مذهب الإثبتات بين إثبات الأعضاء وإثبات الصفات

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صهيب محمود السقار
    طالب علم
    • Feb 2008
    • 54

    #1

    مذهب الإثبتات بين إثبات الأعضاء وإثبات الصفات

    لو رجعنا إلى متشابه الكتاب والسنة لوجدنا فيها ألفاظا توهم منها بعض الناس إثبات الجوارح والأعضاء،
    أما أهل السنة فقد بان لهم أن وصف الله عز وجل بالأبعاض والأجزاء يخالف التنزيه. وشارك في هذا التنزيه من سمى هذه النصوص نصوص الصفات
    والحق أنها ألفاظ أضيفت إلى الله عز وجل. وليس كل مضاف صفة. وأولُ من عُرف عنه تسميةُ هذه المضافات بهذه التسمية هو عبد الله بن كُلاب القطان( ) وإنما عدها ابن كلاب من الصفات لغرضين، ليقابل بذلك ما انتشر في عصره من إثباتها على سبيل الجوارح والأعضاء، وليقطع المناظرة في هذه المسألة فكل ما أورده المناظر في هذه المسألة يرد عليه مثله إذا ثبت أنها من صفات الله عز وجل. فإذا قال المعارض مثلاً الوجه يستلزم الأجزاء والأبعاضَ قيل الوجه صفة ولا تستلزم ذلك كما أثبتم العلم ولم يستلزم ذلك. ومن كلام ابن كلاب ظهر ما اشتهر بعده من تقسيم الصفات إلى صفات عقلية يمكن إثباتها بالعقل مع النقل وصفات خبرية يستقل الخبر بإثباتها ولا مدخل للعقل في إثباتها كاليد والوجه ونحوها.
    وكان هذا المذهب على ما يفهم من حكاية الإمام الأشعري مغايراً لقول أهل الحديث لكنه صار فيما بعد قولَ جمهور المحدثين لِما تميز به من تخلصه من الإلزامات والاعتراضات التي يثيرها المخالف وما تميز به من عدم الحاجة معه إلى كثير من الخوض في هذه المسألة في الاحتجاج ودفع الاعتراض كما سبق. فالإمام الأشعري لما حكى قول ابن كلاب حكاه مقابلاً لقول المجسمة وقول أهل الحديث فقال: (قالت المجسمة له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى الجوارح والأعضاء. وقال أصحاب الحديث لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله عز وجل أو جاءت به الرواية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف. وقال عبد الله بن كلاب أطلق اليد والعين والوجه خبراً)( )
    لكن هذا المذهب لما صار إلى بعض الغلاة من المنتسبين إلى أهل الحديث ابتعدوا به عن أصله فأفقدوا لفظ الصفة بعضاً من الهيبة بأمرين
    الأول: أنهم عدوا كل مضاف إلى الله صفة له. بل ربما عدوا من الصفات ما لم يرد مضافاً أصلاً كالفراش مثلاً، لا يضبطهم فيه ضابط.
    والأمر الثاني: أنهم خلطوا بين لفظ الصفات ولفظ الأبعاض خلطاً عجيباً، فإذا كان ابن كلاب قد عدَّ هذه الألفاظَ من الصفات ليقابل مذهب المجسمة الذين عدوها من الأجزاء والأبعاض فإن هؤلاء الغلاة ملأوا أفواههم بلوك هذين المصطلحين حتى غدا لفظ الصفات في كلامهم كأنه مصطلح خاص في لفظ الأبعاض، فيظهر من صنيعهم وكلامهم عدم التفريق بين المصطلحين كأنهما مترادفان على معنى واحد ولكن يحتفظون بلفظ الصفة للتترس به في المناظرة. بل ربما عدوا أبعاض المخلوقين من صفاته أيضاً وهذا يشير إلى عكسه في الخالق.
    ولابد من الإشارة إلى بعض ما يدل على ذلك.
    فمن ذلك قول ابن تيمية رحمه الله في الجواب عن ما حكاه الفخر الرازي عن الحنابلة أنهم يلتزمون الأجزاء والأبعاض: (فإذا كان هذا قوله فمعلوم أن هذا القول الذي حكاه هو قول من يثبت هذه بالمعنى الذي سماه هو أجزاءً وأبعاضاً فتكون هذه صفاتٍ قائمةٌ بنفسها كما هي قائمة بنفسها في الشاهد، كما أن العلم والقدرة قائم بغيره في الغائب والشاهد. لكن لا تقبل التفريق والانفصال كما أن علمه وقدرته لا تقبل الزوال عن ذاته وإن كان المخلوق يمكن مفارقة ما هو قائم به وما هو منه يمكن مفارقة بعض ذلك بعضاً فجواز ذلك على المخلوق لا يقتضي جوازه على الخالق. وقد عُلم أن الخالقَ ليس مماثلاً للمخلوق وأن هذه الصفاتِ وإن كانت أعياناً فليست لحماً ولا عصباً ولا دماً ولا نحو ذلك ولا هي من جنس شيء من المخلوقات..)( ). وحاصله أنه أثبت المعنى الذي سماه الرازي أبعاضاً واعترف بأنها أعيان قائمة بنفسها لا تقبل التفريق والانفصال عن الذات. وهذا هو عين مذهب المجسمة الهشامية.
    وقال أيضاً: (..جميع الناس من المثبتة والنفاة متفقون على أن هذه المعاني التي حكيناها عن خصمك هي التي تظهر للجمهور ويفهمونها من هذه النصوص من غير إنكار منهم لها ولا قصور في خيالهم ووهمهم عنها، والنفاة المعتقدون انتفاءَ هذه الصفات العينية لم يعتقدوا انتفاءها لكونها مردودةً في التخيل والتوهم، ولكن اعتقدوا أن العين التي تكون كذلك هو جسم واعتقدوا أن الباري ليس بجسم فنفوا ذلك.
    ومعلوم أن كون الباري ليس جسماً ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة ولا بمقدمات بينة في الفطرة، بل بمقدمات فيها خفاء وطول وليست مقدماتٍ بينةً ولا متفقاً على قبولها بين العقلاء، بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد. وطوائف كثيرون من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله ويقولون بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسماً وما لا يكون جسماً لا يكون إلا معدوماً ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول)( )
    فأنت ترى في هذا النص أن ابن تيمية رحمه الله يعدُّ هذه الصفات قائمةً بنفسها في الغائب كما هي قائمةٌ بنفسها في الشاهد، ويؤكد هذا المعنى بأن هذه الصفات وإن كانت أعياناً فليست لحماً ولا عصباً لكنها صفات عينية، ثم يعيب على من نفاها لاعتقاده أن العين التي تكون كذلك تكون جسماً والباري ليس بجسم فنفاها عنه. ثم يمهد لهذا القول بالطعن في مقدمات نفي التجسيم ويقرره بأن إثباته أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول وأن نفيه يقتضي عدم الباري سبحانه.
    ويحكي ابن تيمية رحمه الله عن المتكلمين من أهل الإثبات أنهم يفرقون بين العلم والقدرة ونحوها وبين الوجه واليد ونحوها ويعدُّ هذه من الصفات في الغائب والشاهد ويثبت بينهما اختلافاً، وهذا الاختلاف واحد في الشاهد والغائب فيقول: (..بل نقول كما يعلم الفرق في صفاتنا بين العلم والقدرة وبين الوجه واليد ونحوهما- فإن الحقائق لا تختلف شاهداً ولا غائباً كما يفرق في حقنا بين العلم والقدرة والسمع والبصر فلكل صفة من هذه خاصة ليست للأخرى -كذلك هذه العقيدة في حق الله وإن قيل إن ذلك يقتضي التكثر والتعدد. وكذلك نفرق بين الوجه واليد والعين وبين العلم والقدرة ونحو ذلك وإن قيل هذا يقتضي التجسيم والتركيب والتأليف لكن علمنا أن ذاته ليست مثل ذوات المخلوقين وعلمنا أن هذه الصفات جميعَها ما يفهم أنه عين يقوم بغيره وما يفهم منه أنه معنى قائمٌ بغيره نعلم أن جميع صفات الرب ليست كصفات المخلوقين فإن الشرع والعقل قد نفى المماثلة، والشرع والعقل يثبتان أصل الصفات كما يثبتان الذات فإن إثباتَ ذات لا تقوم بنفسها ممتنع في العقل، وإثباتُ قائم بنفسه يمتنع وصفه بهذه الصفات ممتنع في العقل، بل العقل يوجب أن الذات القائمة بنفسها لا تكون إلا بمثل هذه الصفات)( )
    وأنت ترى ما آل إليه عد هذه الألفاظ من الصفات فقد استحال لفظ الصفات مرادفاً للفظ الأبعاض في الخالق والمخلوق والغائب والشاهد، ولم يُبقِِ إثبات الأعيان التي تقوم بغيرها وما تقتضيه من التكثر والتركيب بقية لمعنى الصفة.
    وإذا انتقلت إلى كلام المعاصرين وجدتَ مثلَ هذا الخلطِ والتخليط بين المصطلحين فمن ذلك أن ابن عثيمين رحمه الله يخلط بين لفظ الصفات ولفظ الأعضاء فيقول: (لا يصح في ضابط الإثبات الاعتماد على مجرد الإثبات بلا تشبيه، لأنه لو صح ذلك لجاز أن يُثبت المفتري لله أعضاء كثيرةً مع نفي التشبيه فيقول إن لله كبداً لا كأكباد العباد وأمعاءً لا كأمعائهم ونحو ذلك مما يتنزه الله تعالى عنه كما أن له وجهاً لا كوجوههم )( )
    وقال أيضا في هذه الصفات الخبرية: (..لانقول إنها أجزاء وأبعاض بل نتحاشا هذا اللفظ لكن مسماها لنا أجزاء وأبعاض لأن الجزء والبعض ما جاز انفصاله عن الكل فالرب لا يتصور أن شيئاً من هذه الصفات كاليد أن تزول أبداً لأنه موصوف بها أزلاً وأبداً ولهذا لا نقول إنها أجزاء وأبعاض)( ) ولا يخفى أن هذا النص فيه إثباتُ المعنى المحظور مع تحاشي اللفظ.

    تجد هذا البحث كاملا في موقع العبد الفقير
  • سليم حمودة الحداد
    طالب علم
    • Feb 2007
    • 710

    #2
    بارك الله لنا فيكم يا شيخ صهيب ..
    و نفع الله بكم المسلمين و كثّر فينا من أمثالكم ..
    لقد زرت موقعكم منذ مدة و استفدت مما فيه ..
    و استمعت إلى بعض خطبكم فألفيتها غاية في الجمال و التأثير ..
    لقد سعدت للغاية بخطبكم و روعة أسلوبكم و فصاحتكم ..
    و اطلعت على بعض الكتب في الموقع و لكنني تأسفت لما لم أستطع الاستفادة من البعض الآخر فرابط المكتبة لا يعمل ..
    جزاكم الله عنا و المسلمين خيرا ..فلا تحرمنا من دعائك الجميل يا شيخ ..

    تعليق

    يعمل...