من
كتاب "الأنوار السنية في جواب الأسئلة اليمنية"
للشيخ نور الدين علي بن عبد الله بن أحمد السمهودي المصري (844ـ911
هـ)
وهو مؤرخ المدينة المنوَّرة ومفتيها، ولد في "سمهود" بصعيد مصر
ونشأ في القاهرة، واستوطن المدينة المنورة سنة 873هـ، وتوفي بها. من كتبه
"وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى"، واختصاره: "خلاصه الوفا"، و"جواهر
العقدين" في فضل العلم والنسب، و" الفتاوى، و" الغماز على اللماز" في
الحديث، و" در السموط" رسالة في شروط الوضوء، و "الأنوار السنية في أجوبة
الاسئلة اليمنية" الذي منه الجواب الذي بين يديك، و"جواهر العقدين في فضل
الشرفين"، و"الفريد في أحكام التقليد".
بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال الرابع:
قول الإمام الغزالي في وصفه الله تعالى أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا
مُتَّصِلٌ به ولا مُنفَصِل عنه"، قد يُتَخيَّلُ فيه الغلوُّ والتعطيل، فهل
ما قاله حقيقة التنزيه الذي يجب الجزم باعتقاده أم لا؟
وإذا اعتقد الإنسان أنّ هذا العالَم ـ الذي هو من العرش إلى تخوم الثرى ـ
ليس فيه من ذات الله تعالى شيئًا، وأنّ الله تعالى فوق ذلك كله ومنفصل عنه
وخارج عنه بمعنى المباينة كما صرّحوا في العقائد بأنه بائن من خلقه مع
التنزيه عن التشبيه والتحديد والحيز والتكييف والعجز عن الإحاطة، فهل يكون
مصيبًا في ذلك غير غارٍّ أم لا؟
وقد يُتلمَّحُ الغلوُّ أيضًا في نفي الحرف والصوت من كلام الله تعالى،
ومعنى جهة فوق؛ لما في ذلك من مخالفة ظاهر الآيات والأخبار وعُرف العرب
الذين نزل القرآن بلغتهم، فإذا اعتقد الإنسان أنّ القرآن كلام الله تعالى
وصفته، وتوقف في نفي الحرف والصوت وإثباتهما للعجز عن بيان الكيفية، وقيّد
الدليل في ذلك، مع تجويزه أن يكون بحرف وصوت أو بدونهما، واعتقد أن الله
تعالى فوق العرش بذاته مع التنزيه عن مشابهة الأجسام والحلول والاستقرار
والعجز عن بيان الكيفية، فهل يكون مصيبًا في ذلك أو مخطئًا؟
والمفهوم من كلام أئمتنا الأشعرية أنهم لا يجوّزون اعتقاد أنّ الله تعالى
فوق العرش بذاته لتأويلهم العلوَّ والفوقية بعلوِّ رفعةٍ ورتبةٍ، وذلك
يطابق كلام الغزالي المتقدم أنه لا داخل العالم ولا خارجه.
لكن قد فرّع البعض على ذلك ما هو لازم عليه وهو أنّ الله تعالى مع كل شيء
بالذات، وقال في بعض شعره: بل هو بالذات بغير تمثيل**مع كل شيء فاعتمد هذا
القيل
وهذا بخلاف ما عليه جماعة المفسرين أنه تعالى مع كل شيء بالعلم والرؤية.
فتفضلوا ببيان الصواب من ذلك.
الجواب:
إنه إنما ليتخيَّل الغلوَّ والتعطيل من قول الإمام الغزالي إنه تعالى لا
داخل العالم ولا خارجه من ضاقَ نطاقُ عقله عن أن يَعقل موجودًا منزَّهًا
عن الجسمية ولوازمها؛ فإن العقل قاضٍ بأنّ الموجود إمّا جسم أو جسماني،
وبأنّ الوصف بالدخول في العالم والخروج عنه من خواص الأجسام؛ لتقسيمهم
العالَم إلى الجسم والعرَض والجزء الذي لا يتجزأ، فلا يكون في العالَم ما
لا يتصف بذلك، والكل مفتقر إلى حيِّزٍ، والمفتقر لا يكون إلهًا لأن
العالَم متناهٍ، فكذا ما دخل فيه، والتناهي من صفات المقادير، وهو تعالى
منزَّه عن ذلك.
وأمّا وصفه بالخروج عن العالَم، فلأنه من خواص الأجسام، وللزوم الجهة التي
هي من خواصها، وكذا الاتصال والانفصال من خواصها أيضا، ويلزم ما كان كذلك
حلولُه في حيِّز وجِهةٍ. ولو كان واجب الوجود كذلك، فإمّا أن يكون في جميع
الأحياز والجهات، فيلزم تداخل المتحيِّزات ومخالَطة واجب الوجود بما لا
ينبغي كالقاذورات، وإمّا أن يكون في البعض دون البعض، فإن كان لمخصِّصٍ
لزم الاحتياجُ، وإلا لزم الترجيحُ بلا مرجِّحٍ.
فما قاله الغزالي هو حقيقة التنزيه الذي يَجبُ الجزمُ باعتقاده، ومنه تعلم
عدم إصابة من اعتقد أنّ الله تعالى فوق العالَم كله منفصل عنه؛ لإثباته
الجهة حيث أراد الفوقية الحسية، ولإثباته الانفصال الذي هو من خواصِّ
الأجسام، ولأن اختصاصه بتلك الجهة إن كان لمخصِّصٍ لزم الاحتياجُ، وإلا
لزم الترجيح بلا مرجّح كما أسلفناه.
لا يقال: هذا وارد في اتصاف واجب الوجود بصفاته دون أضدادها؛
لأنَّا نقول: صفاتُه تعالى صفات كمال يتصف بها لذاته، بخلاف الأضداد
المتواردة على الأجسام، فإنها قد تكون متساوية الأقدام فلا بد من
المخصِّصِ.
والجهات أمور اعتبارية حادثة بحدوث ذي الجهة، فجهة الفوق للإنسان: ما
يحاذي رأسه من فوق، وجهة السفل: ما يحاذي رجله من تحتها، وفيما يمشي على
أربع جهة الفوق ما يحاذي ظهره من فوقه، وجهة السفل ما يحاذي رجله وقوائمه
الأربع من تحتها، وإذا مشت النملة في السقف صار ما كان فوقا لها حين مشيها
على الأرض تحتًا وبالعكس، والمستدير لا فوق له ولا أسفل.
وإثبات الجهة الفوقية الصورية له تعالى لا تمدح فيها؛ فإن حارس السلطان قد
يصعد فوق السلطان من حيث الصورة، والسلطان فوقه من حيث القهر والغلبة، وقد
كان وجوده تعالى سابقا على وجود الجهات، فقد كان
ولا جهة، وهو الآن على ما عليه كان، فلو اختصت ذاته بجهة فوق العالم لكان
أقرب إلى العرش من تخوم الثرى، وهذه صفة الأجسام، بل هو تعالى فوق العرش
وفوق كل شيء فوقية معنوية لا تزيده قُربًا إلى العرش أو إلى غيره، فهو
(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ) [غافر:15] ، كما أنه رفيع الدرجات
عن الثرى، وهو مع ذلك أقرب إلى العبد من حبل الوريد، فهو على كل شيء قدير،
لا يخلو شيء في السماء ولا في الأرض من تصرُّفه وإحاطة علمه بجميع
ذرَّاته؛ (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)
[الملك:14].
وأما قولكم: "قد يتلمّح الغلوُّ أيضا في نفي الحرف والصوت على كلام الله
تعالى ونفي جهة فوق لما في ذلك من مخالفة ظواهر الآيات والأخبار وعُرف
العرب الذين نزل القرآن بلغتهم" إلخ، فجوابه:
أمّا نفي الحرف والصوت عن كلام الله تعالى، فإنما نفى أهل السنة ذلك عن
كلامه تعالى ـ الذي هو صفة من صفاته قائمة بذاته ـ للإجماع وتواتر النقل
عن الأنبياء أنه تعالى متكلِّم، ولا معنى له إلا أنه متصف بالكلام، ويمتنع
قيامُ الحرف والصوت بذاته لحدوث ذلك؛ إذ هو مترتب الأجزاء، فتعيّن إثبات
الكلام النفسي، فمن جوّز على الله تعالى كون هذه الصفة الثابتة لله تعالى
بحرف وصوت فقد جوّز قيام الحوادث بذاته تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وتحقيق الخلاف بيننا وبين المعتزلة في هذه المسألة ترجع إلى أنَّا نُثبِت
الكلام النفسي؛ لأنَّ من لم يقم به وصفُ الكلام لا يُشتَقُّ له اسم
المتكلِّم، وهم ينفون الكلام النفسي، ويقولون: هو متكلِّمٌ بمعنى أنه خلق
الكلام، ولذلك قالوا: القرآن مخلوق، ويعنون به الألفاظ والحروف الدالة
عندنا على تلك الصفة، واستدلوا بأنّ القرآن متصف بما هو من صفات المخلوقات
من التأليف والتنظيم والإنزال والتنزيل، وكونه عربيا مسموعا فصيحا معجزا
إلى غير ذلك، وهذا إنما يقوم حجة على القائلين بقدم الحروف والأصوات، لا
علينا لأنا نسلّم حدوث النظم الدال على الكلام النفسي، ونمنع قيام الحروف
والأصوات به تعالى لامتناع اتصافه بالأعراض المخلوقة لتعاليه عن ذلك، فحيث
وُصف القرآن بما هو من لوازم الحادث حُمل على أن المراد اللفظي الحادث.
ولفظ القرآن عند المحققين مشترك يطلق على المدلول القائم بذاته تعالى،
ومعنى إضافته إلى الله تعالى كونه صفة له، وعلى اللفظي الدال عليه
المؤلَّف من الحروف ومن السُّوَر والآيات، ومعنى الإضافة أنه مخلوق لله
تعالى ليس من تأليفات المخلوقين، فلا يصح نفيه عن الله تعالى، ولا يكون
الإعجاز والتحدي إلا في كلامه تعالى.
نعم، الكلام في التحقيق وبالذات اسم للقائم بالنفس؛ قال الشاعر ـ وهو
الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما**جعل اللسان على الفؤاد دليلا فهذا هو
الصواب في المسألة، وليس فيه مخالَفة لظاهر الآيات والأخبار وعُرف العرب.
وما زعمه بعض الحنابلة من قِدَم المؤلَّف المترتّب الأجزاء بديهيُّ
الاستحالة؛ للقطع بأنه لا يمكن التلفظ بـ"السين" من "بسم الله" إلا بعد
التلفظ بـ"الباء"، وقيام الألفاظ بنفس الحافظ ليس معناه ـ كما أشار إليه
المولى سعد الدين ـ إلا كون صور الحروف مخزونة مرتسمة في خياله بحيث إذا
التفت إليها كان كلامًا مؤلفا، بخلاف قيام معاني الألفاظ بالنفس.
وأمّا ما ذكرتم من اعتقاد ذاته تعالى فوق عرشه بذاته مع التنزيه عن مشابهة
الأجسام، فهو خطأ لما فيه من القول بالجهة، وقد أسلفنا الدلالة على تنزيهه
تعالى عن ذلك. وقد ذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر نَفْيَ الجهة، واستدل
بحديث مسلم في صحيحه: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك
شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء ». ثم قال:
قال البيهقي: وبه استدل أصحابنا على نفي المكان لأنّ من ليس فوقه شيء ولا
دونه شيء ليس في مكان. انتهى. وهو استدلال صحيح.
وقد قال سيِّدُ وقته الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته: سمعت الإمام
أبا بكر بن فورك يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: كنت أعتقد بمكة شيئًا
من حديث الجهة، فلمّا قدمت بغداد زال ذلك عني، فكتبت إلى أصحابنا بمكة أني
أسلمت إسلامًا جديدًا. انتهى.
فتأمَّل رحمك الله هذه العبارة من هذا الولي الكبير مع السند الصحيح فيها.
ثم قال الأستاذ أبو القاسم في الفصل المعقود لبيان عقائد مشايخ الصوفية:
إنه تعالى ليس بجسمٍِ، إلى أن قال: لا يُتَصوَّر في الأوهام، ولا
يُتَقدَّر في العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان".
انتهى.
وبالجملة، إثبات الجهة مخالف لما سلف في تكميل الجواب عن السؤال الأول.
واختلف السلف والخلف من أهل السنة في تفويض معنى الاستواء ونحوه من مشكل
ما جاء في الصفات إلى الله تعالى، مع القطع بالتنزيه عن ظاهر ذلك، ولا
يتكلّم في تعيين معناه، بل يعتقد أن له معنى يليق بجلال الله تعالى، وهو
العالم به؛ أو تأويل ذلك بما يليق به تعالى بحيث يصرف عن ظاهره للدلائل
القائمة على ذلك، وإنما يسوغ التأويل لمن كان من أهله بأن يكون عارفًا
بلسان العرب وقواعد الأصول والفروع، ذا رياضة في العلم، ومن لم يكن بهذه
الصفات فليس له الكلام في ذلك والخوض فيه، ومتى فعل ذلك فقد ارتكب بذلك
أمرًا عظيما، ويجب على أهل العلم منعه من ذلك كما أفتى به شيخ مشايخنا
الولي أبو زرعة لأنه يلحد في آيات الله من حيث لا يدري.
وأصل اختلاف القولين المذكورين أن الوقف على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ
تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ) [آل عمران:7] وما عطف عليه من قوله:
(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) [آل عمران:7]. والخائضون في التأويل
فسروا الاستواء بالاستيلاء؛ قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق**من غير سيف ودم مهراق
وقال:
فلمّا علونا واستوينا عليهم**جعلناهم صرعا لنسر وطائر
والمثبتون للجهة وأنها جهة فوق هم الكرامية، قالوا بإثباتها له تعالى من
غير استقرار على العرش، والحشوية ـ وهم المجسمة ـ يصرحون بالاستقرار،
تعالى الله عن ذلك. والكرامية أرفعُ درجةً من الحشوية؛ لنفيهم الجسمية
ولوازمها إلا الجهة، فخصُّوها بجهة فوق لوقوفهم مع الخيال لأن ما لا يكون
في جهة لا يُتَخيَّل، فنفوا بسبب ذلك وجود ما ليس في جهةٍ، ولم يدركوا أنّ
أوّل درجات المعقولات مجاورة النسبة إلى الجهات وتنزيهه تعالى عن الخيال.
وأنت خبير أنّ الشرع إنما يثبت بالعقل، فإن ثبوته يتوقف على دلالة المعجزة
على صدق المبلّغ، وإنما تثبت هذه الدلالة بالعقل، فلو أتى الشرع بما
يُكذِّبُ العقلَ ـ وهو شاهده ـ لبطلَ الشرعُ والعقلُ معًا، فالحقُّ ما
تمسكوا به على ما سبق من القولين وهما التفويض أو التأويل.
وقيل من قِبلهم: ما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع
لا تحصى بثبوت الجهة من غير أن يقع في موضع منها تصريح بنفي ذلك؟ وما بال
العقلاء مع اختلاف أديانهم وآرائهم يتوجهون إلى جهة العلو عند الدعاء برفع
الأيدي إلى السماء؟
وأجيب بأنّ التنزيه عن الجهة مما يقصر عنه عقول العامة، فكان الأنسب في
خطابهم والأليق بدعوتهم إلى الحق الدلالة على عظمة الباري سبحانه بالألفاظ
التي يتعارفونها، مع أن البلغاء منهم يعلمون أنها استعارات، لا سيما مع
التنبيه على التنزيه عن ظواهرها بنحو قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ) [الشورى:11].
وأمّا رفع الأيدي إلى السماء، فلكونها موضع تنزيل الخيرات وهبوط الملائكة
بالوحي وإنزال الغيث، وهو كوضع الجبهة على الأرض للسجود، واستقبال الكعبة
للصلاة، فالسماء قبلة للدعاء واستقبالها بالأيدي، كما أن الكعبة قبلة
الصلاة واستقبالها بالوجه والصدر. أشار إلى ذلك كله المولى سعد الدين في
"شرح المقاصد"، قال: "وما استندوا إليه ظنِّيات سمعية، في معارضته قطعيات
عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظواهرها". انتهى.
وكونها ظنية من حيث الدلالة على مدّعاهم وإن كان المتن قطعيا في الآيات،
وما أشار إليه من الاعتذار بقصور عقول العامة عمّا ذكر، موافقٌ لما سيأتي
في جواب السؤال بعده عن الشيخ عز الدين من أنّ الشرع إنما عفى عن المجسمة
ـ أي عند من لم يكفّرهم ـ لغلبة التجسيم على الناس، فإنهم لا يفهمون
موجودًا إلا كذلك. وقولكم: "المفهوم من كلام أئمتنا الأشعرية أنه لا يجوز
ذلك اعتقادًا أن الله تعالى فوق العرش" إلى آخره هو أيضا مطابق لما ذكره
الغزالي من أنه لا داخل العالم ولا خارجه، وهو مصرَّح به في كلامهم، ومن
راجع كتبهم لم يرتب في ذلك.
وأمّا قولهم: "قد فرَّع بعضُهم على ذلك ما هو لازم عليه، وهو أن الله
تعالى مع كل شيء بالذات"، فهذا قول من يجعلون ذاته داخل العالم، مع أنه
حينئذ عين القول بالدخول فيه ـ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. ويمكن حمل
البيت الذي نقلتموه ـ إن كان قائله من أهل الحق ـ على أنه تعالى بذاته
المنزَّهة عن التمثيل مع كل شيء بالعلم والرؤية والتصرف النافذ. فهذا هو
الصواب في المسئول عنه، وما عداه خطأ. وما قاله الإمام الغزالي مطابق كما
أسلفناه لما نقلوه عن المفسرين والأشاعرة، والله أعلم.
انتهى من كتاب: "الأنوار السنية في جواب الأسئلة اليمنية". وهي أجوبة
للشيخ نور الدين السمهودي وردت عليه من اليمن في عام 907 هـ.
وافق تنضيده وتصحيحه ليلة الثاني من ربيع الأول سنة 1428هـ على
يد الفقير إلى ربه العليّ، نزار بن عليّ، وصلى الله وسلم في البدء
والختام، علي سيدنا ومولانا محمد سيد الأنام، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
كتاب "الأنوار السنية في جواب الأسئلة اليمنية"
للشيخ نور الدين علي بن عبد الله بن أحمد السمهودي المصري (844ـ911
هـ)
وهو مؤرخ المدينة المنوَّرة ومفتيها، ولد في "سمهود" بصعيد مصر
ونشأ في القاهرة، واستوطن المدينة المنورة سنة 873هـ، وتوفي بها. من كتبه
"وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى"، واختصاره: "خلاصه الوفا"، و"جواهر
العقدين" في فضل العلم والنسب، و" الفتاوى، و" الغماز على اللماز" في
الحديث، و" در السموط" رسالة في شروط الوضوء، و "الأنوار السنية في أجوبة
الاسئلة اليمنية" الذي منه الجواب الذي بين يديك، و"جواهر العقدين في فضل
الشرفين"، و"الفريد في أحكام التقليد".
بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال الرابع:
قول الإمام الغزالي في وصفه الله تعالى أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا
مُتَّصِلٌ به ولا مُنفَصِل عنه"، قد يُتَخيَّلُ فيه الغلوُّ والتعطيل، فهل
ما قاله حقيقة التنزيه الذي يجب الجزم باعتقاده أم لا؟
وإذا اعتقد الإنسان أنّ هذا العالَم ـ الذي هو من العرش إلى تخوم الثرى ـ
ليس فيه من ذات الله تعالى شيئًا، وأنّ الله تعالى فوق ذلك كله ومنفصل عنه
وخارج عنه بمعنى المباينة كما صرّحوا في العقائد بأنه بائن من خلقه مع
التنزيه عن التشبيه والتحديد والحيز والتكييف والعجز عن الإحاطة، فهل يكون
مصيبًا في ذلك غير غارٍّ أم لا؟
وقد يُتلمَّحُ الغلوُّ أيضًا في نفي الحرف والصوت من كلام الله تعالى،
ومعنى جهة فوق؛ لما في ذلك من مخالفة ظاهر الآيات والأخبار وعُرف العرب
الذين نزل القرآن بلغتهم، فإذا اعتقد الإنسان أنّ القرآن كلام الله تعالى
وصفته، وتوقف في نفي الحرف والصوت وإثباتهما للعجز عن بيان الكيفية، وقيّد
الدليل في ذلك، مع تجويزه أن يكون بحرف وصوت أو بدونهما، واعتقد أن الله
تعالى فوق العرش بذاته مع التنزيه عن مشابهة الأجسام والحلول والاستقرار
والعجز عن بيان الكيفية، فهل يكون مصيبًا في ذلك أو مخطئًا؟
والمفهوم من كلام أئمتنا الأشعرية أنهم لا يجوّزون اعتقاد أنّ الله تعالى
فوق العرش بذاته لتأويلهم العلوَّ والفوقية بعلوِّ رفعةٍ ورتبةٍ، وذلك
يطابق كلام الغزالي المتقدم أنه لا داخل العالم ولا خارجه.
لكن قد فرّع البعض على ذلك ما هو لازم عليه وهو أنّ الله تعالى مع كل شيء
بالذات، وقال في بعض شعره: بل هو بالذات بغير تمثيل**مع كل شيء فاعتمد هذا
القيل
وهذا بخلاف ما عليه جماعة المفسرين أنه تعالى مع كل شيء بالعلم والرؤية.
فتفضلوا ببيان الصواب من ذلك.
الجواب:
إنه إنما ليتخيَّل الغلوَّ والتعطيل من قول الإمام الغزالي إنه تعالى لا
داخل العالم ولا خارجه من ضاقَ نطاقُ عقله عن أن يَعقل موجودًا منزَّهًا
عن الجسمية ولوازمها؛ فإن العقل قاضٍ بأنّ الموجود إمّا جسم أو جسماني،
وبأنّ الوصف بالدخول في العالم والخروج عنه من خواص الأجسام؛ لتقسيمهم
العالَم إلى الجسم والعرَض والجزء الذي لا يتجزأ، فلا يكون في العالَم ما
لا يتصف بذلك، والكل مفتقر إلى حيِّزٍ، والمفتقر لا يكون إلهًا لأن
العالَم متناهٍ، فكذا ما دخل فيه، والتناهي من صفات المقادير، وهو تعالى
منزَّه عن ذلك.
وأمّا وصفه بالخروج عن العالَم، فلأنه من خواص الأجسام، وللزوم الجهة التي
هي من خواصها، وكذا الاتصال والانفصال من خواصها أيضا، ويلزم ما كان كذلك
حلولُه في حيِّز وجِهةٍ. ولو كان واجب الوجود كذلك، فإمّا أن يكون في جميع
الأحياز والجهات، فيلزم تداخل المتحيِّزات ومخالَطة واجب الوجود بما لا
ينبغي كالقاذورات، وإمّا أن يكون في البعض دون البعض، فإن كان لمخصِّصٍ
لزم الاحتياجُ، وإلا لزم الترجيحُ بلا مرجِّحٍ.
فما قاله الغزالي هو حقيقة التنزيه الذي يَجبُ الجزمُ باعتقاده، ومنه تعلم
عدم إصابة من اعتقد أنّ الله تعالى فوق العالَم كله منفصل عنه؛ لإثباته
الجهة حيث أراد الفوقية الحسية، ولإثباته الانفصال الذي هو من خواصِّ
الأجسام، ولأن اختصاصه بتلك الجهة إن كان لمخصِّصٍ لزم الاحتياجُ، وإلا
لزم الترجيح بلا مرجّح كما أسلفناه.
لا يقال: هذا وارد في اتصاف واجب الوجود بصفاته دون أضدادها؛
لأنَّا نقول: صفاتُه تعالى صفات كمال يتصف بها لذاته، بخلاف الأضداد
المتواردة على الأجسام، فإنها قد تكون متساوية الأقدام فلا بد من
المخصِّصِ.
والجهات أمور اعتبارية حادثة بحدوث ذي الجهة، فجهة الفوق للإنسان: ما
يحاذي رأسه من فوق، وجهة السفل: ما يحاذي رجله من تحتها، وفيما يمشي على
أربع جهة الفوق ما يحاذي ظهره من فوقه، وجهة السفل ما يحاذي رجله وقوائمه
الأربع من تحتها، وإذا مشت النملة في السقف صار ما كان فوقا لها حين مشيها
على الأرض تحتًا وبالعكس، والمستدير لا فوق له ولا أسفل.
وإثبات الجهة الفوقية الصورية له تعالى لا تمدح فيها؛ فإن حارس السلطان قد
يصعد فوق السلطان من حيث الصورة، والسلطان فوقه من حيث القهر والغلبة، وقد
كان وجوده تعالى سابقا على وجود الجهات، فقد كان
ولا جهة، وهو الآن على ما عليه كان، فلو اختصت ذاته بجهة فوق العالم لكان
أقرب إلى العرش من تخوم الثرى، وهذه صفة الأجسام، بل هو تعالى فوق العرش
وفوق كل شيء فوقية معنوية لا تزيده قُربًا إلى العرش أو إلى غيره، فهو
(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ) [غافر:15] ، كما أنه رفيع الدرجات
عن الثرى، وهو مع ذلك أقرب إلى العبد من حبل الوريد، فهو على كل شيء قدير،
لا يخلو شيء في السماء ولا في الأرض من تصرُّفه وإحاطة علمه بجميع
ذرَّاته؛ (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)
[الملك:14].
وأما قولكم: "قد يتلمّح الغلوُّ أيضا في نفي الحرف والصوت على كلام الله
تعالى ونفي جهة فوق لما في ذلك من مخالفة ظواهر الآيات والأخبار وعُرف
العرب الذين نزل القرآن بلغتهم" إلخ، فجوابه:
أمّا نفي الحرف والصوت عن كلام الله تعالى، فإنما نفى أهل السنة ذلك عن
كلامه تعالى ـ الذي هو صفة من صفاته قائمة بذاته ـ للإجماع وتواتر النقل
عن الأنبياء أنه تعالى متكلِّم، ولا معنى له إلا أنه متصف بالكلام، ويمتنع
قيامُ الحرف والصوت بذاته لحدوث ذلك؛ إذ هو مترتب الأجزاء، فتعيّن إثبات
الكلام النفسي، فمن جوّز على الله تعالى كون هذه الصفة الثابتة لله تعالى
بحرف وصوت فقد جوّز قيام الحوادث بذاته تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وتحقيق الخلاف بيننا وبين المعتزلة في هذه المسألة ترجع إلى أنَّا نُثبِت
الكلام النفسي؛ لأنَّ من لم يقم به وصفُ الكلام لا يُشتَقُّ له اسم
المتكلِّم، وهم ينفون الكلام النفسي، ويقولون: هو متكلِّمٌ بمعنى أنه خلق
الكلام، ولذلك قالوا: القرآن مخلوق، ويعنون به الألفاظ والحروف الدالة
عندنا على تلك الصفة، واستدلوا بأنّ القرآن متصف بما هو من صفات المخلوقات
من التأليف والتنظيم والإنزال والتنزيل، وكونه عربيا مسموعا فصيحا معجزا
إلى غير ذلك، وهذا إنما يقوم حجة على القائلين بقدم الحروف والأصوات، لا
علينا لأنا نسلّم حدوث النظم الدال على الكلام النفسي، ونمنع قيام الحروف
والأصوات به تعالى لامتناع اتصافه بالأعراض المخلوقة لتعاليه عن ذلك، فحيث
وُصف القرآن بما هو من لوازم الحادث حُمل على أن المراد اللفظي الحادث.
ولفظ القرآن عند المحققين مشترك يطلق على المدلول القائم بذاته تعالى،
ومعنى إضافته إلى الله تعالى كونه صفة له، وعلى اللفظي الدال عليه
المؤلَّف من الحروف ومن السُّوَر والآيات، ومعنى الإضافة أنه مخلوق لله
تعالى ليس من تأليفات المخلوقين، فلا يصح نفيه عن الله تعالى، ولا يكون
الإعجاز والتحدي إلا في كلامه تعالى.
نعم، الكلام في التحقيق وبالذات اسم للقائم بالنفس؛ قال الشاعر ـ وهو
الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما**جعل اللسان على الفؤاد دليلا فهذا هو
الصواب في المسألة، وليس فيه مخالَفة لظاهر الآيات والأخبار وعُرف العرب.
وما زعمه بعض الحنابلة من قِدَم المؤلَّف المترتّب الأجزاء بديهيُّ
الاستحالة؛ للقطع بأنه لا يمكن التلفظ بـ"السين" من "بسم الله" إلا بعد
التلفظ بـ"الباء"، وقيام الألفاظ بنفس الحافظ ليس معناه ـ كما أشار إليه
المولى سعد الدين ـ إلا كون صور الحروف مخزونة مرتسمة في خياله بحيث إذا
التفت إليها كان كلامًا مؤلفا، بخلاف قيام معاني الألفاظ بالنفس.
وأمّا ما ذكرتم من اعتقاد ذاته تعالى فوق عرشه بذاته مع التنزيه عن مشابهة
الأجسام، فهو خطأ لما فيه من القول بالجهة، وقد أسلفنا الدلالة على تنزيهه
تعالى عن ذلك. وقد ذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر نَفْيَ الجهة، واستدل
بحديث مسلم في صحيحه: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك
شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء ». ثم قال:
قال البيهقي: وبه استدل أصحابنا على نفي المكان لأنّ من ليس فوقه شيء ولا
دونه شيء ليس في مكان. انتهى. وهو استدلال صحيح.
وقد قال سيِّدُ وقته الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته: سمعت الإمام
أبا بكر بن فورك يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: كنت أعتقد بمكة شيئًا
من حديث الجهة، فلمّا قدمت بغداد زال ذلك عني، فكتبت إلى أصحابنا بمكة أني
أسلمت إسلامًا جديدًا. انتهى.
فتأمَّل رحمك الله هذه العبارة من هذا الولي الكبير مع السند الصحيح فيها.
ثم قال الأستاذ أبو القاسم في الفصل المعقود لبيان عقائد مشايخ الصوفية:
إنه تعالى ليس بجسمٍِ، إلى أن قال: لا يُتَصوَّر في الأوهام، ولا
يُتَقدَّر في العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان".
انتهى.
وبالجملة، إثبات الجهة مخالف لما سلف في تكميل الجواب عن السؤال الأول.
واختلف السلف والخلف من أهل السنة في تفويض معنى الاستواء ونحوه من مشكل
ما جاء في الصفات إلى الله تعالى، مع القطع بالتنزيه عن ظاهر ذلك، ولا
يتكلّم في تعيين معناه، بل يعتقد أن له معنى يليق بجلال الله تعالى، وهو
العالم به؛ أو تأويل ذلك بما يليق به تعالى بحيث يصرف عن ظاهره للدلائل
القائمة على ذلك، وإنما يسوغ التأويل لمن كان من أهله بأن يكون عارفًا
بلسان العرب وقواعد الأصول والفروع، ذا رياضة في العلم، ومن لم يكن بهذه
الصفات فليس له الكلام في ذلك والخوض فيه، ومتى فعل ذلك فقد ارتكب بذلك
أمرًا عظيما، ويجب على أهل العلم منعه من ذلك كما أفتى به شيخ مشايخنا
الولي أبو زرعة لأنه يلحد في آيات الله من حيث لا يدري.
وأصل اختلاف القولين المذكورين أن الوقف على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ
تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ) [آل عمران:7] وما عطف عليه من قوله:
(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) [آل عمران:7]. والخائضون في التأويل
فسروا الاستواء بالاستيلاء؛ قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق**من غير سيف ودم مهراق
وقال:
فلمّا علونا واستوينا عليهم**جعلناهم صرعا لنسر وطائر
والمثبتون للجهة وأنها جهة فوق هم الكرامية، قالوا بإثباتها له تعالى من
غير استقرار على العرش، والحشوية ـ وهم المجسمة ـ يصرحون بالاستقرار،
تعالى الله عن ذلك. والكرامية أرفعُ درجةً من الحشوية؛ لنفيهم الجسمية
ولوازمها إلا الجهة، فخصُّوها بجهة فوق لوقوفهم مع الخيال لأن ما لا يكون
في جهة لا يُتَخيَّل، فنفوا بسبب ذلك وجود ما ليس في جهةٍ، ولم يدركوا أنّ
أوّل درجات المعقولات مجاورة النسبة إلى الجهات وتنزيهه تعالى عن الخيال.
وأنت خبير أنّ الشرع إنما يثبت بالعقل، فإن ثبوته يتوقف على دلالة المعجزة
على صدق المبلّغ، وإنما تثبت هذه الدلالة بالعقل، فلو أتى الشرع بما
يُكذِّبُ العقلَ ـ وهو شاهده ـ لبطلَ الشرعُ والعقلُ معًا، فالحقُّ ما
تمسكوا به على ما سبق من القولين وهما التفويض أو التأويل.
وقيل من قِبلهم: ما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع
لا تحصى بثبوت الجهة من غير أن يقع في موضع منها تصريح بنفي ذلك؟ وما بال
العقلاء مع اختلاف أديانهم وآرائهم يتوجهون إلى جهة العلو عند الدعاء برفع
الأيدي إلى السماء؟
وأجيب بأنّ التنزيه عن الجهة مما يقصر عنه عقول العامة، فكان الأنسب في
خطابهم والأليق بدعوتهم إلى الحق الدلالة على عظمة الباري سبحانه بالألفاظ
التي يتعارفونها، مع أن البلغاء منهم يعلمون أنها استعارات، لا سيما مع
التنبيه على التنزيه عن ظواهرها بنحو قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ) [الشورى:11].
وأمّا رفع الأيدي إلى السماء، فلكونها موضع تنزيل الخيرات وهبوط الملائكة
بالوحي وإنزال الغيث، وهو كوضع الجبهة على الأرض للسجود، واستقبال الكعبة
للصلاة، فالسماء قبلة للدعاء واستقبالها بالأيدي، كما أن الكعبة قبلة
الصلاة واستقبالها بالوجه والصدر. أشار إلى ذلك كله المولى سعد الدين في
"شرح المقاصد"، قال: "وما استندوا إليه ظنِّيات سمعية، في معارضته قطعيات
عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظواهرها". انتهى.
وكونها ظنية من حيث الدلالة على مدّعاهم وإن كان المتن قطعيا في الآيات،
وما أشار إليه من الاعتذار بقصور عقول العامة عمّا ذكر، موافقٌ لما سيأتي
في جواب السؤال بعده عن الشيخ عز الدين من أنّ الشرع إنما عفى عن المجسمة
ـ أي عند من لم يكفّرهم ـ لغلبة التجسيم على الناس، فإنهم لا يفهمون
موجودًا إلا كذلك. وقولكم: "المفهوم من كلام أئمتنا الأشعرية أنه لا يجوز
ذلك اعتقادًا أن الله تعالى فوق العرش" إلى آخره هو أيضا مطابق لما ذكره
الغزالي من أنه لا داخل العالم ولا خارجه، وهو مصرَّح به في كلامهم، ومن
راجع كتبهم لم يرتب في ذلك.
وأمّا قولهم: "قد فرَّع بعضُهم على ذلك ما هو لازم عليه، وهو أن الله
تعالى مع كل شيء بالذات"، فهذا قول من يجعلون ذاته داخل العالم، مع أنه
حينئذ عين القول بالدخول فيه ـ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. ويمكن حمل
البيت الذي نقلتموه ـ إن كان قائله من أهل الحق ـ على أنه تعالى بذاته
المنزَّهة عن التمثيل مع كل شيء بالعلم والرؤية والتصرف النافذ. فهذا هو
الصواب في المسئول عنه، وما عداه خطأ. وما قاله الإمام الغزالي مطابق كما
أسلفناه لما نقلوه عن المفسرين والأشاعرة، والله أعلم.
انتهى من كتاب: "الأنوار السنية في جواب الأسئلة اليمنية". وهي أجوبة
للشيخ نور الدين السمهودي وردت عليه من اليمن في عام 907 هـ.
وافق تنضيده وتصحيحه ليلة الثاني من ربيع الأول سنة 1428هـ على
يد الفقير إلى ربه العليّ، نزار بن عليّ، وصلى الله وسلم في البدء
والختام، علي سيدنا ومولانا محمد سيد الأنام، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
تعليق