بسم الله الرحمن رحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . هذا بحث مختصر أذكر فيه بعض أثر الأخذ بظواهر النصوص المتشابهة في انحراف بعض الطوائف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
وقد عرضت إلى ثلاث طوائف هم :القدرية ،والحلولية ،والجهوية: ليرى الواقف على ذلك كيف يكون الضلال إذا أخذ الإنسان بنصوص المتشابه وترك المحكم المعارض لها من البراهين والأدلة القاطعة .ولابد أن أذكر بعض الأصول المسلمات عند أهل القبلة قبل أن ندخل في الأمثلة .
الأصل الأول: أن الله جل جلاله هو القديم بلاابتداء كان لايوجد شيء معه فكل ماسواه حادث أحدثه الله تعالى .قال الله تعالى ((هو الأول والأخر والظاهر والباطن)) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كان الله ولا شيء معه )).
الأصل الثاني:أن من أدق الصفات التي يميز بها بين القديم والحادث هو أن القديم عزوجل لا يتغير ،بينما الحادثات تتغير فكل متغير حادث .وقد استدل نبي الله إبراهيم عليه السلام بأفول الشمس والقمر على عدم أولهيتها ((فلما أفلت قال لا أحب الآفلين) ولا معنى يستفاد من ذلك إلا أن التغير يدل على عدم كونها أرباباًحقيقة .ولا يعني ذلك أن المشاهد الذي لا يغيب يصح كونه رباً . فتبين أنه أراد معنى التغير الدال على الحدوث.
ولاشك أن التغير لايكون إلا من حال نقص إلى كمال أو العكس وهذا يدل على الحدوث.فسبحان الله الذي لايتغير ولا يتبدل .
الأصل الثالث:أن الله سبحانه وتعالى لايشبهه شيء، والأشياء الحادثة: إما أنها غير مركبة وهي ما تسمى اصطلاحاً بالجوهر أو مركبة مؤلفة وهي ما تسمى بالأجسام ،أو أعراض تقوم بهذه الأجسام والجواهر كالألوان ،والتغيرات والاضطربات الحركية ونحو ذلك ،فالله جل جلاله ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض فلا يشبه شيء من هذه الأشياء.لأن الله سبحانه وتعالى يختلف اختلافاً تاماً من جميع الوجوه عن الحادثات.قال تعالى((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) وقال((ولم يكن له كفوا أحد))وقال((هل تعلم له سمياً))أي شبيهاً.
الأصل الرابع:أن إثبات العقيدة لا يكون إلا بالأدلة القطعية الثبوت والدلالة ،ويجوزبالأدلة الظنية الثبوت والدلالة لكن بشرط ألا تخالف الأدلة القطعية فإن خالفت الأدلة القطعية فهي إما أدلة غير ثابتة الإسناد أو لمعناها تأويل على معنى صحيح يليق بالله تعالى ويتوافق مع الأدلة القطعية ولا يخالفها.
الأصل الخامس:أن ماخالف الأدلة النقلية القاطعة والأدلة العقلية القاطعة فهو من المتشابه الذي لا يجوز فهم معناه على الظاهر المتبادر إلى بعض الأذهان .
الأصل السادس :أن كل نقص فهو منفي عن الله تعالى .وكل كمال ليس فيه نقص بأي وجه من الوجوه فنثبته لله تعالى .
إذا علمنا هذه الأصول فنشرع في عرض موضوع البحث وبالله التوفيق.
أولاً :أخذ القدرية بظاهر النصوص في صفة العلم:هذه من الضلالات التي وقع فيها المبتدعة من غلاة القدرية حيث قالوا أن بعض الأمور لايعلمها الله سبحانه وتعالى إلا بعد وقوعها واستدلوا على ذلك بالنصوص التالية:
1ـ قوله تعالى في سورة البقرة { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } فأخذوا الآية بظاهرها وقالوا جعل الله القبلة لغرض أن يعلم من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه سبحانه وتعالى لم يكن يعلم بهذا الشيء فيريد أن يعلم.
2ـ وقوله تعالى { أفحسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم }
[ آل عمران : 142 ] قالوا لا يعلم من الذي من خلقه سيجاهد ويصبر ليدخل الجنة !!
3ـ وقوله تعالى{ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا}قالوا :هو يريد أن يبعثهم حتى يعلم مالم يكن يعلم من قبل !!!
4ـ وقول الله تعالى { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم } قالوا:فهو يبتليهم ليعلم مالم يكن يعلم سبحانه وتعالى عما يقولون.!!
5ـ وقوله تعالى ((وما كان له عليهم من سلطان الا لنعلم من يؤمن بالاخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ ))سورة سبأ- آية 21 فقال القدرية:يريد الله أن يعلم من يؤمن بالأخرة لأنه لم يكن يعلم بذلك . سبحانه وتعالى عما يقولون.
6ـ وقوله تعالى ((وما اصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين)) سورة آل عمران آية 166
قالوا يريد أن يعلم المؤمنين وهم الذين يثبتون في الجهاد لأنه لم يكن يعلم .!!
7ـ وقوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله ايديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم))
المائدة آية 94 قالوا:لا يعلم من يخافه بالغيب إلا بعد هذا الابتلاء كما هو نص الآية.!
8ـ ((لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز )) سورة الحديد
وهكذا فهم أخذوا النصوص الواردة على ظاهرها ،فوقعوا في بدعة كفرية عظيمة .
وجواب أهل السنة والجماعة كان جواباً واضحاً صريحاً وهو: أن هذه الآيات من المتشابه الذي لايؤخذ على ظاهره بل يأول تأويلاً صحيحاً لغة وشرعاً .ليدفع شبهة القدرية الجفاة وذلك لايمكن إلا بتأويل الآيات على معنى صحيح يليق بالله تعالى .
فكان جواب أهل الحق والسنة عن هذه الآيات بالأجوبة التالية :أولاً:أننا نقطع يقيناً بأن الجهل نقص عظيم والله سبحانه وتعالى له الكمال المطلق وما ينبغي له سبحانه وتعالى النقص في ذاته ولا صفاته ومنها العلم ،وهذا أصل قطعي وما ورد من الآيات التي توهم منها المبتدعة أن الله لايعلم بعض الأمور إلا بعد وقوعها مؤولة بمعاني أخرى لا تنافي كمال الله تعالى فلا يجوز أخذ هذه النصوص على ظاهرها .
ثانياً: أن أدلة النقل الصحيحة وأدلة العقل القاطعة تدل على أن الله تعالى قديم غير حادث وصفات الله ملازمة له فهي قديمة غير حادثة ومنها العلم .
ثالثاً:أنه قد ورد في كتاب الله تعالى آيات محكمة تدل على كمال الله تعالى المطلق وعلى أن علمه غير محدود فلا يترك النص المحكم من أجل النص المتشابه لأن هذا طريق أهل الضلال كما قال الله تعالى ((فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)).
وقد وردت نصوص محكمات تدل على أن الله قد علم كل الأمور قبل وجودها فقال تعالى ((وهو بكل شيء عليم))
وقال تعالى ((يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولايحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض))
وقال تعالى ((عالم الغيب والشهادة )) وقال تعالى ((يعلم مافي السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون وهو عليم بذات الصدور )). وقال النبي صلى الله عليه وسلم((لما خلق الله القلم قال له اكتب فكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة ))
رابعاً :إذا تحقق ما ذكرناه في النقاط السابقة فهذا سرد لبعض أقوال أهل السنة في تأويل معاني هذه النصوص التي تعلق بها القدرية .
التأويل الأول:قال الإمام ابن جريرالطبري في تفسير آية الكهف ( ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى ) يقول:ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددا من رقدتهم، لينظر عبادي فيعلموا بالبحث، أي الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر مبلغ مكث الفتية في كهفهم رقودا أحصى لما لبثوا أمدا . انتهى كلام ابن جرير.وهو نفس الوجه الثاني من الوجوه التي ذكرها البيهقي في ما يأتي قريباً.
التأويل الثاني: ما ذهب إليه جماعة من العلماء ومنهم الفراء : وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين ، ومثاله أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا ، فيقول الجاهل : الحطب يحرق النار ، ويقول العاقل : بل النار تحرق الحطب ، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه : لنعلم أينا الجاهل ، فكذلك قوله : { إلا لنعلم } إلا لتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام : الاستمالة والرفق في الخطاب ، كقوله : { وإنا أو إياكم لعلى هدى } [ سبأ : 24 ] فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقا للخطاب ورفقا بالمخاطب ، فكذا قوله : { إلا لنعلم } .وقد ذكر نحوه الإمام البيهقي في الأسماء والصفات .حيث قال الإمام البيهقي بسنده إلى :يحيى بن زياد الفراء ، في قوله عز وجل : {وما كان له عليهم من سلطان} أي حجة يضلهم به إلا أنا سلطناه عليهم لنعلم من يؤمن بالآخرة قال : فإن قال قائل : إن الله خبرهم بتسليط إبليس وبغير تسليطه قلت : مثل هذا في القرآن كثير.قال الله عز وجل : {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} وهو يعلم المجاهدين والصابرين بغير ابتلاء ففيه وجهان : أحدهما أن العرب تشترط للجاهل إذا كلمته شبه هذا شرطا تسنده إلى أنفسها وهي عالمة ، ومخرج الكلام كأنه لمن لا يعلم : من ذلك أن يقول القائل : النار تحرق الحطب ، فيقول الجاهل : بل الحطب يحرق النار فيقول العالم : سنأتي بحطب ونار لنعلم أيهما يأكل صاحبه ، أو قال : أيهما يحرق صاحبه ، وهو عالم فهذا وجه بين والوجه الآخر أن يقول : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ، معناه حتى نعلم عندكم ، فكأن الفعل لهم في الأصل ومثله مما يدلك عليه قوله : {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} أي عندكم يا كفرة ، ولم يقل عندكم وـ وإن كان ـ ذلك معناه ومثله : {ذق إنك أنت العزيز الكريم} أي ـ كريم ـ عند نفسك إذا كنت تقوله في دنياك ، ومثله قال الله لعيسى : {أأنت قلت للناس} وهو يعلم ما يقول وما يجيبه ، فرد عليه عيسى ، وعيسى يعلم أن الله لا يحتاج إلى إجابته ، فكما صلح أن يسأل عما يعلم ويلتمس من عبده ونبيه الجواب ، فكذلك يشترط ما يعلم من فعل نفسه حتى كأنه عند الجاهل لا يعلم ، وحكى المزني عن الشافعي رضي الله عنه في قوله تعالى : {وما جعلنا القبلةالتي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول} يقول : إلا لنعلم أن قد علمتم من يتبع الرسول ، وعلم الله تعالى كان قبل اتباعهم وبعده سواء وقال غيره : إلا لنعلم من يتبع الرسول بوقوع الاتباع منه كما علمنا قبل ذلك أنه يتبعه. انتهى كلام الإمام البيهقي
التأويل الثالث: تأويل بثمرة العلم وهو: التمييز فمعنى الآيات إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق ، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون ، فسمي التمييز علماً ، لأنه أحد فوائد العلم وثمراته.
التأويل الثالث: { إلا لنعلم } معناه : إلا لنرى ، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم كقوله تعالى : { ألم تر كيف فعل ربك بعاد} [ الفجر : 6 ] أي ألم تعلم
وقوله تعالى {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } ومعناه ألم تعلم [ الفيل : 1 ]
إذن كلمت رأيت ، وعلمت ، وشهدت ، ألفاظ متعاقبة .
التأويل الرابع : أي كما يقول الملك : فتحنا البلدة الفلانية بمعنى : فتحها أولياؤنا ، ومنه يقال : فتح عمر السواد رغم أن عمر لم يفتح ولم يحضر وإنما الفاتح هو جيشه والعرب تستعمل هذا في لغتهم والقرآن جاء بلغة العرب.فهذا أحد التأويلات فلا تحمل الآية على ظاهرها بل تأول بما يليق بالله تعالى لأن حملها على ظاهرها كفر .ولذا كفر العلماء هؤلاء القدرية الجفاة .
فتلك بعض تأويلات أهل السنة رداً على القدرية ويجرى هذا التأويل في جميع الآيات السابقة حسب الإمكان .
وفيه فوائد:
1ـ أن القدرية ضلوا لأخذهم بظواهر النصوص وتفسيرها بالمعنى المتبادر إلى الذهن .
2ـ أنه يجب صرف الآيات عن المعنى المتبادر إلى الأذهان ،وذلك لأن حملها على ظاهر المعنى لايليق بالله تعالى لأنه يقتضي نسبة النقص لله سبحانه وتعالى .وقد علم استحالة ذلك نقلاً وعقلاً.فكان الرجوع للنصوص المحكمة وترك المتشابهة واجب محتم .
3ـ أنهم عالجوا هذه الشبهات بالتأويل على معنى لآئق بالله تعالى سائغ في لغة العرب.
يتبع
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . هذا بحث مختصر أذكر فيه بعض أثر الأخذ بظواهر النصوص المتشابهة في انحراف بعض الطوائف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
وقد عرضت إلى ثلاث طوائف هم :القدرية ،والحلولية ،والجهوية: ليرى الواقف على ذلك كيف يكون الضلال إذا أخذ الإنسان بنصوص المتشابه وترك المحكم المعارض لها من البراهين والأدلة القاطعة .ولابد أن أذكر بعض الأصول المسلمات عند أهل القبلة قبل أن ندخل في الأمثلة .
الأصل الأول: أن الله جل جلاله هو القديم بلاابتداء كان لايوجد شيء معه فكل ماسواه حادث أحدثه الله تعالى .قال الله تعالى ((هو الأول والأخر والظاهر والباطن)) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كان الله ولا شيء معه )).
الأصل الثاني:أن من أدق الصفات التي يميز بها بين القديم والحادث هو أن القديم عزوجل لا يتغير ،بينما الحادثات تتغير فكل متغير حادث .وقد استدل نبي الله إبراهيم عليه السلام بأفول الشمس والقمر على عدم أولهيتها ((فلما أفلت قال لا أحب الآفلين) ولا معنى يستفاد من ذلك إلا أن التغير يدل على عدم كونها أرباباًحقيقة .ولا يعني ذلك أن المشاهد الذي لا يغيب يصح كونه رباً . فتبين أنه أراد معنى التغير الدال على الحدوث.
ولاشك أن التغير لايكون إلا من حال نقص إلى كمال أو العكس وهذا يدل على الحدوث.فسبحان الله الذي لايتغير ولا يتبدل .
الأصل الثالث:أن الله سبحانه وتعالى لايشبهه شيء، والأشياء الحادثة: إما أنها غير مركبة وهي ما تسمى اصطلاحاً بالجوهر أو مركبة مؤلفة وهي ما تسمى بالأجسام ،أو أعراض تقوم بهذه الأجسام والجواهر كالألوان ،والتغيرات والاضطربات الحركية ونحو ذلك ،فالله جل جلاله ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض فلا يشبه شيء من هذه الأشياء.لأن الله سبحانه وتعالى يختلف اختلافاً تاماً من جميع الوجوه عن الحادثات.قال تعالى((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) وقال((ولم يكن له كفوا أحد))وقال((هل تعلم له سمياً))أي شبيهاً.
الأصل الرابع:أن إثبات العقيدة لا يكون إلا بالأدلة القطعية الثبوت والدلالة ،ويجوزبالأدلة الظنية الثبوت والدلالة لكن بشرط ألا تخالف الأدلة القطعية فإن خالفت الأدلة القطعية فهي إما أدلة غير ثابتة الإسناد أو لمعناها تأويل على معنى صحيح يليق بالله تعالى ويتوافق مع الأدلة القطعية ولا يخالفها.
الأصل الخامس:أن ماخالف الأدلة النقلية القاطعة والأدلة العقلية القاطعة فهو من المتشابه الذي لا يجوز فهم معناه على الظاهر المتبادر إلى بعض الأذهان .
الأصل السادس :أن كل نقص فهو منفي عن الله تعالى .وكل كمال ليس فيه نقص بأي وجه من الوجوه فنثبته لله تعالى .
إذا علمنا هذه الأصول فنشرع في عرض موضوع البحث وبالله التوفيق.
أولاً :أخذ القدرية بظاهر النصوص في صفة العلم:هذه من الضلالات التي وقع فيها المبتدعة من غلاة القدرية حيث قالوا أن بعض الأمور لايعلمها الله سبحانه وتعالى إلا بعد وقوعها واستدلوا على ذلك بالنصوص التالية:
1ـ قوله تعالى في سورة البقرة { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } فأخذوا الآية بظاهرها وقالوا جعل الله القبلة لغرض أن يعلم من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه سبحانه وتعالى لم يكن يعلم بهذا الشيء فيريد أن يعلم.
2ـ وقوله تعالى { أفحسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم }
[ آل عمران : 142 ] قالوا لا يعلم من الذي من خلقه سيجاهد ويصبر ليدخل الجنة !!
3ـ وقوله تعالى{ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا}قالوا :هو يريد أن يبعثهم حتى يعلم مالم يكن يعلم من قبل !!!
4ـ وقول الله تعالى { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم } قالوا:فهو يبتليهم ليعلم مالم يكن يعلم سبحانه وتعالى عما يقولون.!!
5ـ وقوله تعالى ((وما كان له عليهم من سلطان الا لنعلم من يؤمن بالاخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ ))سورة سبأ- آية 21 فقال القدرية:يريد الله أن يعلم من يؤمن بالأخرة لأنه لم يكن يعلم بذلك . سبحانه وتعالى عما يقولون.
6ـ وقوله تعالى ((وما اصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين)) سورة آل عمران آية 166
قالوا يريد أن يعلم المؤمنين وهم الذين يثبتون في الجهاد لأنه لم يكن يعلم .!!
7ـ وقوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله ايديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم))
المائدة آية 94 قالوا:لا يعلم من يخافه بالغيب إلا بعد هذا الابتلاء كما هو نص الآية.!
8ـ ((لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز )) سورة الحديد
وهكذا فهم أخذوا النصوص الواردة على ظاهرها ،فوقعوا في بدعة كفرية عظيمة .
وجواب أهل السنة والجماعة كان جواباً واضحاً صريحاً وهو: أن هذه الآيات من المتشابه الذي لايؤخذ على ظاهره بل يأول تأويلاً صحيحاً لغة وشرعاً .ليدفع شبهة القدرية الجفاة وذلك لايمكن إلا بتأويل الآيات على معنى صحيح يليق بالله تعالى .
فكان جواب أهل الحق والسنة عن هذه الآيات بالأجوبة التالية :أولاً:أننا نقطع يقيناً بأن الجهل نقص عظيم والله سبحانه وتعالى له الكمال المطلق وما ينبغي له سبحانه وتعالى النقص في ذاته ولا صفاته ومنها العلم ،وهذا أصل قطعي وما ورد من الآيات التي توهم منها المبتدعة أن الله لايعلم بعض الأمور إلا بعد وقوعها مؤولة بمعاني أخرى لا تنافي كمال الله تعالى فلا يجوز أخذ هذه النصوص على ظاهرها .
ثانياً: أن أدلة النقل الصحيحة وأدلة العقل القاطعة تدل على أن الله تعالى قديم غير حادث وصفات الله ملازمة له فهي قديمة غير حادثة ومنها العلم .
ثالثاً:أنه قد ورد في كتاب الله تعالى آيات محكمة تدل على كمال الله تعالى المطلق وعلى أن علمه غير محدود فلا يترك النص المحكم من أجل النص المتشابه لأن هذا طريق أهل الضلال كما قال الله تعالى ((فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)).
وقد وردت نصوص محكمات تدل على أن الله قد علم كل الأمور قبل وجودها فقال تعالى ((وهو بكل شيء عليم))
وقال تعالى ((يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولايحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض))
وقال تعالى ((عالم الغيب والشهادة )) وقال تعالى ((يعلم مافي السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون وهو عليم بذات الصدور )). وقال النبي صلى الله عليه وسلم((لما خلق الله القلم قال له اكتب فكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة ))
رابعاً :إذا تحقق ما ذكرناه في النقاط السابقة فهذا سرد لبعض أقوال أهل السنة في تأويل معاني هذه النصوص التي تعلق بها القدرية .
التأويل الأول:قال الإمام ابن جريرالطبري في تفسير آية الكهف ( ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى ) يقول:ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددا من رقدتهم، لينظر عبادي فيعلموا بالبحث، أي الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر مبلغ مكث الفتية في كهفهم رقودا أحصى لما لبثوا أمدا . انتهى كلام ابن جرير.وهو نفس الوجه الثاني من الوجوه التي ذكرها البيهقي في ما يأتي قريباً.
التأويل الثاني: ما ذهب إليه جماعة من العلماء ومنهم الفراء : وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين ، ومثاله أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا ، فيقول الجاهل : الحطب يحرق النار ، ويقول العاقل : بل النار تحرق الحطب ، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه : لنعلم أينا الجاهل ، فكذلك قوله : { إلا لنعلم } إلا لتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام : الاستمالة والرفق في الخطاب ، كقوله : { وإنا أو إياكم لعلى هدى } [ سبأ : 24 ] فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقا للخطاب ورفقا بالمخاطب ، فكذا قوله : { إلا لنعلم } .وقد ذكر نحوه الإمام البيهقي في الأسماء والصفات .حيث قال الإمام البيهقي بسنده إلى :يحيى بن زياد الفراء ، في قوله عز وجل : {وما كان له عليهم من سلطان} أي حجة يضلهم به إلا أنا سلطناه عليهم لنعلم من يؤمن بالآخرة قال : فإن قال قائل : إن الله خبرهم بتسليط إبليس وبغير تسليطه قلت : مثل هذا في القرآن كثير.قال الله عز وجل : {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} وهو يعلم المجاهدين والصابرين بغير ابتلاء ففيه وجهان : أحدهما أن العرب تشترط للجاهل إذا كلمته شبه هذا شرطا تسنده إلى أنفسها وهي عالمة ، ومخرج الكلام كأنه لمن لا يعلم : من ذلك أن يقول القائل : النار تحرق الحطب ، فيقول الجاهل : بل الحطب يحرق النار فيقول العالم : سنأتي بحطب ونار لنعلم أيهما يأكل صاحبه ، أو قال : أيهما يحرق صاحبه ، وهو عالم فهذا وجه بين والوجه الآخر أن يقول : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ، معناه حتى نعلم عندكم ، فكأن الفعل لهم في الأصل ومثله مما يدلك عليه قوله : {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} أي عندكم يا كفرة ، ولم يقل عندكم وـ وإن كان ـ ذلك معناه ومثله : {ذق إنك أنت العزيز الكريم} أي ـ كريم ـ عند نفسك إذا كنت تقوله في دنياك ، ومثله قال الله لعيسى : {أأنت قلت للناس} وهو يعلم ما يقول وما يجيبه ، فرد عليه عيسى ، وعيسى يعلم أن الله لا يحتاج إلى إجابته ، فكما صلح أن يسأل عما يعلم ويلتمس من عبده ونبيه الجواب ، فكذلك يشترط ما يعلم من فعل نفسه حتى كأنه عند الجاهل لا يعلم ، وحكى المزني عن الشافعي رضي الله عنه في قوله تعالى : {وما جعلنا القبلةالتي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول} يقول : إلا لنعلم أن قد علمتم من يتبع الرسول ، وعلم الله تعالى كان قبل اتباعهم وبعده سواء وقال غيره : إلا لنعلم من يتبع الرسول بوقوع الاتباع منه كما علمنا قبل ذلك أنه يتبعه. انتهى كلام الإمام البيهقي
التأويل الثالث: تأويل بثمرة العلم وهو: التمييز فمعنى الآيات إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق ، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون ، فسمي التمييز علماً ، لأنه أحد فوائد العلم وثمراته.
التأويل الثالث: { إلا لنعلم } معناه : إلا لنرى ، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم كقوله تعالى : { ألم تر كيف فعل ربك بعاد} [ الفجر : 6 ] أي ألم تعلم
وقوله تعالى {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } ومعناه ألم تعلم [ الفيل : 1 ]
إذن كلمت رأيت ، وعلمت ، وشهدت ، ألفاظ متعاقبة .
التأويل الرابع : أي كما يقول الملك : فتحنا البلدة الفلانية بمعنى : فتحها أولياؤنا ، ومنه يقال : فتح عمر السواد رغم أن عمر لم يفتح ولم يحضر وإنما الفاتح هو جيشه والعرب تستعمل هذا في لغتهم والقرآن جاء بلغة العرب.فهذا أحد التأويلات فلا تحمل الآية على ظاهرها بل تأول بما يليق بالله تعالى لأن حملها على ظاهرها كفر .ولذا كفر العلماء هؤلاء القدرية الجفاة .
فتلك بعض تأويلات أهل السنة رداً على القدرية ويجرى هذا التأويل في جميع الآيات السابقة حسب الإمكان .
وفيه فوائد:
1ـ أن القدرية ضلوا لأخذهم بظواهر النصوص وتفسيرها بالمعنى المتبادر إلى الذهن .
2ـ أنه يجب صرف الآيات عن المعنى المتبادر إلى الأذهان ،وذلك لأن حملها على ظاهر المعنى لايليق بالله تعالى لأنه يقتضي نسبة النقص لله سبحانه وتعالى .وقد علم استحالة ذلك نقلاً وعقلاً.فكان الرجوع للنصوص المحكمة وترك المتشابهة واجب محتم .
3ـ أنهم عالجوا هذه الشبهات بالتأويل على معنى لآئق بالله تعالى سائغ في لغة العرب.
يتبع
تعليق