الصنف الأول:
هم الذين تحدث الله عنهم بقوله: (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون إن الله لا يهدى من هو كاذب كفار)
فهذا الصنف من المشريكين يؤمنون بالله تعالى، ولا يعتقدون فيما يعبدونه من دون الله مشاركة لله لا في الخلق ولا في التصرف في أحوال أهل الأرض من رزق وصحة وحمل وولادة وكون الجنين ذكرا أو سليما، ونحو ذلك.
وإنما يعتقدون فيهم أن الله تعالى قد جعلهم وسطاء بينه وبين عباده، وأنه لا يتم تقرب العبد إلى الله تعالى إلا بواسطتهم، وعن طريق تقريب هذا الوسيط لهم إلى الله تعالى
والصنف الثاني:
هم الذين تحدث الله تعالى عنهم بقوله: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعائنا عند الله قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السماوات والأرض سبحانه وتعالى عما يشركون)
فهذا الصنف من المشركين لم يكونوا يعبدون آلهتهم لأجل أن تنفعهم في أمور دنياهم ولا لأجل أن لا تضرهم فيها، بل كانوا يعبدونهم لأنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم أنهم يملكون الشفاعة عند الله بدون إذن من الله، أو أن الله قد خولهم هذا التصرف الخاص وهو التصرف في الشفاعة، وأنهم يتصرفون في الشفاعة على حسب ما يشاءون لا على حسب ما يشاء الله تعالى.
وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله تعالى: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون) فرد الله تعالى عليهم بأمرين: الأول: أنهم لايملكون شيئا لا الشفاعة ولا غيرها. وهذا رد على اعتقادهم أنهم يملكون الشفاعة عند الله بدون إذن من الله، فإن الملك يقتضى تصرف صاحبه فيما ملكه بدون إذن من أحد. والأمر الثاني: أن الشفاعة كلها لله فما من شافع يشفع إلا بإذنه، وليست الشفاعة وحدها لله، بل له ملك السماوات والأرض وإليه ترجعون، فيفصل بينكم ويجازيكم على عقائدكم، وأعمالكم.
فالمشركون من هذا الصنف كانوا يعتقدون في آلهتهم ملك الشفاعة والتصرف فيها حسب ما شاءوا لا حسب
، وكان المشركون يعبدونهم استعطافا لهم وجلبا لرحمتهم أن يشفعوا لهم عند الله.
والصنف الثالث من المشركين:
كانوا يعتقدون في آلهتهم النفع والضر، وإنها تجلب لهم الخيرات وتدفع عنهم البلايا وتنصرهم على أعدائهم، ويعتقدون أن الله تعالى قد خولهم هذه الربوبية الصغيرة، كما يولي الملوك الولاة على المناطق الصغيرة، فكان هذا الصنف يعتقدون في آلهتهم هذه الربوبية الصغيرة ومن أجل ذلك كانوا يعبدونهم ويألهونهم.
وقد ذكر الله تعالى هذا الصنف بقوله: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون) وقوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكون لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا) أي واتخذ المشركون من دون الله آلهة يعبدونها لتجازيهم على عبادتهم بأن تكون بتأثيراتها الغيبية سببا لعزهم وغلبتهم على أعدائهم.
وهذه الأنواع الثلاثة من الشرك هي التي كان عليها معظم المشركين من العرب في جاهليتهم. وربما كانوا يعتقدون في آلهتهم مجموع هذه المعاني الثلاثة أو اثنين منها.
والصنف الرابع من المشركين:
كانوا يعطون حق التشريع الذي هو خاص بالله تعالى لغيره من الأحبار والرهبان، وقد ذكر الله تعالى هذا الصنف بقوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) وأشار إليه بقوله: (ولايتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) فأعطى هذا الصنفُ من المشركين الأحبارَ والرهبانَ حقَ التشريع وهو من صفات الربوبية وخواصها، فاتخذوهم بذلك أربابا، ثم أطاعوهم فيما شرعوا من الأحكام، وبذلك كانوا قد عبدوهم وألهوهم؛ فإن الإطاعة في التشريع نوع من العبادة.
والصنف الخامس:
هم الذين يعتقدون فيمن يعبدونهم أنهم شركاء لله في تدبير العالم والتصرف فيه. وهؤلاء أصناف كثيرة، فمنهم أهل التثنية وأهل التثليث ومنهم من يعددون الآلهة فوق ذلك.
وأهل هذا الشرك لهم أرباب يجعلونها مشتركة فيما بينها في الربوبية وتصاريفها في الكون، وقد يجسدونها في أجسام مادية، أو يعتقدون أنها قد تحل في أجسام مادية، أو تظهر بصور بشرية.
وهذه الأصناف الخمسة من المشركين هم الذين كانوا يعبدون آلهة من دون الله عن اقتناع، وكانوا يألهونها بناء على اعتقادهم فيها الربوبية إما ربوبية صغيرة محدودة مستمدة من ربوبية الله تعالى كما هو حال الأصناف الأربعة الأول، وهو حال معظم مشركي العرب في جاهليته، أو ربوبية حقيقية كبيرة كما هو حال الصنف الخامس.
الصنف السادس من المشركين:
ناس كانوا لا يعتقدون في معبوداتهم شيئا من معانى الربوبية، فلم يكونوا يعبدونها عن عقيدة واقتناع، بل كانوا يعبدونها ويألهونها بناء على مصلحة اجتماعية وهو الحفاظ على الوحدة القومية، وعدم تفريق الكلمة فيها، حيث كانت آلهتهم التي يعبدونها ويقدسونها بمثابة رموز رباط وحدة قومية، تجمع أفرادهم على مودة تسوقوهم على التعاون والتناصر وعلى كل ما تقتضيه الأخوة بين جماعة ذات كيان واحد.
وهذا ما كشفه إبراهيم عليه السلام لقومه. قال الله تعالى في معرض ذكر لقطات من قصة إبراهيم وقومه: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين) العنكبوت 25.
من هذا التصنيف للمشركين، ومما تقدم سرده من النصوص القرآنية، وهي غيض من فيض وقليل من كثير من النصوص المتعلقة بالموضوع، من هذا ظهر لنا أن الربوبية هي الأساس الذي تنبني عليه الإ̃لهية، فمن كانت له الربوبية فمن حقه على مربوبيه أن يؤلهوه، وظهر أن المشركين الذين كانوا يعبدون من دون الله آلهة عن عقيدة واقتناع إنما كانوا يعبدونهم ويألهونهم بناء على اعتقادهم فيهم الربوبية إما ربوبية صغيرة محدودة أو ربوبية أصلية مطلقة.
ومن هذا ظهر خطأ الذين يرون أن جميع العرب في جاهليتهم كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية لله عز وجل، إلا أنهم كانوا يعبدون مع الله آلهة أخرى فيتخذونها شركاء لله في إ̃لهيته دون أن يجعلوها شركاء لله في ربوبيته.
وذلك لأن النصوص القرآنية ومنها ما أوردناه آنفا تبين أن أكثر العرب كانوا يجعلون مع الله شركاء في بعض صفات ربوبيته لا في كلها، ومن أجل ذلك كانوا يطلبون من شركائهم الرحمة والرزق والنصر، وكثيرا من مطالبهم الدنيوية، وكانوا يعبدون آلهتهم طمعا في أن يحققوا لهم ما يرجون بمعونات غيبية هي من خصائص الرب الخالق الذي بيده مقاليد كل شيء، وهو على كل شيء قدير.
المصدر :
رسائل متعلقة بأصول الدين
تأليف
محمد صالح بن أحمد الغرسي
هم الذين تحدث الله عنهم بقوله: (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون إن الله لا يهدى من هو كاذب كفار)
فهذا الصنف من المشريكين يؤمنون بالله تعالى، ولا يعتقدون فيما يعبدونه من دون الله مشاركة لله لا في الخلق ولا في التصرف في أحوال أهل الأرض من رزق وصحة وحمل وولادة وكون الجنين ذكرا أو سليما، ونحو ذلك.
وإنما يعتقدون فيهم أن الله تعالى قد جعلهم وسطاء بينه وبين عباده، وأنه لا يتم تقرب العبد إلى الله تعالى إلا بواسطتهم، وعن طريق تقريب هذا الوسيط لهم إلى الله تعالى
والصنف الثاني:
هم الذين تحدث الله تعالى عنهم بقوله: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعائنا عند الله قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السماوات والأرض سبحانه وتعالى عما يشركون)
فهذا الصنف من المشركين لم يكونوا يعبدون آلهتهم لأجل أن تنفعهم في أمور دنياهم ولا لأجل أن لا تضرهم فيها، بل كانوا يعبدونهم لأنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم أنهم يملكون الشفاعة عند الله بدون إذن من الله، أو أن الله قد خولهم هذا التصرف الخاص وهو التصرف في الشفاعة، وأنهم يتصرفون في الشفاعة على حسب ما يشاءون لا على حسب ما يشاء الله تعالى.
وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله تعالى: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون) فرد الله تعالى عليهم بأمرين: الأول: أنهم لايملكون شيئا لا الشفاعة ولا غيرها. وهذا رد على اعتقادهم أنهم يملكون الشفاعة عند الله بدون إذن من الله، فإن الملك يقتضى تصرف صاحبه فيما ملكه بدون إذن من أحد. والأمر الثاني: أن الشفاعة كلها لله فما من شافع يشفع إلا بإذنه، وليست الشفاعة وحدها لله، بل له ملك السماوات والأرض وإليه ترجعون، فيفصل بينكم ويجازيكم على عقائدكم، وأعمالكم.
فالمشركون من هذا الصنف كانوا يعتقدون في آلهتهم ملك الشفاعة والتصرف فيها حسب ما شاءوا لا حسب
، وكان المشركون يعبدونهم استعطافا لهم وجلبا لرحمتهم أن يشفعوا لهم عند الله.والصنف الثالث من المشركين:
كانوا يعتقدون في آلهتهم النفع والضر، وإنها تجلب لهم الخيرات وتدفع عنهم البلايا وتنصرهم على أعدائهم، ويعتقدون أن الله تعالى قد خولهم هذه الربوبية الصغيرة، كما يولي الملوك الولاة على المناطق الصغيرة، فكان هذا الصنف يعتقدون في آلهتهم هذه الربوبية الصغيرة ومن أجل ذلك كانوا يعبدونهم ويألهونهم.
وقد ذكر الله تعالى هذا الصنف بقوله: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون) وقوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكون لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا) أي واتخذ المشركون من دون الله آلهة يعبدونها لتجازيهم على عبادتهم بأن تكون بتأثيراتها الغيبية سببا لعزهم وغلبتهم على أعدائهم.
وهذه الأنواع الثلاثة من الشرك هي التي كان عليها معظم المشركين من العرب في جاهليتهم. وربما كانوا يعتقدون في آلهتهم مجموع هذه المعاني الثلاثة أو اثنين منها.
والصنف الرابع من المشركين:
كانوا يعطون حق التشريع الذي هو خاص بالله تعالى لغيره من الأحبار والرهبان، وقد ذكر الله تعالى هذا الصنف بقوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) وأشار إليه بقوله: (ولايتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) فأعطى هذا الصنفُ من المشركين الأحبارَ والرهبانَ حقَ التشريع وهو من صفات الربوبية وخواصها، فاتخذوهم بذلك أربابا، ثم أطاعوهم فيما شرعوا من الأحكام، وبذلك كانوا قد عبدوهم وألهوهم؛ فإن الإطاعة في التشريع نوع من العبادة.
والصنف الخامس:
هم الذين يعتقدون فيمن يعبدونهم أنهم شركاء لله في تدبير العالم والتصرف فيه. وهؤلاء أصناف كثيرة، فمنهم أهل التثنية وأهل التثليث ومنهم من يعددون الآلهة فوق ذلك.
وأهل هذا الشرك لهم أرباب يجعلونها مشتركة فيما بينها في الربوبية وتصاريفها في الكون، وقد يجسدونها في أجسام مادية، أو يعتقدون أنها قد تحل في أجسام مادية، أو تظهر بصور بشرية.
وهذه الأصناف الخمسة من المشركين هم الذين كانوا يعبدون آلهة من دون الله عن اقتناع، وكانوا يألهونها بناء على اعتقادهم فيها الربوبية إما ربوبية صغيرة محدودة مستمدة من ربوبية الله تعالى كما هو حال الأصناف الأربعة الأول، وهو حال معظم مشركي العرب في جاهليته، أو ربوبية حقيقية كبيرة كما هو حال الصنف الخامس.
الصنف السادس من المشركين:
ناس كانوا لا يعتقدون في معبوداتهم شيئا من معانى الربوبية، فلم يكونوا يعبدونها عن عقيدة واقتناع، بل كانوا يعبدونها ويألهونها بناء على مصلحة اجتماعية وهو الحفاظ على الوحدة القومية، وعدم تفريق الكلمة فيها، حيث كانت آلهتهم التي يعبدونها ويقدسونها بمثابة رموز رباط وحدة قومية، تجمع أفرادهم على مودة تسوقوهم على التعاون والتناصر وعلى كل ما تقتضيه الأخوة بين جماعة ذات كيان واحد.
وهذا ما كشفه إبراهيم عليه السلام لقومه. قال الله تعالى في معرض ذكر لقطات من قصة إبراهيم وقومه: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين) العنكبوت 25.
من هذا التصنيف للمشركين، ومما تقدم سرده من النصوص القرآنية، وهي غيض من فيض وقليل من كثير من النصوص المتعلقة بالموضوع، من هذا ظهر لنا أن الربوبية هي الأساس الذي تنبني عليه الإ̃لهية، فمن كانت له الربوبية فمن حقه على مربوبيه أن يؤلهوه، وظهر أن المشركين الذين كانوا يعبدون من دون الله آلهة عن عقيدة واقتناع إنما كانوا يعبدونهم ويألهونهم بناء على اعتقادهم فيهم الربوبية إما ربوبية صغيرة محدودة أو ربوبية أصلية مطلقة.
ومن هذا ظهر خطأ الذين يرون أن جميع العرب في جاهليتهم كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية لله عز وجل، إلا أنهم كانوا يعبدون مع الله آلهة أخرى فيتخذونها شركاء لله في إ̃لهيته دون أن يجعلوها شركاء لله في ربوبيته.
وذلك لأن النصوص القرآنية ومنها ما أوردناه آنفا تبين أن أكثر العرب كانوا يجعلون مع الله شركاء في بعض صفات ربوبيته لا في كلها، ومن أجل ذلك كانوا يطلبون من شركائهم الرحمة والرزق والنصر، وكثيرا من مطالبهم الدنيوية، وكانوا يعبدون آلهتهم طمعا في أن يحققوا لهم ما يرجون بمعونات غيبية هي من خصائص الرب الخالق الذي بيده مقاليد كل شيء، وهو على كل شيء قدير.
المصدر :
رسائل متعلقة بأصول الدين
تأليف
محمد صالح بن أحمد الغرسي
تعليق