أقوال أهل السنة في تنزيه الله عن الجهة والمكان

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • راشد بن عبدالله الشبلي
    طالب علم
    • Aug 2006
    • 130

    #1

    أقوال أهل السنة في تنزيه الله عن الجهة والمكان

    أقوال أهل السنة في تنزيه الله عن الجهة والمكان


    * قال الإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية:
    وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات "

    *قال الإمام البغدادي في الفرق بين الفرق:
    وأجمعوا أي اهل السنة والجماعة- على أنه-أي الله- لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان.

    *قال إمام الحرمين الجويني في الإرشاد:
    ومذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعلى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات.

    *وقال الشيخ سلامة القضاعي الشافعي في فرقان القرآن:
    أجمع اهل الحق من علماء السلف والخلف على تنزه الحق سبحانه- عن الجهة وتقدسه عن المكان.

    *وقال الشيخ اسماعيل الشيباني الحنفي في بيان اعتقاد اهل السنة:
    قال اهل الحق: إن الله تعالى متعال عن المكان غير متمكن في مكان،ولا متحيز إلى جهة خلافا للكرامية والمجسمة.

    *وقال الشيخ محمد التبان المالكي:
    اتفق العقلاء من أهل السنة الشافعية والحنفية والمالكية وفضلاء الحنابلة وغيرهم على أن الله تبارك وتعالى منزه عن الجهة والجسمية والحد والمكان ومشابهة مخلوقاته.من كتاب براءة الأشعريين.

    *وقال الشيخ أبو سعيد المتولي الشافعي في الغنية في أصول الدين:
    والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافا للكرامية والحشوية والمشبهة الذين قالوا إن لله جهة فوق.
    وأطلق بعضهم القول بأنه جالس على العرش مستقر عليه، تعالى الله عن قولهم.
    والدليل على أنه مستغن عن المحل انه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديما لأنه قديم أو يكون حادثا كما أن المحل حادث وكلاهما كفر.
    والدليل عليه انه لو كان على العرش على ما زعموا لكان لا يخلو إما ان يكون مثل العرش أو اصغر منه او أكبر ، وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد والنهاية وهو كفر.
    والدليل عليه أنه لو كان في جهة وقدرنا شخصا أعطاه الله تعالى قوة عظيمة واشتغل بقطع المسافة والصعود إلى فوق لا يخلو إما أن يصل إليه وقتا ما أو لا يصل إليه.
    فإن قالوا لا يصل إليه فهو قول بنفي الصانع لأن كل موجودين بينهما مسافة معلومة، وأحدهما لا يزال يقطع تلك المسافة ولا يصل إليه يدل على أنه ليس بموجود.
    فإن قالوا يجوز أن يصل إليه ويحاذيه فيجوز أن يماسه أيضا، ويلزم من ذلك كفران:
    أحدهما: قدم العالم ، لأنا نستدل على حدوث العالم بالإفتراق والإجتماع.
    والثاني: إثبات الولد والزوجة.

    *وقال الشيخ ابو حامد الغزالي في الإحياء:
    الأصل الرابع: العلم بأنه تعالى ليس بجوهر يتحيز بل يتعالى ويتقدس عن مناسبة الحيز وبرهانه أن كل جوهر متحيز فهو مختص بحيزه ولا يخلو من أن يكون ساكنا فيه أو متحركا عنه فلا يخلو عن الحركة أو السكونوهما حادثان وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.
    الأصل السابع: العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدام أو خلف وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا والآخر يقابله ويسمى رأسا فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرجل حتى إن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحتا وإن كان في حقنا فوقا وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرك إليه فحدث اسم القدام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها فالجهات حادثة بحدوث الإنسان ولو لم يخلق الإنسان بهذه الخلقة بل خلق مستديرا كالكرة لم يكن لهذه الجهات وجود البتة فكيف كان في الأزل مختصا بجهة والجهة حادثة وكيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له أبأن خلق العالم فوقه ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس أو خلق العالم تحته فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرجل وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض وقد ظهر استحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصا بالجهة وإن أريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبر.

    *وقال الفخر الرازي عند تفسير قوله تعالى(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى{5}):

    المسألة الثانية: المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش وهذا باطل بالعقل والنقل من وجوه. أحدها: أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان، ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان بل كان غنياً عنه فهو بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن يزعم زاعم أنه لم يزل مع الله عرش. وثانيها: أن الجالس على العرش لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل في يسار العرش فيكون في نفسه مؤلفاً مركباً وكل ما كان كذلك احتاج إلى المؤلف والمركب وذلك محال. وثالثها: أن الجالس على العرش إما أن يكون متمكناً من الإنتقال والحركة أو لا يمكنه ذلك فإن كان الأول فقد صار محل الحركة والسكون فيكون محدثاً لا محالة وإن كان الثاني كان كالمربوط بل كان كالزمن بل أسوأ منه فإن الزمن إذا شاء الحركة في رأسه وحدقته أمكنه ذلك وهو غير ممكن على معبودهم. ورابعها: هو أن معبودهم إما أن يحصل في كل مكان أو في مكان دون مكان فإن حصل في كل مكان لزمهم أن يحصل في مكان النجاسات والقاذورات وذلك لا يقوله عاقل، وإن حصل في مكان دون مكان افتقر إلى مخصص يخصصه بذلك المكان فيكون محتاجاً وهو على الله محال. وخامسها: أن قوله: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } [الشورى: 11] يتناول نفي المساواة من جميع الوجوه بدليل صحة الاستثناء فإنه يحسن أن يقال ليس كمثله شيء إلا في الجلوس وإلا في المقدار وإلا في اللون وصحة الاستثناء تقتضي دخول جميع هذه الأمور تحته، فلو كان جالساً لحصل من يماثله في الجلوس فحينئذ يبطل معنى الآية. وسادسها: قوله تعالى: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية } [الحاقة: 17] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان معبودهم فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخلق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله. وسابعها: أنه لو جاز أن يكون المستقر في المكان إلهاً فكيف يعلم أن الشمس والقمر ليس بإله لأن طريقنا إلى نفس إلهية الشمس والقمر أنهما موصوفان بالحركة والسكون وما كان كذلك كان محدثاً ولم يكن إلهاً فإذا أبطلتم هذا الطريق انسد عليكم باب القدح في إلهية الشمس والقمر.
    وثامنها: أن العالم كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلينا هي تحت بالنسبة إلى ساكني ذلك الجانب الآخر من الأرض وبالعكس، فلو كان المعبود مختصاً بجهة فتلك الجهة وإن كانت فوقاً لبعض الناس لكنها تحت لبعض آخرين، وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال المبعود تحت جميع الأشياء. وتاسعها: أجمعت الأمة على أن قوله: { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [الإخلاص: 1] من المحكمات لا من المتشابهات فلو كان مختصاً بالمكان لكان الجانب الذي منه يلي ما على يمينه غير الجانب الذي منه يلي ما على يساره فيكون مركباً منقسماً فلا يكون أحداً في الحقيقة فيبطل قوله: { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [الإخلاص: 1]. وعاشرها: أن الخليل عليه السلام قال: { لا أُحِبُّ الأفلين } [الأنعام: 76] ولو كان المعبود جسماً لكان آفلاً أبداً غائباً أبداً فكان يندرج تحت قوله: { لا أُحِبُّ الأفلين } [الأنعام: 76] فثبت بهذه الدلائل أن الإستقرار على الله تعالى محال.


    * قال أبو القاسم القشيري في الرسالة القشيرية:
    سمعت الإمام أبا بكر بن فورك رحمه الله تعالى يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول: كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابنا بمكة إني أسلمت الان إسلاما جديدا.
    اللهم أكفني بحلالك عن حرامك ، وأغنني بفضلك عمن سواك.
  • هاني سعيد عبدالله
    طالب علم
    • May 2006
    • 613

    #2
    وفقك الله هذا هو الحق

    تعليق

    • راشد بن عبدالله الشبلي
      طالب علم
      • Aug 2006
      • 130

      #3
      *قال الإمام البغدادي في الفرق بين الفرق:
      واجمعوا على انه لا يحويه مكان ولا يجرى عليه زمان خلاف قول من زعم من الشهامية والكرامية انه مماس لعرشه وقد قال امير المؤمنين على رضي الله عنه ان الله تعالى خلق العرش اظهارا لقدرته لا مكانا لذاته وقال ايضا قد كان ولا مكان وهو الآن على ما كان.

      *قال الإمام محمد سعد الدين بن جماعة في كتاب ايضاح الدليل ص138:

      الآية الثانية: قوله تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) وقوله تعالى يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ)

      اعلم أن لفظ "فوق" في كلام العرب تستعمل بمعنى الحيز العالي ، وتستعمل بمعنى القدرة، وبمعنى الرتبة العلية.
      فمن فوقية القدرة) يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ فإن قرنية ذكر القهر يدل على ذلك ، ومن فوقية الرتبة: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) لم يقل احد أن المراد فوقية المكان، بل فوقية القهر والقدرة والرتبة.
      وإذا بطل بما قدمناه ما سنذكر من إبطال الجهة في حق الرب تعالى تعين أن المراد فوقية القهر والقدرة والرتبة ، ولذلك قرنه بذكر القهر كما قدمنا.
      ويدل على ما قلناه ان فوقية المكان من حيث هي لا تقتضي فضيلة له ، فكم من غلام أو عبد كائن فوق مسكن سيده ، ولا يقال الغلام فوق السلطان أو السيد على وجه المدح إذا قصد المكان لم يكن فيه مدحه، بل الفوقية الممدوحة فوقية القهر والغلبة والرتبة.
      ولذلك قال تعالى) يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ) لأنه إنما يخاف الخائف من هو أعلى منه رتبة ومنزلة وأقدر عليه منه.
      فمعناه: يخافون ربهم القادر عليهم القاهر لهم ، وحقيقته: يخافون عذاب ربهم ؛ لأن حقيقة الذات المقدسة لا تخاف ، وغنما المخوف في الحقيقة عذابه وبطشه وانتقامه وإذا ثبت ذلك فلا جهة.
      وله وجه آخر: وهو أن يكون (مِّن فَوْقِهِمْ) متعلقا بعذاب ربهم المقدر، ويؤيده قوله تعالى قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ)
      فقد بان بما ذكرناه أن المراد بالفوقية في الآيات: القهر والقدرة والرتبة ، أو فوقية العذاب ، لا فوقية المكان له.

      *قال العلامة الطاهر بن عاشور لدى تفسيرة للإستواء على العرش في الآية 54 من سورة الأعراف:
      والاستواء حقيقته الاعتدال، والذي يؤخذ من كلام المحققين من علماء اللغة والمفسرين أنه حقيقة في الارتفاع والاعتلاء، كما في قوله تعالى في صفة جبريل (فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى).
      والاستواء له معان متفرعة عن حقيقته، أشهرها القصد والاعتلاء، وقد التزم هذا اللفظ في القرآن مسندا إلى ضمير الجلالة عند الإخبار عن أحوال سماوية، كما في هذه الآية. ونظائرها سبع آيات من القرآن: هنا، وفي يونس، والرعد، وطه، والفرقان، وألم السجدة، والحديد، وفصلت. فظهر لي أن لهذا الفعل خصوصية في كلام العرب كان بسببها أجدر بالدلالة على المعنى المراد تبليغه مجملا مما يليق بصفات الله ويقرب إلى الإفهام معنى عظمته، ولذلك اختير في هذه الآيات دون غيره من الأفعال التي فسره بها المفسرون.
      فالاستواء يعبر عن شأن عظيم من شؤون عظمة الخالق تعالى، اختير التعبير به على طريق الاستعارة والتمثيل: لأن معناه أقرب معاني المواد العربية إلى المعنى المعبر عنه من شؤونه تعالى، فإن الله لما أراد تعليم معان من عالم الغيب لم يكن يتأتى ذلك في اللغة إلا بأمثلة معلومة من عالم الشهادة، فلم يكن بد من التعبير عن المعاني المغيبة بعبارات تقربها مما يعبر به عن عالم الشهادة، ولذلك يكثر في القرآن ذكر الاستعارات التمثيلية والتخيلية في مثل هذا.
      وقد كان السلف يتلقون أمثالها بلا بحث ولا سؤال لأنهم علموا المقصود الإجمالي منها فاقتنعوا بالمعنى مجملا، ويسمون أمثالها بالمتشابهات، ثم لما ظهر عصر ابتداء البحث كانوا إذا سئلوا عن هذه الآية يقولون: استوى الله على العرش ولا نعرف لذلك كيفا، وقد بينت أن مثل هذا من القسم الثاني من المتشابه عند قوله تعالى (وأخر متشابهات) في سورة آل عمران، فكانوا يأبون تأويلها. وقد حكى عياض في المدارك عن سفيان بن عيينة أنه قال: سأل رجل مالكا فقال: الرحمان على العرش استوى. كيف استوى يا أبا عبد الله؛ فسكت مالك مليا حتى علاه الرحضاء ثم سري عنه، فقال: الاستواء معلوم والكيف غير معقول والسؤال عن هذا بدعة والإيمان به واجب وإني لأظنك ضالا واشتهر هذا عن مالك في روايات كثيرة، وفي بعضها أنه قال لمن سأله: وأظنك رجل سوء أخرجوه عني وأنه قال: والسؤال عنه بدعة . وعن سفيان الثوري أنه سئل عنها: فقال: فعل الله فعلا في العرش سماه استواء . قد تأوله المتأخرون من الأشاعرة تأويلات، أحسنها: ما جنح إليه إمام الحرمين أن المراد بالاستواء الاستيلاء بقرينة تعديته بحرف على، وأنشدوا على وجه الاستئناس لذلك قول الأخطل:
      قد استوى بشر على العراق بغير سيف ودم مـهـراق

      وأراه بعيدا، لأن العرش ما هو إلا من مخلوقاته فلا وجه للإخبار باستيلائه عليه، مع احتمال أن يكون الأخطل قد انتزعه من هذه الآية، وقد قال أهل اللغة: إن معانيه تختلف باختلاف تعديته بعلى أو بإلى، قال البخاري، عن مجاهد: استوى علا على العرش، وعن أبي العالية: استوى إلى السماء ارتفع فسوى خلقهن.
      وأحسب أن استعارته تختلف بقرينة الحرف الذي يعدى به فعله فإن عدي بحرف (على) كما في هذه الآية ونظائرها فهو مستعار من معنى الاعتلاء، مستعمل في اعتلاء مجازي يدل على معنى التمكن، فيحتمل أنه أريد منه التمثيل، وهو تمثيل شأن تصرفه تعالى بتدبير العوالم، ولذلك نجده بهذا التركيب في الآيات السبع واقعا عقب ذكر خلق السماوات والأرض، فالمعنى حينئذ: خلقها ثم هو يدبر أمورها تدبير الملك أمور مملكته مستويا على عرشه. ومما يقرب هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: يقبض الله الأرض ويطوي السماوات يوم القيامة ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض . ولذلك أيضا عقب التركيب في مواقعه كلها بما فيه معنى التصرف كقوله هنا (يغشي الليل النهار) الخ، وقوله في سورة يونس: (يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه)، وقوله في سورة الرعد: (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات). وقوله في سورة ألم السجدة: (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض). وكمال هذا التمثيل يقتضي أن يكون كل جزء من أجزاء الهيئة الممثلة مشبها بجزء من أجزاء الهيئة الممثل بها، فيقتضي أن يكون ثمة موجود من أجزاء الهيئة الممثلة مشابها لعرش الملك في العظمة، وكونه مصدر التدبير والتصوف الإلهي يفيض على العوالم قوى تدبيرها، وقد دلت الآثار الصحيحة من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم على وجود هذا المخلوق العظيم المسمى بالعرش كما سنبينه.
      فأما إذا عدي فعل الاستواء بحرف اللام فهو مستعار من معنى القصد والتوجه إلى معنى تعلق الإرادة، كما في قوله (ثم استوى إلى السماء)، وقد نحا صاحب الكشاف نحوا من هذا المعنى، إلا أنه سلك به طريقة الكناية عن الملك: يقولون استوى فلان على العرش يريدون ملك.
      والعرش حقيقته الكرسي المرتفع الذي يجلس عليه الملك، قال تعالى (ولها عرش عظيم) وقال: (ورفع أبويه على العرش)، وهو في هذه الآية ونظائرها مستعمل جزءا من التشبيه المركب، ومن بداعة هذا التشبيه أن كان كل جزء من أجزاء الهيئة المشبهة مماثلا لجزء من أجزاء الهيئة المشبه بها، وذلك أكمل التمثيل في البلاغة العربية، كما قدمته آنفا. وإذ قد كان هذا التمثيل مقصودا لتقريب شأن من شؤون عظمة ملك الله بحال هيئة من الهيئات المتعارفة، ناسب أن يشتمل على ما هو شعار أعظم المدبرين للأمور المتعارفة أعني الملوك، وذلك شعار العرش الذي من حوله تصدر تصرفات الملك، فإن تدبير الله لمخلوقاته بأمر التكوين يكون صدوره بواسطة الملائكة، وقد بين القرآن عمل بعضهم مثل جبريل عليه السلام وملك الموت، وبينت السنة بعضها: فذكرت ملك الجبال، وملك الرياح، والملك الذي يباشر تكوين الجنين، ويكتب رزقه وأجله وعاقبته، وكذلك أثار القرآن إلى أن من الموجودات العلوية موجودا منوها به سماه العرش ذكره القرآن في آيات كثيرة. ولما ذكر خلق السماوات والأرض وذكر العرش ذكره بما يشعر بأنه موجود قبل هذا الخلق. وبينت السنة أن العرش أعظم من السماوات وما فيهن، من ذلك حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وحديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث طويل: فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمان ومنه تفجر أنهار الجنة وقد قيل إن العرش هو الكرسي وأنه المراد في قوله تعالى (وسع كرسيه السماوات والأرض) كما تقدم الكلام عليه في سورة البقرة.
      وقد دلت (ثم) في قوله (ثم استوى على العرش) على التراخي الرتبي أي وأعظم من خلق السماوات والأرض استواءه على العرش، تنبيها على أن خلق السماوات والأرض لم يحدث تغييرا في تصرفات الله بزيادة ولا نقصان، ولذلك ذكر الاستواء على العرش عقب ذكر خلق السماوات والأرض في آيات كثيرة، ولعل المقصد من ذلك إبطال ما يقوله اليهود: إن الله استراح في اليوم السابع فهو كالمقصد من قوله تعالى (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب).
      وجملة (يغشي الليل والنهار) في موضع الحال من اسم الجلالة، ذكر به شيء من عموم تدبيره تعالى وتصرفه المضمن في الاستواء على العرش، وتنبيه على المقصود من الاستواء، ولذلك جاء به في صورة الحال لا في صورة الخبر، كما ذكر بوجه العموم في آية سورة يونس وسورة الرعد بقوله: (يدبر الأمر) وخص هذا التصرف بالذكر لما يدل عليه من عظيم المقدرة، وما فيه من عبرة التغير ودليل الحدوث، ولكونه متكررا حدوثه في مشاهدة الناس كلهم.


      *قال الحافظ ابن كثير:
      وأما قوله تعالى {ثم استوى على العرش} فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله لا يشبهه شيء من خلقه و{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الاَيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى.

      وقال عند تفسير قوله تعالى(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ):
      أي وهو الذي خضعت له الرقاب, وذلت له الجبابرة, وعنت له الوجوه, وقهر كل شيء, ودانت له الخلائق, وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه, وعظمته وعلوه, وقدرته على الأشياء, واستكانت وتضاءلت بين يديه, وتحت قهره وحكمه
      اللهم أكفني بحلالك عن حرامك ، وأغنني بفضلك عمن سواك.

      تعليق

      • راشد بن عبدالله الشبلي
        طالب علم
        • Aug 2006
        • 130

        #4
        قال الإمام أبي اسحاق الشيرازي في كتاب الإشارة إلى مذهب أهل الحق:

        ثم يعتقدون: أن الله عز وجل مستوٍ على العرش؛ قال الله عز وجل : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) ، وأن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة.
        لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي، أبداً كان وأبداً يكون، لا يجوز عليه التغيير ولا التبديل، ولا الانتقال ولا التحريك. والعرش مخلوق لم يكن فكان؛ قال عز وجل : ( لا إله إلا هو رب العرش العظيم ) . فلو أن المراد بالاستواء " الاستقرار والملاصقة "، لأدى إلى تغير الرب وانتقاله من حال إلى حال، وهذا محال في حق القديم؛ فإن كل متغير لا بد له من مغيّر.
        ولأن العرش مخلوق محدود، فلو كان الرب عز وجل مستقراً عليه، لكان لا يخلو: إمّا أن يكون أكبر، أو أصغر منه، أو مثله:
        فلو كان أكبر منه: يكون متبعضاً بعضه خالٍ من العرش، والبعض صفة الأجسام المؤلّفة.
        وإن كان أصغر منه: فيكون العرش مع كونه مخلوقاً أكبر منه، وذلك نقص.
        وإن كان مثله: يكون محدوداً كالعرش، فإن كان العرش مربعاً فيكون الرب مربعاً، وإن كان مخمساً فيكون الرب مخمساً، وما هو محدود له شَبَه وله مثل ولا يكون قديماً.
        فدل: على أنه كان ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو الآن على ما عليه كان.
        فإن قيل: إذا قلتم إنه ليس على العرش، ولا في السماوات، ولا في جهة من الجهات، فأين هو؟!
        يُقال لهم: أول جهلكم: وصفكم له بـ" أين "؛ لأن " أين " استخبار عن المكان، والرب منزه عن ذلك.
        ثم يقال لهم: هل تثبتون خلق العرش والسماوات وجميع الجهات أم لا؟
        فإن قالوا: ليست مخلوقة فقد قالوا بقدم العالم، وينتقل الكلام معهم إلى القول بحدوث العالم.
        وإن وافقوا أهل الحق وقالوا بخلق جميع الجهات، يقال لهم: فهل كان الرب موجوداً قبل وجودها، وهو الذي أوجدها من العدم إلى الوجود أم لا؟
        فإن قيل: لم يكن موجوداً قبلها ولا أوجدها، فقد قالوا بحدث الرب عز وجل وهذا هو الكفر الصراح.
        وإن وافقوا أهل الحق في القول بوجوده قبل وجود المخلوقات ( من العالم العلوي والسفلي )، قيل لهم: فأخبرونا عما كان عليه قبل وجودها؟
        فكل دليل لهم قبل وجودها، هو دليل لنا بعد وجودها؛ فإن الرب بعد وجود جميع المخلوقات على ما كان عليه قبل وجودها، لا يجوز على الرب التغيُّر من حال إلى حال، ولا الانتقال من مكان إلى مكان؛ قال الله عز وجل في قصة إبراهيم عليه السلام : ( فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل ) أي: انتقل من جهة إلى جهة، وتغيّر من حال إلى حال(قال لا أحب الآفلين ) أي: لا أحب المنتقلين المتغيرين.
        فمن وصف القديم بما نفاه عنه إبراهيم فليس من المسلمين.
        فإن قيل: إذا لم يكن في جهة، فما فائدة رفع الأيدي إلى السماء في الدعاء، وعروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء؟
        يُقال لهم: لو جاز لقائل أن يقول إن الرب عز وجل في جهة فوق، لأجل رفع الأيدي إلى السماء في الدعاء!! لكان لغيره أن يقول: هو في جهة القبلة، لأجل استقبالنا إليها في الصلاة!! أو هو في الأرض، لأجل قربنا من الأرض في حال السجود؛ وقد رُوي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل إذا سجد }، قال عز وجل واسجد واقترب ) !!
        فلو كان في جهة فوق، لما وُصف العبد بالقرب منه إذا سجد؛ فكما أن الكعبة قبلة المصلي يستقبلها في الصلاة، ولا يقال إن الله عز وجل في جهة الكعبة ومستقبل الأرض بوجهه في السجود لا يقال: إن الله عز وجل في الأرض، فكذلك _ أيضاً _ جُعلت السماء قبلة الدعاء، لا أنّ الله عز وجل حالّ فيها.
        وكذلك أيضاً عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء، لا يدل على أن الله عزو جل في السماء، كما أن عروج موسى عليه الصلاة والسلام إلى الجبل، وسماعه لكلام الله تعالى عنده، لا يدل على أن الله عز وجل حالّ في الجبل؛ فعروج النبي صلى الله عليه وسلم : إنّما كان زيادة في درجته، وعلواً لمنزلته؛ ليتبين الفرق بينه وبين غيره في المنزلة وعلو الدرجة.
        فإن قيل: إذا لم يكن الاستواء بمعنى الاستقرار، فما معناه؟
        يقال لهم: قد اختلف الناس في ذلك:
        فمنهم من قال: إن الاستواء: بمعنى القهر والغلبة.
        واحتج على القائل بهذا فيقال: لو كان المراد القهر والغلبة، لأدى ذلك إلى أن يكون قبله مقهوراً مغلوباً، وذلك محال.
        ومنهم من قال: الاستواء: بمعنى الاستيلاء، " استوى على العرش "، أي: استولى عليه؛ يقال: استوى فلان على الملك، أي: استولى عليه.
        ومنهم من قال: المراد به: العلو؛ فقوله ( الرحمن على العرش استوى ) : يريد به: الرحمن علا، والعرش به استوى.
        وهذا أيضاً محال؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان " العرش " مرفوعاً لا مخفوظاً؛ فدل على أن " على " من حروف الصفات لا من العلو.
        ومنهم من قال: المراد به: القصد، كقوله ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) أي: قصد إلى السماء، و" على " بمعنى " إلى "؛ لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض.
        وتأويلهم في ذلك كثير، وكلامهم في ذلك يطول.
        والواجب من ذلك: أن ننفي عنه ما يؤدي إلى حدوث الرب عز وجل ، ثم لا نُطالب بما عدا ذلك.
        كما أنا نعتقد أن الله شيء موجود موصوف بصفاته، ثم ننفي عنه ما يؤدي إلى حدوثه ( من صفة الأجسام والجواهر والأعراض )، ثم لا نطالب بما عدا ذلك.
        فإن قيل: نحن نجهل هذه الآية وما أشبهها من الآيات ( كاليدين، والوجه )، ومن الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من النزول والصورة والقَدم )، ونحملها على الظاهر، ولا نتأولها؛ قال عز وجل: ( وما يعلم تأويله إلا الله ، والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربنا ) فنؤمن بها ولا نتأولها؟
        يقال لهم: هذه الآية دليل على القول بالتأويل لا على نفي التأويل؛ والدليل عليه: قوله عز وجل : ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) ، والإيمان: هو التصديق، والتصديق بالشيء لا يصح مع الجهل، فدل على أن قوله ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) أي: أنهم يعلمونه ويقولون آمنا، فيعلمونه مضمر كقوله عز وجل (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) أي: يقولون سلام عليكم.
        وإذا كانت الآيات والأخبار التي يقتضي العمل بها تُتأول ولا تُحمل على الظاهر _ كقوله عز وجل : ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها ) ؛ فظاهر الآية يقتضي: أن أهل الكبائر يخلدون في النار، ويؤدي ذلك إلى القول بمذهب القدرية، فلا بدّ من تأويل هذه الآية، فيكون المراد: ومن يقتل مؤمناً متعمداً لقتله، مستحلاً لدمه. وكذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: { بين الإسلام وبين الكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر }، يُتأول على مذهب أكثر الأئمة ولا يحمل على الظاهر _، فالآيات والأخبار التي ظاهرها التشبيه ولا يُقتضى العمل بها، بل يُقتضى العلم: أولى وأحرى لأن تُتأول؛ لأنا إذا قلنا: (على العرش استوى ) لا يقتضي العمل، ولا له تأويل، فظاهره: يقتضي حدوث الرب عز وجل وتشبيهه بالخلق، فما فائدة إعلامنا به؟
        وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام { خلق الله آدم على صورته }: إذا قلنا ليس لها تأويل ولا يقتضي العمل، فيكون هذياناً ولغواً، ونكون قد صدّقنا الكفار في قولهم: ( معلم مجنون ) , أي يأتي بشيء لا معنى له!!
        وغرضهم من نفي التأويل بقاؤهم على التشبيه.
        فإن لم يقولوا بالتأويل ونفوا التشبيه، لم يطالبوا بغيره، ولم يجب عليهم أكثر من ذلك؛ لأن الذي يحوجنا ويدعونا إلى التأويل: قول المخالف: لا أدري ولا أتأول، أنا أحمل هذا الاستواء على الظاهر، ولا أدري هل هو استقرار أو غير استقرار، وكذلك قوله عز وجل : ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ ) أحملها على الظاهر، ولا أدري هل هما جارحتان أو غير جارحتان!
        وهذا جهل منهم بالرب عز وجل ، وذلك يؤدي إلى كفره؛ لأن من جهل صفة من صفات معلومة لم يعرف المعلوم على ما هو به، وقوله " لا أدري ": شك في الله عز وجل ، وقلة علمه بما يجوز في حقه وما لا يجوز؛ لأن حمل هذه الآيات والأخبار على ظاهرها: إنما تصح بعد نفي التشبيه، وهو: أن يعتقد أن هذا الاستواء ليس بجلوس ولا استقرار ولا ملاصقة، ثم - بعد ذلك - هو مخيَّر: إن شاء تأَوَّل، وإن شاء حمله على الظاهر.
        اللهم أكفني بحلالك عن حرامك ، وأغنني بفضلك عمن سواك.

        تعليق

        • راشد بن عبدالله الشبلي
          طالب علم
          • Aug 2006
          • 130

          #5
          *قال حجة الإسلام الغزالي في الإقتصاد في الإعتقاد:

          الدعوى الرابعة:
          ندعي أن صانع العالم ليس بجوهر متحيز لأنه قد ثبت قدمه، ولو كان متحيزاً لكان لا يخلو عن الحركة في حيزه أو السكون فيه، وما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث كما سبق.
          الدعوى السابعة:
          ندعي أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست، ومن عرف معنى لفظ الجهة ومعنى لفظ الاختصاص فهم قطعاً استحالة الجهات على غير الجواهر والأعراض، إذ الحيز معقول وهو الذي يختص الجوهر به، ولكن الحيز إنما يصير جهة إذا أضيف إلى شيء آخر متحيز.
          فالجهات ست فوق وأسفل وقدام وخلف ويمين وشمال. فمعنى كون الشيء فوقنا هو أنه في حيز يلي جانب الرأس. ومعنى كونه تحتاً أنه في حيز يلي جانب الرجل. وكذا سائر الجهات؛ فكل ما قيل قيه أنه في جهة فقد قيل أنه في حيز مع زيادة إضافة.
          وقولنا الشيء في حيز، يعقل بوجهين أحدهما: أنه يختص به بحيث يمنع مثله من أن يوجد بحيث هو، وهذا هو الجوهر، والآخر أن يكون حالاً في الجوهر فإنه قد يقال إنه بجهة، ولكن بطريق التبعية للجوهر، فليس كون العرض في جهة ككون الجوهر، بل الجهة للجوهر أولى، وللعرض بطريق التبعية للجوهر، فهذان وجهان معقولان في الاختصاص بالجهة. فإن أراد الخصم أحدهما دل على بطلانه ما دل على بطلان كونه جوهراً أو عرضاً.
          وإن أراد أمراً غير هذا فهو غير مفهوم فيكون الحق في إطلاق لفظه لم ينفك عن معنى غير مفهوم للغة والشرع لا العقل، فإن قال الخصم إنما أُريد بكونه بجهة معنى سوى هذا فلم ننكره، ونقول له: أما لفظك فإنما ننكره من حيث أنه يوهم المفهوم الظاهر منه وهو ما يعقل الجوهر والعرض وذلك كذب على الله تعالى. وأما مرادك منه فلست أنكره فإن ما لا أفهمه كيف أنكره! وعساك تريد به علمه وقدرته وأنا لا أنكر كونه بجهة على معنى أنه عالم وقادر، فإنك إذا فتحت هذا الباب، وهو أن تريد باللفظ غير ما وضع اللفظ له ويدل عليه في التفاهم لم يكن لما تريد به حصر فلا أنكره ما لم تعرب عن مرادك بما أفهمه من أمر يدل على الحدوث، فإن كان ما يدل على الحدوث فهو في ذاته محال ويدل أيضاً على بطلان القول بالجهة، لأن ذلك يطرق الجواز إليه ويحوجه إلى مخصص يخصصه بأحد وجوه الجواز وذلك من وجهين، أحدهما: أن الجهة التي تختص به لا تختص به لذاته، فإن سائر الجهات متساوية بالاضافة إلى المقابل للجهة، فاختصاصه ببعض الجهات المعينة ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى مخصص يخصصه، ويكون الاختصاص فيه معنى زائداً على ذاته وما يتطرق الجواز إليه استحال قدمه بل القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات. فإن قيل اختص بجهة فوق لأنه أشرف الجهات، قلنا أي إنما صارت الجهة جهة فوق بخلقه العالم في هذا الحيز الذي خلقه فيه. فقيل خلق العالم لم يكن فوق ولا تحت أصلاً. إذ هما مشتقان من الرأس والرجل ولم يكن إذ ذاك حيوان فتسمى الجهة التي تلي رأسه فوق والمقابل له تحت.
          والوجه الثاني أنه لو كان بجهة لكان محاذياً لجسم العالم، وكل محاذ فإما أصغر منه وإما أكبر وإما مساو، وكل ذلك يوجب التقدير بمقدار، وذلك المقدار يجوز في العقل أن يفرض أصغر منه أو أكبر فيحتاج إلى مقدار ومخصص.
          فإن قيل: لو كان الاختصاص بالجهة يوجب التقدير لكان العرض مقدراً، قلنا: العرض ليس في جهة بنفسه، بل بتبعيته للجوهر فلا جرم هو أيضاً مقدر بالتبعية. فإنا نعلم أنه لا توجد عشرة أعراض إلا في عشرة جواهر، ولا يتصور أن يكون في عشرين، فتقدير الأعراض عشرة لازم بطريق التبعية لتقدير الجواهر، كما لزم كونه بجهة بطريق التبعية.
          فإن قيل: فإن لم يكن مخصوصاً بجهة فوق، فما بال الوجوه والأيدي ترفع إلى السماء في الأدعية شرعاً وطبعاً، وما باله صلى الله عليه وسلم قال للجارية التي قصد إعتاقها فأراد أن يستيقن إيمانها أين الله فأشارت إلى السماء فقال إنها مؤمنة ؟ فالجواب عن الأول أن هذا يضاهي قول القائل: إن لم يكن الله تعالى في الكعبة وهو بيته فما بالنا نحجه ونزوره، وما بالنا نستقبله في الصلاة ؟ وإن لم يكن في الأرض، فما بالنا نتذلل بوضع وجوهنا على الأرض في السجود ؟ وهذا هذيان. بل يقال: قصد الشرع من تعبد الخلق بالكعبة في الصلاة ملازمة الثبوت في جهة واحدة، فإن ذلك لا محالة أقرب إلى الخشوع وحضور القلب من التردد على الجهات، ثم لما كانت الجهات متساوية من حيث إمكان الاستقبال خصص الله بقعة مخصوصة بالتشريف والتعظيم وشرفها بالإضافة إلى نفسه واستمال القلوب إليها بتشريفه ليثيب على استقبالها، فكذلك السماء قبلة الدعاء، كما أن البيت قبلة الصلاة، والمعبود بالصلاة والمقصود بالدعاء منزه عن الحلول في البيت والسماء ثم في الاشارة بالدعاء إلى السماء سر لطيف يعز من يتنبه لأمثاله، وهو أن نجاة العبد وفوزه في الآخرة، بأن يتواضع لله تعالى ويعتقد التعظيم لربه، والتواضع والتعظيم عمل القلب، وآلته العقل. والجوارح إنما استعملت لتطهير القلب وتزكيته، فإن القلب خلق خلقه يتأثر بالمواظبة على أعمال الجوارح، كما خلقت الجوارح متأثرة لمعتقدات القلوب، ولما كان المقصود أن يتواضع في نفسه بعقله وقلبه، بأن يعرف قدره ليعرف بخسة رتبته في الوجود لجلال الله تعالى وعلوه، وكان من أعظم الأدلة على خسته الموجبة لتواضعه أنه مخلوق من تراب، كلف أن يضع على التراب، الذي هو أذل الأشياء، وجهه الذي هو أعز الأعضاء، ليستشعر قلبه التواضع بفعل الجبهة في مماستها الأرض، فيكون البدن متواضعاً في جسمه وشخصه وصورته بالوجه الممكن فيه وهو معانقة التراب الوضيع الخسيس ويكون العقل متواضعاً لربه بما يليق به، وهو معرفة الضعة وسقوط الرتبة وخسة المنزلة عند الالتفات إلى ما خلق منه.
          فكذلك التعظيم لله تعالى وضيعة على القلب فيها نجاته، وذلك أيضاً ينبغي أن تشترك فيه الجوارح، وبالقدر الذي يمكنه أن تحمل الجوارح، وتعظيم القلب بالإشارة إلى علو الرتبة على طريق المعرفة والاعتقاد وتعظيم الجوارح بالإشارة إلى جهة العلو الذي هو أعلى الجهات وأرفعها في الاعتقادات؛ فإن غاية تعظيم الجارحة استعمالها في الجهات، حتى أن من المعتاد المفهوم في المحاورات أن يفصح الإنسان عن علو رتبة غيره وعظيم ولايته فيقول: أمره في السماء السابعة، وهو إنما ينبه على علو الرتبة ولكن يستعير له علو المكان، وقد يشير برأسه إلى السماء في تعظيم من يريد تعظيم أمره، أي أمره في السماء، أي في العلو وتكون السماء عبارة عن العلو، فانظر كيف تلطف الشرع بقلوب الخلق وجوارحهم في سياقهم إلى تعظيم الله وكيف جهل من قلت بصيرته ولم يلتفت إلا إلى ظواهر الجوارح والأجسام وغفل عن أسرار القلوب واستغنائها في التعظيم عن تقدير الجهات، وظن أن الأصل ما يشار إليه بالجوارح ولم يعرف أن المظنة الأولى لتعظيم القلب وأن تعظيمه باعتقاد علو الرتبة لا باعتقاد علو المكان، وأن الجوارح في ذلك خدم وأتباع يخدمون القلب على الموافقة في التعظيم بقدر الممكن فيها، ولا يمكن في الجوارح إلا الإشارة إلى الجهات، فهذا هو السر في رفع الوجوه إلى السماء عند قصد التعظيم، ويضاف إليه عند الدعاء أمر آخر وهو أن الدعاء لا ينفك عن سؤال نعمة من نعم الله تعالى، وخزائن نعمه السموات، وخزان أرزاقه الملائكة ومقرهم ملكوت السموات وهم الموكلون بالأرزاق. وقد قال الله تعالى: "وفي السماء رزقكم وما توعدون". والطبع يتقاضى الإقبال بالوجه على الخزانة التي هي مقر الرزق المطلوب، فطلاب الأرزاق من الملوك إذا أخبروا بتفرقة الأرزاق على باب الخزانة مالت وجوههم وقلوبهم إلى جهة الخزانة، وإن لم يعتقدوا أن الملك في الخزانة فهذا هو محرك وجوه أرباب الدين إلى جهة السماء طبعاً وشرعاً.
          فأما العوام فقد يعتقدون أن معبودهم في السماء، فيكون ذلك أحد أسباب إشاراتهم، تعالى رب الأرباب عما اعتقد الزائغون علواً كبير.
          وأما حكمه صلوات الله عليه بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء، فقد انكشف به أيضاً إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو، فقد كانت خرساء كما حكي، وقد كان يظن بها أنها من عبدة الأوثان، ومن يعتقد اله في بيت الأصنام فاستنطقت عن معتقدها فعرفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقدوه أولئك.
          فإن قيل فنفي الجهة يؤدي إلى المحال، وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلاً به، ولا منفصلاً عنه، وذلك محال، قلنا: مسلم أن كل موجود يقبل الاتصال فوجوده لا متصلاً ولا منفصلاً محال، وإن كان موجود يقبل الاختصاص بالجهة فوجوده مع خلو الجهات الست عنه محال، فإما موجود لا يقبل الاتصال، ولا الاختصاص بالجهة فخلو عن طرفي النقيض غير محال، وهو كقول القائل يستحيل موجود لا يكون عاجزاً ولا قادراً ولا عالماً ولا جاهلاً فإن أحد المتضادين لا يخلو الشيء عنه، فيقال له إن كان ذلك الشيء قابلاً للمتضادين فيستحيل خلوه عنهما وأما الجماد الذي لا يقبل واحداً منهما لأنه فقد شرطهما وهو الحياة، فخلوه عنهما ليس بمحال. فكذلك شرط الاتصال والاختصاص بالجهات التحيز والقيام بالمتحيز. فإذا فقد هذا لم يستحل الخلق عن متضادته فرجع النظر إذاً إلى أن موجوداً ليس بمتحيز، ولا هو في متحيز، بل هو فاقد شرط الاتصال، والاختصاص هل هو محال أم لا ؟ فإن زعم الخصم أن ذلك محال وجوده فقد دللنا عليه بأنه مهما بان، أن كل متحيز حادث وأن كل حادث يفتقر إلى فاعل ليس بحادث فقد لزم بالضرورة من هاتين المقدمتين ثبوت موجود ليس بمتحيز. أما الأصلان فقد أتبتناهما وأما الدعوى اللازمة منهما فلا سبيل إلى جحدها مع الإقرار بالأصلين.
          فإن قال الخصم إن مثل هذا الموجود الذي ساق دليلكم إلى إثباته غير مفهوم، فيقال له ما الذي أردت بقولك غير مفهوم فإن أردت به أنه غير متخيل ولا متصور ولا داخل في الوهم فقد صدقت، فإنه لا يدخل في الوهم والتصور والخيال إلا جسم له لون وقدر، فالمنفك عن اللون والقدر لا يتصوره الخيال، فإن الخيال قد أنس بالمبصرات فلا يتوهم الشيء إلا على وفق مرآه ولا يستطيع أن يتوهم ما لا يوافقه.
          وإن أراد الخصم أنه ليس بمعقول، أي ليس بمعلوم بدليل العقل فهو محاذ إذا قدمنا الدليل على ثبوته ولا معنى للمعقول إلا ما اضطر العقل إلى الأذعان للتصديق به بموجب الدليل الذي لا يمكن مخالفته. وقد تحقق هذا، فإن قال الخصم فما لا يتصور في الخيال لا وجود له، فلنحكم بأن الخيال لا وجود له في نفسه، فإن الخيال نفسه لا يدخل في الخيال والرؤية لا تدخل في الخيال وكذلك العلم والقدرة، وكذلك الصوت والرائحة ولو كلف الوهم أن يتحقق ذاتاً للصوت لقدر له لوناً ومقداراً وتصوره كذلك. وهكذا جميع أحوال النفس، من الخجل والوجل والفسق والغضب والفرح والحزن والعجب، فمن يدرك بالضرورة هذه الأحوال من نفسه ويسوم خياله أن يتحقق ذات هذه الأحوال فنجده يقصر عنه إلا بتقدير خطأ ثم ينكر بعد ذلك وجود موجود لا يدخل في خياله فهذا سبيل كشف الغطاء عن المسألة. وقد جاوزنا حد الاختصار ولكن المعتقدات المختصرة في هذا الفن أراها مشتملة على الاطناب في الواضحات والشروع في الزيادات الخارجة عن المهمات مع التساهل في مضايق الاشكالات فرأيت نقل الاطناب من مكان الوضوح، إلى مواقع الغموض أهم وأولى.
          الدعوى الثامنة:
          ندعي أن الله تعالى منزه عن أن يوصف بالاستقرار على العرش، فإن كل متمكن على جسم ومستقر عليه مقدر لا محالة فإنه أما أن يكون أكبر منه أو أصغر أو مساوياً وكل ذلك لا يخلو عن التقدير، وأنه لو جاز أن يماسه جسم من هذه الجهة لجاز أن يماسه من سائر الجهات فيصير محاطاً به والخصم لا يعتقد ذلك بحال وهو لازم على مذهبه بالضرورة، وعلى الجملة يستقر على الجسم إلا جسم ولا يحل فيه إلا عرض وقد بان أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض، فلا يحتاج إلى إقران هذه الدعوى بإقامة البرهان. فإن قيل فما معنى قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" ؟ وما معنى قوله عليه السلام: "ينزل اللّه كل ليلة إلى السماء الدنيا" قلنا الكلام على الظواهر الواردة في هذا الباب طويل ولكن نذكر منهجاً في هذين الظاهرين يرشد إلى ما عداه وهو أنا نقول: الناس في هذا فريقان عوام وعلماء، والذي نراه اللائق بعوام الخلق أن لا يخاض بهم في هذه التأويلات بل ننزع عن عقائدهم كل ما يوجب التشبيه ويدل على الحدوث ونحقق عندهم أنه موجود ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وإذا سألوا عن معاني هذه الآيات زجروا عنها، وقيل ليس هذا بعشكم فادرجوا فلكل علم رجال. ويجاب بما أجاب به مالك بن أنس رضي الله عنه، بعض السلف حيث سئل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة، والايمان به واجب، وهذا لأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات ولا إحاطتهم باللغات ولا تتسع لفهم توسيعات العرب في الاستعارات.
          وأما العلماء فاللائق بهم تعريف ذلك وتفهمه، ولست أقول أن ذلك فرض عين إذ لم يرد به تكليف بل التكليف التنزيه عن كل ما تشبهه بغيره. فأما معاني القرآن، فلم يكلف الأعيان فهم جميعها أصلاً ولكن لسنا نرتضي قول من يقول، أن ذلك من المتشابهات كحروف أوائل السور، فإن حروف أوائل السور ليست موضوعة باصطلاح سابق للعرب للدلالة على المعاني، ومن نطق بحروف وهن كلمات لم يصطلح عليها، فواجب أن يكون معناه مجهولاً إلا أن يعرف ما أردته، فإذا ذكره صارت تلك الحروف كاللغة المخترعة من جهته.
          وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل اللّه تعالى إلى السماء الدنيا"، فلفظ مفهوم ذكر للتفهم وعلم أنه يسبق إلى الإفهام منه المعنى الذي وضع له أو المعنى الذي يستعار، فكيف يقال إنه متشابه بل هو مخيل معنى خطأ عند الجاهل ومفهم معنى صحيحاً عند العالم، وهو كقوله تعالى: "وهو معكم أينما كنتم". فإنه يخيل عند الجاهل اجتماعاً مناقصاً لكونه على العرش، وعند العالم يفهم أنه مع الكل بالاحاطة والعلم، وكقوله صلى الله عليه وسلم: "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن"، فإنه عند الجاهل يخيل عضوين مركبين من اللحم والعظم والعصب مشتملين على الأنامل والأظفار، نابتين من الكف، وعند العالم يدل على المعنى المستعار له دون الموضوع له وهو ما كان الاصبع له، وكان سر الاصبع وروحه وحقيقته وهو القدرة على التقليب كما يشاء، كما دلت المعية عليه في قوله وهو معكم على ما تراد المعية له وهو العلم والاحاطة ولكن من شائع عبارات العرب العبارة بالسبب عن المسبب، واستعارة السبب للمستعار منه وكقوله تعالى: "من تقرَّب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ومن أتاني بمشي أتيته بهرولة" فإن الهرولة عند الجاهل تدل على نقل الأقدام وشدة العدو وكذا الاتيان يدل على القرب في المسافة.؟ وعند العاقل يدل على المعنى المطلوب من قرب المسافة بين الناس وهو قرب الكرامة والانعام وإن معناه أن رحمتي ونعمتي أشد انصباباً إلى عبادي من طاعتهم إلي وهو كما قال: "لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم لأشد شوقاً" تعالى الله عما يفهم من معنى لفظ الشوق بالوضع الذي هو نوع ألم وحاجة إلى استراحة، وهو عين النقص ولكن الشوق سبب لقبول المشتاق إليه والإقبال عليه وإفاضة النعمة لديه فعبر به عن المسبب، وكما عبر بالغضب والرضى عن إرادة الثواب والعقاب الذين هما ثمرتا الغضب والرضى ومسبباه في العادة. وكذا لما قال في الحجر الأسود إنه يمين الله في الأرض يظن الجاهل انه أراد به اليمين المقابل للشمال التي هي عضو مركب من لحم ودم وعظم منقسم بخمسة أصابع، ثم إنه إن فتح بصيرته علم أنه كان على العرش ولا يكون يمينه في الكعبة ثم لا يكون حجراً أسود فيدرك بأدنى مسكة أنه استعير للمصافحة، فإنه يؤمر باستلام الحجر وتقبيله كما يؤمر بتقبيل يمين الملك، فاستعير اللفظ لذلك. والكامل العقل البصير لا تعظم عنده هذه الأمور، بل يفهم معانيها على البديهة، فلنرجع إلى معنى الاستواء والنزول؛ أما الاستواء فهو نسبه للعرش لا محالة، ولا يمكن أن يكون للعرش إليه نسبة إلا بكونه معلوماً، أو مراداً، أو مقدوراً عليه، أو محلاً مثل محل العرض، أو مكاناً مثل مستقر الجسم. ولكن بعض هذه النسبة تستحيل عقلاً وبعضها لا يصلح اللفظ للاستعارة به له، فإن كان في جملة هذه النسبة، مع أنه لا نسبة سواها، نسبة لا يخيلها العقل ولا ينبو عنها اللفظ، فليعلم أنها المراد إما كونه مكاناً أو محلاً، كما كان للجوهر والعرض، إذاً اللفظ يصلح له ولكن العقل يخيله كما سبق، وإما كونه معلوماً ومراداً فالعقل لا يخيله، ولكن اللفظ لا يصلح له، وإما كونه مقدوراً عليه وواقعاً في قبضة القدرة ومسخراً له مع أنه أعظم المقدورات ويصلح الاستيلاء عليه لأن يمتدح به وينبه به على غيره الذي هو دونه في العظم، فهذا مما لا يخيله العقل ويصلح له اللفظ، فأخلق بأن يكون هو المراد قطعاً، أما صلاح اللفظ له فظاهر عند الخبير بلسان العرب، وإنما ينبو عن فهم مثل هذا أفهام المتطفلين على لغة العرب الناظرين إليها من بعد الملتفتين إليها التفات العرب إلى لسان الترك حيث لم يتعلموا منها إلا أوائلها، فمن المستحسن في اللغة أن يقال استوى الأمير على مملكته، حتى قال الشاعر:

          قد استوى بشير على العراق من غير سيف ودم مهراق

          ولذلك قال بعض السلف رضي الله عنهم: يفهم من قوله تعالى "الرحمن على العرش استوى" ما فهم من قوله تعالى "ثم استوى إلى السماء وهي دخان". وأما قوله صلى الله عليه وسلم "ينزل اللّه تعالى إلى السماء الدنيا" فللتأويل فيه مجال من وجهين:
          أحدهما، في اضافة النزول إليه وأنه مجاز، وبالحقيقة هو مضاف إلى ملك من الملائكة كما قال تعالى "واسأل القرية" والمسؤول بالحقيقة أهل القرية. وهذا أيضاً من المتداول في الألسنة، أعني إضافة أحوال التابع إلى المتبوع، فيقال: ترك الملك على باب البلد، ويراد عسكره، فإن المخبر بنزول الملك على باب البلد قد يقال له هلا خرجت لزيارته فيقول لا، لأنه عرج في طريقه على الصيد ولم ينزل بعد، فلا يقال له فلم نزل الملك والآن تقول لم ينزل بعد ؟ فيكون المفهوم من نزول الملك نزول العسكر، وهذا جلي واضح.
          والثاني، أن لفظ النزول قد يستعمل للتلطف والتواضع في حق الخلق كما يستعمل الارتفاع للتكبر، يقال فلان رفع رأسه إلى عنان السماء، أي تكبر، ويقال ارتفع إلى أعلى عليين، أي تعظم؛ وإن علا أمره يقال: أمره في السماء السابعة؛ وفي معارضته إذا سقطت رتبته يقال: قد هوى به إلى أسفل السافلين؛ وإذا تواضع وتلطف له تطامن إلى الأرض ونزل إلى أدنى الدرجات. فإذا فهم هذا وعلم أن النزول عن الرتبة بتركها أو سقوطها وفي النزول عن الرتبة بطريق التلطف وترك العقل الذي يقتضيه علو الرتبة وكمال الاستغناء، فبالنظر إلى هذه المعاني الثلاثة التي يتردد اللفظ بينها ما الذي يجوزه العقل ؟ أما النزول بطريق الانتقال فقد أحاله العقل كما سبق، فإن ذلك لا يمكن إلا في متحيز، وأما سقوط الرتبة فهو محال لأنه سبحانه قديم بصفاته وجلاله ولا يمكن زوال علوه، وأما النزول بمعنى اللطف والرحمة وترك الفعل اللائق بالاستغناء وعدم المبالاة فهو ممكن، فيتعين التنزيل عليه، وقيل إنه لما نزل قوله تعالى: "رفيع الدرجات ذو العرش" استشعر الصحابة رضوان الله عليهم من مهابة عظيمة واستبعدوا الانبساط في السؤال والدعاء مع ذلك الجلال، فأخبروا أن الله سبحانه وتعالى مع عظمة جلاله وعلو شأنه متلطف بعباده رحيم بهم مستجيب لهم مع الاستغناء إذا دعوه، وكانت استجابة الدعوة نزولاً بالاضافة إلى ما يقتضيه ذلك الجلال من الاستغناء وعدم المبالاة، فعبر عن ذلك بالنزول تشجيعاً لقلوب العباد على المباسطة بالأدعية بل على الركوع والسجود، فإن من يستشعر بقدر طاقته مبادئ جلال الله تعالى استبعد سجوده وركوعه، فإن تقرب العباد كلهم بالاضافة إلى جلال الله سبحانه أحس من تحريك العبد أصبعاً من أصابعه على قصد التقرب إلى ملك من ملوك الأرض، ولو عظم به ملكاً من الملوك لاستحق به التوبيخ، بل من عادة الملوك زجر الأرزال عن الخدمة والسجود بين أيديهم والتقبيل لعتبة دورهم استحقاراً لهم عن الاستخدام وتعاظماً عن استخدام غير الأمراء والأكابر، كما جرت به عادة بعض الخلفاء. فلولا النزول عن مقتضى الجلال باللطف والرحمة والاستجابة لاقتضى ذلك الجلال أن يبهت القلوب عن الفكر، ويخرس الألسنة عن الذكر، ويخمد الجوارح عن الحركة، فمن لاحظ ذلك الجلال وهذا اللطف استبان له على القطع أن عبارة النزول مطابقة للجلال ومطلقة في موضوعها لا على ما فهمه الجهال؛ فإن قيل فلم خصص السماء الدنيا ؟ قلنا: هو عبارة عن الدرجة الأخيرة التي لا درجة بعدها، كما يقال سقط إلى الثرى وارتفع إلى الثريا، على تقدير أن الثريا أعلى الكواكب والثرى أسفل المواضع. فإن قيل: فلم خصص بالليالي، فقال ينزل كل ليلة ؟ قلنا: لأن الخلوات مظنة الدعوات والليالي أعدت لذلك، حيث يسكن الخلق وينمحي عن القلوب ذكرهم، ويصفوا لذكر الله تعالى قلب الداعي، فمثل هذا الدعاء هو المرجو الاستجابة لا ما يصدر عن غفلة القلوب عند تزاحم الاشتغال.
          اللهم أكفني بحلالك عن حرامك ، وأغنني بفضلك عمن سواك.

          تعليق

          • راشد بن عبدالله الشبلي
            طالب علم
            • Aug 2006
            • 130

            #6
            *قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام:

            "ليس بجسم مصوَر ولا جوهر محدود ولا مقدَر ولا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات، كان قبل أن كوَن المكان ودبّر الزمان وهو الآن على ما عليه كان، خلق الخلق وأعمالهم وقدّر أرزاقهم وآجالهم فكل نعمة منه فهي فضل وكل نقمة منه فهي عدل، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، استوى على العرش المجيد على الوجه الذي قاله بالمعنى الذي أراده استواء منزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، فتعالى الله الكبير المتعال عما يقوله أهل الغي والضلال، بل لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته، أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً". المُلحة في اعتقاد أهل الحق.

            *قال الإمام أبي المحاسن محمد القاوقجي في تهذيب كتاب الاعتماد في الاعتقاد:

            فإذا قال لك: أين اللهُ؟ فقل: مع كلِ أحدٍ بعلمِهِ لا بذاتهِ، وفوقَ كل أحدٍ بقدرتهِ وظاهرٌ بكلِ شىءٍ بآثارِ صفاتِهِ، وباطن بحقيقةِ ذاتهِ أي لا يُمكنُ تصويرُهُ في النفس منزهٌ عن الجهةِ والجِسمية، فلا يقالُ: له يمينٌ ولا شمالٌ ولا خلفٌ ولا أمامٌ، ولا فوقَ العرش ولا تحتَهُ، ولا عن يمينِهِ ولا عن شِمالِهِ، ولا داخلٌ في العالمِ ولا خارجٌ عنه.
            ولا يقالُ: لا يعلمُ مكانهُ إلا هو.
            ومن قال: لا أعرفُ اللهَ في السماءِ هو أم في الأرضِ كفرَ لأنه جعل أحدَهُما له مكانًا، فإذا قال لك: ما دليلُك على ذلك؟ فقل: لأنه لو كان له جهة أو هو في جهةٍ لكان متحيزًا، وكلُ متحيزٍ حادثٌ والحدوثُ عليه محال.

            *قال الشيخ العلامة نجم الدين النسفي في العقائد النسفية:
            ليس بعرض ولا جسم ولا جوهر ولا متصور ولا محدود ولا معدود ولا متبعض ولا متجزيء ولا متركب ولا متناه ولا يوصف بالماهية ولا بالكيفية ولا يتمكن في مكان ولا يجري عليه زمان.

            *قال الإمام العلامة الحجة المتكلم الأصولي سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني في شرح العقائد النسفية:
            وأما الدليل على عدم التحيز فهو أنه لو تحيز فإما في الأزل فيلزم قدم الحيز، أو لا فيكون محلاً للحوادث.
            وأيضاً إما أن يساوي الحيز أو ينقص عنه، فيكون متناهياً، أو يزيد عليه فيكون متجزئاً.
            وإذا لم يكن في مكان لم يكن في جهة لا علو ولا سفل ولا غيرهما، لأنهما إما حدود وأطراف للأمكنة أو نفس الأمكنة باعتبار عروض الإضافة إلى شيء.

            *قال الإمام الكبير أبي المظفر الإسفرايني في التبصير في الدين:

            وأن تعلم أن خالق العالم لا يجوز عليه الحد والنهاية لأن الشيء لا يكون مخصوصا بحد إلا أن يخصه مخصص بذلك الحد ويقرره على تلك النهاية بجواز غيره من الحدود عليه والصانع لا يكون مصنوعا ولا محدودا ولا مخصصا وأصله في كتاب الله تعالى قوله تعالى ما
            يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم الآية مع قوله فأتى الله بنيانهم من القواعد ومع قوله:
            الرحمن على العرش استوى ولو كان مخصوصا بحد ونهاية وجملة لم يجز أن يكون منسوبا إلى أماكن مختلفة متضادة وكان لا يجوز أن يكون مع كل واحد وأن يكون على العرش وأن يأتي ببنيان قوم سلط عليهم الهلاك فجاء من الجمع بين هذه الآيات تحقيق القول بنفي الحد والنهاية واستحالة كونه مخصوصا بجهة من الجهات وفي الجمع بين هذه الآيات دليل على أن معنى قوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم إنما هو بمعنى العلم بأسرارهم ومعنى قوله فأتى الله بنيانهم من القواعد أي خلق في بنيان القوم معنى من زلزلة ورجف يكون ذلك سبب خرابه كما قال فخر عليهم السقف من فوقهم وأن معنى قوله الرحمن على العرش استوى معناه قصد إلى خلق العرش كما قال ثم استوى إلى السماء وهي دخان ويكون معنى على في هذا الموضع بمعنى إلى أو يكون العرش في هذه الآية بمنزلة المملكة كما يقال ثل عرش فلان إذا زال ملكه وكما قال الشاعر


            قد نال عرشا لم ينله نائل ... جن ولا أنس ولا ديار
            وقد روى في الخبر عن النبي ما تحقق به المعنى الذي بينا على هذه الظواهر وذلك أنه قال كان ملك يجيء من السماء وآخر من الأرض السابعة فقال كل واحد منهما لصاحبه من أين تجيء قال من عند الله ولو كان له حد ونهاية استحال كونه في جهتين مختلفتين فتقرر
            به استحالة الحد والنهاية وأن جملة الملكوت تحت سلطانه وقدرته وعلمه ومعرفته.


            *فال الإمام جمال الدين أحمد الغزنوي في أصول الدين:

            صانع العالم ليس في جهة ولا تحويه الجهات الست.لأنها حادثة وهو الذي خلقها فلو صار مختصا بجهة بعدما خلقها لكان يتخصص بمخصص وذلك باطل.

            صانع العالم ليس فوق العالم ولا في جهة خارجه عنه لأنه لو كان كذلك لكان محاذيا للعالم وكل محاذ بجسم إما أن يكون مثله أو أكبر أو اصغر وكان ذلك تقديرا يحتاج إلى مقدر تعالى عن ذلك.

            صانع العالم لا يوصف بكونه متمكنا في مكان لأنه كان في الأزل غير متمكن فلو تمكن بعدما خلق المكان لتغير عما كان تعالي الله عن ذلك.
            *قال الشهرستاني في نهاية الإقدام في علم الكلام:

            فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " فليس الباري سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ولا قابل للأعراض ولا محل للحوادث.
            اللهم أكفني بحلالك عن حرامك ، وأغنني بفضلك عمن سواك.

            تعليق

            يعمل...