شبهة الأطوار الثلاثة للإمام أبي الحسن الأشعري
----------------------------------------------------------------
هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بُردَةَ عامر ابن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي موسى الأشعري.
ولد رحمه الله سنة ستين ومائتين بالبصرة، ، وفي تاريخ وفاته اختلاف منها أنه توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وقيل: سنة أربع وعشرين، وقيل: سنة ثلاثين، توفي رحمه الله ببغداد ودفن بين الكرخ وباب البصرة.
كان أبو الحسن الأشعري سنّيـاًمن بيت سنّة ،ثم درس الاعتزال على أبي علي الجبَّائي وتبعه في الاعتزال، ثم تاب، ورَقِيَ كرسيّاً في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة،ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فإني أعرفه بنفسي، ثم أعلن توبته من الاعتزال والرجوع إلى طريقة أهل السنة ولجماعة . وكانت هي العقيدة التي دافع عنها حتى مات رحمه الله فقد كان تارة يبينها بطريقة التأويل الشرعي الصحيح ،وتارة بالتفويض الشرعي الصحيح ،فكلاهما مسلكان صحيحان لأهل السنة .
قال الفقيه أبو بكر الصَّيرَفي: "كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى نشأ الأشعري فحجزهم في أقماع السَّماسم. ونقل ذلك غيره.
، وقدكتب عنه وعن فضله مؤرخ الشام وحافظها أبو القاسم علي بن الحسن بن عساكر في كتابه الذي ألفه في الدفاع عن الشيخ أبي الحسن الأشعري ،مع ذكر مناقبه ،ومؤلفاته ،وثناء الأئمة عليه. وقد أفرد قاضي القضاة الشيخ تاج الدين ابن الإمام قاضي القضاة تقي الدين السبكي فصلا ًخاصاً بذكر أكابر المنتسبين إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري ،وذلك أثناء ترجمته في كتابه طبقات الشافعية.
قال التّاج السبكي في طبقاته أثناء ترجمة الأشعري ما نصه: ذكر بيان أن طريقة الشيخ- يعني الأشعري- هي التي عليها المعتبرون من علماء الاسلام ،والمتميزون من المذاهب الأربعة في معرفة الحلال والحرام ،والقائمون بنصرة دين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام: قدمنا في تضاعيف الكلام ما يدل على ذلك، وحكينا لك مقالة الشيخ العز ابن عبد السلام ومن سبقه إلى مثلها، وتلاه على قولها حيث ذكروا أن المالكية ،والشافعية والحنفية ،وفضلاء الحنابلة أشعريون ،هذه عبارة سلطان العلماء العز ابن عبد السلام شيخ الشافعية، وابن الحاجب شيخ المالكية، والحصيري شيخ الحنفية، ومن كلام ابن عساكر حافظ هذه الأمة الثقة الثبت: هل من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق للأشعري ومنتسب له وراض بحميد سعيه في دين الله، مثنٍ بكثرة العلم عليه غير شرذمة قليلة تضمر التشبيه، وتعادي كل موحد يعتقد التنزيه، أو تضاهي قول المعتزلة في ذمه، وتباهي بإظهار جهلها بقدر سعة علمه".ا هـ.
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله: "اتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري كان إماماً من أئمة أصحاب الحديث، ومذهبه مذهب أصحاب الحديث. تكلم في أصول الدين على طريقة أهل السنة ،ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبـدع، وكان على المعتزلة والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين عن الملة سيفا ًمسلولاً، ومن طعن فيه ،أو قدح ، أو سبه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة"اهـ.
ووصفه المؤرخ ابن العماد الحنبلي بالإمام العلامة البحر الفهامة المتكلم صاحب المصنفات، ثم قـال: "وممّا بيض به وجوه أهل السنة النبوية ،وسود به رايات أهل الاعتزال ،والجهمية ،فأبان به وجه الحق الأبلج، ولصدور أهل ا لإيمان والعرفان أثلج، مناظرته مع شيخه الجبائي التي قصم فيها ظهر كل مبتدع مرائي " اهـ. وذكر ه شمس الدين بن خلكان في الأعيان ووصفه بقوله " صاحب الأصول، والقائم بنصرة مذهب أهل السنة، وإليه تنسب الطائفة الأشعرية، وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه " اهـ.
وقال أبو بكر بن قاضي شهبة في طبقاته : "الشيخ أبو الحسن الأشعري البصري إمام المتكلمين في العقائد وناصر سنة سيد المرسلين، والذاب عن الدين" ا.هـ.
ويكفي في بيان فضل أبي الحسن الأشعري ثناء الحافظ البيهقي عليه ،وهو محدث زمانه وشيخ أهل
السنة في وقته ،فقال كلاماً أورده التاج السبكي بطوله ،و فيه ذكر شرف الإمام الأشعري علماً ،ونسباً، وحسن اعتقاد،وذكر فضله ،وكثرة أصحابه ، ثم قال البيهقي رحمه الله: "إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري فلم يحدث في دين الله حَدَثًا ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصرها بزيادة شرح وتبيين " ا. هـ.
وقد صنف الشيخ العلامة ضياء الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عمر بن يوسف بن عمر القرطبي رسالة سماها "زجر المفتري على أبي الحسن الأشعري " رد فيها على بعض المبتدعة الذين تاجسروا على الإمام الأشعري ،ولما وقف عليها الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد قرظهاتقريظاً مفيداً.
أما مؤلفات الشيخ الأشعري رحمه الله فكثيرة قـيل إنها بلغت ما يقارب الخمسين مصنفاً وقيل أكثر من ذلك. وكان رحمه الله يقصد إلى مواطن المعتزلة ليناظرهم، فقيل له: كيف تخالط أهل البدع، وتقصدهم بنفسك، وقد أمرت بهجرهم؟ فقال: هم أولو رئاسة: منهم الوالي والقاضي، ولرئاستهم لا ينـزلون إليّ، فإذا كانوا هم لا ينـزلون إليّ، ولا أسير أنا إليهم، فكيف يظهر الحق، ويعلمون أن لأهل السنة ناصرا بالحجة! .وكان لا يبتدئ مناظريه بالسؤال، بل يقف موقف المجيب المدافع، حضر الأستاذ أبو عبدالله بن خفيف مناظرة بين الأشعري وبعض مخالفيه، فقضى العجب من علمه وفصاحته، وقال له: لم لا تسأل أنت ابتداء؟ فقال الأشعري: أنا لا أكلم هؤلاء ابتداء، ولكن إذا خاضوا في ذكر ما لا يجوز في دين الله، رددنا عليهم بحكم ما فرض الله سبحانه وتعالى علينا من الرد على مخالفي الحق.
إذا علمنا ذلك فإن شبهة تنقل الأشعري بين أطوار ثلاثة هي مجرد دعوى عارية عن الدليل للأسباب التالية :
1ـ أن الإمام الأشعري كان على طريقة المعتزلة ،ثم هداه الله تعالى إلى طريقة أهل السنة والجماعة
،وجعله شوكة في نحور طوائف أهل البدعة من المعتزلة والمشبهة وغيرهم وهذا أمر لا خلاف فيه.
2ـ أن طريقة أهل السنة والجماعة مبنية على مسلكين اجتهاديين :
الأول : مسلك التفويض : وعليه أكثر السلف .
الثاني : مسلك التأويل : وقد ثبت أن السلف أولوا في عدة مواضع يأتي بيانها إن شاء الله .
وعلى هذا فالأشعري دار في كتبه على المسلكين تارة بالتأويل وتارة بالتفويض والأشاعرة إلى
اليوم ـ كقاعدة أغلبية ـ مقرون بأن التفويض أولى إذا اندحر التشبيه والتجسيم.
3ـ أن الإمام الأشعري أشهر من نار على علم ، ولو كان لهذه الدعوى رصيد من الحق لاشتهرت بين المؤرخين ، والمترجمين لسيرته ، و لا يوجد من أصحاب الأشعري وهم أقرب الناس إليه من ذكر أن الإمام له مراحل ثلاث ، بل ولم يقله الماتردية ، ولا حتى أعداءه المعتزلة .
وأهل السير والتاريخ لم يذكروا هذه المراحل الثلاث أبداً في جميع من ترجم له ، أنظر ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان 3/ 284، وسير أعلام النبلاء للذهبي 15/89، ومقدمة ابن خلدون ص853، وكذلك كتب جميع كتب السير التي ترجمة له. طبقات الشافعية للسبكي (2/ 245).تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (1 1/ 346-347). شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (2/ 303- 305).مرءاة الجنان لليافعي (2/ 298). الجواهر المضية في طبقات الحنفية 21/ 544- ه 54)للقرشي الحنفي . طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (1/ 113).
4ـ أن مبنى هذه الشبهة هو أن الإمام الأشعري على طريقة ابن كُلّاب ، قال ابن تيمية رحمه الله في درء التعارض (2/16) : (( وأبو الحسن الاشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كّلاب ، ومال إلى أهل السنة والحديث ، وانتسب إلى الإمام أحمد كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها ؛ كالابانة والموجز والمقالات وغيرهه ))أ ـ هـ وعلى هذا فليعلم الجميع أن الأشعري رأس من رؤوس أهل السنة بلا ريب ، وأما ابن كلاب رحمه الله فسوف يأتي الكلام عنه ، وهو من رؤوس أهل السنة والسلف الصالح رضي الله عنه.
----------------------
عن كتاب
دررالألفاظ العوالي
في الرد على الموجان والحوالي
تأليف : غيث بن عبدالله الغالبي
تعليق