مصدر وجوب معرفة الله تعالى وطريقها

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #1

    مصدر وجوب معرفة الله تعالى وطريقها

    بسم الله الرحمن الرحيم
    مما اتفق عليه المسلمون أن جانبا كبيرا من أصول الدين والعقيدة الإسلامية ينبني في ثبوته في ذهن الناظر فيها على الأدلة العقلية، وذلك بحكم خروجها عن ضروري العلوم بدليل اختلاف العقلاء فيها، وبُعدها عن بدائه العقول التي لا تحتاج إلى دليل أصلا، وبعدها بالأحرى عن المحسوسات لاشتمالها على التصديق بأمور غائبة عنها.
    فالضروري والبديهي والحسي من العلوم، وإن كانت منطلقات البحث الفكري في مسائل العقيدة، فهي لا تستقل وحدها بتحصيل المعرفة المطلوبة إلا إذا انظم إليها النظر العقلي لترتيبها والوصول بها إلى المعارف المكلف بإدراكها والتصديق بها.
    وهذه القاعدة، أعني كون النظر العقلي طريق يتيسر لعامة الناس به معرفة عقائد الدين، مسلّم بها عند جمهور المسلمين خصوصا المعترفين بمقتضيات القواعد والأدلة العقلية كاستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما وما ينبني على ذلك من استحالة الدور والتسلسل وغير ذلك مما أذعن له أصحاب العقول السليمة. إلا أن البعض قد خالف في ذلك وأثبت طرقا أخرى تحصل بها المعارف الإلهية والعقائد الدينية، مدعين الاستغناء بها عن نظر العقول وترتيب الأدلة، أو عدم استقلالها بتحصيل ذلك.
    فمنهم من ذهب إلى أن معرفة الله- وهي أصل العقائد الإيمانية - تتلقى من الكتاب والسنة فقط، وهؤلاء وإن سلموا أداء النظر العقلي إلى العلم إلا أنهم حرّموه تارة بدعوى أن المصطلحات التي يعتمدها أهله بدعة في الدين لم ينقل عن السلف الصالح الخوض فيها، وتارة أخّروه عند تعارض أدلته القطعية مع ظواهر الكتاب والسنة وآحادها.
    ورُدّ رأيهم بأن الطريق الذي سلكوه في إثبات أصول الدين، وهو الخبر، إنما يفيد العلم إذا ثبت كون المخبر صادقا في إنبائه عن الله تعالى، ولا يثبت ذلك بالخبر لما فيه من إثبات الشيء بنفسه، وهو دور فلا يتحصل، فلا يقدرون على إثبات حجية الكتاب والسنة ولا على إلزام غيرهم بهما إلا إذا كسروا ذلك الدور بإثبات صدق المخبر، وليس ذلك إلا بالنظر العقلي في المعجزة الظاهرة على يديه وإدراك كونها خارجة عن طوق البشر، وأنه لا بد لها من فاعل مختار قادر عالم حي، أيّد رسوله وصدّقه بها، ثم يدرك العقل وجوب صدق المرسَل فيسلّم له بما أخبر عن الله بما يستحيل أن تصل إليه العقول.
    ومنهم من ذهب إلى أن الطريق إلى معرفة الله الرياضة والمجاهدة وتصفية الباطن، وعنوا بالرياضة ملازمة العزلة والخلوة والتقوى وتناول الحلال والجوع ومداومة التعبد والفكر. وهؤلاء لا ملاذ لهم من تقديم النظر العقلي على ما ذكروه من تصفية الباطن وغيره لأنه لا عبرة بها إلا بعد طمأنينة النفس في المعرفة، فلا يمكن التعبد لمن لا يعرف معبوده، والذكر لمن لا يعرف مذكوره، والتقوى لمن لا يعرف آمره وناهية. فكل ذلك فروع عن تحصيل أصل الإيمان بالنظر العقلي الصحيح.
    ومنهم من جعل الإلهام الطريق لمعرفة الله تعالى. وهؤلاء إن أرادوا به تجريد النفس للشيء وإزالة الشواغل البدنية لإدراكه بناء على أنها في أصل خلقتها مستعدة لقبول المعارف الإلهية، فالردّ عليهم أن مجرد ذلك لا يحصل المطلوب من المعرفة إلا مع حضور علوم ضرورية أو غير ضرورية وترتيبها لبلوغ المطلوب، وهذا هو النظر العقلي، وأما تجريد النفس للشيء فهو لازم لكل مطلب. وإن أريد بالإلهام ما يقع في القلب بطريق الفيض وما يرد عليه من الخواطر، فالرد أن ذلك لا ثقة به ما لم يعلم صاحبه أنه من الله تعالى، فإنه قد يكون خاطرا ربانيا أو ملكيا أو نفسانيا أو شيطانيا.
    ثم هذا الذي قدمناه من أن تحصيل معرفة الله تعالى وما يتبع ذلك من عقائد الدين طريقها النظر العقلي، هو ما اتفق عليه جمهور عقلاء المسلمين من والأشاعرة والماتريدية والمعتزلة. إلا أنهم اختلفوا في مسائل، منها أن طريق وجوب المعرفة، بحيث يستوجب تركها العقاب المذكور على لسان الشرع ويثاب محصّلها، هل يستقل العقل بإدراك أن الله أوجبها على عباده وحرّم تركَها وإن لم يأت رسول بذلك، وهو رأي المعتزلة والماتريدية؛ أم أن الثواب أو العقاب على تحصيل المعرفة أو تركها مما لا يهتدي العقل لترجيح أحدهما، خصوصا وأن المقصود من الواجب ما ترتّب العقاب الأخروي على تركه، فليس للعقل في ذلك إلا التجويز، بمعنى أنه يجوّز ترتب العقاب على تحصيل المعرفة أو تركها؛ إذ لا يلزم عن أحدهما أيّ محال لذاته، فلا بد من ترجيح أحدهما بخبر الصادق، وهو النبي، فلا تجب المعرفة قبل البعثة ودعوة النبي إلى ذلك. وهذا رأي جمهور الأشاعرة إلا البعض منهم كالنووي والحليمي وغيرهما.
    وتجدر الإشارة إلى أنه لا خلاف بينهم جميعا في وجوب معرفة الله تعالى بعد بعثة الرسل، وإمكان تقرير ذلك عقلا ونقلا.
    ويتبع هذا الخلاف أيضا الخلاف في تعيين النظر العقلي طريقا لتحصيل المعرفة هل وجوبه مما يستقل العقل بإدراكه بمقدماته وإن لم يرد سمعٌ ولا دعوة نبيٍّ بذلك، أم أن إيجاب النظر حكم كسائر الأحكام الشرعية لا يثبت إلا بالسمع.
    ولفهم أدلة كل من الفريقين لا بد من عرض بعضها وفهم مأخذ كل منهما، فالعقل عند المعتزلة هو ما يعرف به قبح القبيح وحسن الحسن، وما يميَّز به بين خير الخيرين وشر الشرين. ومن هنا جعلوه مدركا لوجوب الواجبات الشرعية حتى قبل تلقي ذلك من الرسول، استنادا منهم على ما في الأفعال من المصلحة أو المفسدة، فإن اشتمل الفعل على مفسدة فحرام كالظلم، وإن اشتمل تركه عليها فواجب كالعدل، وإن اشتمل الفعل على مصلحة فمندوب كالإحسان مثلا، أو تركه عليها فمكروه، وإن لم يشتمل على مصلحة ولا مفسدة فمباح، وفائدة ورود الشرع عندهم تأييدُ حكم العقل وتقويته أو بيان ما عساه أن يخفى عليه ومساعدته عليه.
    ومن هنا استندوا في إيجاب معرفة الله تعالى عقلا على أدلة أبرزها أن العاقل متى كمل عقله يرى آثار نعمة الله عليه ظاهرة، من كونه حيا سميعا بصيرا إلخ، وشكرُ المنعم واجب بحيث انّ من لم يشكر من أنعم عليه يستحق الذمَّ وأن يسلب هذا المُنعِم نعمته عنه ويحل عليه مكان ذلك الغضبَ والعقاب، وشكر المنعم لا يتصور من الشاكر إلا بعد معرفة المنعِم، فالشكر متوقف على المعرفة، فالمعرفة واجبة بالمعنى الشرعي ولو قبل تلقي ذلك من النبي.
    وردّ الأشاعرة هذا الدليل بالقدح في مقدماته لكونها ليست يقينية، ومنها المقدمة القائلة أن شكر المنعم واجب، فهي تعتبر من المشهورات التي تعارف العقلاء عليها، فهي غير ضرورية ولا راجعة إلى حكم الضرورة. وبقولهم في خصوص هذا الدليل: لو أوجب العقل شكر الله فإما أن يوجبه لفائدة أو لا لفائدة، والقول بهما ممتنع، فيمتنع القول بالوجوب العقلي؛ أما وجوب الشكر لا لفائدة لو حكم العقل به لكان عبثا، وأما إن أوجبه لفائدة، فإما أن تعود إلى المشكور أو إلى الشاكر، وكلاهما باطل، فالقول بإيجاب الشكر باطل. بيان استحالة عودها إلى المشكور أنه تعالى لا ينتفع ولا يتضرر، بل يتعالى عن قبول الضرر والنفع سواء شكرنا أم لا، ويستحيل عود الفائدة على الشاكر، إما عاجلا لكونه ليس في الشكر ظاهراً إلا التعب والتزام المشقة، وإما عاجلا فذلك معدوم الآن، فهو جائز، وإدراك وقوعه غائب تماما عن العقل لغيابه عن الحواس وعدم ورود خبر صادق بذلك.
    ثم من أشهر آراء الأشاعرة في تعريف العقل أنه بعض العلوم الضرورية، وهو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات الضرورية والعلم بمجاري العادات، والواجب العقلي عندهم هو الضروري الوجود الذي لو قدّر عدمه للزم المحال، والمستحيل العقلي هو الضروري العدم الذي لو قدّر وجوده لزم المحال، والجائز العقلي هو المتساوي الطرفين الذي لا يلزم على فرض وجوده أو عدمه محال. وبناء على هذا ردّوا على المعتزلة دليلهم بقولهم: إذا خطر ببال العاقل تجويز أن يكون له رب يطلب منه شكر نعمته، بحيث إن شكر أثابه وإن كفر عاقبه، فقولكم إن العقل يعيّن عليه الشكر طلبا للسلامة والأمن باطل، فإن مقابل ذلك التجويز العقلي هو أن يخطر ببال العاقل أن له رباًّ ربما خلقه للترفه والتنعم، وأنه ملك لخالقه، ولو أتعب نفسه فيما لا ينتفع به مالكه لكان ذلك تصرفا في ملك مالكه بغير إذنه فربما عاقبه، فيكون ارتقاب العقاب على ترك الشكر كارتقابه على فعله، فلا يترجح أحدهما على الثاني، ولا يمكن جعل أحدهما أمارة على استحقاق العقاب أو الثواب إلا من الخبر الصادق، وهو المعبر عنه بالسمع، فوجوب الشكر لا يكون إلا بالدليل الشرعي. وبالله التوفيق
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]
يعمل...