حكم إثبات التجسيم بين الحزم في إبطال المقالة والورع في تعميم الحكم على من نسب إليها

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صهيب محمود السقار
    طالب علم
    • Feb 2008
    • 54

    #1

    حكم إثبات التجسيم بين الحزم في إبطال المقالة والورع في تعميم الحكم على من نسب إليها

    المبحث الثالث: حكم إثبات الجسم ولوازمه في وصف الباري سبحانه
    ينبغي في نقد مقالة من المقالات التمييز بين الحكم بمناقضتها لأصل من أصول الدين وقواطعِ النقل والعقل، وبين الحكم بتكفير صاحب المقالة. وينبغي أن نخص كلاً من هذين الحكمين بنظر يوصل إليه. فمن الخطر أن نقنع في الحكم بالتكفير بالوصول إلى الحكم بمخالفة القواطع والأصول بحجة اللزوم بين هذين الحكمين.
    ومن الخطأ أيضاً أن يُتصور أن عدم الجزم بتكفير من اختار إحدى المقالات سببه عدم الجزم بمخالفتها لما ثبت في دين الله على سبيل القطع. فكم من مقالة يُعلم مخالفتُها على سبيل القطع ولا يُقطع بكفر صاحبها.
    وقد نبه العلماء على ضرورة هذا التمييز ووجهه فمن ذلك ما أشار إليه الغزالي من التفريق بين النظر في قول هو كذب واعتقادٍ هو جهلٌ مناقض للإسلام وبين النظر في تكفير من قام به هذا الجهل والكذب فقال..المطلوب أن هذا الجهل والكذب هل جعله الشارع سبباً لإبطال عصمته والحكم بأنه مخلد في النار؟ وهو كنظرنا في أن الصبي إذا تكلم بكلمتي الشهادة فهو كافر بعدُ أو مسلم؟ أي أن هذا اللفظ الذي صدر منه وهو صدق والاعتقادَ الذي وجد في قلبه وهو حق هل جعله الشرع سبباً لعصمة دمه وماله أم لا؟ وهذا إلى الشرع. فأما وصف قوله بأنه كذب أو اعتقاده بأنه جهل فليس إلى الشرع فإن معرفة الكذب والجهل يجوز أن يكون عقلياً وأما معرفة كون كافراً أو مسلماً فليس إلا شرعياً، بل هو كنظرنا في الفقه في أن هذا الشخص رقيق أو حر ومعناه أن السبب الذي جرى هل نصبه الشرع مبطلاً لشهادته وولايته ومزيلاً لأملاكه ومسقطاً للقصاص عن سيده المستولي عليه إذا قتله، فيكون كل ذلك طلباً لأحكام شرعية لايُطلب دليلُها إلا من الشرع ويجوز الفتوى في ذلك بالقطع مرة وبالظن والاجتهاد أخرى، فإذا تقرر هذا الأصل فقد قررنا في أصول الفقه وفروعه أن كل حكم شرعي يدعيه مدع فإما أن يعرفه بأصل من أصول الشرع من إجماع أو نقل أو قياس على ذلك الأصل، والأصلُ المقطوع به أن كل من كذب محمداً صلى الله عليه وسلم فهو كافر..إلا أن التكذيب على مراتب )( )
    وجعل الغزالي التشبيه في المرتية الرابعة من مراتب التكذيب مع الذين يصدقون بالواحد سبحانه ويصدقون بنبيه صلى الله عليه وسلم وبأن ما جاء به حق ولكن يعتقدون أموراً تخالف نصوص الشرع بتأويل سائغ عندهم وهو محض الخطأ والشبهة عند المحققين قال: (فهؤلاء أمرهم في محل الاجتهاد. والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا الله خطأ. وقد قال صلى الله عليه وسلم "أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها"( ) . وهذه الفرق منقسمون إلى مسرفين وغلاة وإلى مقتصدين بالإضافة إليهم، ثم المجتهد يرى تكفيرهم وقد يكون ظنُّه في بعض المسائل وعلى بعض الفرق أظهر. وتفصيل آحاد تلك المسائل يطول ثم يثير الفتن والأحقاد فإن أكثر الخائضين في هذا إنما يحركهم التعصب وإتْباعُ تكفيرِ المكذب للرسول وهؤلاء ليسوا بمكذبين أصلاً، ولم يثبت لنا أن الخطأ في التأويل موجب للتكفير فلا بد من دليل عليه، وثبت أن العصمة مستفادة من قول لا إله إلا الله قطعاً فلا يدفع إلا بقاطع. وهذا القدر كاف في التنبيه على إسراف من بالغ في التكفير ليس عن برهان. فإن البرهان إما أصل وإما قياس على أصل والأصل هو التكذيب الصريح ومن ليس بمكذب فليس في معنى المكذب أصلاً فيقى تحت عموم العصمة بكلمة الشهادة)( )
    وقال ابن دقيق العيد: (وقد اختلف الناس في التكفير وسببه حتى صنف فيه مفرداً. والذي يقع النظر في هذا أن مآل المذهب هل هو مذهب أولاً ؟ فمن أكفر المبتدعة قال إن مآل المذهب مذهب فيقول المجسمة كفار لأنهم عبدوا جسماً فهم عابدون لغير الله ومن عبد غيرالله كفر.. والحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة عن صاحبها فإنه حينئذ يكون مكذبا للشرع. وليس مخالفة القواطع مأخذاً للتكفير وإنما مأخذه مخالفة السمعية القطعية طريقاً ودلالة.)( )
    (وقال الامام أبو الحسن السبكي ما دام الانسان يعتقد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فتكفيره صعب، وما يعرض في قلبه من بدعة إن لم تكن مضادة لذلك لا يكفر، وإن كانت مضادة له فإذا عرضت غفلته عنها واعتقادُه للشهادتين مستمرٌ فأرجو أن ذلك يكفيه في الإسلام وأكثر أهل الملة كذلك، ويكون كمسلم ارتد ثم أسلم إلا أن يقال ما كفر به لا بد في إسلامه من توبته عنه. فهذا محل هذه العقائد التى يُكَّفر بها أهل القبلة قد لا يعتقدها صاحبها إلا حين بحثه يوماً لشبهة تعرض له أو مجادلة لغيره وفي أكثر الأوقات يغفل عنها وهو ذاكر للشهادتين لا سيما عند الموت) ( )
    وبناء على ماسبق أختار لنفسي الاقتصاد في الاجتهاد في طلب تكفير من أثبت بعض هذه المسائل التي لم أدخر وسعاً في نقدها والكشفِ عن ما انطوت عليه من الأخطار وتوهينِ ما اعتمدت عليه من الأخبار وتزييف حججها وإقامة القواطع على نقضها. خاصة وأن الحكم لا يمكن أن يكون عاماً في الأشخاص والمسائل، فلا بد من التفريق بين العامي والعالم العارف بمدلولات الألفاظ، ولابد من التفصيل في آحاد المسائل وهذا مما يطول به البحث وتضيع به الفائدة، فكم من مغرض يتربص في مثل هذه البحوث بكلمة ينتزعها ثم يقيم عليها كل طبل وزمر مع شيء من خطابيات الكرامية وتهويلها وشعارتها فيضيع بذلك الانتفاع بمثل هذا البحث.
    لكني أصرح بأن تنزيه الباري سبحانه عن الجسمية ولوازمها ثابت بقواطع النقل والعقل، وأقطع بكفر كل من صرح بإثبات التجسيم بأن قال إن الله جسم كالأجسام.
    وليس كذلك كل من قال قولاً لزمه به إثبات لازم من لوازم الجسم. لأن هذه المسائل التي لم يصرح فيها القائل بالتجسيم يلحقها الظن من طريقين
    المسائل التي لم يصرح فيها القائل بالتجسيم يلحقها الظن من طريقين

    الأول من دلالة الألفاظ في المسألة التي أثبتها المثبت على التجسيم فقد تكون ظنية،
    والثاني أن إثبات التجسيم في بعض هذه المسائل يتفرع على الخلاف في لازم المذهب هل يعد مذهباً؟ فمنهم نفى كونه مذهباً على الإطلاق ومنهم من عده مذهباً على الإطلاق،
    والمعتمد فيه التفصيل والتفريق في موضعين
    الأول: التفريق بين العامي وغيره
    الأول: التفريق بين العامي وغيره فلا يلزم العاميَّ ما يلزم العالم كما صرح بذلك العز بن عبد السلام فقالاعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به ولا داخل فيه ولا خارج عنه لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرَك عسرة الفهم فلأجل هذه المشقة عفا الله عنها في حق العامة. ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يُلزم أحداً ممن أسلم على البحث عن ذلك بل كان يقرهم على ما يعلم أنه لا انفكاك لهم عنه وما زال الخلفاء الراشدون والعلماء المهتدون يقرون على ذلك مع علمهم بأن العامة لم يقفوا على الحق فيه ولم يهتدوا إليه وأجروا عليهم أحكام الإسلام من جواز المناكحات والتوارث والصلاة عليهم إذا ماتوا وتكفينهم وحملهم ودفنهم في مقابر المسلمين ولولا أن الله قد سامحهم بذلك وعفا عنه لعسر الانفصال عنه ولما أجريت عليهم أحكام المسلمين بإجماع المسلمين... وقد رجع الأشعري رحمه الله عند موته عن تكفير أهل القبلة لأن الجهل بالصفات ليس جهلاً بالموصوفات. وقد اختلف في عبارات والمشار إليه واحد. وقد مثل ما ذكره رحمه الله بمن كتب إلى عبيده يأمرهم بأشياء وينهاهم عن أشياء فاختلفوا في صفاته مع اتفاقهم على أنه سيدهم فقال بعضهم هو أكحل العينين وقال آخرون هو أزرق العينين وقال بعضهم هو أدعج العينين وقال بعضهم هو ربعة وقال آخرون بل هو طوال وكذلك اختلفوا في لونه أبيض أو أسود أو أسمر أو أحمر فلا يجوز أن يقال إن اختلافهم في صفته اختلافٌ في كونه سيدهم المستحق لطاعتهم وعبادتهم، فكذلك لا يكون اختلاف المسلمين في صفات الإله اختلافاً في كونه خالقهم وسيدهم المستحق لطاعتهم وعبادتهم. وكذلك اختلف قوم في صفات أبيهم مع اتفاقهم على أنه أصلهم الذي خلقوا من مائه ولا يكون اختلافهم في أوصافه اختلافاً في كونهم نشأوا عنه وخلقوا منه.
    فإن قيل يلزم من الاختلاف في كونه سبحانه في جهة أن يكون حادثاً ؟ قلنا: لازم المذهب ليس بمذهب لأن المجسمة جازمون بأنه في جهة وجازمون بأنه قديم أزلي ليس بمحدث فلا يجوز أن يُنسب إلى مذهبٍ من يصرح بخلافه وإن كان لازما من قوله)( )
    التفريق بين اللازم البين واللازم الخفي
    والموضع الثاني التفريق بين اللازم البين واللازم الخفي( ).وقد صرح المحققون بعدم صحة إطلاق القول في لازم المذهب دفعاً وإلزاماً وخصوا الإلزام باللازم البين( )
    وينبغي أن يكون من صرح بتكفير من أثبت الثقل والتركيب من الأبعاض قد بناه على ما سبق فقد صرح ابن الجوزي بتكفير من أثبت الأبعاض فقالومن ذكر تبعيض الذات كفر بالإجماع)( ) ومثله ما في مغني المحتاج من تكفير من أثبت الجارحة( )
    لكن مع هذا التفصيل ربما لا يتوصل فيه إلى القطع، وربما يظهر لأحد المجتهدين تحصيل القطع بالقرائن فلا يتوقف في التكفير. ومثاله أن يثبت الجهة وأن يثبت معها الاتصال والانفصال والمقدار ويأتي على كثير من لوازم الجسم بحيث تقوم كثرة هذه اللوازم مقام كثرة المخبرين في رفع الظن.
    وبعد التحقيق يبقى أن من يلزمه لازم مذهبه هل يكون اعتقاده الباطن موافقاً لما يلزمه؟ ومن توقفنا في إلزامه بلازم قوله مالذي يمنع أن يكون اعتقاده الباطن موافقاً لما تحرجنا من إلزامه به؟ وهذا لا يمكن الإعتماد فيه على النظر لأنه لا يطلع على ما في الصدور إلا علام الغيوب، كما أن من الناس من يبطن الكفر ويظهر الإسلام فلا مطمع لنا في الشق عن صدره وقد تحصَّل بما أظهر من إعلان الإسلام ظنٌ جعله الشارع حجة في إجراء أحكام الإسلام عليه فدل على أن إظهار الإسلام وإعلان البراءة من الكفر سبب ظني أوجب الشارع اعتباره في وجوب إجراء أحكام الإسلام عند وجوده، ولم يكتف بمثل هذا الظن في إجراء أحكام الكفر عليه، فتجري عليه أحكام المسلم. ولايمنع إجراء أحكام الشرع عليه أن يكون مآله إلى الدرك الأسفل من النار، ولا يدل أيضاً على صحة اعتقاده الباطن، ولا على صحة اعتقاده الذي لم نقطع بدلالة ألفاظه عليه، وعلى هذا يقاس من لم يصرح بإثبات التجسيم لكن لزمه القول به، فهذا الإلزام إذا تعسر القطع به ولم يتحصل فيه إلا على ظن لم يعتبره الشارع في وجوب إجراء أحكام الكفر عليه لم نتجرأ على تكفيره، لأنه إظهارالشهادتين أفاد ظناً جعله الشارع موجباً لإجراء أحكام الإسلام عليه.
    والحاصل أن العلماء فرقوا بين مذهب من صرح بكونه جسما كالأجسام ومذهب من تترس بكونه جسماً لا كالأجسام فاتفقوا على تكفير الأول( ) ويُحتاج في الحكم على الثاني إلى تفصيل ينبغي أن يُنظر فيه إلى خصوصية القائل فإن العامي لا يُلزم بما يُلزم به العالم العارف بمدلولات ألفاظه وينبغي أن يُنظر في خصوصية المسألة التي أثبت فيها لازماً من لوازم الجسم فيفرق بين اللازم البين واللازم الخفي ولايستوي من أثبت لازماً ( ) مع من أتى على لوازم الجسم فلم يُبقِِ منها شيئاً إلا أثبته. والمرجع في ذلك كله إلى ما قدمناه من أن إجراء أحكام الإسلام ربطه الشارع بسبب ظني أما التكفير فلا يقبل فيه الظن.
    على أن التردد في التكفير لا يعني التردد في التبديع وبل صرح بعضهم بالتفريق بينهم وبين أهل التنزيه في أحكام الإسلام. يقول البغدادي بعد ذكر بدع المجسمة وما هو من جنسها من البدع: (وان كانت بدعته من جنس بدع المجسمة فهو من الأمة في بعض الأحكام وهو جواز دفنه في مقابر المسلمين وفى ألا يمنع حظه من الفىء والغنيمة إن غزا مع المسلمين وفي ألا يمنع من الصلاة في المساجد وليس من الأمة في أحكام سواها وذلك ألا تجوز الصلاة عليه ولا خلفه ولا تحل ذبيحته ولا نكاحه لامرأة سنية ولا يحل للسنى أن يتزوج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم. وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للخوارج علينا ثلاث لا نبدأكم بقتال ولا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم من الفىء ما دامت أيديكم مع أيدينا والله أعلم)( )
يعمل...