متشابه الصفات بين التأويل والإثبات
للغرسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فنريد أن نحقق في هذا البحث مسألة صفات الله المتشابهة الواردة في الكتاب والسنة، وقبل الدخول في المسألة لابد أن نقرر أمورا:
الأول: أنَّ النصوص الشرعية إذا كان ظاهرها مخالفا لصرائح العقول ومقرراتها وجب أن يحكم أن ظاهرها غير مراد.
الثاني: أن النصوص الشرعية منها ما هو محكم ومنها ما هو متشابه كما قال الله تعالى: (هو الذي أنزل الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات والنصوص المحكمات هي الأصول الثوابت للإسلام، وأما المتشابهات فترد إلى المحكمات ويحكم بأن ظاهرها غير مراد.
الثالث: أن الكتاب والسنة قد وردا على أساليب اللغة العربية، واللغة العربية كسائر اللغات قد وردت على ثلاثة أنواع من الأساليب: أسلوب الحقيقة، وأسلوب المجاز، وأسلوب الكناية، وذلك لأن كل كلمة من كلمات اللغة العربية قد وضعت لمعنى معين، وكذلك كل مركب منها، وهذه الكلمات والمركبات قد تستعمل في المعنى الذي وضعت له، وقد لا تستعمل فيه، بل تستعمل في معنى يناسب المعنى الذي وضعت له بإحدى المناسبات، وذلك كالأسد قد يستعمل في المعني الذي وضع له وهو الحيوان المفترس المعروف، وقد يستعمل في الرجل الشجاع لمناسبته للحيوان المفترس في الشجاعة، ولمشابهته له فيها. وهذا ما لا ينبغي أن يختلف فيه أحد من العقلاء. فإذا استعمل اللفظ في المعني الذي وضع له سمى في اصطلاح علماء البلاغة بالحقيقة، وإذا استعمل في غير ما وضع له لإحدى المناسبات مع قرينة تدل علي هذا الاستعمال سمي مجازا أو كناية.
الرابع: الكلام على التأويل وبيان معناه، وننقل هنا كلاما لابن القيم وتعليق تقي الدين السبكي عليه. قال ابن القيم في النونية: التأويل الصحيح هو تفسيره وظهور معناه كقول عائشة: يتأول القران. وحقيقة التأويل معناه الرجوع إلي الحقيقة. لا خلف بين أئمة التفسير في هذا. تأويله عندهم تأويله بالظاهر. ما قال منهم شخص واحد: تأويله صرفه عن الرجحان.
قال تقي الدين السبكي تعليقا علي هذا الكلام: قال الله تعالي في المتشابه: (وما يعلم تأويله الا الله) فكيف يكون تأويله بالظاهر، والمتشابه لا ظاهر له. وقوله: (ما قال منهم أحد إن التأويل صرف عن الرجحان) كذب، بل خَلْقٌ قالوا به. ويطلق التأويل أيضا علي تدبر القرآن وتفهم معناه.
يقصد الإمام تقي الدين السبكي أن حمل التأويل على معنى التفسير بالظاهر في باب المتشابهات غير صحيح، وذلك لأن المتشابه مدلوله خفي غير واضح، وإلا لما كان متشابها، والظاهر في اللغة يقابل الخفي، فلا يجوز أن يقال في المتشابه الذي هو غاية في الخفاء: إن تأويله تفسيره بالظاهر، فإنه كلام متناقض ينقض نفسه. وأما الظاهر في أصول الفقه فبمعني الراجح من الاحتمالين بالوضع أو بالدليل، وهو من أقسام الواضح المقابل للخفي الذي من أقسامه المتشابه. ويقابل الظاهر المؤول، فلا يتصور اجتماعهما في لفظ أيضا.
وإذا تقرر هذا فنقول: إنه من الأمور المجمع عليها بين علماء المسلمين أن من نصوص الكتاب والسنة ما إذا قطع عن سياقه وسباقه، ولوحظ بالمعنى الذي وضع له في اللغة وهو المعنى الحقيقي كان إما مخالفا لصرائح العقول، أو مخالفا للمحكمات من نصوص الكتاب والسنة، أو مخالفا للقواعد الإسلامية المقررة المأخوذة من الكتاب والسنة. وهذه النصوص هي النصوص المتشابهات المذكورة في الآية الكريمة.
وهذه النصوص المتشابهات قد أجمعت الأمة على سبيل الإجمال على أن معناها الموضوع له ليس بمراد منها. هذا إجماع على سبيل الإجمال، وأما إذا أتينا إلى التفاصيل وإلى جزئيات هذه النصوص فقد يجري فيها الخلاف.
ثم اختلفت الأمة فذهب معظم السلف في معظم هذه النصوص إلى التوقف عند هذا الحد، وهو أن المعنى الموضوع له لهذه النصوص غير مراد، بدون أن يتجاوزوا هذا الحد إلى تعيين المعنى المجازي، أو الكنائي لها، وذلك تورعا منهم، ومخافة أن يفسروا كلام الله تعالى وكلام رسوله على خلاف مرادهما. وهذا يسمى بالتأويل الإجمالي.
وذهب معظم الخلف إلى جواز تأويلها وصرفها إلى معان تناسب المعني الحقيقي لهذه النصوص، وذلك بمعونة القرائن والسياق والسباق والألفاظ المقرونة بها، لكن بدون قطع بالمعنى المؤول به، بل يكون الصرف على سبيل الاحتمال والرجحان. وذلك بشروط.
الأول: أن يكون المعنى الذي حمل عليه النص ثابتا لله تعالى.
الثاني: أن لا يكون حمل النص على المعنى الذي صرف إليه مخالفا لأساليب اللغة العربية.
الثالث: أن لا يكون مخالفا لسياق النص بل يكون مناسبا له.
الرابع: أن لا يكون المعنى الذي صرف إليه النص مشعرا بالنقص بالنسبة إلى الله تعالى.
الخامس: أن يكون مشعرا بالعظمة.
وههنا نكتة نبه عليها الإمام الغزالي في كتاب (قانون التأويل)-وهو كتاب جدير بالعناية بقرائته- وهي أنه لا يجوز بالنسبة إلى هذه النصوص تفريق مجتمع ولا جمع متفرق، وذلك لأن كل واحد من هذه النصوص في سياقه وسباقه ما يدل علي المعنى المجازي أو الكنائي الذي استعمل فيه، فإذا قطع من سياقه وأفرد عن سابقه ولاحقه فاتت هذه الدلالة، وكذالك إذا جمعت هذه النصوص على صعيد واحد عضدت الظواهر بعضها البعض، فيترجح بقاؤها على ظواهرها المفيد للتشبيه. وذلك كما ألف بعضهم مؤلفات فذكر فيها باب ما ورد في العين، وباب ما ورد في اليد، وباب ما ورد في الوجه إلي غير ذلك
وقد قرر قريبا من هذا الكلام الإمام تقي السبكي: حيث قال:
وانظر إلى هذه الصفات التي يثبتها هذا المبتدع لم تجيء قط في الغالب مقصودة، وإنما في ضمن كلام يقصد منه أمر آخر، وجاءت لتقرير ذلك الأمر، وقد فهمها الصحابة، ولذلك لم يسألوا عنها النبي صلي الله تعالي عليه وآله وسلم لأنها كانت معقولة عندهم بوضع اللسان وقرائن الأحوال، وسياق الكلام، وسبب النزول.
ومضت الأعصار الثلاثة التي هي خيار القرون على ذلك، حتى حدثت البدع والأهواء، فيجيء مثل هذا المتخلف بجمع كلمات وقعت في أثناء آيات أو أخبار فهم الموفقون معناها بانضمامها مع الكلام المقصود، فجعلها هذا المتخلف في أمثاله مقصودة، وبالغ فيها، فأورث الريب في قلوب المهتدين.
وانظر إلى أكثرها لا تجده مقصودا بالكلام، بل المقصود غيره إما بسياق قبله، أو بسباق بعده، أو يكون المحدث عنه معنى آخر... ويكون ذلك مذكورا على جهة الوصف المقوِّي لمعنى ما سيق الكلام لأجله. إنتهى كلام السبكي.
للغرسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فنريد أن نحقق في هذا البحث مسألة صفات الله المتشابهة الواردة في الكتاب والسنة، وقبل الدخول في المسألة لابد أن نقرر أمورا:
الأول: أنَّ النصوص الشرعية إذا كان ظاهرها مخالفا لصرائح العقول ومقرراتها وجب أن يحكم أن ظاهرها غير مراد.
الثاني: أن النصوص الشرعية منها ما هو محكم ومنها ما هو متشابه كما قال الله تعالى: (هو الذي أنزل الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات والنصوص المحكمات هي الأصول الثوابت للإسلام، وأما المتشابهات فترد إلى المحكمات ويحكم بأن ظاهرها غير مراد.
الثالث: أن الكتاب والسنة قد وردا على أساليب اللغة العربية، واللغة العربية كسائر اللغات قد وردت على ثلاثة أنواع من الأساليب: أسلوب الحقيقة، وأسلوب المجاز، وأسلوب الكناية، وذلك لأن كل كلمة من كلمات اللغة العربية قد وضعت لمعنى معين، وكذلك كل مركب منها، وهذه الكلمات والمركبات قد تستعمل في المعنى الذي وضعت له، وقد لا تستعمل فيه، بل تستعمل في معنى يناسب المعنى الذي وضعت له بإحدى المناسبات، وذلك كالأسد قد يستعمل في المعني الذي وضع له وهو الحيوان المفترس المعروف، وقد يستعمل في الرجل الشجاع لمناسبته للحيوان المفترس في الشجاعة، ولمشابهته له فيها. وهذا ما لا ينبغي أن يختلف فيه أحد من العقلاء. فإذا استعمل اللفظ في المعني الذي وضع له سمى في اصطلاح علماء البلاغة بالحقيقة، وإذا استعمل في غير ما وضع له لإحدى المناسبات مع قرينة تدل علي هذا الاستعمال سمي مجازا أو كناية.
الرابع: الكلام على التأويل وبيان معناه، وننقل هنا كلاما لابن القيم وتعليق تقي الدين السبكي عليه. قال ابن القيم في النونية: التأويل الصحيح هو تفسيره وظهور معناه كقول عائشة: يتأول القران. وحقيقة التأويل معناه الرجوع إلي الحقيقة. لا خلف بين أئمة التفسير في هذا. تأويله عندهم تأويله بالظاهر. ما قال منهم شخص واحد: تأويله صرفه عن الرجحان.
قال تقي الدين السبكي تعليقا علي هذا الكلام: قال الله تعالي في المتشابه: (وما يعلم تأويله الا الله) فكيف يكون تأويله بالظاهر، والمتشابه لا ظاهر له. وقوله: (ما قال منهم أحد إن التأويل صرف عن الرجحان) كذب، بل خَلْقٌ قالوا به. ويطلق التأويل أيضا علي تدبر القرآن وتفهم معناه.
يقصد الإمام تقي الدين السبكي أن حمل التأويل على معنى التفسير بالظاهر في باب المتشابهات غير صحيح، وذلك لأن المتشابه مدلوله خفي غير واضح، وإلا لما كان متشابها، والظاهر في اللغة يقابل الخفي، فلا يجوز أن يقال في المتشابه الذي هو غاية في الخفاء: إن تأويله تفسيره بالظاهر، فإنه كلام متناقض ينقض نفسه. وأما الظاهر في أصول الفقه فبمعني الراجح من الاحتمالين بالوضع أو بالدليل، وهو من أقسام الواضح المقابل للخفي الذي من أقسامه المتشابه. ويقابل الظاهر المؤول، فلا يتصور اجتماعهما في لفظ أيضا.
وإذا تقرر هذا فنقول: إنه من الأمور المجمع عليها بين علماء المسلمين أن من نصوص الكتاب والسنة ما إذا قطع عن سياقه وسباقه، ولوحظ بالمعنى الذي وضع له في اللغة وهو المعنى الحقيقي كان إما مخالفا لصرائح العقول، أو مخالفا للمحكمات من نصوص الكتاب والسنة، أو مخالفا للقواعد الإسلامية المقررة المأخوذة من الكتاب والسنة. وهذه النصوص هي النصوص المتشابهات المذكورة في الآية الكريمة.
وهذه النصوص المتشابهات قد أجمعت الأمة على سبيل الإجمال على أن معناها الموضوع له ليس بمراد منها. هذا إجماع على سبيل الإجمال، وأما إذا أتينا إلى التفاصيل وإلى جزئيات هذه النصوص فقد يجري فيها الخلاف.
ثم اختلفت الأمة فذهب معظم السلف في معظم هذه النصوص إلى التوقف عند هذا الحد، وهو أن المعنى الموضوع له لهذه النصوص غير مراد، بدون أن يتجاوزوا هذا الحد إلى تعيين المعنى المجازي، أو الكنائي لها، وذلك تورعا منهم، ومخافة أن يفسروا كلام الله تعالى وكلام رسوله على خلاف مرادهما. وهذا يسمى بالتأويل الإجمالي.
وذهب معظم الخلف إلى جواز تأويلها وصرفها إلى معان تناسب المعني الحقيقي لهذه النصوص، وذلك بمعونة القرائن والسياق والسباق والألفاظ المقرونة بها، لكن بدون قطع بالمعنى المؤول به، بل يكون الصرف على سبيل الاحتمال والرجحان. وذلك بشروط.
الأول: أن يكون المعنى الذي حمل عليه النص ثابتا لله تعالى.
الثاني: أن لا يكون حمل النص على المعنى الذي صرف إليه مخالفا لأساليب اللغة العربية.
الثالث: أن لا يكون مخالفا لسياق النص بل يكون مناسبا له.
الرابع: أن لا يكون المعنى الذي صرف إليه النص مشعرا بالنقص بالنسبة إلى الله تعالى.
الخامس: أن يكون مشعرا بالعظمة.
وههنا نكتة نبه عليها الإمام الغزالي في كتاب (قانون التأويل)-وهو كتاب جدير بالعناية بقرائته- وهي أنه لا يجوز بالنسبة إلى هذه النصوص تفريق مجتمع ولا جمع متفرق، وذلك لأن كل واحد من هذه النصوص في سياقه وسباقه ما يدل علي المعنى المجازي أو الكنائي الذي استعمل فيه، فإذا قطع من سياقه وأفرد عن سابقه ولاحقه فاتت هذه الدلالة، وكذالك إذا جمعت هذه النصوص على صعيد واحد عضدت الظواهر بعضها البعض، فيترجح بقاؤها على ظواهرها المفيد للتشبيه. وذلك كما ألف بعضهم مؤلفات فذكر فيها باب ما ورد في العين، وباب ما ورد في اليد، وباب ما ورد في الوجه إلي غير ذلك
وقد قرر قريبا من هذا الكلام الإمام تقي السبكي: حيث قال:
وانظر إلى هذه الصفات التي يثبتها هذا المبتدع لم تجيء قط في الغالب مقصودة، وإنما في ضمن كلام يقصد منه أمر آخر، وجاءت لتقرير ذلك الأمر، وقد فهمها الصحابة، ولذلك لم يسألوا عنها النبي صلي الله تعالي عليه وآله وسلم لأنها كانت معقولة عندهم بوضع اللسان وقرائن الأحوال، وسياق الكلام، وسبب النزول.
ومضت الأعصار الثلاثة التي هي خيار القرون على ذلك، حتى حدثت البدع والأهواء، فيجيء مثل هذا المتخلف بجمع كلمات وقعت في أثناء آيات أو أخبار فهم الموفقون معناها بانضمامها مع الكلام المقصود، فجعلها هذا المتخلف في أمثاله مقصودة، وبالغ فيها، فأورث الريب في قلوب المهتدين.
وانظر إلى أكثرها لا تجده مقصودا بالكلام، بل المقصود غيره إما بسياق قبله، أو بسباق بعده، أو يكون المحدث عنه معنى آخر... ويكون ذلك مذكورا على جهة الوصف المقوِّي لمعنى ما سيق الكلام لأجله. إنتهى كلام السبكي.
إن الله ينزل الي سماء الدنيا. وينزل يوم عرفة. وينزل يوم القيامة) و(إن جهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه جل ثناءه) وقول الله تعالي للعبد (إن مشيتَ إليَّ هَرْوَلْتُ إليك) وقوله: (خلق الله آدم علي صورته) وقول رسول الله صلي الله عليه وسلم: (رأيت ربي
تعليق