ما الفرق بين أزلية الإمكان، وإمكان الأزلية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #1

    ما الفرق بين أزلية الإمكان، وإمكان الأزلية

    ما الفرق بين أزلية الإمكان، وإمكان الأزلية؟؟
    فإن عدم التفرقة بينهما أدى كثيرا من الناس إلى اعتقاد صحة وجود العالم أزلا..
    فهلا تفضل أحد أذكياء المنتدى ببيان الفرق.. مع توضيح ذلك ببعض الأمثل
    ة؟
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]
  • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
    مـشـــرف
    • Jun 2006
    • 3723

    #2
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    سيدي أنا لا أدّعي أنّي من الأذكياء! ولكنّي أظنُّ أنّي قادر على تبيان الفرق...

    أمَّا أزلية الإمكان فمن جهتين:

    جهة نفس الممكن.

    جهة قدرة الله سبحانه وتعالى على الممكن.

    أمَّا الممكن بذاته فمهما توهمنا زماناً في الماضي أو المستقبل فيمكن توهم هذا الممكن المعين مظروفاً فيه.

    ولكنّض المسألة بأنَّ الزمان المتوهم لا يكون لا نهائياً...

    بل مهما صحل التوهم بهذا حصل بذاك.

    وأمَّا جهة قدرة الله سبحانه وتعالى فهي بأنَّ قدرته سبحانه وتعالى على كلّ الممكنات من غير ظرفية الزمان وقيده...

    وأمَّا نحن وقد كنا مظروفين في الزمان فجهة نظرنا للممكن من قبل حدوثه وعنده وبعده...

    فمهما توهمنا زماناً فالقدرة غير المحدودة بالزمان يجوز تعلُّقها به...

    وأمَّا أنَّ نقول إنَّ القدرة أزلية او أنَّ الإمكان أزلي ليلزم قدم الزمان فذا باطل كما لا يخفى.

    وأمَّا إمكان الأزلية فمن جهتين أيضاً:

    قدم ممكن.

    توالي حدوث حوادث لا من أول.

    والثنتان باطلتان.

    أمَّا الأولى فقد قال بها الفلاسفة...

    وإبطالها من جهات أذكر منها جهتين:

    منع تعدد القدماء.

    منع كون الممكن قديماً.

    فمنع تعدد القدماء فبأنَّه لمّا كان ممكنا لم لم يكن مثله واحد أو اثنان؟

    فاحتيج إلى الترجيح...

    والترجيح لا يكون قديماً...

    فثبت بطلانه...

    وأمَّا منعه من الجهة الثانية فهو بأنَّ القديم مستحيل عدمه...

    ومستحيل تغيره...

    فيكون بقاؤه لذاته...

    فلا يكون ممكناً...

    فانتقض القول...

    وأمَّا توالي الحوادث لا من أول فإبطاله بدليل التطبيق مع مقدمة أنَّ الزمان متركب من أجزاء لا تتجزأ -إذ إنّي أظنُّ أنَّ دليل التركيب وحده دون هذه المقدمة لا يكفي فما رأيك؟؟-

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

    تعليق

    • مصعب عبدالله الحامد
      طالب علم
      • Apr 2006
      • 96

      #3
      أزلية الإمكان
      صفة لا ينفك الممكن من الاتصاف بها , إذ لو لم يكن الإمكان أزليا للممكن , لكان قبل الاتصاف بالإمكان إما واجبا أو مستحيلا , وكلاهما باطل .
      وهذا لا يقتضي أزلية شيء غير الله تعالى , لأن أزلية الإمكان بل الإمكان ذاته بل الممكن ذاته كلها أمور اعتبارية ذهنية لا تحقق لها في الخارج , فإذا تحقق وجود الممكن صار حادثا .

      إمكان الأزلية
      الأزلية شيء يثبت للموجود , والموجود إما حادث أو قديم , وإمكان الأزلية للحادث تناقض , فهو يعني إمكان أن يكون الحادث قديما , وهذا لغو باطل , وإمكان الأزلية للقديم أيضا تناقض , يفيد إمكان الابتداء والحدوث , يعني : إمكان أن يكون القديم حادثا , وهذا أيضا لغو باطل .
      فالحادث محال أزليته .
      والقديم واجب أزليته .

      تعليق

      • نزار بن علي
        طالب علم
        • Nov 2005
        • 1729

        #4
        بارك الله تعالى فيك أخي مصعب...
        وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

        تعليق

        • د. مصعب الخير الإدريسي
          طالب علم
          • Dec 2005
          • 143

          #5
          حياكم الله جميعا وحياك الله شيخ نزار ..
          وهذه المشاركة أكتبها عقيب المطالعة الأولي لي بعد أيام برغم أن وعكة البرد لم تزل حافظة لود اصطحاب جسدي، والله المستعان. ولقد استوقفني ما أحسب أنه وراء عرض الشيخ نزار لهذا السؤال إذا صدقت فراستي وهي كثيرا ما تخذلني عند المرض؛ فأردت أن أقدم له التحية ـ على العادة الجارية في حلقات البحث العلمي (السيمنار) ـ بكشف طرف مما أراد أن يشغل به جمهوره؛ ليكون علامة على انشغالهم بما ألقاه بين أيديهم، وإعلانا عن تقديرهم له.
          فالسؤال لا يحتاج جوابه إلى كثير ذكاء كما جاءت الإشارة في كلام الأخ الكريم محمد أكرم أبو غوش؛ بل الحاجة فيه إلى حسن المراس في علم الكلام، وحسن تلقيه بصورة منتظمة.
          والجواب كما ينهيه كلام سميي أو من أنا سميُّه عبد الله الحامد أحسن الله تعالى إليه: أزلية الإمكان أمر واجب في حكم العقل، وإمكان الأزلية أمر محال في حكم العقل.
          لكن الشيخ ابن تيمية له في مخالفة هذا المعقول كلام طويل فيه خلط حق معروف بباطل ظاهر، وهو يصله بمذهبه في قدم نوع الحادث وحلوله في ذات الواجب. ومن حقه أن نعرض كلامه تاما. ومن حقنا أن ننظر فيه ونعرف وجوه مخالفته للمعقول الصريح وللمنقول الصحيح أيضا، وأن نعلق عليه بما يلزم في حكم العلم بالحق الظاهر ببرهانه.
          وتحيتي للأخ نزار في طرحه لهذا الموضوع بتساؤله الذكي في عرض كلام الشيخ ابن تيمية على طوله، ثم في دعوة الإخوة الكرام بهذا المنتدى ـ وعلى رأسهم شيخه الأستاذ سعيد فودة وإن كان قد تكلم مرارا على أمثاله، وربما عليه خاصة ـ إلى النظر في هذا النص وتأمل عباراته وما فيه من الدلائل، ثم يدلي كل منا بدلوه على حسب ما يقدره الله له في البيان لنتكلم عليه جزءا بعد جزء.
          وبغير مصادرة على أحد من أتباع الشيخ ابن تيمية ولا توجيه لدفة حوار الإخوة من أهل المنتدى ـ أحسب أن هذا النص من أظهر الأمثلة على ما ذكره الشيخ الكوثري في إحدى مقدماته حينما أشار إلى أن الشيخ ابن تيمية ـ غفر الله لنا وله ولسائر المسلمين ـ لم يمرن في دراسة المعقول على شيخ يوقفه على مبادئه ويتدرج به في مباحثه، وإنما اغتر بما وهب من الذكاء وسعة الحافظة؛ فعب من الكتب في هذا المجال على غير سبيل أهلها فكان منه ما كان.
          ونحن بحاجة حين نطالع كلامه الطويل الآني إلى أن نكون على ذُكْرٍ بمعرفة الفرق بين الحادث والممكن، وبين أحكام القدرة الحادثة والقدرة القديمة، وبين ما يجوز تعلق القدرة به وما لا يكون متعلقا لها، وبين ثبوت القدرة في نفسها وثبوت العلم بها، وغير ذلك من مسائل دقيق الكلام؛ حتى لا نواقع الخلط في جليله، والله المستعان في الأمور كلها.
          الحياء خير كله ولا يأتي الحياء إلا بخير

          تعليق

          • د. مصعب الخير الإدريسي
            طالب علم
            • Dec 2005
            • 143

            #6
            كلام الشيخ ابن تيمية من كتاب (الصفدية) بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم. الطبعة الثانية 1406هـ، ولما كانت نسختي المطبوعة في مكتبتي بمصر؛ فقد نقلت الكلام نسخا من الموقع الآتي بيانه، وأحسب أنه مرقم وفق النسخة المطبوعة على ما لاحظته بمراجعة بعض نقولي السابقة عنها، ولم أتصرف فيما نسخته إلا بتصويب بعض الأغلاط النحوية الظاهرة، مع وضع بعض علامات الترقيم الضرورية في نظري، وضبط ما استدل به من القرآن الكريم ..


            ((الفلاسفة مختلفون في قدم العالم وحدوثه، وأساطينُهم (الصفدية ـ 2/ 166) المتقدمون على القول بحدوثه؛ بل وعلى إثبات الصفات والأمور الاختيارية القائمة بالله. وأول من عرف عنه من الفلاسفة المشائيين القولُ بقدم الأفلاك هو أرسطو، وحججه على ذلك واهية جدا لا تدل على مطلوبه؛ بل استدلاله على قدم الزمان وأنه مقدار الحركة فيلزم قدمها، ثم ظن أن جنس الزمان مقدار حركة الفلك. وهذا غلط عظيم، فإن جنس الزمان إذا قيل الزمان مقدار الحركة؛ فهو مقدار جنس للحركة لا حركة معينة؛ بل الزمان المعين مقدار الحركة المعينة، ولهذا كان جنس الزمان باقيا عند المسلمين بعد قيام القيامة وانشقاق السماء وتكوير الشمس، ولأهل الجنة أزمنة هي مقادير حركات هناك غير حركة الفلك، ولهم في الآخرة يوم المزيد يوم الجمعة، مع أن الجنة ليس فيها شمس ولا زمهرير؛ بل أنوار وحركات أخر.
            فمن قال إن الرب لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء وبما شاء؛ كان الكلام عنده صفة ذات قائما بذات الله، وهو يتكلم بفعله، وفعله بمشيئته وقدرته، فمقدار ذلك إذا قيل بقدمه كان وفاء بموجب الحجة المقتضية لقدم نوع ذلك، من غير أن يكون شيء من العالم قديما مع الله تعالى، ولا يُحتاجُ مع ذلك أن يقال: لإمكان الفعل بداية. ولا أن يُجمعَ بين النقيضين في التقدير، فيقال: إذا قيل: الفعل أو الحادث بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه. فإن هذا التقدير جمع بين النقيضين كما في تقدير كونه لم يزل قادرا مع امتناع دوام المقدور (الصفدية ـ 2/ 167).
            فإذا قيل: لم يزل الرب قادرا. وقيل مع ذلك: لم يكن الفعل ممكنا، ثم صار ممكنا، وإنه يمتنع أن يكون الفعل لم يزل مقدورا. كان حقيقة الكلام لم يزل قادرا مع كونه كان غير قادر ثم صار قادرا؛ فإن إثبات القادرية مع امتناع المقدور جمع بين المتناقضين، وكذلك هذا. وذلك أن الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم يجب أن يكون له أول، فكل ما سبق بالعدم فله أول؛ إذ العدم قبله. وما لا أول له ليس قبله شيء بل هو دائم لم يزل.
            فإذا قيل: الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه. كان المعنى أن الفعل بشرط كونه له أول لا أول له. ونظير هذا التناقض فرقهم بين أزلية الصحة وصحة الأزلية، وربما قالوا: بين إمكان الأزلية وأزلية الإمكان.
            وهو فرق لا حقيقة له؛ فإنه إذا كان الإمكان الذي هو الصحة أزليا، فمعنى ذلك أنه لم يزل الفعل ممكنا صحيحا. هذا هو المراد بأزلية الإمكان والصحة، ومعلوم أن هذا يتضمن إمكان أزلية الفعل وصحة ذلك؛ فإنه إما أن يكون الثابت في نفس الأمر أزلية الفعل أو امتناعها. فإن كان الثابت هو الامتناع؛ كان الفعل ممتنعا في الأزل، فلم يكن ممكنا، وحينئذ فلا يكون الإمكان أزليا؛ بل حادثا بعد أن لم يكن، وهذا قول بأن إمكان الفعل ليس بأزلي؛ بل حادث بعد أن لم يكن من غير مسبب يوجب حدوثه، وهو خلاف قولهم بأزلية الإمكان، (الصفدية ـ 2/ 168) ثم إنه ممتنع بصريح العقل؛ فإنه إذا كان إمكان الفعل له بذاته، وهو حادث بعد أن لم يكن؛ كان هذا ممتنعا لوجهين: أحدهما أنه يلزم حصول الإمكان بعد الامتناع من غير سبب أوجب كونه قادرا، وهو سلب لصفة الكمال للرب في الأزل، ودعوى حدوثها بعد أن لم تكن من غير سبب أوجب ذلك. وكلاهما ممتنع؛ فإن كماله من لوازم ذاته، وكونه قادرا من لوازم ذاته؛ إذ لو لم يكن من لوازم ذاته لكان عارضا لهذا، وكان مفتقرا في ثبوت كونه قادرا إلى غيره. ثم ذلك الغير إن كان مفعوله؛ فإنه يستلزم الدور القبلي؛ فإنه لا يكون فاعلا للمفعول إلا إذا كان قادرا، فلو استفاد كونه قادرا من المفعول، والمفعول لا يكون قادرا على الإقدار إلا بإقداره؛ لزم أن لا يكون هذا قادرا حتى يجعله الآخر قادرا؛ فلا يكون واحد منهما قادرا. وأيضا فكون المفعول هو الذي يجعل الفاعل قادرا أو فاعلا معلوم فساده بصريح العقل، فإن كل ما للمفعول هو من الفاعل لا من نفسه، فلو لم يكن الفاعل قادرا إلا بإقدار المفعول له؛ لم يكن قادرا بحال؛ بل ولا كان مفعول أصلا، فضلا عن كونه قادرا، فضلا عن كونه مقدورا لفاعله. وكذلك لو قُدِّرَ قديمان أو واجبان كل منهما إنما صار واجبا قادرا بإقدار الآخر؛ كان هذا ممتنعا في صريح العقل، وكان مستلزما للدور القبلي؛ فإن هذا لا يكون قادرا حتى يجعله ذاك قادرا، وذاك لا يكون قادرا حتى يجعله هذا قادرا؛ فلا يكون كل واحد منهما قادرا؛ (الصفدية ـ 2/ 169) فإن كون القادر قادرا في نفسه هو سابق لكونه يجعل غيره قادرا، فمن ليس بقادر في نفسه يمتنع أن يجعل غيره قادرا، فالامتناع يعلم من جهة بطلان الدور القبلي، ومن جهة أن من ليس بقادر يمتنع أن يجعل غيره قادرا.
            وهذا من أحسن ما يستدل به على التوحيد؛ فإنه يعلم به أن الرب لا بد أن يكون قادرا بنفسه لا تكون قدرته مستفادة من غيره. وحينئذ فإذا قُدِّرَ قادران؛ كان اجتماعهما على فعل المفعول الواحد ممتنعا لذاته بصريح العقل واتفاق العقلاء. فإن فعل أحدهما له يوجب استقلاله؛ فيمتنع أن يكون له شريك، فضلا عن أن يكون هناك فاعل آخر مستقل.
            ولهذا كان من المعلوم عند العقلاء بصريح العقل أنه يمتنع اجتماع مؤثرين تامين على أثر واحد، وإن شئت قلت: يمتنع اجتماع علتين تامتين على معلول واحد.
            وإذا كان كذلك، فإذا قُدِّرَ ربان امتنع استقلال كل منهما بفعل شيء واحد بل إذا فعل أحدهما شيئا كان الآخر فاعلا لشيء آخر وهذا تحقيق قوله ـ تعالى ـ: (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ) [سورة المؤمنون/ 91]. وأيضا فإذا كانا قادرين فإن أمكن أحدهما أن يفعل بدون الآخر؛ أمكن أن يريد ضد مراد الآخر؛ فيلزم التمانع، فإنه إن وجد مرادهما لزم اجتماع الضدين، وإن لم يوجد مراد واحد منهما لزم عجزهما جميعا، ولزم خلو المحل من أحد المتقابلين اللذين لا يخلو الجسم عنهما؛ مثل أن يريد (الصفدية ـ 2/ 170) أحدهما إحياء جسم ويريد الآخر إماتته، أو يريد تحريكه ويريد الآخر تسكينه، ونحو ذلك.
            وإن قيل: يجب اتفاقهما في الفعل. بمعنى أنه إذا فعل أحدهما شيئا لم يعارضه الآخر فيه؛ لم يكن واحد منهما قادرا إلا بشرط تمكين الآخر له والإمساك عن معارضته، وهذا يستلزم أن لا يكون واحد منهما قادرا بنفسه، وهو ممتنع كما تقدم. وإن فسر الاتفاق في الفعل بمعنى الاشتراك فيه، فالاشتراك في المفعول الواحد بمعنى أن كلا منهما مستقل بالمفعول ممتنع كما تقدم، والاشتراك بمعنى أن هذا له فعل ومفعول غير فعل هذا ومفعوله يوجب أن يذهب كل إله بما خلق، والعالم مرتبط بعضه ببعض ارتباطا، ويحتاج بعضه إلى بعض احتياجا يمتنع معه أن يكون بعضه مفعولا لواحد، وبعضه مفعولا لآخر. فإذا قُدِّرَ فاعلان؛ لزم أن يذهب كل إله بما خلق، وأن يعلو بعضهم على بعض؛ فذهاب كل إله بما خلق لأن مفعول هذا غير مفعول هذا، وعلو بعضهم على بعض لأن كونهما قادرين يوجب أن كلا منهما غني في قدرته عن الآخر، وأنه يمكنه أن يفعل بدونه؛ فيمتنع أن يفعلا شيئا سواء كانا متفقين لامتناع صدور الفعل الواحد عن فاعلين، أو كانا مختلفين لأن ذلك يستلزم التمانع فيكون كل منهما مانعا للآخر؛ فلا بد أن يكون أحدهما هو القادر دون الآخر؛ فيكون (الصفدية ـ 2/ 171).
            القادرُ هو القاهرَ للآخر، فيعلو عليه كما قال ـ تعالى ـ: (وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [سورة المؤمنون/ 91] وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر لما تكلمنا على طرق الناس في إثبات التوحيد ومعناه.
            والمقصود هنا أنه يمتنع كون واجبينِ قدرةُ كُلٍّ منهما مشروطة بقدرة الآخر، فلا بد أن يكون الرب قادرا بنفسه، فتكون قدرته من لوازم ذاته واللازم لا ينفك عن الملزوم. وإذا لم يزل قادرا؛ لم يزل يمكنه فعل المقدور. وإذا لم يكن فعل المقدور ممكنا؛ لم يكن قادرا في الأزل؛ بل صار قادرا بعد أن لم يكن. وليس هذا من الدور المعي الممكن؛ مثل أن يقال: لا يكون هذا قادرا إلا مع كون هذا قادرا. فإن هذا ممكن في المخلوقات لمعلولي العلة الواحدة، فإنهما يحصلان بعلة واحدة، فلذلك إذا كان الفاعلان قادرين بإقدار ثالث؛ أمكن أن تكون قدرة أحدهما مشروطة بقدرة الآخر، كالأمور المتلازمة التي لا يوجد هذا وقوته إلا مع هذا وقوته.
            وأما الواجبان القديمان الخالقان اللذان لم يستفيدا قدرتهما من ثالث؛ فلو قيل: إن قدرة أحدهما مشروطة بقدرة الآخر. لكان من باب الدور القبلي؛ فإن أحدهما إذا لم تكن قدرته من نفسه ولا من ثالث، كانت من الآخر. وهذا هو الدور القبلي. وإن قيل: بل هي حاصلة منه ومن الآخر. قيل: فالحاصل فيه مشروط بقدرته؛ فلا بد له من قدرة يستقل بها لا يفتقر فيها إلى غيره، ولا يكون غيره شرطا فيها؛ فتكون تلك القدرة من لوازم ذاته، وهو المطلوب. وإن كانت من لوازم ذاته؛ امتنع أن يصير قادرا بعد أن لم يكن، وامتنع أن يصير الفعل ممكنا بعد أن لم يكن؛ (الصفدية ـ 2/ 172).
            فثبت أنه لم يزل قادرا، ولم يزل المقدور ممكنا؛ فثبت أن إمكان الفعل لا أول له، وإذا كان الفعل لم يزل ممكنا؛ أمكن أن يكون أزليا وإلا امتنع كونه أزليا؛ فعلم أن القول بأزلية الإمكان دون إمكان الأزلية جمع بين النقيضين، وحذاقهم يعترفون بهذا، وإنما ألجأهم إلى هذا ما ادعوه من كون الفعل أو الكلام والفعل لم يكن ممكنا، فصار ممكنا بعد أن لم يكن.
            وهذا أول من قاله في الإسلام الجهمية والمعتزلة، ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام، ولا نقل هذا أحد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا بلفظه ولا بمعناه، ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين لهم بإحسان.
            ثم إنهم لما قالوا هذا احتاجوا أن يجيبوا عن قول المنازع لهم: الإمكان لا أول له؛ إذ لو كان له أول للزم الانقلاب من الإمتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا موجب. فقالوا: نقدر أن إمكان الحدوث لا أول له، أو نقول الإمكان بشرط حدوث الممكن لا أول له. فيكون حقيقة الكلام إمكان الحدوث له أول لا أول له، وهو جمع بين النقيضين؛ بل كل ما قُدِّرَ أنه يجب حدوثه ويمتنع قدمه فإن إمكان حدوثه له أول، ويمتنع أن يكون إمكان هذا الحدوث لا أول له، وسواء كان إمكان الحدوث مشروطا بشرط من جهة الفاعل أو القابل، فمتى كان إمكان الحدوث له أول؛ امتنع أن لا يكون له أول. وإن كان الحدوث للذي له أول يعقل في أعيان الحوادث؛ فما من شيء من المخلوقات إلا وإمكان حدوثه للذي له أول، ويمتنع أن يكون حادثا ويكون إمكان الحدوث أزليا (الصفدية ـ 2/ 173).
            فهذا القول الذي أحدثته الجهمية والقدرية في الإسلام واتبعهم عليه من اتبعهم، وهو بدعة في الشرع وباطل في العقل.
            وأما إبطال مذاهب الفلاسفة المخالفة للكتاب والسنة؛ فهو ولله الحمد ممكن بصريح المعقول من وجوه متعددة لا تستلزم إلا حقا. فقول الفلاسفة بقدم شيء بعينه من العالم يوجب أنه علة تامة له، وهذا باطل من وجوه متعددة كما قد ذكر في موضعه. (الصفدية ـ 2/ 174).
            الحياء خير كله ولا يأتي الحياء إلا بخير

            تعليق

            • نزار بن علي
              طالب علم
              • Nov 2005
              • 1729

              #7
              صدقت فراستكم أيها الشيخ الحبيب والله..
              وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

              تعليق

              • نزار بن علي
                طالب علم
                • Nov 2005
                • 1729

                #8
                الحمد لله
                عجيب كم يحتوي كلام ابن تيمية على مغالطات وتلبيسات، والعجب أن أكثرها مقصود؛ فإنه كثيرا ما يلعب بالمصطلحات، وكثيرا ما يشحن مباحثه بقضايا دخيلة على صلب المباحثة، تشتيتا لذهن الناظر وصرفا له عن متابعة المسألة بانتظام، وإيهاما له بمتانة مسلكه، والأعجب في منهجه أنه بعد نفث الشبهات على الحقائق اليقينية، قد يوهم القارئ بأنه ظفر بالحق المبين، ومن ثمّ يسارع إلى انتقاد أهل الحق وتقصيرهم في إدراك اليقين، ويختم المباحثة بكلام خطابي لا علاقة له بالبحث العلمي...
                وليعلم الباحث في كلام ابن تيمية أنه لو لا مطالعاته لكلام أئمة الأشعرية كالفخر الرازي خصوصا وأبي الثناء الأرموي وأثير الدين اللأبَهْري والخونجي وغيرهم ومباحثاتهم الدقيقة وتعقباتهم لأدلة الفلاسفة وتشكيكاتهم التي أوردوها حتى على أدلتهم؛ لما تمكن من ابتداع منهجه العقدي الغريب الذي يعد خليطا من شبهات الفلاسفة مع تعديلات في بعض المصطلحات وعزو مستمر باطل لمن يسميهم بجماهير المسلمين والسلف، والأمثلة على تلك النقول الباطلة لا تحصى، كنسبته إلى من ذكرنا القول بتسلسل الحوادث لا إلى نهاية في جانب الماضي وغيره.، وحلول الصفات الوجودية الحادثة بالذات الأقدس ـ تعالى عن اعتقاده ـ المعبر عنه في مصطلحه بقيام الصفات الاختيارية إلخ.

                لكن مع ذلك، فقد كان ابن تيمية يحسن توظيف التشكيكات التي يطلقها من ذكرناهم على مذهب الأشعرية أنفسهم، وإن كانت مباحثاتهم - كما هو معلوم - تأتي لتقوية ما ثبت بالقاطع عندهم، فمثلا قد انتقد الفخر والأرموي والأبَهري بعض أدلة استحالة تسلسل المعلولات أو الحوادث أو المفاعيل إلى غير نهاية في جانب الماضي، ولم يلزم من ذلك عندهم القول بصحة حوادث لا أول لها؛ لكون انتقاداتهم موجهة لبعض الأدلة لقصد تقويتها بالعثور على وجه دفع تلك الاستضعافات والتشكيكات، أو للتنبيه على عدم صحة اعتماد تلك الأدلة كأصل في إثبات المدلول والاكتفاء بالقواطع المثبتة لاستحالة التسلسل المذكور من التي لا تقبل التشكيك، إلا أن ابن تيمية يقوي تلك التشكيكات الواردة على بعض الأدلة ويتخلل بها إلى إبطال المدلول أصلا، أو يبني على تلك التشكيكات عقيدة أخرى، كما استند إلى شبهات إثبات حوادث لا أول لها ليصحح أزلية فاعلية الباري تعالى، أو فلنقل أزلية تعلق قُدَرِه التنجيزية الحادثة المتعاقبة على ذاته ـ لا القدرة الأزلية الواحدة ـ في إيجاد أفراد العالم أزلا. وفي ما يلي إشارة لبعض ما أراه مغالطات في كلامه.

                قال ابن تيمية: فمن قال إن الرب لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء وبما شاء؛ كان الكلام عنده صفة ذات قائما بذات الله، وهو يتكلم بفعله، وفعله بمشيئته وقدرته، فمقدار ذلك إذا قيل بقدمه كان وفاء بموجب الحجة المقتضية لقدم نوع ذلك، من غير أن يكون شيء من العالم قديما مع الله تعالى، ولا يُحتاجُ مع ذلك أن يقال: لإمكان الفعل بداية. ولا أن يُجمعَ بين النقيضين في التقدير. فيقال: إذا قيل: الفعل ـ أو الحادث ـ بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه. فإن هذا التقدير جمع بين النقيضين كما في تقدير كونه لم يزل قادرا مع امتناع دوام المقدور . الصفدية ـ 2/ 167

                لن نقف كثيرا على ما تضمنه كلامه من القول بحدوث كلام الباري تعالى على الرغم من قوله: "لم يزل متكلما"، لكونه يؤول ـ على ما يصرح به ـ إلى كونه لم يزل قادرا على الكلام إذا شاء، لا متكلما بالفعل، ومعلوم أن القدرة والمشيئة لا تتسلط إلا على الحادث من الأفعال ـ وهو هنا الكلام على مقتضى كلامه ـ لوجوب مقارنة القصد للشيء عدم ذلك الشيء وإلا كان صاحب المشيئة والقدرة موجبًا لا مختارا؛ إذ لا واسطة بينهما.
                والإلزام هنا موجه على القول بالحروف والأصوات التي يعتقدون اتصاف الباري ـ تعالى عن قولهم ـ بها، فلا يرد الاعتراض بنوع الكلام لكونه لا حقيقة له بدون الحروف والأصوات الحادثة على مذهبه، إذ لا وجود للنوع إلا بوجود الشخص، يعني لا وجود لصفة الكلام إلا بوجود الأصوات والحروف،
                وبالجملة فالمسألة فرع القول بحوادث لا أول لها والصفات "الاختيارية" المتعاقبة على ذات الباري تعالى بلا أول لها، وكلاهما باطل كما تقرر في محله عند أهل الحق، ومحله الاستدلال على بطلان قيام الحوادث الوجودية بذاته تعالى عن قول الظالمين علوا كبيرا.
                إلا أنا سنشير إلى التناقض الذي اخترعه ابن تيمية بعد ذلك استنادا على خلطه المتعمد بين محمولات وموضوعات القضايا كعادته، ولا يخفى حتى على من قرأ مبادئ المنطق أن من شرط التناقض اتحاد القضيتين موضوعا، ولا مرية في فقده في كلامه، فإن المحكوم عليه بأنه لا أول له - في كلامه - غير المحكوم عليه بأن له أول، فعلى أصول أهل الحق بعد إثبات كون الفاعل المختار متصف بقدرة واحدة أزلية قائمة بذاته، ذات تعلقين صلاحي وتنجيزي، فالتعلق الصلاحي للقدرة عندهم هو المحكوم عليه بأنه لا أول له، والتعلق التنجيزي لها هو المحكوم عليه بأن له أول، وهذا التقسيم لتعلقات القدرة لازم لنفس القدرة ومن صفات نفسها التي لا تكون القدرة قدرة إلا به، ولا يكون المختار مختارا إلا بها، واتصاف الباري تعالى بتلك القدرة ثابت استنادا إلى حدوث العالم، المستلزم لإثبات العلم بوجود الفاعل المختار، المتصف بالقدرة الواحدة القائمة بذاته أزلا ولا يزال، وهو الحق الذي لا مرية فيه لاستحالة قيام الصفات الحادثة به لاستلزامه النقص المحال عليه تعالى.

                ولما لم يعتبر ابن تيمية هذا التقسيم اللازم لتعلقات القدرة اتحد عنده الموضوع، وصار المحكوم عليه عنده القدرة ذات التعلق التنجيزي فقط، فهو لا يعترف بالتعلق الصلاحي للقدرة، ولا بالقدرة الواحدة الأزلية، بل يقول بالقُدَر المتعاقبة على ذات الباري لا إلى أول، وعلى ذلك قرر ـ في ذهنه ـ التناقض، وليس كذلك في الواقع.

                وبالجملة، فكلامه مفرع على أصوله التي ثبت بطلانها من قيام صفات وجودية متعاقبة حادثة بذات الباري تعالى، وبالتالي اعتقاد تسلسل الحوادث لا إلى أول، ولا يُسلَّم له شيء من أصوله، فضلا عما يبنى عليه.

                ومن نماذج خلطه للمصطلحات تعبيره عن ماهية الممكن بلفظ الفعل، والفعل ربما يأخذ في كلامه معنى القدرة بالفعل أي التنجيزية، وينجر على هذا الخلط المقصود إيهام التناقض في كلام أهل الحق، ويظهر ذلك لمن تأمل باقي كلامه. إلا أنه لا يخلو من تدقيق لصعوبة المقام في بادي الأمر.
                وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

                تعليق

                • نزار بن علي
                  طالب علم
                  • Nov 2005
                  • 1729

                  #9
                  الحمد لله
                  عجيب كم يحتوي كلام ابن تيمية على مغالطات وتلبيسات، والعجب أن أكثرها مقصود؛ فإنه كثيرا ما يلعب بالمصطلحات، وكثيرا ما يشحن مباحثه بقضايا دخيلة على صلب المباحثة، تشتيتا لذهن الناظر وصرفا له عن متابعة المسألة بانتظام، وإيهاما له بمتانة مسلكه، والأعجب في منهجه أنه بعد نفث الشبهات على الحقائق اليقينية، قد يوهم القارئ بأنه ظفر بالحق المبين، ومن ثمّ يسارع إلى انتقاد أهل الحق وتقصيرهم في إدراك اليقين، ويختم المباحثة بكلام خطابي لا علاقة له بالبحث العلمي...
                  وليعلم الباحث في كلام ابن تيمية أنه لو لا مطالعاته لكلام أئمة الأشعرية كالفخر الرازي خصوصا وأبي الثناء الأرموي وأثير الدين اللأبَهْري والخونجي وغيرهم ومباحثاتهم الدقيقة وتعقباتهم لأدلة الفلاسفة وتشكيكاتهم التي أوردوها حتى على أدلتهم؛ لما تمكن من ابتداع منهجه العقدي الغريب الذي يعد خليطا من شبهات الفلاسفة مع تعديلات في بعض المصطلحات وعزو مستمر باطل لمن يسميهم بجماهير المسلمين والسلف، والأمثلة على تلك النقول الباطلة لا تحصى، كنسبته إلى من ذكرنا القول بتسلسل الحوادث لا إلى نهاية في جانب الماضي وغيره.، وحلول الصفات الوجودية الحادثة بالذات الأقدس ـ تعالى عن اعتقاده ـ المعبر عنه في مصطلحه بقيام الصفات الاختيارية إلخ.

                  لكن مع ذلك، فقد كان ابن تيمية يحسن توظيف التشكيكات التي يطلقها من ذكرناهم على مذهب الأشعرية أنفسهم، وإن كانت مباحثاتهم - كما هو معلوم - تأتي لتقوية ما ثبت بالقاطع عندهم، فمثلا قد انتقد الفخر والأرموي والأبَهري بعض أدلة استحالة تسلسل المعلولات أو الحوادث أو المفاعيل إلى غير نهاية في جانب الماضي، ولم يلزم من ذلك عندهم القول بصحة حوادث لا أول لها؛ لكون انتقاداتهم موجهة لبعض الأدلة لقصد تقويتها بالعثور على وجه دفع تلك الاستضعافات والتشكيكات، أو للتنبيه على عدم صحة اعتماد تلك الأدلة كأصل في إثبات المدلول والاكتفاء بالقواطع المثبتة لاستحالة التسلسل المذكور من التي لا تقبل التشكيك، إلا أن ابن تيمية يقوي تلك التشكيكات الواردة على بعض الأدلة ويتخلل بها إلى إبطال المدلول أصلا، أو يبني على تلك التشكيكات عقيدة أخرى، كما استند إلى شبهات إثبات حوادث لا أول لها ليصحح أزلية فاعلية الباري تعالى، أو فلنقل أزلية تعلق قُدَرِه التنجيزية الحادثة المتعاقبة على ذاته ـ لا القدرة الأزلية الواحدة ـ في إيجاد أفراد العالم أزلا. وفي ما يلي إشارة لبعض ما أراه مغالطات في كلامه.

                  قال ابن تيمية: فمن قال إن الرب لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء وبما شاء؛ كان الكلام عنده صفة ذات قائما بذات الله، وهو يتكلم بفعله، وفعله بمشيئته وقدرته، فمقدار ذلك إذا قيل بقدمه كان وفاء بموجب الحجة المقتضية لقدم نوع ذلك، من غير أن يكون شيء من العالم قديما مع الله تعالى، ولا يُحتاجُ مع ذلك أن يقال: لإمكان الفعل بداية. ولا أن يُجمعَ بين النقيضين في التقدير. فيقال: إذا قيل: الفعل ـ أو الحادث ـ بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه. فإن هذا التقدير جمع بين النقيضين كما في تقدير كونه لم يزل قادرا مع امتناع دوام المقدور . الصفدية ـ 2/ 167

                  لن نقف كثيرا على ما تضمنه كلامه من القول بحدوث كلام الباري تعالى على الرغم من قوله: "لم يزل متكلما"، لكونه يؤول ـ على ما يصرح به ـ إلى كونه لم يزل قادرا على الكلام إذا شاء، أي قادرا على إحداث الحروف والأصوات بذاته، لا متكلما بالفعل بكلام نفسي، فهو ينكر ثبوته أصلا، ومعلوم أن القدرة والمشيئة لا تتسلط إلا على الحادث من الأفعال ـ وهو هنا الكلام على مقتضى كلامه ـ لوجوب مقارنة القصد للشيء عدم ذلك الشيء وإلا كان صاحب المشيئة والقدرة موجبًا لا مختارا؛ إذ لا واسطة بينهما.
                  والإلزام هنا موجه على القول بالحروف والأصوات التي يعتقدون اتصاف الباري ـ تعالى عن قولهم ـ بها، فلا يرد الاعتراض بنوع الكلام لكونه لا حقيقة له بدون الحروف والأصوات الحادثة على مذهبه، إذ لا وجود للنوع إلا بوجود الشخص، يعني لا وجود لصفة الكلام إلا بوجود الأصوات والحروف،
                  وبالجملة فالمسألة فرع القول بحوادث لا أول لها والصفات "الاختيارية" المتعاقبة على ذات الباري تعالى بلا أول لها، وكلاهما باطل كما تقرر في محله عند أهل الحق، ومحله الاستدلال على بطلان قيام الحوادث الوجودية بذاته تعالى عن قول الظالمين علوا كبيرا.
                  إلا أنا سنشير إلى التناقض الذي اخترعه ابن تيمية بعد ذلك استنادا إلى خلطه المتعمد بين محمولات وموضوعات القضايا كعادته، ولا يخفى حتى على من قرأ مبادئ المنطق أن من شرط التناقض اتحاد القضيتين موضوعا، ولا مرية في فقده في كلامه، فإن المحكوم عليه بأنه لا أول له - في كلامه - غير المحكوم عليه بأن له أول، فعلى أصول أهل الحق بعد إثبات كون الفاعل المختار متصف بقدرة واحدة أزلية قائمة بذاته، ذات تعلقين صلاحي وتنجيزي، فالتعلق الصلاحي للقدرة عندهم هو المحكوم عليه بأنه لا أول له، والتعلق التنجيزي لها هو المحكوم عليه بأن له أول، وهذا التقسيم لتعلقات القدرة لازم لنفس القدرة ومن صفات نفسها التي لا تكون القدرة قدرة إلا به، ولا يكون المختار مختارا إلا بها، واتصاف الباري تعالى بتلك القدرة ثابت استنادا إلى حدوث العالم، المستلزم لإثبات العلم بوجود الفاعل المختار، المتصف بالقدرة الواحدة القائمة بذاته أزلا ولا يزال، وهو الحق الذي لا مرية فيه لاستحالة قيام الصفات الحادثة به لاستلزامه النقص المحال عليه تعالى.

                  ولما لم يعتبر ابن تيمية هذا التقسيم اللازم لتعلقات القدرة اتحد عنده الموضوع، وصار المحكوم عليه عنده القدرة ذات التعلق التنجيزي فقط، فهو لا يعترف بالتعلق الصلاحي للقدرة، ولا بالقدرة الواحدة الأزلية، بل يقول بالقُدَر المتعاقبة على ذات الباري لا إلى أول، وعلى ذلك قرر ـ في ذهنه ـ التناقض، وليس كذلك في الواقع.

                  وبالجملة، فكلامه مفرع على أصوله التي ثبت بطلانها من قيام صفات وجودية متعاقبة حادثة بذات الباري تعالى، وبالتالي اعتقاد تسلسل الحوادث لا إلى أول، ولا يُسلَّم له شيء من أصوله، فضلا عما يبنى عليه.

                  ومن نماذج خلطه للمصطلحات تعبيره عن ماهية الممكن بلفظ الفعل، والفعل ربما يأخذ في كلامه معنى القدرة بالفعل أي التنجيزية، وينجر على هذا الخلط المقصود إيهام التناقض في كلام أهل الحق، ويظهر ذلك لمن تأمل باقي كلامه.
                  وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

                  تعليق

                  • نزار بن علي
                    طالب علم
                    • Nov 2005
                    • 1729

                    #10
                    ومن نماذج خلطه للمصطلحات تعبيره عن ماهية الممكن بلفظ الفعل، والفعل ربما يأخذ في كلامه معنى القدرة بالفعل أي التنجيزية، وينجر على هذا الخلط المقصود إيهام التناقض في كلام أهل الحق، ويظهر ذلك في هذا التعليق.

                    قال ابن تيمية:

                    فإذا قيل: لم يزل الرب قادرا. وقيل مع ذلك: لم يكن الفعل ممكنا، ثم صار ممكنا، وإنه يمتنع أن يكون الفعل لم يزل مقدورا. كان حقيقة الكلام لم يزل قادرا مع كونه كان غير قادر ثم صار قادرا؛ فإن إثبات القادرية مع امتناع المقدور جمع بين المتناقضين، وكذلك هذا. وذلك أن الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم يجب أن يكون له أول، فكل ما سبق بالعدم فله أول؛ إذ العدم قبله. وما لا أول له ليس قبله شيء بل هو دائم لم يزل.
                    فإذا قيل: الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه. كان المعنى أن الفعل بشرط كونه له أول لا أول له. ونظير هذا التناقض فرقهم بين أزلية الصحة وصحة الأزلية، وربما قالوا: بين إمكان الأزلية وأزلية الإمكان. (الصفدية ـ 2/ 168)



                    قال ابن تيمية: فإذا قيل: لم يزل الرب قادرا

                    قلت: هنا لم يراع التمييز بين التعلق الصلاحي للقدرة والتنجيزي لها، وهو يحمل القدرة في كلامه على التنجيزية فقط، وذلك أصله، والحق اقتضاء صفة القدرة التعلقين المذكورين وإلا انقلبت حقيقتها).

                    قال: وقيل مع ذلك: لم يكن الفعل ممكنا

                    قلت: (هذه مغالطة أخرى لأن المقصود بأن الفعل لم يكن ممكنا عند أهل الحق أنه لم يكن تعلق القدرة التنجيزي ممكنا أزلا لأنه يؤول إلى الإيجاب لا الاختيار.)،

                    قال : ثم صار ممكنا، وإنه يمتنع أن يكون الفعل لم يزل مقدورا. كان حقيقة الكلام لم يزل قادرا مع كونه كان غير قادر ثم صار قادرا؛ فإن إثبات القادرية مع امتناع المقدور جمع بين المتناقضين.

                    قلت: إثبات القادرية عند أهل الحق لا يتوقف إلا على قيام القدرة بالذات الأقدس، لا على وجود المقدور، ألا يرى أن قادرية الله تعالى على إفناء العالم الآن ثابتة مع عدم تعلق القدرة بالإفناء تنجيزا اللآن؟ هل يقول عاقل بأن إثبات القادرية على ذلك مع عدم تحققه الآن تناقض؟ فظهر أن التناقض انبنى على مغالطة واضحة، وهو إهمال اعتبار التعلق الصلاحي للقدرة، وأما إذا حملنا القادرية على ثبوتها وقصدنا بها التعلق الصلاحي للقدرة مع امتناع وجود المقدور أزلا، فلا تناقض في ذلك، وهذا مذهب أهل الحق بمصطلحاتهم).

                    قال: وكذلك هذا وذلك أن الفعل

                    أقول: المغالطة هذه المرة ستكون باستعمال لفظ "الفعل" معبرا بلسان أهل الحق، وكلامهم يتجه لو عبر عنه ابن تيمية بالممكن الحادث، وذلك قصدهم كما سيتبين) ـ

                    قال: بشرط كونه مسبوقا بالعدم ـ يجب أن يكون له أول

                    قلت: أي لوجوده الخارجي أول، وهذا هو الحق)،

                    قال: فكل ما سُبِق

                    قلت: عند أهل الحق:كل ما سبق وجوده الخارجي

                    قال: بالعدم فله أول؛ إذ العدم قبله. وما لا أول له ليس قبله شيء، بل هو دائم لم يزل.

                    أقول: الكلام هنا يجب أن يتوجه لاتصاف ماهية الممكن بالإمكان، إذ لا أول لاتصافها بالإمكان، وذلك دائم لها أزلا ول يزل)

                    قال: فإذا قيل: الفعل

                    قلت: الصواب عند أهل الحق أن يقال: الممكن الحادث لا الفعل)

                    قال: بشرط كونه مسبوقا بالعدم

                    قلت: إذا كان المقصود بأن وجوده الخارجي هو المسبوق بالعدم فصحيح، أما إذا كان مقصوده أن اتصافه بالإمكان كان مسبوقا بعدم الاتصاف فذلك باطل، وبه يسقط قوله الآتي

                    قال: لا أول لإمكانه. كان المعنى أن الفعل

                    قلت: أي الممكن الحادث عند أهل الحق كما علمت)

                    قال: بشرط كونه له أول

                    قلت: (أي لوجوده الخارجي أول، وهذا حق)

                    قال: لا أول له

                    قلت: (ومقصود أهل الحق لا أول لإمكانه، أي لا أول لاتصاف ماهية الممكن الحادث بالإمكان، فلا تناقض ولا بطلان كما يحاول ابن تيمية اتهام أهل الحق بذلك.

                    ثم فرع على هذا التلبيس قوله : ونظير هذا التناقض فرقهم بين أزلية الصحة وصحة الأزلية، وربما قالوا: بين إمكان الأزلية وأزلية الإمكان. (الصفدية ـ 2 168/ )

                    والكلام هنا دقيق لأن التشكيك وارد لا محالة حتى على هذا الكلام الذي اعتبره الإخوة واضحا، وأشار حتى السيد لصعوبته. ولعلنا نعلق عليه. والله تعالى أعلم.
                    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

                    تعليق

                    • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
                      مـشـــرف
                      • Jun 2006
                      • 3723

                      #11
                      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

                      جزاك الله خيراً سيدي نزار...

                      صدقتم سيدي إذ قلتم: (عجيب كم يحتوي كلام ابن تيمية على مغالطات وتلبيسات، والعجب أن أكثرها مقصود)

                      فابن تيمية كما يقول سيدي الشيخ سعيد يعرف ما يريد...!

                      وهو ذكي لأن يقول بأصل كلي ليوافق الأصل لذي يريد...!

                      لكنَّ ذكاءه لا يبدو انَّه يوصله إلى ما يقول الأئمة وما يريدون...!
                      فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

                      تعليق

                      يعمل...