.
    على إن قول الاشاعرة أنها لا تحتاج إلى علة لأنها ليست بغير الذات يدل على أنها ليست زائدة على الذات إلا في المفهوم لا في الخارج كما ذكره الإمام الرازي في الأربعين فيرجع إلى ما قاله في المواقف أنها لا هي هو مفهوما ولا غيره ما صدقا. وإلا لاحتاجت إلى علة ولا بد.
    لكنهم قد صرحوا أنها لا تحتاج إلى علة لأنها ليست غيره وهذا لا يتم إلا إذا كانت ليست غيره خارجا.
    وعلى هذا فقول من قال لا هي هو ولا هي غيره ينطبق عل وقول الصوفية.
    نعم المشهور من مذهب الاشاعرة له وجه في التحقيق وذلك بالنظر إلى التجلي في مظهر له ذلك وهو القول بزيادة الصفات في الخارج على الذات. والأشعرية قائلون بالرؤية والأشعري نص في كتابه الإبانة على انه مؤمن بالتجلي. فالحمد لله على الوفاء وبسط المسألة في قصد السبيل. انتهى.

    وهذا بعض ما حضرنا من النقل في هذا المبحث وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين. آمين.
    اللهم اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك
يعمل...