من كلام الامام الجنيد في التوحيد والمعرفة من حلية الأولياء

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابراهيم راشد محسن
    طالب علم
    • Nov 2007
    • 76

    #1

    من كلام الامام الجنيد في التوحيد والمعرفة من حلية الأولياء

    قال ابو نعيم :- قرأت على أبي الحسين محمد بن علي بن حبيش الناقد الصوفي صاحب أبي العباس بن عطاء ببغداد -سنة تسع وخمسين وثلاثمائة من كتابه فأقر به- قلت: سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول: إن أول ما يحتاج إليه من عقد الحكمة تعريف المصنوع صانعه، والمحدث كيف كان أحدثه، وكيف كان أوله، وكيف أحدث بعد موته، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المحدث، فيعرف المربوب ربه، والمصنوع صانعه، والعبد الضعيف سيده، فيعبده ويوحده، ويعظمه ويدل لدعوته، ويعترف بوجوب طاعته، فإن من لم يعرف مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه، ولم يضف الخلق في تدبيره إلى وليه. والتوحيد علمك وإقرارك بأن الله فرد في أوليته وأزليته، لا ثاني معه ولا شيء يفعل فعله، وأفعاله التي أخلصها لنفسه أن يعلم أن ليس شيء يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يسقم ولا يبري ولا يرفع ولا يضع، ولا يخلق ولا يرزق، ولا يميت ولا يحيي، ولا يسكن ولا يحرك غيره جل جلاله، فقد سئل بعض العلماء فقيل له: بين التوحيد وعلمنا ما هو. فقال: هو اليقين، فقيل له: بين لنا، فقال: هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونها فعل الله وحده لا شريك له، فإذا فعلت ذلك فقد وحدته.




    وتفسير ذلك أنك جعلت الله واحداً في أفعاله، إذ كان ليس شيء يفعل أفعاله، وإنما اليقين اسم للتوحيد إذا تم وخلص. وإن التوحيد إذا تمت المحبة والتوكل وسمى يقيناً. فالتوكل عمل القلب، والتوحيد قول العبد، فإذا عرف القلب التوحيد وفعل ما عرف فقد تم. وقد قال بعض العلماء: إن التوكل نظام التوحيد، فإذا فعل ما عرف فقد جاء بالمحبة واليقين والتوكل، وتم إيمانه، وخلص فرضه، لأنك إذا عرفت أن فعل الله لا يفعله شيء غير الله ثم تخاف غيره وترجو غيره لم تأت بالأمر الذي ينبغي فلو عملت ما عرفت لرجوت الله وحده حين عرفت أنه لا يفعل فعله غيره. فالقول فيمن يقصر علم قلبه أنه ناقص التوحيد، لأن القلب مستغل بالفتنة التي هي آفة التوحيد. قلت: ما هو? قال: ظنك أن شيئاً يفعل فعل الله، فاسم ذلك الظن فتنة. والفتنة هي الشرك اللطيف. قلت: أوليس الفتنة من أعمال القلب? قال: لا ولكنها داخلة عليه ومفسدة له. قلت: وما هي? قال: ظنك بالله، إذ ظننت أن من يشاء يفعل فعله، والكلام في هذا يطول، ولكن من يفهم يقنع باليسير

    وذكر ابو نعيم عن أحمد بن جعفرقال: سألت أبا القاسم الجنيد بن محمد عن الإيمان ما هو? فقال: الإيمان هو التصديق والإيقان وحقيقة العلم بما غاب عن الأعيان، لأن المخبر لي بما غاب عني إن كان عندي صادقاً لا يعارضني في صدقه ريب ولا شك أوجب على تصديقي إياه إن ثبت لي العلم بما أخبر به ومن تأكيد حقيقة ذلك أن يكون تصديق الصادق عندي يوجب علي أن يكون ما أخبرني به كأني له معاين، وذلك صفة الصدق في التصديق وقوة الإيقان الموجب لاسم الإيمان.
    وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل: اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . فأمره بحالتين إحداهما أقوى من الأخرى، لأني كأني أرى الشيء بقوة العلم به وحقيقة علم موجبة للتصديق، والمعنى الأول أولى وأقوى، والفضل يجمعها على تقديم إحداهما على الأخرى. والعمل بما يحبه ويرضاه، وترك التشاغل عنه بشيء ينقضي عنده حتى أكون عليه مقبلاً، ولموافقته مؤثراً، ولمرضاته متحرياً، لأن من صفة حقيقة علامة الإيمان ألا أوثر عليه شيئاً دونه، ولا أتشاغل عنه بسبب سواه، حتى يكون المالك لسري والحاث لجوارحي بما أمرني من آمنت به، وله عرفت، فعند ذلك تقع الطاعة لله على الاستواء، ومخالفة كل الأهواء، والمجانبة لما دعت إليه الأعداء، والمتاركة لما انتسب إلى الدنيا، والإقبال على من هو أولى، وهذه بعض الشواهد والعلامات فيما سألت عنه، وصفة الكل يطول شرحه. قال وسألته: ما الإيمان? فقال: هذا سؤال لا حقيقة له ولا معنى ينبئ عن مزيد من علم، وإنما هو الإيمان بالله جل ثناؤه مجرداً، وحقيقته في القلوب مفرداً، وإنما هو ما وقر في القلب من العلم بالله، والتصديق، وبما أخبر من أموره في سائر سمواته وأرضه مما ثبت في الإيقان، وإن لم أره بالعيان، فكيف يجوز أن يكون للصدق صدق، وللإيقان إيقان، وإنما الصدق فعل قلبي، والإيقان ما استقر من العلم عندي، فكيف يجوز أن يفعل فعلي، وإنما أنا الفاعل، أو يعلم علمي وإنما أنا العالم، والسؤال في الابتداء غير مستقيم، ولو جاز أن يكون للإيمان إيمان وللتصديق تصديق، جاز أن يوالي ذلك ويكرر إلى غاية تكثر في العدد، وجاز أن يكون كما عاد على ثواب إيماني وثواب تصديقي أن يعود على إيمان إيماني ثواب، وعلى تصديق تصديقي جزاء، ولو أردت استقصاء القول في واجب ذلك لا تسع به الكتاب، وطال به الخطاب، وهذا مختصر من الجواب

    قال ابونعيم اخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي في كتابه، وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني، قال: سمعت عبد الرحمن بن أحمد يقول: سمعت الجنيد ابن محمد يقول وهو يدعو بهذا الدعاء: الحمد لله إلهي حمداً كإحصاء علمك، حمداً يرقى إليك على الألسنة الطاهرة مبرأ من زيغ وتهمة، معرى من العاهات والشبهات، قائماً في عين محبتك بحنين صدق إخلاصه، ليكون نور وجهك العظيم غايته، وقدس عظمتك نهايته، لا يستقر إلا عند مرضاتك، خالصاً بوفاء إرادتك نصب إرادتك، حتى يكون لمحامدك سائقاً قائداً، إلهي ليس في أفق سمواتك ولا في قرار أرضك في فسحات أقاليمها من يحب أن يحمد غيرك إذ أنت منشئ المنشآت لا تعرف شيئاً إلا منك وكيف لا تعرفك الأشياء ولم يقر الخلق إلا لك وبدؤه منك وأمره إليك وعلانيته وسره محصي في إرادتك? فأنت المعطي والمانع وقضاؤك الضار والنافع، وحلمك يمهل خلقك وقضاؤك يمحو ما تشاء من قدرك، تحدث ما شئت أن تحدثه وتستأثر بما شئت أن تستأثره وتخلق ما أنت مستغن عن صنعه، وتصنع ما يبهر العقول من حسن حكمته لا تسأل عما تفعل، لك الحجة فيما تفعل. وعندك أزمة مقادير البشر وتصاريف الدهور، وغوامض سر النشور، ومنك فهم معرفة الأشخاص الناطقة بتفريدك لا يغيب عنك ما في أكنة سرائر الملحدين، ولا يتوارى عن علمك اكتساب خواطر المبطلين ولا يهيم في قضائك إلا الجاهلون، ولا يغفل عن ذكرك وشكرك إلا الغافلون، ولا تحتجب عنك وساوس الصدور ولا وهم الهواجس ولا إرادة الهمم ولا عيون الهمم التي تخرج بصائر القلوب. إلهي فكيف أنظر إن نظرت إلا إلى رحمتك، وإن غضضت فعلى نعمك تعم جميع خلقك، فهب لي من لدنك ما لا يملك غيرك مما تعلمه يا وهاب يا فعال لما يريد. واجعلني من خاصة أوليائك يا خير مدعو وأكرم راحم إنك أنت على كل شيء قدير.
    وذكر ابونعيم عن محمد بن علي بن حبيش قال سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول: سئلت عن المعرفة وأسبابها، فالمعرفة من الخاصة والعامة هي معرفة واحدة، لأن المعروف بها واحد، ولكن لها أول وأعلى، فالخاصة في أعلاها، وإن كان لا يبلغ منها غاية ولا نهاية، إذ لا غاية للمعروف عند العارفين، وكيف تحيط المعرفة بمن لا تلحقه الفكرة، ولا تحيط به العقول، ولا تتوهمه الأذهان، ولا تكيفه الرؤية. وأعلم خلقه به أشدهم إقراراً بالعجز عن إدراك عظمته، أو تكشف ذاته لمعرفتهم بعجزهم عن إدراك من لا شيء مثله، إذ هو القديم وما سواه محدث، وإذ هو الأزلي وغيره المبدأ، وإذ هو الإله وما سواه مألوه، وإذ هو القوي من غير مقو، وكل قوي فبقوته قوي، وإذ هو العالم من غير معلم، ولا فائدة استفادها من غيره، وكل عالم فبعلمه علم. سبحانه الأول بغير بداية، والباقي بغير بداية، والباقي إلى غير نهاية، ولا يستحق هذا الوصف غيره، ولا يليق بسواه، فأهل الخاصة من أوليائه في أعلى المعرفة من غير أن يبلغوا منها غاية ولا نهاية. والعامة من المؤمنين في أولها ولها شواهد ودلائل من العارفين على أعلاها، وعلى أدناها. فالشاهد على أدناها الإقرار بتوحيد الله، وخلع الأنداد من دونه، والتصديق به وبكتابه وفرضه فيه ونهيه. والشاهد على أعلاها القيام فيه بحقه واتقاؤه في كل وقت، وإيثاره في جميع خلقه واتباع معالي الأخلاق، واجتناب ما لا يقرب منه. فالمعرفة التي فضلت الخاصة على العامة هي عظيم المعرفة في قلوبهم بعظيم القدر والإجلال، والقدرة النافذة والعلم المحيط، والجود والكرم والآلاء، فعظم في قلوبهم قدره وقدر جلالته وهيبته، ونفاذ قدرته، وأليم عذابه وشدة بطشه، وجزيل ثوابه وكرمه وجوده بجنته وتحننه، وكثرة أياديه ونعمه وإحسانه، ورأفته ورحمته. فلما عظمت المعرفة بذلك عظم القادر في قلوبهم، فأجلوه وهابوه وأحبوه، واستحيوا منه وخافوه ورجوه، فقاموا بحقه واجتنبوا كل ما نهى عنه، وأعطوه المجهود من قلوبهم وأبدانهم. أزعجهم على ذلك ما استقر في قلوبهم من عظيم المعرفة بعظيم قدره وقدر ثوابه وعقابه، فهم أهل الخاصة من أوليائه. فلذلك قيل فلان بالله عارف، وفلان بالله عالم، لما رأوه مجلاً هائباً راهباً راجياً طالباً مشتاقاً ورعاً متقياً باكياً حزيناً خاضعاً متذللاً. فلما ظهرت منهم هذه الأخلاق عرف المسلمون أنهم بالله أعرف وأعلم من عوام المسلمين، وكذلك وصفهم الله فقال: إنما يخشى الله من عباده العلماء . فاطر 38 . وقال داود عليه السلام: إلهي ما علم من لم يخشك، فالمعرفة التي فضلت بها الخاصة العامة هي عظيم المعرفة، فإذا عظمت المعرفة بذلك واستقرت ولزمت القلوب صارت يقيناً قوياً فكملت حينئذ أخلاق العبد وتطهر من الأدناس، فنال به عظيم المعرفة بعظيم القدر والجلال، والتذكر والتفكر في الخلق كيف خلقهم، وأتقن صنعتهم، وفي المقادير كيف قدرها فاتسقت على الهيئات التي هيأها، والأوقات التي وقتها. وفي الأمور كيف دبرها على إرادته ومشيئته، فلم يمتنع منها شيء عن المضي على إرادته، والاتساق على مشيئته. وقد قال بعض أهل العلم: إن النظر في القدرة يفتح باب التعظيم لله في القلب. ومر بعض الحكماء بمالك بن دينار فقال له مالك: عظنا رحمك الله. فقال: بم أعظمك? إنك لو عرفت الله أغناك ذلك عن كل كلام، لكن عرفوه على دلالة أنهم لكان نظروا في اختلاف الليل والنهار، ودوران هذا الفلك، وارتفاع هذا السقف بلا عمد ومجاري هذه الأنهار والبحار، علموا أن لذلك صانعاً ومدبراً لا يعزب عنه مثقال ذرة من أعمال خلقه فعبدوه بدلائله على نفسه، حتى كأنهم عاينوه، والله في دار جلاله عن رؤيته، ففي ذلك دليل أنهم بعظيم قدره أعرف وأعلم، إذ هم له أجل وأهيب.
يعمل...