ابن أبي زيد القيرواني وعقيدتة في "الرسالة" و"الجامع". دراسة في المنهج والمضمون.

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #1

    ابن أبي زيد القيرواني وعقيدتة في "الرسالة" و"الجامع". دراسة في المنهج والمضمون.


    ابن أبي زيد القيرواني
    وعقيدته في «الرسالة» و«الجامع»

    دراسة في المنهج والمضمون




    إعداد
    الشيخ الحبيب بن طاهر



















    تقديم
    بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما

    وبعد, فتمثّل العقيدة في الدين الإسلامي القاعدة الإيمانية الأساس التي تنبثق عنها المفاهيم الصحيحة حول وجود الكون ـ بكلّ مكوّناته ـ وحقيقته ومصيره, ومهمّة الإنسان فيه؛ وتنبثق عنها الأحكام والتكاليف لهذا الإنسان ذي المهمّة الفريدة المميّز بها, مهمّة الاستخلاف في الأرض.

    لذلك اعتنى القرآن الكريم بتفصيل الحديث عن العقيدة الحقّة التي دعا النّاس إلى اعتناقها والاستهداء بهديها, وأفاض في الحديث عن أركانها وما يتعلّق بها, من الإيمان بالله تعالى وصفاته, وبالأنبياء ومكانتهم ونعوتهم ومهامّهم, وباليوم الآخر وأحواله, وسائر الأمور الغيبية. ففصّل القرآن الكريم الحديث عن كلّ ذلك تفصيلا؛ تأسيسا وبيانا في السور المكّية, وتذكيرا وإجمالا في السور المدنية.

    وقد قدر علماء الإسلام هذه العناية الربّانية بأمور العقيدة حقّ قدرها, وفهموا ـ من خلال ذلك ـ الواجب المناط بعهدتهم المتمثّل في بيانها للنّاس وتفسيرها, بتحويل آيات الكتاب الحكيم العقدية إلى قواعد ومقرّرات واستدلالات, على النحو الذي يبسّطها لهم وتفهمها عقولهم. وجعلوا في اعتبارهم وهم يقومون بهذا العمل جميع أصناف النّاس؛ من المؤمنين بحسب مستواياتهم وأعمارهم, ومن الكافرين بحسب مللهم ونحلهم.

    ولأجل ذلك تنوّعت دراساتهم لعلم العقيدة وتنوّعت مؤلفاتهم فيه. وساروا في التأليف فيه, على المنهج الذي ابتكروه في سائر العلوم الدينية, واللغوية, والطبيعية, والعقلية, وانفردوا به عن سائر الأمم؛ الذي يقوم على تنويع التأليف بحسب أغراضهم منه, وبحسب الفئات الموجّه إليها. ويظهر هذا التنويع في اختلاف المادّة قلّة وكثرة, واختصارا وتطويلا؛ وفي اختلافها بين العمق في التقرير والتحليل والاستدلال, وبين الاقتصاد في ذلك.

    ومن أهمّ ما قصده العلماء المسلمون, هو التوجّه لفئة عريضة من الناس, هي الناشئة وعامّة المسلمين, بالتآليف التي تناسبهم؛ لتعليمهم ما هو مطلوب منهم تعلّمه من أمور الدين الضرورية, ومن ذلك علم العقائد. فليس طبيعة العلم الشرعي ـ وخاصة الضروري منه ـ أن يضلّ حكرا على العلماء وحبيس مجالس النخبة من الناس, بل هو في نظر الإسلام ثقافة العموم والحدّ الأدنى من المعرفة المضمونة لكلّ مسلم, للخروج به من دائرة الأمّية الشرعية.

    وما قام به العلماء من العناية بالناشئة والعامّة وتخصيصهم بالتأليف يدلّ على مدى وعيهم بأمانتهم ودورهم في حماية عقيدة الأمة من محاولات التحريف والتشكيك التي ما فتئ أعداءها يحاربونها فيها؛ ويدلّ كذلك على مدى وعيهم بطبيعة هذا الدين, وأنّ الحفاظ عليه يقتضي توريثه للأجيال المتلاحقة بالتعليم والمداومة على التعليم, وبالاعتناء بأهمّ وسيلة في التعليم وهي التأليف؛ لأنّ التأليف يربط آخر هذه الأمّة بأوّلها, ويقرّب العلم للبعيد عن مجالس العلماء. وقد أفنى علماء المسلمين أعمارهم في تأليف ما يحقّقون به هذه المهمّة, حفاظا على انتساب أجيال المسلمين لهذا الدين, وقياما بواجب العهد الذي أخذه الله تعالى على العلماء, بأن يبيّنوا للناس دينهم ولا يكتموه, وأن يأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر.

    وعقيدة الشيخ الإمام أبي محمّد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ـ رحمه الله تعالى ـ تتنزّل في هذا الإطار, أي في تقديم تأليف يتضمّن مقرّرات العقيدة الإسلامية, بأسلوب مختصر يساعد الناشئة, كما يساعد عامة الناس, على الإحاطة بما يجب عليهم معرفته من قواعد العقيدة الإسلامية التي تحدّد انتماءهم للإسلام, وتسلّحهم بما يحفظون عقائدهم من التزلزل والتشكيك؛ ومن ثمّ تصحّح عباداتهم والتزاماتهم لأحكام الشريعة.

    وكذلك ما كتب على هذه العقيدة المباركة من شروح, فإنّه يساعد الدارس لعقيدة الشيخ ابن أبي زيد ـ في مرحلة ثانية ـ على التوسّع فيها واستيضاح ما طوي فيها من معان, فتطمئن فؤاده لصحّة عقيدته, وترسّخ لديه براهين الانتصار لعقيدته في مواجهة التشكيك الطارئ.

    ولذلك يعتبر ما تضمّنته هذه العقيدة مع شروحها ممّا هو ضروري معرفته من علم العقيدة على المسلم, إذا كانت به أهلية القراءة والكتابة وفهم مقاصد المتحدّثين.

    وإنّا بدراستنا لمضامين هذه العقيدة ولمنهج صاحبها, إذ نحمل إيمانا بضرورة التواصل بين أجيال الأمّة, الذي يتحقّق بإحياء تراث علمائنا الأبرار؛ لأنّ إحياء هذا التراث وتفعيله ركون إلى مرجعية أثبتت القرون صلابتها؛ وإنّ أيّ نهضة للمسلمين في هذا العصر لا ترتكز على هذه المرجعية, سيصيبها الإعياء والتيه في مفارق الطرق, وستمنى في النهاية بالفشل.

    فإنّه مع ذلك تتداخل الدوافع للقيام بهذه الدراسة حول هذه العقيدة, وتحقيق بعض شروحها الهامّة , ومن هذه الدوافع:

    ـ التعريف بالجانب الآخر للمعارف الشرعية التي كان ابن أبي زيد إماما فيها, وهو الجانب العقدي. إذ لا يكاد ابن أبي زيد يذكر إلاّ وينصرف الذهن لإمامته الفقهية, ولا يحضر دوره الرائد في علم العقيدة. وهو وإن كان يعدّ أوّل من ألّف مختصرا في الفقه, من خلال الرسالة, فهو أيضا من خلالها يعدّ أوّل من ألّف نصّا عقائديا مختصرا, على طريقته في الاختصار القائم على التلخيص وتقريب المعاني, دون إخلال أو وقوع في الغموض.

    ـ التحقيق في الانتماء المدرسي للشيخ ابن أبي زيد, وكشف محاولات البعض الرامية إلى مصادرة هذه الشخصية العلمية, بحمل كلمة وردت في عقيدته على ما يتفق مع ما يذهبون إليه في مسألة الصفات, والادّعاء بأنّ ابن أبي زيد يوافقهم في هذه المسألة وفي جميع مذهبهم, ومن ثمّ استعماله أداة يستنقصون به سائر علماء الأمّة, الذين رفع الله بهم لواء الإسلام وحفظ بهم عقيدته وشريعته.

    ونعني بذلك الشيخ ابن تيمية قديما, ومن اقتدى به من المعاصرين.

    وفي حين كان المجمع عليه, بين سائر العلماء وخاصّة علماء المالكية, في ابن أبي زيد أنّه سلفيّ أشعري, جمع في عقيدته بين منهج السلف ومنهج الخلف, ونعني بالسلف جيلي الصحابة والتابعين؛ فإنّه يتحوّل في نظر ابن تيمية ومن اقتدى به إلى مشبّه في الصفات الخبرية, اعتمادا على حملهم تلك الكلمة التي أوردها في عقيدته على المعنى الظاهري, على طريقتهم. وقد ظهر القول بالتشبيه بين أهل السنّة أوّلا مع بعض الحنابلة المشبّهة ـ المعروفين قديما بتسمية الحشوية ـ, وأعيد إظهاره على يد الشيخين ابن تيمية وتلميذه ابن قيّم الجوزية من فقهاء الحنابلة, اللذين حاولا تقديم رأي السلف ـ من الصحابة والتابعين ـ في هذه المسألة, على غير المعنى الثابت عنهم فيه, بنسبتهم إلى القول بإثبات الصفات الخبرية, كاليد والعين والاستواء وغيرها, على معناها اللغوي الظاهر المفيد للتشبيه, وحتى للتجسيم, لكن بلا كيف. ويحاول ـ في هذا العصر ـ المقلدون لآراء ابن تيمية وابن قيم الجوزية العقائدية والفقهية, أن يجدوا في ابن أبي زيد القيرواني ما توهموه سندا بكون الرجل على طريقتهم في إثبات الصفات الخبرية على معناها اللغوي الظاهر بدون تكييف؛ وأنّه منابذ لعلم الكلام ولمنهج المتكلمين في دراسة العقيدة, جملة وتفصيلا. ولذا فهم يعتبرونه امتدادا للسلف على التفسير الذي يقدمونه لآراء السلف وطريقتهم .

    وهو منهج ـ مع كونه يفتقد الموضوعية والأمانة العلمية ـ فإنّه يدلّ على اقتناع أصحابه بأنّ اتجاههم في فهم العقيدة يفتقر إلى تأييد أساطين علماء الأمّة عبر التاريخ الإسلامي؛ لذلك نراهم يبحثون هنا وهناك عن كلمة تصدر عن عالم كبير مثل ابن أبي زيد القيرواني, يظهر لهم أنّها توافق آراءهم, فيصادرون الكلمة وصاحبها.

    ونحن وإن كنّا نرى أنّ الأمّة في غنى عن مثل هذا السجال, وأنّها في حاجة إلى الإلتفات إلى ما يهدّد كيانها من طرف عدوّها الغاشم, الذي جعل نصب عينيه هدم عقائدها وقيمها ومبادئها؛ إلاّ أن بعض الواجب نحو علمائنا السابقين يدعونا إلى التعريف بهم والدفاع عنهم, خاصّة حين يتعرّضون للاعتداء عليهم بتحريف آرائهم وتشويهها, لذلك كان هذا العمل. وهو مناسبة نعيد فيها قراءة العقيدة القيروانية بأسلوب غير الأسلوب الذي شرحت عليه قديما.

    والله الهادي إلى سواء السبيل.

    المرفقات:
    - ترجمة للشيخ ابن أبي زيد القيرواني
    - ابن أبي زيد القيرواني وعقيدتة في "الرسالة" و"الجامع". دراسة في المنهج والمضمون. للشيخ الحبيب بن طاهر
    الملفات المرفقة
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4020

    #2
    بارك الله فيك .. سلامي للشيخ الحبيب بن طاهر ..
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

    تعليق

    يعمل...