الاتباع للمحكم والإيمان بالجميع

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بلال النجار
    مـشـــرف
    • Jul 2003
    • 1128

    #1

    الاتباع للمحكم والإيمان بالجميع



    بسم الله الرّحمن الرّحيم

    إخواني،

    لقد كثر بحث الناس في المتشابه، وترى المتأهل وغير المتأهل يتكلّمون فيه، تارة على جهة الاستشكال، وتارة على جهة السؤال، وتارة على جهة الاجتهاد في معناه، وتارة على جهة اختبار عقايد الناس كما تفعل السلفيّة بزعمهم. ولقد والله ابتدع المجسّمة في دين الله أن المتشابه عقيدة تعتقد بالمعنى من نفس اللفظ الظاهر دون تأويل.

    فاعلموا أنّ الله تعالى أمرنا بالإيمان بالإسلام الذي هو الدين الوحيد عند الله تعالى، وهو دين الملائكة قبل أن يخلق الله تعالى آدم، ودين الجنّ في الأرض قبل أن يخلق الله تعالى البشر. ودين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من لدن آدم وحتّى قيام الساعة، وهو الدين الذي لا دين حقاً سواه أزلاً وأبداً وقبل أن يخلق الله تعالى شيئاً. لا يتغيّر ولا يتبدّل. كيف لا وهو قضايا خبريّة وليست أوامر ونواهي يتشرّع بها على فترة من الزمان ثمّ تترك. كيف لا وهي التي أوحى الله تعالى بها إلى جميع أنبيائه وكلامه تعالى أزليّ قبل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقبل خلق السموات والأرض.

    فهل يحتاج أحد للبحث والتفتيش في معنى المتشابه ليستظهر عقيدة الإسلام؟

    إنّ الله تعالى كلّف المكلّفين على اختلاف قدراتهم بالعلم والإيمان بالإسلام. فلا بدّ أن يكون ما كلّفهم به في وسعهم وبمقدورهم. ولا بدّ أن يكون القدر الذي يضرّهم الجهل به مبيّناً بياناً تامّاً في كلامه تعالى وفي كلام أنبيائه عليهم الصلاة والسلام لتقوم حجّة الله تعالى البالغة على خلقه ولا يتعذّر أحد يوم القيامة أمام الله تعالى بأنّه كان عن شيء مما أمره باعتقاده من الغافلين.

    فالحّق الحقّ أقول لكم إخواني، إنّ الإسلام مبيّن في محكم الكتاب فحصّلوه منه، ومبيّن في محكم كلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم فحصلوه منه، ولو تركتم جميع المتشابه تمرّونه كما جاء تؤمنون به كما قال الإمام الشافعيّ رضي الله تعالى عنه: (آمنّا بكلّ ما جاء من عند الله تعالى على مراد الله تعالى، وبكلّ ما جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلّم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلّم)، ما ضرّ إيمانكم ترك الاشتغال به برمّته، فارشدوا ودعوا عنكم الهوى. قال تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ)
    وغاية الأمر بحسب الخلاف الوقف أو الوصل، وعليه فإما أن من يعلم ذلك هو الله وحده جلّ وعلى أو يعلمه الراسخون في العلم أيضاً على قدرهم. وعليه فلا يمكن أن يكون علم معنى المتشابه مما يضرّ الجهل به في الاعتقاد. فسبحان الله تعالى في أمرنا! نشتغل بالمتشابه قبل تحصيل المحكم! فهل فهمنا المحكم وأحكمناه في صدورنا وربطنا عليه القلوب قبل أن نتكلّم في المتشابه!

    ألا ترون ما تقرره الآية الكريمة من حال الراسخين في العلم من قولهم (آمنّا به كلّ من عند ربّنا). ألا ترون فيها أنّ الاشتغال بالمتشابه وبناء الدين عليه واتباعه صنعة من في قلوبهم زيغ. ووالله إنّ كلام السلفيّة اليوم فيه على هذا النحو بدعة في أصل الدّين. سبقهم إليها من تعلمون من أهل الحشو والتجسيم. وسبقهم إليها كلّ من تأوّل المتشابه على غير قانون التأويل الصحيح الذي بيّنه أهل العلم.

    متى كانت عقيدة الإسلام هي أين الله، وهل يخلو العرش منه أو لا يخلو، وهل يتحرّك وينـزل ويصعد أو لا، وهل له يد أو يدان، وهل يهرول أو لا، وهل له عين ورجل، وهل وهل إلخ تخريصاتهم. حسبنا الله تعالى ونعم الوكيل.

    قال تعالى: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين. إنّما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).
    وقال: (قل إنّما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحقّ وأن تشركوا بالله ما لم ينزّل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).

    فحذار حذار إخواني من أن نقول على الله تعالى ما لا نعم.
    وحسب المتأولين شرّاً أنّهم لا تبلغ تأويلاتهم حدّ الجزم واليقين. فإن كان الله تعالى قد عذر العلماء المجتهدين إن أخطأوا وأثابهم أجر اجتهادهم، فمن قصرت رتبته عن قاماتهم فبم يعتذر إلى الله تعالى. إخواني ليسعنا هذا الدين كما وسع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهم خير البشر بعد الأنبياء والمرسلين. وليسعنا الدين الذي وسع التابعين رضوان الله عليهم وتابعيهم. قال تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين).

    فلنتّبع سبيل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلّم وسبيل أصحابه ومن تبعهم بإحسان. إننا لا نقول إنّ هذا الدين لا يجوز التعمّق فيه والغوص، بل نقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم بأنه متين وعميق، فعلى الغائص فيه أن يتدرّج خشية الافتتان، والانقطاع يا إخواني. وسلوا من كان بذلك خبيراً.

    يصلّي واحدنا اليوم، ولا يكون متفرّغاً لطلب العلم، ويبدأ بمناقشة العلماء والغوص في أعقد المسائل الكلاميّة والأصوليّة، ويعترض ويردّ، ويقول أرى ولا أرى وأخالف وأميل، ورأيي في المسألة. فسبحان الله تعالى. هذا دين. فلنتعلّمه أولاً الأولى فالأولى. فأوّل ما يجب على المكلّف هو معرفة الله تعالى. فلنعرف ربّنا تعالى. ولنعرف رسولنا. ولنعرف ما يجب علينا بعد ذلك أن نعلمه. ولنتعلّم ما يجب علينا عقده وعمله بحسب الأولى فالأولى. وهكذا ينخرط الواحد في سلك الإسلام ويمشي الطريق إلى الله سبحانه وتعالى. قبل أن تقرأ في الخلاف اقرأ القدر المجمع عليه واعلمه وحصّله. ومن لم يسعه دين الله تعالى على طريقة خير خلق الله تعالى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم وأصحابه فلا وسعه شيء. وكفى بالمقتدي شرفاً أنه له متبع وعلى دربه سائر ومن يده شارب ومعه محشور، وكفى بطريقه أنها الأسلم. وكفى بالمتنطع المتعمّق عن غير اقتدار مجازفة ومذمّة أنه سائر بلا إرشاد ولا هداية. وقد يخبط خبط عشواء ويحسب نفسه على شيء وما هو على شيء. وكم من متنطّع ضلّ سعيه وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً. فيا أيها السائر إلى الله تعالى. اصدق في توجّهك. أخلص النيّة فإنها أعظم سرّ تمتلكه. اصدق الله تعالى وانظره كيف يصدقك. ابحث عن فاضل يأخذ بيدك في بداية سعيك ممن تستفي فيه قلبك وتستخير في الطلب عليه ربّك سبحانه وأنت صادق في سؤلك. واعلم أنّ الله تعالى أعظم وأكرم من أن يضيّع باحثاً عنه. فاقبلوا نصحي يا إخواني، إنّ العقيدة الإسلاميّة وافية في المحكم ولا يجوز بناؤها على المتشابه ولا يجوز الخوض في المتشابه لغير المتأهّلين، فحذار من هذه المزالق لأنّ المتشابه امتحان كبير للقلوب، لا ينجو منه إلا من عصمه الله تعالى ووفقه.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين
يعمل...