حقيقة الإيمان شرعا

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #1

    حقيقة الإيمان شرعا

    الإيمان الشرعي
    الإيمان شرعا: تصديق القلب وحده للرسول فيما علم مجيئه به ضرورةً، تفصيلا فيما علم تفصيلا، وإجمالا فيما علم إجمالا، تصديقا جازما مطلقا، سواء كان لدليل أم لا.
    وإن أردت بيان قيود هذا التعريف والتحديد فألق السمع وأنت شهيد، والله ولي الهداية والتأييد.
    فنقول: إمّا أنه (تصديق)، فلما مرّ أنّ الإيمان في الشرع لم ينقل عن معناه اللغوي، وأنّه في اللغة: التصديق.
    وأمّا أنه (تصديق القلب) دون اللسان فلقوله تعالى: [ومن الناس من يقول آمنّا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ] فإنه قد أثبت في هذه الآية التصديق اللساني ونفى الإيمان، فعُلم أنّ المراد التصديق القلبي دون اللساني كما يوضحه قوله تعالى: [ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ].
    وأمّا أنه (تصديق القلب وحده)، لا مع الإقرار باللسان فقط، ولا معه ومع بقية الأركان؛ فلأنّ المذكور في حديث جبريل بيانا لحقيقة الإيمان الشرعي إنّما هو التصديق وحده من غير ذكر إقرار اللسان وعمل الأركان معه، والاقتصار على مجرد التصديق في مقام البيان والتعليم دليل على أنّ الإيمان الشرعي المستوجب لأصل النجاة الأخروية هو التصديق القلبي وحده.
    ويؤيده حديث الصحيحين: « من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة » فإنّ المراد بالعلم هنا هو العلم التصديقي، أي الجامع للإذعان المستتبع للتصديق، لوضوح أنّ العلم المجامع للإباء إنّما يستتبع التكذيب، وهو لا يجامع دخول الجنة، بل ينافيه لاختصاصها بالمؤمنين. فتعليق دخول الجنة على مجرد علم لا إله إلا الله دليل على أنّ النطق بها ليس لتوقف أصل النجاة عليه، وإنّما هو لإجراء الأحكام في الدنيا وكمال النجاة في الآخرة كما يوضحه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل ». فإنه يدل على أنه من لم ينطق بها فهو غير معصوم الدم والمال، ومن نطق بها عصمهما وحسابه على الله في مواطأة قلبه للسانه، فإذا توافقا حصل النجاة في الأخرى، وإلا فلا لقوله تعالى: [ إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار ] وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا إله إلا الله كلمة عظيمة كريمة على الله، من قالها مخلصا استوجب الجنة، ومن قالها كاذبا عصَمتْ ماله ودمه وكان مصيره إلى النار ».
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #2
    فظهر أنّ مدار النجاة الأخروية على التصديق القلبي، فكما أنه إذا انتفى لا ينفع التصديق اللساني في الآخرة وإن نفع في الدنيا ، كذلك إذا تحقق لا يضر انتفاء اللساني في أصل النجاة الأخروية وإن عوقب في الآخرة زمانا وفاتَهُ الدرجات المترتبة على الأعمال.
    نعم يطلق الإيمان شرعا على مجموع التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان كما في حديث « الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق » للتنبيه على أنّ الإيمان الكامل يستتبع الأعمال، وأنه يحمل صاحبه على الإتيان بالمأمورات والاجتناب عن المنهيات حسب الاستطاعة، حتى كأنّ الأعمال من أجزائه التي لا تنفك عنه، لا لكونها داخلة في حقيقة الإيمان الشرعي المستوجب لأصل النجاة كما مر.
    ويوضحه قول الحسن رحمه الله: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن هو ما وقّر في القلب وصدّقه العمل. فإنه يدل على أنّ العمل خارج عن حقيقة الإيمان، لكنه مصدق له بمعنى أنه دال على صدقه وتحققه في القلب على نحو قوله: والصدقة برهان، أي دليل على الإيمان بالبعث والمجازات.
    وبالجملة، الإيمان شرعا قد يطلق ويراد به المستوجب لأصل النجاة، وقد يطلق ويراد به ما يستوجب كمال النجاة والفوز بالدرجات. والمذكور في حديث جبريل هو الأول، وحديث الشُّعب وما في معناه هو الثاني. ومن المعلوم أنّ ما هو معتبر في كمال الشيء إذا انتفى، لا ينتفي بانتفائه إلا كمال ذلك الشيء دون أصله وهو ظاهر.
    وأمّا أنه (تصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة) فلأنّ الكتب من جملة الأمور المذكورة في حديث جبريل التي يجب التصديق بها، وهي من أفرادها: القرآن المشتمل على نحو [ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ] المتضمّن لوجوب إتباعه فيما يأمر وينهى، المشتمل على وجوب التصديق بجميع ما علم مجيئه به ضرورة من الأمور المذكورة بعضها في حديث جبريل تفصيلا وبقيتها في ضمن الكتب إجمالا.
    والمراد بما (علم مجيئه به ضرورة) ما يكون بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال، كالوحدانية والنبوة ووجوب الصلاة والزكاة. وخرج به ما لا يعلم بالضرورة أنه جاء به كالمسائل الاجتهادية.
    وأمّا قولهم (تفصيلا فيما علم تفصيلا) إلى آخره، فهو إشارة إلى أنه يشترط التفصيل فيما علم مجيئه به ضرورة كجبريل وميكائيل وموسى وعيسى والتوراة والإنجيل، حتى أنّ من لم يصدق بواحد معيّن من ذلك كان كافرا، وأنه يكفي الإجمال فيما لم يعلم كذلك كالرسل الذين لم يقصصهم الله لنا في كتابه مفصلا؛ قال تعالى: [ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ] فإن الاندراج مجملا في الرسل كاف في ذلك.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

    تعليق

    • نزار بن علي
      طالب علم
      • Nov 2005
      • 1729

      #3
      وأمّا اعتبار (الجزم) في التصديق فلأنه المتبادر من حديث جبريل، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن هذا المتبادر هو المراد؛ منها قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: « اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبُه فبشره بالجنة » فإنه دليل على اعتبار الجزم الناشئ عن الاستيقان.
      ومنها قوله صلى الله تعالى عليه وسلم « أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة » فإنه من الواضح أن لا جزم مع الشك، فالتقييد بانتفاء الشك في حصول النجاة بهما دليل على اعتبار الجزم فيهما كما هو ظاهر.
      وأمّا قولهم (مطلقا) إلى آخره، فلأن التصديق المذكور في حديث جبريل لم يقيّد بأن يكون ناشئا عن دليل، فيعم التصديق الناشئ عن نظر واستدلال، والصادر لا عن دليل بل عن نور مقذوف في القلب يحمل صاحبه على التصديق بما علم مجيء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تصديقا جازما وإن لم يكن من أهل النظر والاستدلال أصلا.والأحاديث الصحيحة دالة على أن هذا الإطلاق هو المراد، أعني أنّ النجاة الأخروية حاصلة بالتصديق القلبي الجازم الذي ليس لصاحبه دليل كقوله صلى اله عليه وسلم « يا معاذ ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار » الحديث الصحيح. وقد مرّ « من قالها مخلصا استوجب الجنة » فلم يعلق تحريمه على النار واستيجابه للجنة إلا على مجرد الإخلاص والصدق من قلبه سواء كان ثمة دليل أو لا.

      انتهى من كتاب قصد السبيل إلى توحيد الحق الوكيل. لإبراهيم بن حسن الكوراني الشهرزوي أبو العرفان برهان الدين نزيل المدينة المنورة الصوفي الشافعي النقشبندي المجتهد ولد سنة 1025 للهجرة وتوفي سنة1101 راجع ترجمته في كشف الظنون المجلد الخامس ص 35
      وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

      تعليق

      • نزار بن علي
        طالب علم
        • Nov 2005
        • 1729

        #4
        يرفع لعله يعالج الجهلة الوهابية الذين لا يفرقون بين الإيمان الذي هو أصل النجاة في الآخرة وهو العلم بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله علما مطابقا للواقع مجامعا للإذعان والتسليم، والإيمان الكامل الذي يتضمن الاعتقاد الصحيح والعمل بالجوارح المطابق للأوامر الشرعية والنطق باللسان الدال على الإذعان للإسلام.
        وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

        تعليق

        • عثمان محمد النابلسي
          طالب علم
          • Apr 2008
          • 438

          #5
          بوركت مولانا نزار على هذه الدرة
          فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
          بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

          تعليق

          يعمل...