بسم الله الرحمن الرحيم
كلام على شرح الإمام الأصفهاني كلام الإمام البيضاوي -رحمهما الله- على الأفعال الإرادية للعبيد
كلام على شرح الإمام الأصفهاني كلام الإمام البيضاوي -رحمهما الله- على الأفعال الإرادية للعبيد
الحمد لله جبار السموات والأرض، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد أكرمِ عبدٍ ونعمَ العبدُ وعلى آله وأصحابه والتسليم.
وبعد فإنَّ للإمام الأصفهاني - رحمه الله - كلاماًً على أفعال العباد في شرحه كتابَ [طوالع الأنوار] أردتُّ مناقشته بأنَّه يمثل تنظير فريق من العلماء لمسألة خلق الأفعال.
فقد انقسم العلماء من أهل السنّة والجماعة قسمين في هذه المسألة؛ فقسم قال إنَّ محض خلق الإرادة والقدرة كافٍ لصلوح التكليف، وقسم قال بزيادة أن يكون للعبد مدخلية من مرتبة أعلى على اختلافهم في تحديد المرتبة.
والفريقان متفقان على مقدمة أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق للأفعال وكلّ شيء وأن لا يكون شيء إلا بكونه مراداً لله سبحانه وتعالى، وعليه يقال إنَّ أبعد العلماء عن مركز القول الحق في ذاته وفي المذهب يبقى داخلاً في مسمى أهل السنة والجماعة لقوله بهذين الأصلين.
أمَّا الفريق الأول فيمثله الشيخ الإمام أبو الحسن الأشعريُّ والإمام فخر الدين الرازي والإمام القاضي ناصر الدين البيضاوي والإمام عضد الدين الإيجي والإمام الجلال الدواني ومن المتأخرين شيخ الإسلام مصطفى صبري وغيرهم رحمهم الله جميعاً.
أمَّا الثاني فيمثله الإمام القاضي الباقلاني والإمام الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني والإمام أبو المعالي الجويني والإمام سعد الدين التفتازاني وغيرهم وهو قول السادة الماتريدية رحمهم الله جميعاً.
فمعرفة هؤلاء الأئمّة من الفريقين يكون معها معرفة أنَّ هذه المسألة المختلف فيها دقيقة وصعبة التحقيق.
ثمَّ الفريق الأول كان بين ممثليه اختلاف لفظيُّ بأنَّ ما وصلوا إليه من كفاية وجود القدرة والإرادة لا أكثر لصحة التكليف هل يسمى بعد ذلك جبراً أو لا, فمنع الشيخ الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله وأثبت الإمام فخر الدين الرازي ومن تبعه -رحمهم الله-.
أمَّا الفريق الثاني فيلزمون الفريق الأول الجبر والماتريدية شنعوا.
وأمَّا الأول فيلزمون الفريق الثاني القول بأصل ما قالت المعتزلة من تأثيرٍ لغير الله سبحانه وتعالى, والإمام الرازي -رحمه الله- منهم يلزم الفريق الأول - بل جميع الفرق- الجبر!
وإنَّما أردتُّ مناقشة كلام الإمام الأصفهاني -رحمه الله- بأنَّه من الفريق الثاني وأنَّ تقريره لقولهم رأيته ملخصاً متسقاً، وأنَّه ما رأيت سيدي الشيخ يقرر قريباً منه.
قال الإمام البيضاوي -رحمه الله- في كتاب: [طوالع الأنوار]: (واعلم أنَّ أصحابنا لمَّا وجدوا تفرقة بديهية بين ما نزاوله وبين ما نجده من الجمادات وذادهم قائم البرهان عن إضافة الفعل إلى اختيار العبد مطلقاً جمعوا بينهما وقالوا: الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد على معنى أنَّ العبد إذا صمَّم العزم فالله يخلق الفعل فيه وهو أيضاً مشكل، ولصعوبة هذا المقام أنكر السلف على المناظرين فيه).
قال الإمام الأصفهاني -رحمه الله- شارحاً: (أقول: اعلم أنَّ أصحابنا لمَّا وجدوا تفرقة بديهية بين ما نزاوله -أي نباشره- من الأفعال الاختيارية وبين ما نحسُّه من الجمادات من الحركات الصادرة بدون شعور واختيار فإنَّهم علموا بالبديهة أنَّ مدخلاً في الأول دون الثاني، وذادهم -أي منعهم وطردهم- البرهان الدالُّ على أنَّ الله تعالى خالق كلّ شيء -أي منشئ- عن إضافة الفعل إلى اختيار العبد مطلقاً جمعوا بين الأمرين وقالوا: الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العباد على معنى أنَّ الله تعالى أجرى عادته بأنَّ العبد إذا صمَّم العزم على الطاعة يخلق الله فعل الطاعة فيه، وإذا صمَّم العزم على المعصية يخلق فعل المعصية فيه، وعلى هذا يكون العبد كالموجد لفعله وإن لم يكن موجداً، وهذا القدر كافٍ في الأمر والنهي.
قال المصنّف -رحمه الله-: وهذا أيضاً مشكل؛ فإنَّ تصميم العزم أيضاً فعل من الأفعال مخلوق لله تعالى فلا مدخل للعبد أصلاً، ولصعوبة هذا المقام أنكر السلف على المناظرين في هذا المقام لأنَّه بحسب الغالب تؤدي المناظرة إلى رفع الأمر والنهي والشرك بالله تعالى.
وقال أهل التحقيق في هذا المقام: لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين. فهذا هو الحقُّ؛ وتحقيقه أنَّ الله يوجد القدرة والإرادة في العبد ويجعلهما بحيث لهما مدخل في الفعل لا بأن يكون للقدرة والإرادة لذاتهما مدخل في الفعل، بل كونهما بحيث لهما مدخل بخلق الله تعالى إياهما على هذا الوجه ثمَّ يقع الفعل بهما، فإنَّ جميع المخلوقات بخلق الله تعالى بعضها بلا واسطة وبعضها بواسطة وأسباب لا بأن يكون الوسائط والأسباب لذاتهما اقتضت أن يكون لها مدخل في وجود المسببات، بل بأن خلقها الله تعالى في العبد وجعلها بحيث لها مدخل؛ فتكون الأفعال الاختيارية المنسوبة إلى العبد مخلوقة لله تعالى ومقدورة للعبد بقدرة خلقها الله في العبد وجعلها بحيث لها مدخل في الفعل. والأولى أن يسلك في هذا المقام طريقة السلف ويترك المناظرة فيه ويفوض علمه إلى الله تعالى).
فما سيكون عليه التعلق بإذن الله سبحانه وتعالى كلام الإمام الأصفهاني -رحمه الله- ولكن قبل ذلك شيء على كلام الإمام البيضاوي -رحمه الله- وهو: (لمَّا وجدوا تفرقة بديهية بين ما نزاوله وبين ما نجده من الجمادات وذادهم قائم البرهان عن إضافة الفعل إلى اختيار العبد مطلقاً جمعوا بينهما).
فالظاهر من كلام الإمام -رحمه الله- هنا أنَّ المانع من أن ننسب إلى العبد اختيار فعله مطلقاً هو وجود الدليل على عموم إرادة الله سبحانه وتعالى وقدرته. والإشكال هنا بأنَّه حتى إن لم ينظر إلى هذا الدليل لا يصحُّ القول إنَّ الفعل منسوب لاختيار العبد مطلقاً, إذ ما كان من المشاهدة لا يكفي بالحكم. فنحن نشاهد موافقة فعل الإنسان لإرادته ولكنَّا لا نستطيع أن نعتمد على هذه المشاهدة إذ حكمنا هنا مبنيٌّ على أنَّا لم نر أنَّ غير العبد هو المؤثر في فعله، فلو صحَّ أن تكفي المشاهدة هنا لصّحَ للمعتزليّ أن يقول إنَّ المشاهدة من حيث هي كافية لإثبات أنَّ المؤثر العبد مستقلاً وليس كذلك. فالحقُّ أنَّ عدم مشاهدة المانع هذا لا يلزم منه عدم وجوده.
إذن يقال إنَّ الإشكال هو بأنَّ ظاهر كلام الإمام بأنَّا إذ لم نجد مشاهدةً ما يكون به منع كون العبد مختاراً مطلقاً قلنا به, فإذ وجدنا قلنا بالمنع. فهذا تجويز للتعارض والتناقض فهو تناقض.
ولا أريد بهذا أن أحمّل كلام الإمام -رحمه الله- ما ليس منه ولكن الفائدة لي كباحث في المسألة وجودِها وجوازها والتنبيه على هذه الجهة. وأمَّا الإمام -رحمه الله- فلا يقع في خطأ كهذا.
أمَّا الإمام الأصفهاني -رحمه الله- فالتعليق أولاً على نقله قول العلماء -رحمهم الله-: (قالوا: الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العباد على معنى أنَّ الله تعالى أجرى عادته بأنَّ العبد إذا صمَّم العزم على الطاعة يخلق الله فعل الطاعة فيه، وإذا صمَّم العزم على المعصية يخلق فعل المعصية فيه، وعلى هذا يكون العبد كالموجد لفعله وإن لم يكن موجداً، وهذا القدر كافٍ في الأمر والنهي).
فبعد الإشكال الذي ذكره الإمام بعدُ يرجع السؤال إلى قوله -رحمه الله-: (وهذا القدر كافٍ). وذلك بحيث يكون محض كون الإنسان ذا تصميم وعزم كافياً أو ذلك مع مدخلية على مرتبة أخرى.
فلا يصحُّ إنكار أنَّ الإرادة من حيث هي مدخلٌ للفعل أيّاً كان سببها، فالمدخلية تكفي إذ هي المطلوبة. لكنَّ الإشكال الذي يستشكل الإمام -رحمه الله- هو أنَّ هذه المدخلية لا تكفي ولا يرتضي أن يسميها مدخلية! وهنا الإشكال! فالمدخلية بحيث يكون الفعل منسوباً إلى العبد موجودة بحيث يكون التفريق بين فعله هذا والفعل الاضطراري. إلا أنَّ الإمام ليس الإشكال عنده هنا بل هو بقوله بعد ذلك: (قال المصنّف -رحمه الله-: وهذا أيضاً مشكل؛ فإنَّ تصميم العزم أيضاً فعل من الأفعال مخلوق لله تعالى فلا مدخل للعبد أصلاً).
وهذا الكلام ليس بصحيح إذ المدخلية موجودة، وإنَّما كان الإمام يستحضر أن تكون المدخلية من العبد مستقلة. والجواب عنه أنَّه مهما قيل إنَّها من العبد وجب أن يقال إنَّها موجودة إذ هي مدخلية في موجود وهو الفعل, ومهما قيل إنَّها موجودة لزم أن تكون مخلوقة لله سبحانه وتعالى فيرجع إشكال الإمام.
والقول باستقلال العبد هنا لا يكون له مانع من القول بأنَّ له استقلالاً من جهة التأثير عينها - بل يكاد يكون هذا قول الإمام رحمه الله-!
أمَّا قوله -رحمه الله- إنَّ إنكار السلف من جهة أنْ: (بحسب الغالب تؤدي المناظرة إلى رفع الأمر والنهي والشرك بالله تعالى) فلا يُسلَّم؛ فالمناظرة في هذه المسألة يكون معها التزام رفع الأمر والنهي بشرط معيته القولَ بشيء ممَّا يقول الخصوم أمعتزلة قائلين بالحسن والقبح الذاتييَّن كانوا أم جبرية قائلين أنْ ليس للعبد من الفعل نسبة، أمَّا أهل السنّة والجماعة فكلُّهم منكر قولي المعتزلة والجبرية هذين.
أمَّا ما يُرى أنَّه سبب منع السلف هو أنَّ البحث في هذه المسألة بدقتها صعب متعب وليس بمحتاج إليه وإلا لعُـلِّمناه. وكذلك بأنَّ المناظرة توجب البحث في أفعال الله سبحانه وتعالى. وكذلك أنَّ العبد قبل النظر يكون على القول بالمشاهدة والتزام مؤداها وإن كان باطلاً, فكان الحقُّ مخالفاً النفس نفسها فكان صعباًً. والإمام البيضاوي -رحمه الله- كان مصرحاً بأنَّ السبب الصعوبة لا ما قال الإمام الأصفهاني -رحمه الله-.
ثمَّ قال -رحمه الله: (وقال أهل التحقيق في هذا المقام: لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين. فهذا هو الحقُّ). فالكلام أولاً على ما سمّاه الإمام جبراً، فالجبر إمَّا أن يقصد به قول الفريق الأول وهو أنَّ إرادة الإنسان مخلوقة لله سبحانه وتعالى بكلّيتها موافَقةً لاصطلاح الإمام فخر الدين الرازي -رحمه الله- أو أن يقصد به المعنى اللغوي وهو الإكراه وهو مذهب الجبرية. وأمَّا التفويض إمَّا أن يقصد به استقلال العبد كليّة أو أن يكون مختاراً. فيقصد الإمام بالجبر المعنى الاصطلاحي, ويقصد بالتفويض تمام استقلال العبد بالتأثير، فقوله إنَّ بين ما سمّاهما جبراً وتفويضاً ثالث لا يصحّ؛ فالتأثير من حيث هو بسيط لا مركّب, فإمَّا أن يكون للعبد مدخلية بحيث يكون هو بها هي الفاعلَ فالمؤثر هو -إذ ليس الكلام على التأثير بالإيجاد منقطعاً عن الترجيح بين الفعل وعدمه-، أو أن تكون مدخلية العبد واسطة لإرادة الله سبحانه وتعالى فيكون التأثير من الله سبحانه وتعالى لا العبد. فلزم التناقض برفع الطرفين فلا يصحُّ من وجه.
وتلخيصه بأنَّ الجبر بالمعنى الاصطلاحي يُلزِم الإمام -رحمه الله- منه أنْ لا مدخلية للعبد, والتفويض فيه إثبات المدخلية؛ فلا ثالث بين إثبات المدخلية أو نفيها.
فإن كان الإمام -رحمه الله- أراد معنى الاختيار من التفويض فلا يصحُّ قوله إنَّ ثالثاً موجود لأنَّ نقيض القول بالتفويض هو التسيير الذي هو الجبر بالاصطلاح, فإمَّا أن يكون تسيير أو لا تسيير ولا ثالث بينهما.
ثمَّ قال الإمام: (وتحقيقه أنَّ الله يوجد القدرة والإرادة في العبد ويجعلهما بحيث لهما مدخل في الفعل لا بأن يكون للقدرة والإرادة لذاتهما مدخل في الفعل، بل كونهما بحيث لهما مدخل بخلق الله تعالى إياهما على هذا الوجه ثمَّ يقع الفعل بهما). فالإمام أولاً يثبت مدخلية للقدرة والإرادة. ثانياً ينفي أن تكون هذه المدخلية منهما بحسب ذاتيهما. ثالثاً مدخليتهما بأنْ خلقهما سبحانه وتعالى على وجه مخصوص بحيث يكون وجودهما موجباً وجود شيء غيرهما وهو التأثير، أو فلنقل باقتصاره على الإرادة بأنَّه التأثير من جهة الترجيح وحده.
وعلى كلامه هذا - بحسب ما فهمتُ وقرَّرتُ - إشكالات:
الأول: المدخلية المدَّعاة هنا إنَّما هي من جهة التأثير والترجيح، والتأثير والترجيح واحد بسيط كما سبق, فمهما قيل يلزم أن يرجع السؤال إلى أنَّ المؤثرفي الترجيح إرادة الله سبحانه وتعالى أو العبد. أمَّا أنَّه واحد فذلك بالنظر من جهة أنَّ الترجيح من حيث هو هو المؤثر بالمفعول، أمَّا افتراقهما فمن حيث المفهوم. والمقصود في هذا الموضوع التأثير التالي حُكماً الترجيحَ وهو المطلوب.
الثاني: قول الإمام -رحمه الله- إنَّ مدخليتهما ليست منهما لذاتيهما يعني أنَّها من خارج كليهما، فإذ كان كذلك لم تكن المدخلية منهما ابتداء، فإذ كان كذلك كان توسطهما لا يفيد شيئاً أكثر من كون العبد محلّهما, وهذا - وإن كان يصلح على مذهب أهل السنّة ومذهب المعتزلة- يلزمه الجبر الذي ادعى الفريق الثاني إلزامه الأول!
أمَّا منعه أن يكون ذلك من ذاتيهما فمتوجه على قولين:
الأول: قول من قال إنَّ شيئاً غير الله سبحانه وتعالى مستقلٌّ بالتأثير.
الثاني: قول من قال إنَّ الفعل لو كان بحسب الممكنات لكان من حيث ماهياتها، فلو كان كذلك للزم أنَّها موجبة بالذات فلا اختيار, وللزم أن يكون خالقها سبحانه وتعالى المختار أن تفعل ما تفعل.
فهذا ما أدى إلى الإشكال الثالث: فهو أولاً قائل بالتوسط الحقيقي -على أي مرتبة كان- لا التوسط الذي هو المحليّة للعبد والمقارنة للقدرة والإرادة فيلزمه قول المعتزلة الذي منع، وهو إنَّما منع المرتبة التي يقصد المعتزلة فلا يكفي. ويلزمه أيضاً إشكال أصلي: وهو أنَّه يلزمه -إن كان مانعاً ما ذكرتُ ثانياً- أنَّ المدخلية إذ كانت إمَّا بحسب ماهية إرادة العبد أو خارجة عنها داخلة في العبد أو خارجة عنهما فأبطلَ الأولَ والثالث يمنعه فهو قائل بالثاني، فلزمه أن يقول إن ما يكون به الإرادة خارج عن الاختيار، لكنَّا نقول إنَّ ما نسميه الإرادة هو ما به الاختيار فلزمه أن تكون الإرادة لا الإرادة وهو تناقض. وكذلك يعود عليه السؤال بأنَّ هذا الخارج ما هو؟ فيتسلسل أو يرجع إلى إيجاب الله سبحانه وتعالى.
ثم يقول الإمام: (فإنَّ جميع المخلوقات بخلق الله تعالى بعضها بلا واسطة وبعضها بواسطة وأسباب لا بأن يكون الوسائط والأسباب لذاتهما اقتضت أن يكون لها مدخل في وجود المسببات، بل بأن خلقها الله تعالى في العبد وجعلها بحيث لها مدخل).
فقوله بالتوسط يُذكر ممَّا يشكل منه أنَّ السؤال بأنَّ المتوسط إمَّا أن يؤثّر من حيث ماهيته فيرجع الإشكال السابق وهو يمنعه أو أنَّ متوسطاً يتوسطهما فيتسلسل وارد عليه.
وهاهنا إشكال أصلي وهو القول إنَّ موجوداً علة لموجود ثانٍ، فبغض النظر عن كونه لا يفيد القدريَّ ولا الفريق الثاني لأنَّه علَّة لا مصدر اختيار يبقى هذا السؤال أولياً قبل البحث فيهما, فمهما قيل نقول إنَّه قد ثبت أصل أنَّه لا مؤثر في الموجودات إلا الله سبحانه وتعالى مع انقطاع المعتزلة وتقرير الفريق الثاني، فإذا قيل إنَّ غير تعلّق إرادة الله سبحانه وتعالى يكون علّة فهذا محض نقض هذا الأصل.
وليكن الآن البحث في نفس جواز القول إنَّ غير تعلّق قدرة الله سبحانه وتعالى علّة لموجود, ولا أظنُّ القول إنَّ البحث هو في كون هذا الغير علةً في غير الموجود مجدياً هنا إذ الناتج هو الموجود بوجوده وترجيحه.
فيقال إنَّ هذا المدَّعى إمَّا أن يكون بأن يخلق الله سبحانه وتعالى شيئاً أولَ فيلزم منه آخر من جنس آخر غير معيَّن الفرد لحاجة الأول كاستحالة الجسم من غير عرض كالحركة والسكون لكن لا على تعيين أحدهما، أو أن يخلق الله سبحانه وتعالى شيئاً بحيث يلزم منه لذاته متعيّنٌ، أو أن يخلق الله سبحانه وتعالى شيئاً فيكون علّة لعدد من الأشياء. والأقسام ثلاثتها باطلة:
أمَّا الأول فمن أنَّ وجود الجسم شرط لوجود العرض لا علّة. وكذلك يُفتقر إلى مرجّح يرجح أحد الأضداد من الأعراض فيرجع السؤال.
أمَّا الثاني فتحقيقه أنَّ الموجود واحد لا اثنان على ما قد قرَّر الشيخ الإمام أبو الحسن الأشعريُّ -رحمه الله-، فليس من اختلاف إلا اختلاف اعتباري، وليست العلّية إلا عادية مقارَنيَّّّة، وليس هذا مطلوب المدَّعي.
أمَّا الثالث فليكون يحتاج إلى ترجيح عدد المعلولات وذلك غير ترجيح ماهياتها. وهذا ابتداء لا يساعد المدعي لأنَّ مطلوبه إسناد واحد.
فإن قيل إنَّ هذا يكون علّة لمتعددات بحيث يكون علة لـ (ب) عند وجود (أ), ويكون علة لـ (د) عند وجود (ج) أجيب بأنَّ الذي تدّعي علة إنَّما هو جزء علة فلا يساعدك لأنَّه قد ثبت أنَّ مطلوبك علّة يكون بها التأثير لا غيرها.
ثمَّ فليقل قائل إنَّ للعبد معنى مخلوق لله سبحانه وتعالى وهذا المعنى يكون به الاختيار من غير الرجوع إلى خارج عنه مع كونه بسيطاً كما أنَّ صفة الإرادة لله سبحانه وتعالى كذلك. وهذا القائل بذلك يمنع أن تكون لماهية العبد مدخلية مطلقاً، وعليه لو قلنا إنَّ هذه الصفة ترجح لا بناء على شيء مرة بعد أخرى، فكيف يكون العبد مسؤولاً عمَّا من شأنه أن يرجح لا عن ذي دخول فيه منه؟!
فإن قيل: هذا كافٍ. قيل: فليكن بإرادة الله سبحانه وتعالى أيضاً -لو سلمنا صحته- فهو كافٍ!
فإن قيل: هذا هو العبد عينه وحقيقته. قيل: لو كان ذلك صحيحاً لما كان فعله متسقاً أبداً وذلك ليس بحاصل؛ إذ الكلام على معنى بسيط يكون منه الترجيح لا بالاستناد إلى شيء من مثل رمية النرد، فمهما كان الرامي كانت النتيجة لا بناء على شيء.
وهاهنا سيكون سؤال عن ماهيّة العبد؛ فالمدعي يدعي أنَّ العبد هو المؤثر، فيجب أن نعلم ما هو لنعلم كيف ننسب إليه التأثير؛ ولكنَّا نعترف إنَّا لا نعلم ماهية العبد الذي هو الذي يسمّيه كلٌّ منا: (أنا). والإشكال أنَّ المدعي يدّعي أنَّ العبد من حيث هو مختار وجوباً من إدراك الفرق بين ضروري الأفعال واختياريِّها، وإنَّما معرفة تحقق ذلك مبنية على معرفة مدى تحقق العبد المبنية على معرفته هو، فالقول إنَّ الوجوب يعلم من غير العلم بماهية العبد ليس مبنياً على شيء.
وعلى كلّ حال يلزم أن يكون الترجيح من غير مرجح إذ معنى الإرادة هذا بسيط.
تعليق