سأنقل لكم كلام المحدث الشيخ عبد الله الهرري من كتابه صريح البيان في الرد على من خالف القرءان - الجزء الأول ص 41:
قال الشيخ عبد الله :
فوائد مهمة:
* الأولى: جاء في كتاب "القدر" للبيهقي وكتاب "تهذيب الآثار" للإمام ابن جرير الطبري رحمهما الله تعالى عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" صنفان من أمتي ليس لهما نصيب في الإسلام القدرية والمرجئة" فالمعتزلة هم القدرية لأنهم جعلوا الله والعبد سواسية بنفي القدرة عنه عز وجل على ما يُقدِرُ عليه عبده، فكأنهم يثبتون خالقين في الحقيقة كما أثبت المجوس خالقين خالقا للخير هو عندهم النور وخالقا للشر هو عندهم الظلام.
هذا الحديث فيه دليل على أن كلا من هذين الفريقين كفار، أما المعتزلة فقد مر بيان حالهم وهم نحو عشرين فرقة منهم من وصل إلى حد الكفر كالذين ذكرناهم ومنهم من لم يصل إلى ذلك الحد بل اقتصروا على قول إن الله لا يرى في الآخرة كما لا يرى في الدنيا وقولهم إن مرتكب الكبيرة ن مات قبل أن يتوب لا هو مؤمن ولا هو كافر لكن يخلد في النار بلا خروج وقولهم إنه لا شفاعة لبعض عصاة المؤمنين من الأنبياء والعلماء والشهداء، فمن وافق المعتزلة في هذا ولم يوافقهم في قولهم إن العبد يخلق أفعاله استقلالا بقدرة أعطاه الله إياها ولا في قولهم إن الله شاء أن يكون كل العباد طائعين ولكن قسما منهم كفروا وعصوا بغير مشيئته فلا يكفر).اهـ.
ثم قال: (تتمة: المعتزلة يعتقدون جملة من العقائد شذوا فيها عن أهل السنة منها قولهم بأن الله ما شاء حصول المعاصي والشرور وإنما يحصل الكفر والمعاصي بغير مشيئة الله، ومنها قولهم إن الإنسان هو يخلق أفعاله الاختيارية بقدرة أعطاه الله إياها وليس الله يخلقها يقولون إن الله كان قادرا على أن يخلق حركات العباد وسكناتهم قبل أن يعطيهم القدرة عليها فبعد أن أعطاهم القدرة عليها صار عاجزا، ومنها قولهم بنفي صفات الله تعالى من علم وقدرة وحياة وبقاء وسمع وبصر وكلام فهم يقولون الله عالم بذاته لا بعلم، قادر بذاته لا بقدرة، حي بذاته لا بحياة وهكذا في سائر الصفات. وهذه الأقوال الثلاثة يجب تكفيرهم بها ولايجوز أن يقال إنهم لا يكفرون بها وإن كانوا يفسقون بها ويبدعون من غير أن يصلوا إلى حد الكفر كما قال عدد من متأخري الشافعية والحنفية فإن هؤلاء المتأخرين خالفوا ما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه الصحابة لا يعرف بينهم مخالف فيه وهذا هو قول سلف الأمة فهو القول الصحيح المعتمد وما خالفه مردود على قائله لأنه لا يجوز أن يترك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه أصحابه بلا خلاف لقول مستحدث مخالف بل من خالف في ذلك ينطبق عليه حديث مسلم مرفوعا: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" اهـ.
ولذلك اعتمد المحققون من الخلف القول بتكفيرهم ولم يرتضوا قولا سواه، وإليك زيادة بيان ما قدمناه.
فأما الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه وابن حبان في صحيحه عن ابن الديلمي عن زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار"اهـ.
وروى أبو داود عن ابن عمر مرفوع: "القدرية مجوس هذه الأمة"اهـ وعنده من طريق حذيفة مرفوعا كذلك " لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر" اهـ. وهذا الحديث مشهور يحتج به في العقيدة ولذلك احتج به الإمام أبو حنيفة في بعض رسائله الخمس.
وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " صنفان من أمتي ليس لهما نصيب في الإسلام القدرية والمرجئة" اهـ والقدرية هم المعتزلة. والحديث رواه ابن جرير الطبري وصححه ورواه البيهقي من أكثر من طريق عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا.
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن زرارة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية (ذوقوا مس سقر * إنا كل شىء خلقناه بقدر) سورة القمر. قال " نزلت في أناس من أمتي يكونون في ءاخر الزمان يكذبون بقدر الله" اهـ.
وروى أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن أبي هريرة قال جاءت مشركو قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية (إن المجرمين في ضلال وسعر) إلى قوله ( خلقناه بقدر) اهـ.
وروى البيهقي عن رافع بن خديج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكفيرهم وأنهم يكونون أتباع الدجال عند ظهوره.
فهذه الأحاديث كلها تدل على كفر نفاة القدر القائلين بأن العبد يفعل بغير مشيئة الله، ولهذا لم يختلف أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في كفرهم.
روى البيهقي في كتاب القدر بالإسناد الصحيح عن سيدنا عمر رضي الله عنه أن رجلا من أهل الذمة قال أمامه في الجابية " إن الله لا يضل أحدا " فغضب عمر وقال: " كذبت يا عدو الله ولولا أنك من أهل الذمة لضربت عنقك هو أضلك وهو يدخلك النار" اهـ.
وروى البيهقي في كتاب القدر أيضا عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: " إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينا غير شك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله " اهـ.
وروى أحمد وأبو داود وابن حبان عن ابن الديلمي عن أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت قولهم : " لو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا دخلت النار " اهـ وقد تقدم في غير موضع .
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن عطاء بن أبي رباح قال أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه فقلت له: قد تكلم في القدر، فقال: أوفعلوها، قلت: نعم، قال فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم (ذوقوا مس سقر * إنا كل شىء خلقناه بقدر) أولئك شرار هذه الأمة فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على موتاهم إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين اهـ.
وروى عنه أيضا قوله: كلام القدرية كفر اهـ وقد تقدم.
وقد أخبر ابن عمر رضي الله عنهما أيضا بحدوث القول في القدر في العراق على مقتضى كلام المعتزلة فقال للمخبر وكان يحيى بن يعمر من أجلاء التابعين: أخبرهم بأني بريء منهم وأنهم برءاء مني والذي يحلف به عبد الله لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبا ما قبل ذلك منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره اهـ. رواه مسلم
وروى البيهقي في كتاب القدر عن لبيد قال: سألت واثلة بن الأسقع عن الصلاة خلف القدري فقال: لا تصل خلف القدري أما أنا لو صليت خلفه لأعدت صلاتي اهـ
وروى البيهقي عن سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنه قال: والله ما قالت القدرية بقول الله ولا بقول الملائكة ولا بقول النبيين ولا بقول أهل الجنة ولا بقول صاحبهم إبليس اهـ وقد تقدم.
وأما التابعون فمنهم ابن الديلمي كما رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وقد ذكر حديثه ءانفا.
ومنهم يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري. رواه مسلم والترمذي وغيرهما وهما سمعا حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور ءانفا.
ومنهم أبو سهيل عم الإمام مالك وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما فقد روى البيهقي في القدر عن أبي سهيل أنه قال: كنت أمشي مع عمر ابن عبد العزيز فاستشارني في القدرية فقلت: أرى أن تستيبهم فإن تابوا وإلا عرضتهم على السيف، فقال عمر بن عبد العزيز: وذلك رأيي، قال مالك: وذلك رأيي اهـ.
ولعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه رسالة مشهورة في الرد على القدرية، رواها أبو نعيم وغيره.
ومنهم التابعي الجليل محمد بن سيرين، فقد روى البيهقي عنه أنه قال: إن لم يكن أهل القدر من الذين يخوضون في ءايات الله فلا أدري من هم اهـ.
ومنهم الحسن البصري فقد روى ابن عساكر في تاريخه عن عاصم قال سمعت الحسن البصري يقول: من كذب بالقدر فقد كذب بالحق إن الله تبارك وتعالى قدر خلقا وقدر أجلا وقدر بلاء وقدر مصيبة وقدر معافاة فمن كذب بالقدر فقد كذب بالقرءان اهـ.
وأفتى الزهري عبد الملك بن مروان بدماء القدرية كما ذكره الإمام عبد القاهر التميمي في أصول الدين.
ولعنهم سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما روى البيهقي عن عكرمة بن عمار أنه قال سمعت سالم بن عبد الله يلعن القدرية اهـ.
ومن أتباع التابعين صرح بكفرهم جماعة كبيرة منهم الإمام مالك بن أنس فقد روى البيهقي عن إسحاق بن محمد الفروي أنه قال سئل مالك عن تزويج القدري فقال: (ولعبد مؤمن خير من مشرك ) سورة البقرة اهـ.
ومنهم الإمام أبو حنيفة كما صرح في بعض رسائله وقد قال: الكلام بيننا وبين القدرية في حرفين يقال لهم: هل عَلِمَ الله ما يكون من العباد قبل أن يفعلوا، فإن قالوا لا كفروا لأنهم جَهَّلوا ربَّهم، وإن قالوا عَلِمَ يقال لهم: هل شاء خلاف ما عَلِمه، فإن قالوا نعم كفروا لأنهم قالوا شاء أن يكون جاهلا، وإن قالوا لا رجعوا إلى قولنا اهـ. ولذلك قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: القدري إذا سلّم العلم خُصِم.
وقد كفر الشافعي حفصا الفرد من رؤوس المعتزلة وقال له: لقد كفرت بالله العظيم اهـ رواه البيهقي في مناقب الشافعي.
وأما تكفير أحمد بن حنبل لهم فمعروف مشهور عنه رواه عدد منهم البيهقي وابن الجوزي وغيرهما.
وروى البيهقي في الأسماء والصفات تكفير أبي حنيفة وأبي يوسف لهم بل قال أبو يوسف فيهم: إنهم زنادقة اهـ.
ومنهم سفيان الثوري كما روى البيهقي عن أحمد بن يونس أنه قال سمعت رجلا يقول لسفيان الثوري: إن لنا إماما قدريا قال: لا تقدموه، قال ليس لنا إمام غيره، قال: لا تقدموه اهـ.
ومنهم سفيان بن عيينة، روى البيهقي عن أيوب بن حسان أنه قال سئل ابن عيينة عن القدرية فقال: يا ابن أخي قالت القدرية ما لم يقل الله عز وجل ولا الملائكة ولا النبيون ولا أهل الجنة ولا أهل النار ولا ما قال أخوهم إبليس... إلخ اهـ.
ومنهم محمد الباقر بن علي زين العابدين كما روى البيهقي عن الحارث بن شريح البزار قال قلت لمحمد بن علي: يا أبا جعفر إن لنا إماما يقول في هذا القدر، فقال: يا ابن الفارسي انظر كل صلاة صليتها خلفه فأعدها، إخوان اليهود والنصارى قاتلهم الله أنى يؤفكون اهـ.
ومنهم الإمام المجتهد أبو عمرو الأوزاعي فإنه كفر غيلان القدري وقال لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اهـ رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق بروايات عدة.
ومنهم الحافظ يحيى بن سعيد القطان فقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن سعيد بن عيسى الكُزبري يقول سمعت يحيى بن سعيد بن القطان يقول: شيئان ما يخالج قلبي فيهما شك تكفير القدرية وتحريم النبيذ اهـ.
ومنهم إبراهيم بن طهمان كما روى البيهقي عن الحسن بن عيسى أنه قال سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: الجهمية والقدرية كفار اهـ.
فهذه أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم فقهاؤهم وعلماؤهم عمر وعلي وأبيّ وابن مسعود وحذيفة وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس مجمعة على تكفير القدرية لم يخالفهم في ذلك صحابي واحد، ومعهم على هذا مشاهير علماء التابعين كابن سيرين وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وابن شهاب الزهري، وتبعهم على ذلك أتباع التابعين وبينهم المجتهدون أصحاب المذاهب المشهورة المتبوعة مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، ومع هؤلاء كلهم أئمة أهل البيت علي والحسين والباقر رضوان الله عليهم فكيف بعد هذا كله يجرؤ بعض المتأخرين على الزعم بأن القول المعتمد ترك تكفير المعتزلة القائلين بخلق العبد لأعماله وبنفي صفات الله تعالى وبأي لسان يزعم منتسب إلى الإسلام بأن القول بعدم تكفيرهم الذي يخالف الأحاديث الصريحة وإجماع الصحابة وأقوال أئمة المجتهدين من التابعين وأتباعهم هو القول المعتمد. وإذا كان هؤلاء المتأخرين فمن أين عرفوا هم الصواب بزعمهم في المسئلة ومن أي طريق بلغهم حكمها.
بل الحق ما جاء به سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام والصواب ما أجمع عليه الصحابة وقاله الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والأوزاعي وغيرهم من المجتهدين، وأما ما خالف ذلك مما قاله بعض من جاء بعد هؤلاء بمئات من السنين كالباجوري أو الشربيني أو الأشخر ممن يعد في الأصول والفروع كالأطفال بالنسبة لهؤلاء الأساطين فيضرب به عرض الحائط ولا يقام له وزن.
ولذلك لم يعتبر أئمة الخلف ومحققوهم هذا الرأي الشاذ بل جزموا بكفر المعتزلة ونقل الإمام أبو منصور التميمي البغدادي كفرهم عن الأئمة في كتابه أصول الدين، وقال في تفسير الأسماء والصفات: أجمع أصحابنا أي أئمة الأشاعرة والشافعية على تكفير المعتزلة اهـ.
وكفرهم إمام الهدى أبو منصور الماتريدي في كتابه التوحيد وعليه جرى أئمة الحنفية. قال الزبيدي في شرح الإحياء: إن مشايخ ما وراه النهر لم يتوقفوا عن تكفير المعتزلة اهـ وممن نص على ذلك منهم نجم الدين منكوبرس شارح الطحاوية.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي من أصول الإيمان القدر من كذب به فقد كفر. نص عليه مالك فإنه سئل عن نكاح القدرية فقال: (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم) اهـ.
وكفرهم الفقيه اللغوي شيث بن إبراهيم المالكي وألف في الرد عليهم كتاب " حز الغلاصم وإفحام المخاصم" وهو مطبوع.
وسئل الجنيد رضي الله عنه عن التوحيد فقال: اليقين، ثم استفسر عن معناه فقال: إنه لا مكون لشىء من الأشياء من الأعيان والأعمال خالق لها إلا الله تعالى اهـ.
وقال الفقيه الحنبلي ولي الله السيد عبد القادر الجيلاني في كتاب الغنية له: تبا لهم أي للقدرية وهم مجوس هذه الأمة جعلوا لله شركاء ونسبوه إلى العجز وأن يجري في ملكه ما لا يدخل في قدرته وإرادته، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا اهـ.
وكفرهم أبو حامد الإسفراييني من أصحاب الوجوه بين الشافعية ولم يصحح الصلاة خلفهم.
وقال الحافظ أبو سعد عبد الكريم السمعاني الشافعي في الأنساب في ترجمة الكعبي المعتزلي وقد كَفَرت المعتزلة قبله بقولها إن الشرور واقعة من العباد بخلاف إرادة الله عز وجل ومشيئته اهـ ثم قال فزاد أبو القاسم الكعبي في الكفر فزعم أنه ليس لله عز وجل إرادة ولا مشيئة على الحقيقة اهـ.
ونقل النووي في الروضة عن الحنفية تكفير من قال أنا أفعل بغير مشيئة الله وأقرهم عليه اهـ.
وسبق نقل ما ذكره البلقيني في هذه المسئلة ورده على من صحح الصلاة خلفهم.
فتلخص مما تقدم أن القول الصحيح المعتمد الذي لا يجوز العدول عنه هو تكفير المعتزلة بكل مسئلة من المسائل الثلاث المذكورة ءانفا، ولله در أبي القاسم العلوي القائل فيما رواه البيهقي عن أبي يعلى حمزة ابن محمد العلوي يقول سمعت أبا القاسم عبد الرحمن بن محمد بن القاسم الحسني وما رأيت علويا - أي من ذرية سيدنا علي أفضل منه زهدا وعبادة يقول: المعتزلة قعدة الخوارج عجزوا عن قتال الناس بالسيوف فقعدوا للناس يقاتلونهم بألسنتهم أو تجاهدونهم أو كما قال اهـ.
* الثانية: روى البيهقي رحمه الله تعالى عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: " إنَّ أَحَدَكُم لن يَخلُصَ الإيمانُ إلى قَلبِه حتى يستيقن يقينا غَيرَ شَكِّ أنَََّ ما أصَابَه لم يكن لِيُخطِئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويُقِرَّ بالقدر كله" أي لا يجوز أن يؤمن ببعض القدر ويكفر ببعض.
ومعنى هذا الأثر عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه لا يتم الإيمان في قلب أحدكم حتى يستيقن يقينا غير شك أي حتى يعتقد اعتقادا جازما لا يخالجه شك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه إن كان من الرزق أو المصائب أو غير ذلك وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله، معناه لا يجوز أن يؤمن ببعض القدر ويكفر ببعض بل يجب على كل مسلم أن يؤمن بأن كل ما يجري في الكون من خير أو شر ضلالة أو هدى عسر أو يسر حلو أو مر كل ذلك بخلق الله ومشيئته حدث وكان ولولا أن الله تعالى شاءه وكونه وخلقه ما حصل.
* الثالثة: روى البيهقي أيضا بالإسناد الصحيح أن عمر بن الخطاب كان بالجابية وهي أرض من الشام- فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له"، وكان عنده كافر من كفار العجم من أهل الذمة فقال بلغته: " إن الله لا يضل أحدا"، فقال عمر للترجمان: "ماذا يقول"؟ قال: إنه يقول: إن الله لا يضل أحدا، فقال عمر: " كذبت يا عدو الله ولولا أنك من أهل الذمة لضربت عنقك هو أضلك وهو يدخلك النار إن شاء".
ومعنى كلام عمر رضي الله عنه أن هذا الاعتقاد كفر وضلال وهو اعتقاد أن الله لا يضل أحدا أي أن الإنسان يضل بمشيئته لا بمشيئة الله، وأن العبد هو يخلق هذه الضلالة ليس الله خالقها.
ومعنى قول سيدنا عمر: " إن شاء" أي إن شاء أن تموت على كفرك هذا لا بد من دخولك النار. وقد احتج سيدنا عمر بهذه الآية: ( ومن يهد الله فما له من مضل) سورة الزمر. ومعناه أن الذي شاء الله له في الأزل أن يكون مهتديا لا أحد يجعله ضالا، ( ومن يضلل الله فلا هادي له) سورة الأعراف. أي ومن شاء الله أن يكون ضالا فلا هادي له، أي لا أحد يهديه ولا أحد يجعله مهتديا. وهذا رسول الله صلى الله عليه هادي له، أي لا أحد يهديه ولا أحد يجعله مهتديا. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنذر قومه أول ما نزل عليه الوحي عملا بقول الله تعالى: ( وأنذر عشيرتك الأقربين) سورة الشعراء. أي حذرهم من الكفر ثم اهتدى به أناس ولم يهتد به أناس حتى من أقاربه كأبي لهب وغيره فإنهم لم يهتدوا، فما هو الموجب لذلك أي لأن يهتدي هؤلاء ولا يهتدي هؤلاء؟ الموجب لذلك أن الله تبارك وتعالى شاء في الأزل أن يهتدي هؤلاء بمحمد ولم يشأ أن يهتدي الآخرون تنفذت مشيئة الله في الفريقين.
والله تعالى يكره الكفر والمعاصي لكن خصص هؤلاء بأن ينساقوا إلى الضلال، كما خصص أولئك بأن ينساقوا باختيارهم إلى الهدى، هذا معنى المشيئة. انتهى كلام الشيخ عبد الله
قال الشيخ عبد الله :
فوائد مهمة:
* الأولى: جاء في كتاب "القدر" للبيهقي وكتاب "تهذيب الآثار" للإمام ابن جرير الطبري رحمهما الله تعالى عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" صنفان من أمتي ليس لهما نصيب في الإسلام القدرية والمرجئة" فالمعتزلة هم القدرية لأنهم جعلوا الله والعبد سواسية بنفي القدرة عنه عز وجل على ما يُقدِرُ عليه عبده، فكأنهم يثبتون خالقين في الحقيقة كما أثبت المجوس خالقين خالقا للخير هو عندهم النور وخالقا للشر هو عندهم الظلام.
هذا الحديث فيه دليل على أن كلا من هذين الفريقين كفار، أما المعتزلة فقد مر بيان حالهم وهم نحو عشرين فرقة منهم من وصل إلى حد الكفر كالذين ذكرناهم ومنهم من لم يصل إلى ذلك الحد بل اقتصروا على قول إن الله لا يرى في الآخرة كما لا يرى في الدنيا وقولهم إن مرتكب الكبيرة ن مات قبل أن يتوب لا هو مؤمن ولا هو كافر لكن يخلد في النار بلا خروج وقولهم إنه لا شفاعة لبعض عصاة المؤمنين من الأنبياء والعلماء والشهداء، فمن وافق المعتزلة في هذا ولم يوافقهم في قولهم إن العبد يخلق أفعاله استقلالا بقدرة أعطاه الله إياها ولا في قولهم إن الله شاء أن يكون كل العباد طائعين ولكن قسما منهم كفروا وعصوا بغير مشيئته فلا يكفر).اهـ.
ثم قال: (تتمة: المعتزلة يعتقدون جملة من العقائد شذوا فيها عن أهل السنة منها قولهم بأن الله ما شاء حصول المعاصي والشرور وإنما يحصل الكفر والمعاصي بغير مشيئة الله، ومنها قولهم إن الإنسان هو يخلق أفعاله الاختيارية بقدرة أعطاه الله إياها وليس الله يخلقها يقولون إن الله كان قادرا على أن يخلق حركات العباد وسكناتهم قبل أن يعطيهم القدرة عليها فبعد أن أعطاهم القدرة عليها صار عاجزا، ومنها قولهم بنفي صفات الله تعالى من علم وقدرة وحياة وبقاء وسمع وبصر وكلام فهم يقولون الله عالم بذاته لا بعلم، قادر بذاته لا بقدرة، حي بذاته لا بحياة وهكذا في سائر الصفات. وهذه الأقوال الثلاثة يجب تكفيرهم بها ولايجوز أن يقال إنهم لا يكفرون بها وإن كانوا يفسقون بها ويبدعون من غير أن يصلوا إلى حد الكفر كما قال عدد من متأخري الشافعية والحنفية فإن هؤلاء المتأخرين خالفوا ما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه الصحابة لا يعرف بينهم مخالف فيه وهذا هو قول سلف الأمة فهو القول الصحيح المعتمد وما خالفه مردود على قائله لأنه لا يجوز أن يترك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه أصحابه بلا خلاف لقول مستحدث مخالف بل من خالف في ذلك ينطبق عليه حديث مسلم مرفوعا: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" اهـ.
ولذلك اعتمد المحققون من الخلف القول بتكفيرهم ولم يرتضوا قولا سواه، وإليك زيادة بيان ما قدمناه.
فأما الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه وابن حبان في صحيحه عن ابن الديلمي عن زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار"اهـ.
وروى أبو داود عن ابن عمر مرفوع: "القدرية مجوس هذه الأمة"اهـ وعنده من طريق حذيفة مرفوعا كذلك " لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر" اهـ. وهذا الحديث مشهور يحتج به في العقيدة ولذلك احتج به الإمام أبو حنيفة في بعض رسائله الخمس.
وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " صنفان من أمتي ليس لهما نصيب في الإسلام القدرية والمرجئة" اهـ والقدرية هم المعتزلة. والحديث رواه ابن جرير الطبري وصححه ورواه البيهقي من أكثر من طريق عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا.
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن زرارة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية (ذوقوا مس سقر * إنا كل شىء خلقناه بقدر) سورة القمر. قال " نزلت في أناس من أمتي يكونون في ءاخر الزمان يكذبون بقدر الله" اهـ.
وروى أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن أبي هريرة قال جاءت مشركو قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية (إن المجرمين في ضلال وسعر) إلى قوله ( خلقناه بقدر) اهـ.
وروى البيهقي عن رافع بن خديج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكفيرهم وأنهم يكونون أتباع الدجال عند ظهوره.
فهذه الأحاديث كلها تدل على كفر نفاة القدر القائلين بأن العبد يفعل بغير مشيئة الله، ولهذا لم يختلف أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في كفرهم.
روى البيهقي في كتاب القدر بالإسناد الصحيح عن سيدنا عمر رضي الله عنه أن رجلا من أهل الذمة قال أمامه في الجابية " إن الله لا يضل أحدا " فغضب عمر وقال: " كذبت يا عدو الله ولولا أنك من أهل الذمة لضربت عنقك هو أضلك وهو يدخلك النار" اهـ.
وروى البيهقي في كتاب القدر أيضا عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: " إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينا غير شك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله " اهـ.
وروى أحمد وأبو داود وابن حبان عن ابن الديلمي عن أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت قولهم : " لو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا دخلت النار " اهـ وقد تقدم في غير موضع .
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن عطاء بن أبي رباح قال أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه فقلت له: قد تكلم في القدر، فقال: أوفعلوها، قلت: نعم، قال فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم (ذوقوا مس سقر * إنا كل شىء خلقناه بقدر) أولئك شرار هذه الأمة فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على موتاهم إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين اهـ.
وروى عنه أيضا قوله: كلام القدرية كفر اهـ وقد تقدم.
وقد أخبر ابن عمر رضي الله عنهما أيضا بحدوث القول في القدر في العراق على مقتضى كلام المعتزلة فقال للمخبر وكان يحيى بن يعمر من أجلاء التابعين: أخبرهم بأني بريء منهم وأنهم برءاء مني والذي يحلف به عبد الله لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبا ما قبل ذلك منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره اهـ. رواه مسلم
وروى البيهقي في كتاب القدر عن لبيد قال: سألت واثلة بن الأسقع عن الصلاة خلف القدري فقال: لا تصل خلف القدري أما أنا لو صليت خلفه لأعدت صلاتي اهـ
وروى البيهقي عن سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنه قال: والله ما قالت القدرية بقول الله ولا بقول الملائكة ولا بقول النبيين ولا بقول أهل الجنة ولا بقول صاحبهم إبليس اهـ وقد تقدم.
وأما التابعون فمنهم ابن الديلمي كما رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وقد ذكر حديثه ءانفا.
ومنهم يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري. رواه مسلم والترمذي وغيرهما وهما سمعا حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور ءانفا.
ومنهم أبو سهيل عم الإمام مالك وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما فقد روى البيهقي في القدر عن أبي سهيل أنه قال: كنت أمشي مع عمر ابن عبد العزيز فاستشارني في القدرية فقلت: أرى أن تستيبهم فإن تابوا وإلا عرضتهم على السيف، فقال عمر بن عبد العزيز: وذلك رأيي، قال مالك: وذلك رأيي اهـ.
ولعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه رسالة مشهورة في الرد على القدرية، رواها أبو نعيم وغيره.
ومنهم التابعي الجليل محمد بن سيرين، فقد روى البيهقي عنه أنه قال: إن لم يكن أهل القدر من الذين يخوضون في ءايات الله فلا أدري من هم اهـ.
ومنهم الحسن البصري فقد روى ابن عساكر في تاريخه عن عاصم قال سمعت الحسن البصري يقول: من كذب بالقدر فقد كذب بالحق إن الله تبارك وتعالى قدر خلقا وقدر أجلا وقدر بلاء وقدر مصيبة وقدر معافاة فمن كذب بالقدر فقد كذب بالقرءان اهـ.
وأفتى الزهري عبد الملك بن مروان بدماء القدرية كما ذكره الإمام عبد القاهر التميمي في أصول الدين.
ولعنهم سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما روى البيهقي عن عكرمة بن عمار أنه قال سمعت سالم بن عبد الله يلعن القدرية اهـ.
ومن أتباع التابعين صرح بكفرهم جماعة كبيرة منهم الإمام مالك بن أنس فقد روى البيهقي عن إسحاق بن محمد الفروي أنه قال سئل مالك عن تزويج القدري فقال: (ولعبد مؤمن خير من مشرك ) سورة البقرة اهـ.
ومنهم الإمام أبو حنيفة كما صرح في بعض رسائله وقد قال: الكلام بيننا وبين القدرية في حرفين يقال لهم: هل عَلِمَ الله ما يكون من العباد قبل أن يفعلوا، فإن قالوا لا كفروا لأنهم جَهَّلوا ربَّهم، وإن قالوا عَلِمَ يقال لهم: هل شاء خلاف ما عَلِمه، فإن قالوا نعم كفروا لأنهم قالوا شاء أن يكون جاهلا، وإن قالوا لا رجعوا إلى قولنا اهـ. ولذلك قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: القدري إذا سلّم العلم خُصِم.
وقد كفر الشافعي حفصا الفرد من رؤوس المعتزلة وقال له: لقد كفرت بالله العظيم اهـ رواه البيهقي في مناقب الشافعي.
وأما تكفير أحمد بن حنبل لهم فمعروف مشهور عنه رواه عدد منهم البيهقي وابن الجوزي وغيرهما.
وروى البيهقي في الأسماء والصفات تكفير أبي حنيفة وأبي يوسف لهم بل قال أبو يوسف فيهم: إنهم زنادقة اهـ.
ومنهم سفيان الثوري كما روى البيهقي عن أحمد بن يونس أنه قال سمعت رجلا يقول لسفيان الثوري: إن لنا إماما قدريا قال: لا تقدموه، قال ليس لنا إمام غيره، قال: لا تقدموه اهـ.
ومنهم سفيان بن عيينة، روى البيهقي عن أيوب بن حسان أنه قال سئل ابن عيينة عن القدرية فقال: يا ابن أخي قالت القدرية ما لم يقل الله عز وجل ولا الملائكة ولا النبيون ولا أهل الجنة ولا أهل النار ولا ما قال أخوهم إبليس... إلخ اهـ.
ومنهم محمد الباقر بن علي زين العابدين كما روى البيهقي عن الحارث بن شريح البزار قال قلت لمحمد بن علي: يا أبا جعفر إن لنا إماما يقول في هذا القدر، فقال: يا ابن الفارسي انظر كل صلاة صليتها خلفه فأعدها، إخوان اليهود والنصارى قاتلهم الله أنى يؤفكون اهـ.
ومنهم الإمام المجتهد أبو عمرو الأوزاعي فإنه كفر غيلان القدري وقال لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اهـ رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق بروايات عدة.
ومنهم الحافظ يحيى بن سعيد القطان فقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن سعيد بن عيسى الكُزبري يقول سمعت يحيى بن سعيد بن القطان يقول: شيئان ما يخالج قلبي فيهما شك تكفير القدرية وتحريم النبيذ اهـ.
ومنهم إبراهيم بن طهمان كما روى البيهقي عن الحسن بن عيسى أنه قال سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: الجهمية والقدرية كفار اهـ.
فهذه أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم فقهاؤهم وعلماؤهم عمر وعلي وأبيّ وابن مسعود وحذيفة وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس مجمعة على تكفير القدرية لم يخالفهم في ذلك صحابي واحد، ومعهم على هذا مشاهير علماء التابعين كابن سيرين وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وابن شهاب الزهري، وتبعهم على ذلك أتباع التابعين وبينهم المجتهدون أصحاب المذاهب المشهورة المتبوعة مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، ومع هؤلاء كلهم أئمة أهل البيت علي والحسين والباقر رضوان الله عليهم فكيف بعد هذا كله يجرؤ بعض المتأخرين على الزعم بأن القول المعتمد ترك تكفير المعتزلة القائلين بخلق العبد لأعماله وبنفي صفات الله تعالى وبأي لسان يزعم منتسب إلى الإسلام بأن القول بعدم تكفيرهم الذي يخالف الأحاديث الصريحة وإجماع الصحابة وأقوال أئمة المجتهدين من التابعين وأتباعهم هو القول المعتمد. وإذا كان هؤلاء المتأخرين فمن أين عرفوا هم الصواب بزعمهم في المسئلة ومن أي طريق بلغهم حكمها.
بل الحق ما جاء به سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام والصواب ما أجمع عليه الصحابة وقاله الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والأوزاعي وغيرهم من المجتهدين، وأما ما خالف ذلك مما قاله بعض من جاء بعد هؤلاء بمئات من السنين كالباجوري أو الشربيني أو الأشخر ممن يعد في الأصول والفروع كالأطفال بالنسبة لهؤلاء الأساطين فيضرب به عرض الحائط ولا يقام له وزن.
ولذلك لم يعتبر أئمة الخلف ومحققوهم هذا الرأي الشاذ بل جزموا بكفر المعتزلة ونقل الإمام أبو منصور التميمي البغدادي كفرهم عن الأئمة في كتابه أصول الدين، وقال في تفسير الأسماء والصفات: أجمع أصحابنا أي أئمة الأشاعرة والشافعية على تكفير المعتزلة اهـ.
وكفرهم إمام الهدى أبو منصور الماتريدي في كتابه التوحيد وعليه جرى أئمة الحنفية. قال الزبيدي في شرح الإحياء: إن مشايخ ما وراه النهر لم يتوقفوا عن تكفير المعتزلة اهـ وممن نص على ذلك منهم نجم الدين منكوبرس شارح الطحاوية.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي من أصول الإيمان القدر من كذب به فقد كفر. نص عليه مالك فإنه سئل عن نكاح القدرية فقال: (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم) اهـ.
وكفرهم الفقيه اللغوي شيث بن إبراهيم المالكي وألف في الرد عليهم كتاب " حز الغلاصم وإفحام المخاصم" وهو مطبوع.
وسئل الجنيد رضي الله عنه عن التوحيد فقال: اليقين، ثم استفسر عن معناه فقال: إنه لا مكون لشىء من الأشياء من الأعيان والأعمال خالق لها إلا الله تعالى اهـ.
وقال الفقيه الحنبلي ولي الله السيد عبد القادر الجيلاني في كتاب الغنية له: تبا لهم أي للقدرية وهم مجوس هذه الأمة جعلوا لله شركاء ونسبوه إلى العجز وأن يجري في ملكه ما لا يدخل في قدرته وإرادته، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا اهـ.
وكفرهم أبو حامد الإسفراييني من أصحاب الوجوه بين الشافعية ولم يصحح الصلاة خلفهم.
وقال الحافظ أبو سعد عبد الكريم السمعاني الشافعي في الأنساب في ترجمة الكعبي المعتزلي وقد كَفَرت المعتزلة قبله بقولها إن الشرور واقعة من العباد بخلاف إرادة الله عز وجل ومشيئته اهـ ثم قال فزاد أبو القاسم الكعبي في الكفر فزعم أنه ليس لله عز وجل إرادة ولا مشيئة على الحقيقة اهـ.
ونقل النووي في الروضة عن الحنفية تكفير من قال أنا أفعل بغير مشيئة الله وأقرهم عليه اهـ.
وسبق نقل ما ذكره البلقيني في هذه المسئلة ورده على من صحح الصلاة خلفهم.
فتلخص مما تقدم أن القول الصحيح المعتمد الذي لا يجوز العدول عنه هو تكفير المعتزلة بكل مسئلة من المسائل الثلاث المذكورة ءانفا، ولله در أبي القاسم العلوي القائل فيما رواه البيهقي عن أبي يعلى حمزة ابن محمد العلوي يقول سمعت أبا القاسم عبد الرحمن بن محمد بن القاسم الحسني وما رأيت علويا - أي من ذرية سيدنا علي أفضل منه زهدا وعبادة يقول: المعتزلة قعدة الخوارج عجزوا عن قتال الناس بالسيوف فقعدوا للناس يقاتلونهم بألسنتهم أو تجاهدونهم أو كما قال اهـ.
* الثانية: روى البيهقي رحمه الله تعالى عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: " إنَّ أَحَدَكُم لن يَخلُصَ الإيمانُ إلى قَلبِه حتى يستيقن يقينا غَيرَ شَكِّ أنَََّ ما أصَابَه لم يكن لِيُخطِئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويُقِرَّ بالقدر كله" أي لا يجوز أن يؤمن ببعض القدر ويكفر ببعض.
ومعنى هذا الأثر عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه لا يتم الإيمان في قلب أحدكم حتى يستيقن يقينا غير شك أي حتى يعتقد اعتقادا جازما لا يخالجه شك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه إن كان من الرزق أو المصائب أو غير ذلك وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله، معناه لا يجوز أن يؤمن ببعض القدر ويكفر ببعض بل يجب على كل مسلم أن يؤمن بأن كل ما يجري في الكون من خير أو شر ضلالة أو هدى عسر أو يسر حلو أو مر كل ذلك بخلق الله ومشيئته حدث وكان ولولا أن الله تعالى شاءه وكونه وخلقه ما حصل.
* الثالثة: روى البيهقي أيضا بالإسناد الصحيح أن عمر بن الخطاب كان بالجابية وهي أرض من الشام- فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له"، وكان عنده كافر من كفار العجم من أهل الذمة فقال بلغته: " إن الله لا يضل أحدا"، فقال عمر للترجمان: "ماذا يقول"؟ قال: إنه يقول: إن الله لا يضل أحدا، فقال عمر: " كذبت يا عدو الله ولولا أنك من أهل الذمة لضربت عنقك هو أضلك وهو يدخلك النار إن شاء".
ومعنى كلام عمر رضي الله عنه أن هذا الاعتقاد كفر وضلال وهو اعتقاد أن الله لا يضل أحدا أي أن الإنسان يضل بمشيئته لا بمشيئة الله، وأن العبد هو يخلق هذه الضلالة ليس الله خالقها.
ومعنى قول سيدنا عمر: " إن شاء" أي إن شاء أن تموت على كفرك هذا لا بد من دخولك النار. وقد احتج سيدنا عمر بهذه الآية: ( ومن يهد الله فما له من مضل) سورة الزمر. ومعناه أن الذي شاء الله له في الأزل أن يكون مهتديا لا أحد يجعله ضالا، ( ومن يضلل الله فلا هادي له) سورة الأعراف. أي ومن شاء الله أن يكون ضالا فلا هادي له، أي لا أحد يهديه ولا أحد يجعله مهتديا. وهذا رسول الله صلى الله عليه هادي له، أي لا أحد يهديه ولا أحد يجعله مهتديا. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنذر قومه أول ما نزل عليه الوحي عملا بقول الله تعالى: ( وأنذر عشيرتك الأقربين) سورة الشعراء. أي حذرهم من الكفر ثم اهتدى به أناس ولم يهتد به أناس حتى من أقاربه كأبي لهب وغيره فإنهم لم يهتدوا، فما هو الموجب لذلك أي لأن يهتدي هؤلاء ولا يهتدي هؤلاء؟ الموجب لذلك أن الله تبارك وتعالى شاء في الأزل أن يهتدي هؤلاء بمحمد ولم يشأ أن يهتدي الآخرون تنفذت مشيئة الله في الفريقين.
والله تعالى يكره الكفر والمعاصي لكن خصص هؤلاء بأن ينساقوا إلى الضلال، كما خصص أولئك بأن ينساقوا باختيارهم إلى الهدى، هذا معنى المشيئة. انتهى كلام الشيخ عبد الله
وما أحل قول الحافظ عبد الله الهرري -حفظه الله- وقوله هذا ليس ببدعة بل هو قول جمهور أهل السنة والجماعة ومن أراد أن يتقين فعليه بأصول الدين والفرق بين الفرق للبغدادي وشرح النسفية لتفتزاني وشرحها أيضا للهرري
تعليق