[ALIGN=JUSTIFY][ALIGN=CENTER]بين الظن واليقين[/ALIGN]
بقلم : د. محمد عمارة
الاسلام عقيدة وشريعة.. وفي الشريعة تدخل منظومة القيم والاخلاق، كما تدخل العبادات والمعاملات.. فالشريعة هي كل معالم الطريق التي يسلكها المؤمن بالاسلام ليصل الى العقيدة، التي هي لب الدين وجوهره، ونقطة الابتداء فيه.. ولذلك كانت العقائد في حاجة الى درجة من اليقين الذي يجعلها قادرة على حمل سائر البناء.. بناء الاسلام.. ومن نعم الله على المسلمين ان جعل سائر عقائد الاسلام مكتملة في الآيات المحكمات من النصوص قطعية الدلالة والثبوت في القرآن الكريم.. فالمسلم لا يحتاج في اثبات عقائد الاسلام، الى الظنون، أو النصوص ظنية الثبوت، او ظنية الدلالة، ولا الى التماس هذه العقائد في الخوارق الحسية، التي تدهش العقول فتشلها عن التأمل والتدبر والتفكير.
وليس معنى هذا خلو الموروث والمأثور الاسلامي من النصوص ظنية الورود، ومن النصوص ظنية الدلالة.. فبعض آيات القرآن الكريم ـ التي تحتمل التأويل ـ هي ظنية الدلالة.. وأكثر الاحاديث النبوية ـ وخاصة أحاديث الآحاد ـ هي ظنية الثبوت. وهذه النصوص ـ القرآنية والنبوية ـ هي مصدر من مصادر الدين والتدين، ومنها نأخذ الكثير من الاحكام في الامور العملية.. لكن تبقى الاسس والقواعد، ويبقى لب الدين ـ أي عقائده ـ مكتملة في الآيات القرآنية المحكمات، قطعية الدلالة ـ وكل القرآن الكريم قطعي الثبوت والورود.
وعن هذه الحقيقة، التي تميز وامتاز بها الاسلام، يقول الامام الاكبر الشيخ محمود شلتوت (1310 ـ 1383هـ، 1893 ـ 1963م): «ان الطريق الوحيد لثبوت العقائد هو القرآن الكريم، وذلك فيما كان من آياته قطعي الدلالة (لا يحتمل معنيين فأكثر). وأما ما كان غير قطعي في دلالته، محتملا لمعنيين فأكثر، فهذا لا يصح ان يتخذ دليلا على عقيدة يحكم على منكرها بأنه كافر، وذلك كالآيات التي استدل بها بعض العلماء على رؤية الله بالأبصار في الدار الآخرة.. والظنية تلحق السنة من جهتي الورود والدلالة.. ومتى لحقت الظنية الحديث ـ ظنية الورود او ظنية الدلالة.. او هما معا ـ فلا يمكن ان تثبت به عقيدة يكفر منكرها، وانما يثبت الحديث العقيدة وينهض حجة عليها اذا كان قطعيا في وروده ودلالته، اي متواترا يبلغ الرواة له حدا من الكثرة تحيل العادة معه تواطؤهم على الكذب، وان يتحقق ذلك في جميع طبقاته، أوله ومنتهاه ووسطه.. وهو عند التحقيق، رواية الكافة عن الكافة.
ونصوص العلماء، من المتكلمين والاصوليين، مجتمعة على ان خبر الآحاد لا يفيد اليقين، فلا تثبت به العقيدة، وذلك ضروري ويصح ان ينازع احد في شيء منه.. ومن قال ان خبر الواحد يفيد العلم، فمعناه العلم بمعنى الظن، او العلم بوجوب العمل، وليس العلم بمعنى اليقين الذي تثبت به العقيدة.. ومن الناس من يحدث العلم في نفسه بما هو اقل من خبر الواحد، ولكن لا يكون ذلك حجة على احد، ولا تثبت به عقيدة يكفر جاحدها، فإن الله لم يكلف عباده عقيدة من العقائد عن طريق من شأنه ألا يفيد إلا الظن.. فأحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات، وهذا قول مجمع عليه وثابت بحكم الضرورة العقلية التي لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء».
انها نعمة من نعم الله الذي لم يجعل المسلم في حاجة الى اخذ عقائده إلا من الآيات المحكمات.[/ALIGN]
بقلم : د. محمد عمارة
الاسلام عقيدة وشريعة.. وفي الشريعة تدخل منظومة القيم والاخلاق، كما تدخل العبادات والمعاملات.. فالشريعة هي كل معالم الطريق التي يسلكها المؤمن بالاسلام ليصل الى العقيدة، التي هي لب الدين وجوهره، ونقطة الابتداء فيه.. ولذلك كانت العقائد في حاجة الى درجة من اليقين الذي يجعلها قادرة على حمل سائر البناء.. بناء الاسلام.. ومن نعم الله على المسلمين ان جعل سائر عقائد الاسلام مكتملة في الآيات المحكمات من النصوص قطعية الدلالة والثبوت في القرآن الكريم.. فالمسلم لا يحتاج في اثبات عقائد الاسلام، الى الظنون، أو النصوص ظنية الثبوت، او ظنية الدلالة، ولا الى التماس هذه العقائد في الخوارق الحسية، التي تدهش العقول فتشلها عن التأمل والتدبر والتفكير.
وليس معنى هذا خلو الموروث والمأثور الاسلامي من النصوص ظنية الورود، ومن النصوص ظنية الدلالة.. فبعض آيات القرآن الكريم ـ التي تحتمل التأويل ـ هي ظنية الدلالة.. وأكثر الاحاديث النبوية ـ وخاصة أحاديث الآحاد ـ هي ظنية الثبوت. وهذه النصوص ـ القرآنية والنبوية ـ هي مصدر من مصادر الدين والتدين، ومنها نأخذ الكثير من الاحكام في الامور العملية.. لكن تبقى الاسس والقواعد، ويبقى لب الدين ـ أي عقائده ـ مكتملة في الآيات القرآنية المحكمات، قطعية الدلالة ـ وكل القرآن الكريم قطعي الثبوت والورود.
وعن هذه الحقيقة، التي تميز وامتاز بها الاسلام، يقول الامام الاكبر الشيخ محمود شلتوت (1310 ـ 1383هـ، 1893 ـ 1963م): «ان الطريق الوحيد لثبوت العقائد هو القرآن الكريم، وذلك فيما كان من آياته قطعي الدلالة (لا يحتمل معنيين فأكثر). وأما ما كان غير قطعي في دلالته، محتملا لمعنيين فأكثر، فهذا لا يصح ان يتخذ دليلا على عقيدة يحكم على منكرها بأنه كافر، وذلك كالآيات التي استدل بها بعض العلماء على رؤية الله بالأبصار في الدار الآخرة.. والظنية تلحق السنة من جهتي الورود والدلالة.. ومتى لحقت الظنية الحديث ـ ظنية الورود او ظنية الدلالة.. او هما معا ـ فلا يمكن ان تثبت به عقيدة يكفر منكرها، وانما يثبت الحديث العقيدة وينهض حجة عليها اذا كان قطعيا في وروده ودلالته، اي متواترا يبلغ الرواة له حدا من الكثرة تحيل العادة معه تواطؤهم على الكذب، وان يتحقق ذلك في جميع طبقاته، أوله ومنتهاه ووسطه.. وهو عند التحقيق، رواية الكافة عن الكافة.
ونصوص العلماء، من المتكلمين والاصوليين، مجتمعة على ان خبر الآحاد لا يفيد اليقين، فلا تثبت به العقيدة، وذلك ضروري ويصح ان ينازع احد في شيء منه.. ومن قال ان خبر الواحد يفيد العلم، فمعناه العلم بمعنى الظن، او العلم بوجوب العمل، وليس العلم بمعنى اليقين الذي تثبت به العقيدة.. ومن الناس من يحدث العلم في نفسه بما هو اقل من خبر الواحد، ولكن لا يكون ذلك حجة على احد، ولا تثبت به عقيدة يكفر جاحدها، فإن الله لم يكلف عباده عقيدة من العقائد عن طريق من شأنه ألا يفيد إلا الظن.. فأحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات، وهذا قول مجمع عليه وثابت بحكم الضرورة العقلية التي لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء».
انها نعمة من نعم الله الذي لم يجعل المسلم في حاجة الى اخذ عقائده إلا من الآيات المحكمات.[/ALIGN]
تعليق