العجز عن درك الادراك إدراك

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #1

    العجز عن درك الادراك إدراك

    كثيرا ما ينقل في كتب عقائد أهل السنة عن الصديق رضي الله عنه قوله: العجز عن دَرك الإدراك إدراك. وهو كلام ينبئ عن رسوخ صاحبه في العلم وتقلبه في أطوار معرفة الله تعالى، وكيف لا وهو أفضل صحابة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأحبهم إليه!
    وقد قيل في معنى كلامه أن الدَّرك: أقصى قعر الشيء كالبحر ونحوه، وعلى هذا فالمراد بدرك الإدراك: أقصى مراتب الإدراك، وهو إدراكه تعالى بالكنه.
    فالمعنى: إن عجز العقول عن دَرك كُنْهِ الواجب تعالى وامتناع حصوله لها: إدراكٌ لها إياه تعالى بعنوان تمايزه بهذا العنوان عن جميع ما سواه، وهو أن يمتنع إدراكُ كنهه، بخلاف ما سواه.
    وقيل أيضا: الدَّرك بفتح الراء: القعر. والمراد به هنا الغاية مجازا، فيكون المعنى: إن الاعتراف بالعجز عن بلوغ غاية إدراك ذات الله تعالى إدراك للذات بوجه تختص به وتمتاز به عن سائر الحقائق.
    وقد زاد المرتضى على كلام الصديق رضي الله عنه: "والبحث عن سر الذات إشراك". أي: البحث عن حقيقة ذات الله أي صاحب الحقيقة المخفية عن نظر العقول إشراك.
    والمقصود: إن البحث عن كُنْه الذات التي هي خفية عن نظر العقول وهو ذات الواجب تعالى إشراك، وإنما كان ذلك إشراكا لأنه ليس من شأن الممكن أن يعرف كنه ذات الواجب تعالى، بل لا يعرف الواجب إلا الواجب، كما قيل: لا يعرف الله إلا الله. فمن أراد البحث عن كنه الإله فكأنه ادّعى أنه إله من جنس الواجب، وهو إشراك. أو لأن من طلب حقيقتها فقد ظنها ممكنة، فقد كان معتقدا بألوهية ممكن لا واجب. والله تعالى أعلم.



    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4020

    #2
    يطرح بعضهم هنا سؤالاً: هل سيعلم المؤمنون حقيقة الله تعالى في الآخرة؟ فما رأيك؟
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

    تعليق

    • نزار بن علي
      طالب علم
      • Nov 2005
      • 1729

      #3
      حقيقة الشيء: ما هو به هو. ومعرفة الشيء لها مراتب، فمرة يعرف لا بحسب ذاته المخصوصة، بل بواسطة آثاره كما يُعرف من وجود البناء أن له بانيا، ومرة بواسطة رؤيته، ومرة بحسب إدراكه واكتناه ذاته المخصوصة. أما المرتبة الأولى فبيّن أنها الأضعف بالمقارنة بالثانية والثالثة، ومعرفتنا بالله تعالى معشر عوام المؤمنين الناظرين في خلق السموات والأرض حاصلة بهذه الطريقة، وهي الطريقة التي أطبق العقلاء على معرفة الله تعالى بها. وأما الثانية والثالثة فقد اختلف العقلاء في أيهما أكمل، كما اختلفوا أيضا في إمكان أو وقوع كل منهما إما دنيا أو أخرى.
      وقد اختلف في معرفة الله تعالى بالكنه والحقيقة على أقوال يحصرها الجواز والمنع، فمن المجوزين من قال بوقوعها في الدنيا ( وينسب هذا القول لقدماء المتكلمين، ودليلهم أن حكمنا على الصانع بما له من الصفات والتنزيهات والأفعال يستدعي معرفة حقيقته، ولا يخفى ضعفه لأن الحكم على شيء ما يستدعي تصوره بوجه ما، لا تصوره بالكنه الذي هو محل النزاع )، ومنهم من نفاها دنيا وأثبت إمكان وقوعها أخرى، ( وينسب هذا القول إلى القاضي حيث نفى أن يكون العلم بالصفات والسلوب والإضافات علما بالحقيقة، ولكن من الممكن أن يخلق الله تعالى علما بحقيقته في المستقبل كما يكون عند رؤيته في القيامة)، ومنهم من نفاها دنيا وأخرى، وقال إن اكتناه ذات الله تعالى لا يمكن بالكلية ومطلقا. وينسب هذا القول لإمام الحرمين وحجة الإسلام، وهو الذي رجحه ابن الحاجب في عقيدته حيث قال: ولا تُعرف حقيقة ذاته على الأصح، خلافا للجمهور. وهو الذي يشير إليه قوله تعالى: ( ولا يحيطون به علما ). وهذا ما أميل إليه، فإن إطلاق العلم بالحقيقة يشعر بالإحاطة بها من كل الوجوه الذاتية، بل ربما يستلزم ذلك، ومعلوم أن الإحاطة بالمعلوم على نحو ذلك لا تكون إلا للعلم القديم الأزلي المحيط، وليس ذلك إلا علم الباري تعالى، ومن هنا قيل: لا يعلم الله إلا الله. نعم قد يخلق الباري تعالى لعباده المؤمنين في الجنة علوما متعلقة بذاته وصفاته بالتدريج بحيث يرتقون في معارج معرفته تعالى كلٌّ بحسب تفضل الله عليه ومقامه عنده، ويستمر ذلك إلى الأبد، فإنه أمر ممكن لا استحالة فيه، وكمالاته سبحانه وتعالى ومقدوراته ليس لها حد ولا تنحصر، والإنسان مستعد لقبول ذلك، بل هو مخلوق لحمل تلك العلوم وإدراك تلك الكمالات كما يشهد لذلك اصطفاء الله تعالى للنوع والإنساني وتكريمه، والله تعالى أعلم.
      وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

      تعليق

      • ماهر محمد بركات
        طالب علم
        • Dec 2003
        • 2736

        #4
        جميل جداً بارك الله بكم .

        أخي الفاضل نزار :

        مافهمته من عرضكم السابق أن الخلاف الذي ذكرته بين المثبتين والنافين هو خلاف لفظي لا حقيقي .
        لأن الذين أثبتوا امكانية المعرفة بالحقيقة لم يثبتوها على وجه الاحاطة والذين نفوا امكانية حصول المعرفة بالحقيقة نفوها على وجه الاحاطة ولم ينفوها على غير وجه الاحاطة .

        فهم متفقون على نفيها ان كانت على وجه الاحاطة (وهي مستحيلة عقلاً فلا تتحقق في الدنيا ولا في الآخرة)
        و متفقون على ثبوتها لله تعالى لا على وجه الاحاطة (ولا مانع من ذلك لا شرعاً ولا عقلاً)

        و المتبادر والواضح أن الرؤيا الحاصلة لله تعالى يوم القيامة لاشك تزيد الرائي علماً ومعرفة في كمالات الله تعالى ولكن ليس لأحد في الاحاطة بذات الله تعالى وصفاته سبيل لأنه ممتنع عقلاً .

        والله أعلم .
        ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم

        تعليق

        • سعيد فودة
          المشرف العام
          • Jul 2003
          • 2444

          #5
          لقد تكلمت في هذه المسألة في كتاب بحوث في علم الكلام، وهاكم ما قلته هنا، رجاء أن يكون مفيدا:

          لوازم تنزيه اللـه تعالى
          لما تقرر أن وجود اللـه تعالى يخالف وجود غيره من الموجودات، فهو واجب الوجود، وكل ما سواه ممكن جائز، وهو تعالى كامل لا يطرأ عليه تغيّر، وكل ما سواه ناقص يتغير، ومحتاج إلى اللـه تعالى. لما ثبت كل هذا وجب أن يثبت أنه مهما بذل الإنسان من جهد لكي يعرف حقيقة اللـه تعالى، فإنه سوف يفشل في ذلك، فلا يبلغ كنه صفته الواصفون والصّفة مطلقاً هي المعنى القائم بالموصوف. وما دام لا يمكن بلوغ حقيقة صفات اللـه تعالى، فبالأولى لا يمكن إدراك حقيقة ذاته.
          وصفات اللـه تعالى وذاته لا توصف بالحدّ والمقدار والكمية والكيفية فان هذه المعاني صفات للأجسام، وقد تقرّر أن اللـه تعالى ليس بجسم ولا في مكان.
          والطريق الوحيد للاقتراب من جلال اللـه تعالى هو التفكّر في آيات اللـه تعالى، أي في مخلوقاته وهي هذا العالم وما فيه وكل ما سوى اللـه تعالى من الموجودات.
          ولا تقتصر آيات اللـه تعالى على الموجودات الحسية، بل تشتمل أيضاً على المخلوقات العقلية مثل حقيقة العقل والإدراك والعلم وغير ذلك من المعاني الجليلة، فإن التفكر في هذا كلـه يقرّب العاقل إلى جلال الخالق.
          وأيضاً من آيات اللـه تعالى آياته الشرعية، وهي كتبه المنزلة على رسلـه الكرام، فالتفكر فيها يفيد معظم المقصود في هذا المقام. ومنها تستفاد الأحكام الشرعية أصلاً أو قياساً، وهي تعرف الإنسان على قيمة الأخلاق، وحقيقتها وغير ذلك.
          وإذا علم أن الوصول إلى حقيقة ذات اللـه تعالى مستحيل، فمن الحُمْقِ بعد ذلك التفكير في هذا الاتجاه، فالعقلاء لا يتفكرون في ماهية ذاته تعالى لأنهم يعتقدون جزماً أن العقول قاصرة عن إدراك حقيقة ذات اللـه تعالى وصفاته، وأنّه لا يحاط بجلالـه وكنه عظمته.
          والدليل على أن حقيقة ذاته لا يمكن أن تكون معلومة لنا:
          أن العلم إما بالبداهة، بأن يكون من غير نظر واستدلال، وإما بالنظر. وبطلان الأول ظاهر لان ذاته غير متصورة بالبداهة اتفاقاً.
          وأما الثاني: فلأن العلم الحاصل بالنظر، إما أن يكون بالحد وإما بالرَّسم وكل منهما باطل.
          أما الأول: فلأن التعريف بالحد إنما يكون لما تَقْبَلُ ذاته التحديد وهو المركب أو الممتد. والتركيب مستحيل على ذاته ومنتف عنها، إذ لا مِثْلَ لـه تعالى.
          أما بطلان الطريق الثاني وهو الرّسم: فلأن الرسم لا يفيد الحقيقة( ).
          فيخلص من هذا الدليل أن كل طرق العلم لا يمكن أن توصل إلى معرفة حقيقة اللـه تعالى. ولذلك فحقيقة ذاته لا تدرك.
          ولكن عدم معرفة الذات، أي عدم إمكانية العلم بالذات لا يعني أنه لا يمكن العلم باللـه من كل وجه. فقد تقرر أن الخلق يمكن أن يعلموا جوانب من أحكام صفات الخالق عز وجل.
          ولذلك لما سأل فرعون سيدنا موسى عليه السلام عن حقيقة اللـه قائلا: "وما رب العالمين" الذي ادعيت أنك رسولـه، أي شئ هو؟ أعرض النبي عليه السلام عن هذا السؤال وأجاب قائلاً: "رب السماوات والأرض وما بينهما". وقصد بهذه الإجابة بيان صفة اللـه لا بيان حقيقة ذات، كما يطلب السائل، ليعلمه أن حقيقة ذات اللـه تعالى لا تدرك. ولا يعلم ولا يحد إلا مالـه جنس وفصل مما هو مركب، والتركيب مستحيل عليه تعالى، ولما لم يدرك فرعون هذه النكتة، اعترض على موسى عليه السلام وقال لأشراف أتباعه ممن حولـه ألا تسمعون جواب موسى الذي لم يطابق السؤال، سألته عن حقيقته تعالى. فأجاب بصفاته، فهو غير مطابق للسؤال، ولم يبين موسى جهل فرعون وغلطه بل ذكر صفات أبلغ من الأولى مشيراً إلى أن السؤال عن الحقيقة ليس من دأب العقلاء، ربّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون، فتستدلون بما أقول، فتعرفون ربكم. وهذا غاية الإرشاد لأنه نبّه أوّلاً على الاستدلال بالعام: وهو خلق السماوات والأرض، ثم بما هو أقرب إليهم وهو أنفسهم وآباؤهم ثم بالمشرق والمغرب لزيادة البيان والتدريج في الاستدلال، وليعلم أن في كل شيء دليلاً على وحدانيته تعالى.
          وما ذكرناه هنا هو التحقيق في هذه المسألة.
          وأما ما ذكر عن القاضي أبي بكر ومَنْ تَبِعَهُ أنه قال إن الذات يمكن بلوغ حقيقتها، فالخلاف لفظي لأنه ومن تبعه يسلم أن اللـه تعالى لا يحاط به ولا يلحقه وهم ولا يقدره فهم، وأن العقول قاصرة عن إدراك جلالـه ومن نفى العلم بالحقيقة مقرّ بأنه عرفه العارفون بدلالة الآيات ونزهوه عن سائر النقائص، وأثبتوا لـه جميع الكمالات، فاتفق القولان على عدم إدراك حقيقة الذات. فمن قال بجواز علمنا بالذات فمراده العلم بالصفة الدالة على جلال عظمته.
          وقد يَرِدُ هنا بعد ما قررناه من استحالة العلم بحقيقة الذات وتجويز العلم بالصفات، أن هذا تناقضٌ لأن الصفة لا تنفك عن الذات، وإذا كانت الذات غير مدركة فيجب أن تكون الصفات كذلك. وتعريف الصفات كل منها بحدٍّ كتعريف العلم بأنه صفة لـها تعلق بالشيء على وجه الإحاطة به، يقتضي إدراك كنه الصفة.
          والجواب عن هذا الإشكال المتوهَّم أنه لا يخفى أن التعريف كما يفيد معرفة حقيقة المعرّف، يفيد تمييزها عما عداها ومعرفة آثارها، وإن لم يُفِدْ معرفة الحقيقة، كالتعريف ببعض الخواص مما هو رسم، وتعريف الصفات هو تعريف لـها بحسب ما وصل إليه علم المخلوقات من حيث آثار الصفات لا من حيث حقائقها، وأيضاً، فالتعريفات التي يذكرها أهل هذا الفن لا تفيد مطلقاً أنهم يعلمون حقيقة ذات الله تعالى، أو أنهم يسعون إلى ذلك، ولا تفيد أيضاً ذلك في الصفات. لأنهم يبدؤون كل تعريف للصفات بقولـهم هي صفه، ثمّ يذكرون ما يلزم عنها، كما في العلم: صفة، لـها تعلق بالشيء على وجه الإحاطة. والإرادة: صفة، تفيد تخصيص الشيء ببعض ما يجوز عليه. وهكذا. وهذا إقرار وتصريح منهم باستحالة إدراك حقيقة الذات، واستحالة إدراك حقيقة الصفات. وهذه التعريفات ليس حدوداً لكي يلزم هذا الاعتراض، بل هي ذكر خواص المعرَّف، وهذا لا يفيد العلم بالحقيقة. فتبين بهذا أنه لا وجود للتناقض المتوهّم.
          وهذا الإشكال قد يرد في أذهان أناس كثيرين خصوصاً في هذا الزمان الذي عمَّ فيه الجهل بعلم الكلام والعلوم العقلية، وانتشرت فيه بدع المجسّمة، وضاع مذهب أهل الحق. فيشرعون في القول بأن أهل الكلام يبحثون في ذات اللـه تعالى؟ هذا ما ينسبونه إلى علماء الكلام من أهل الحق، في حين أنَّنا نعلم أنَّ أهمَّ أو من أهمِّ مقصودات المتكلمين هو إبعاد الناس عن التفكير في حقيقة ذات اللـه تعالى، فلذا نبّهنا عليه هنا.
          وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

          تعليق

          • جلال علي الجهاني
            خادم أهل العلم
            • Jun 2003
            • 4020

            #6
            فتح الله عليك سيدي أبا الفداء، ويمكن أن يكون كلامك هذا شرحاً لقول صاحب النونية:

            حقيقة الحق لم تعقل بعالمنا ... لكن ترددهم في دار رضوان
            إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
            آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



            كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
            حمله من هنا

            تعليق

            • نزار بن علي
              طالب علم
              • Nov 2005
              • 1729

              #7

              سأجلب هنا كلاما من شرح على عقيدة ابن الحاجب ـ يسر الله إتمام تحقيقه ـ تنشرح به صدور أولي النهى، ويحمل من تدبره على التحلي بالمعرفة والتقوى، فهو كلام يسعد والله من يعيه، ويفوز الفوز الأكبر من يدريه، أسوقه ليستعد من سيُتوفى على أقوم دين، لما أعدّ له اللهُ ذو الفضل المبين، ولست أقصد ما وعدوا به من الأنهار والثمرات، بل أعني مزيد المعرفة بالله التي هي أقصى الكمالات. جعلني الله وإياكم من المستعدين لنيل تلك الكمالات والظفر بأسنى الغايات، ومن المحفوظين من الزلل في الاعتقاد والسقوط في الغوايات.
              قال الشيخ محمد بن أبي الفضل قاسم البكي الكومي (تـ 916هـ) في معرض استدلاله على ثبوت المعاد الجسماني:
              لا شك أن صور الممكنات بالنسبة إلى الإنسان على قسمين: خيرٌ أو وسيلة إليه، ونيلُ ذلك لذّةٌ كمال، وشرٌّ أو وسيلة إليه، ونيل ذلك ألم. وكل منهما غير متناهٍ؛ إذ مرجع ذلك إلى صور الممكنات، وهي غير متناهية. ثم إن الله جل وعلا خلق الإنسان على هيئةٍ بحيث يكون قابلاً لنيل تلك الكمالات التي تقتضيها قواهُ تعلُّقاً بها ليحصل كماله، وتلك الكمالات التي تقتضيها قواه غير متناهية؛ إذ هي راجعة إلى صور الممكنات التي لا تتناهى، وصور الممكنات التي لا تتناهى لا يمكن حصولها دفعةً؛ إذ حصولها دفعةً يقتضي حصولَ ما لا يتناهى في الوجود دفعةً، ولا في زمان متناهٍ وإلا لزم حصول ما لا يتناهى في ما يتناهى، وكل ذلك محال.
              ونيل تلك الكمالات لا بدّ أن يحصل لهذا النوع الإنساني قطعاً؛ عملاً باستعداده، ولأنه لو لم يحصل:
              فإمّا أن يكون لأن ذلك الحصول ممتنع، وهذا باطل وإلا انقلب الممكن محالاً، ونحن نقطع بإمكان ذلك.
              وإمّا لعدم تمكّن الفاعل المختار من ذلك، وهذا أيضا محال لِمَا تقرَّر من أنه جلَّ وعلا على كل شيء قدير، وأنّ مقدوراته لا تتناهى.
              وإمّا لعدم القبول التام الذي يكون به ذلك، فذلك أيضا باطل لأن القبول التام داخل تحت تلك المقدورات الكمالية، ولأن ما يتوقف عليه الكمال كمال، وهو موقوف على مجرد القبول، وذلك حاصل للإنسان نجده من نفوسنا.
              ثم من المعلوم قطعاً أنّ هذا التركيب البدني الكائن في يوم الدنيا لا يمكن أن تحصل معه تلك الكمالات، لا من جهة انقضاء المدة، ولا من جهة المزاحم المضاد، فاقتضت الحكمة الإلهية، وأعطت الشواهد الوجدانية، وحققت القواطع السمعية ألا يكون ذلك إلا مع تركيب آخر أبديٍّ مناسب لتحصيل تلك الكمالات الأبدية في زمان يسع تلك الممكنات، وذلك هو عود الأبدان على الصور الآدمية الأولية في الأزمان المسماة بالدار الأخروية.
              ولقد أحسن مالك رضي الله عنه بإشارته حيث قال: الفاني لا يرى الباقي، وإنما يُرَى الباقي بالباقي. وتنبّه لقوله جل وعلا: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) [المؤمنون: 115] الآية.
              ثم جُعلت الدنيا مميِّزة لأحد الاستعدادين، إمّا لاستعداد نيل الخيرات، وذلك بالمعرفة بالله والعمل بطاعته، وإما لاستعداد نيل الضدِّ، وذلك بالجهل بالله وعدم العمل بطاعته.
              وإنما كان كلٌّ من المعرفة والجهل يعطي ذلك لأنّ نور المعرفة إذا حصل أفاد تنوير جملة الإنسان، وظلمة الجهل إذا حصلت أفادت ظلمة جملة الإنسان، والنور مناسب لنور الجنة، والظلمة مناسبة لظلمة النار، فاعلم ذلك.

              وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

              تعليق

              • أحمد محمد نزار
                طالب علم
                • Jan 2005
                • 404

                #8
                ربما تكون مداخلتي تغبش على صفاء ونقاء قول الصديق الأكبر رضي الله عنه ولكن لدى قراءتي المقال تذكرت تعليق الخميني على كلام الصديق في شرحه للفصوص وإظهار حقده بجهل بالله وقد ظن أنه شرّاح للفصوص حقاً والقارئ لهذه الأسطر من كلامه تظهر أن الخميني كان يعطي لابن عربي قدس الله سره مقاماً أعلى من الصديق رضي الله عنه حينما حاول فاشلاً- أن ينسب الوهم للشيخ الأكبر في نقله لكلام الصديق -أي يريد إبعاد المقولة عن قائلها- وهيهات للقمر أن تحجبه غيوم سوداء هشة عابرة. قال:

                "وقال أبوبكر: العجز عن الإدراك إدراك" _ص69_
                قوله: وقال أبوبكر، أقول ليس العجز عن درك الإدراك إدراكاً بل إدراك العجز الْكذائي‎ إدراك كما يقال غاية عرفان أهل المعرفة إدراك العجز عنها ولعلّه سمع شيئاً ولم يحفظه فقال ما قال.[59]
                "فسمّي هذا المذكور إنساناً وخليفته فأمّا إنسانيّته فلعموم"
                "نشأته وحصره الحقائق كلّها وهو للحق بمنزلته إنسان"

                وسؤالي ماذا تفهمون من تعبير الخميني بقوله " العجز الْكذائي"؟!!
                العزلة عن الناس عزلة الضعفاء؛ والعزلة بين الناس عزلة الأقوياء

                تعليق

                • محمود عبد الصادق الحسّاني
                  طالب علم
                  • Jun 2007
                  • 235

                  #9
                  الله الله الله
                  كلام الكبار عليه مهابة ورونق وجلالة
                  رضي الله عنكم سادتي الشيخ سعيد والشيخ جلال والشيخ نزار
                  وحفظكم الله جميعا ونفعنا بكم وبعلومكم في الدارين
                  آمين

                  تعليق

                  يعمل...