الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وبعد؛
فإن للعلماء المغاربة رسوخ في علم الكلام ومسائله ومباحثه، وتراثهم المطبوع والكم الهائل المخطوط خير شاهد على ذلك، وقد كان للعديد من العلماء على ممر القرون مساهمة متميزة في إحياء ذلك العلم إما بالتأليف بجميع أنواعه من مطولات ومختصرات ومتوسطات، وإما بالإجابة على الأسئلة المستقلة في رسائل خاصة، وهذه الطريقة قد اختارها بعض العلماء المحققين منهم الشيخ العلامة أحمد بن المبارك السجلماسي الذي كانت بحوثه في علم الكلام عبارة عن رسائل مستقلة واكبت مستجدات عصره، ومن بينها رسالة اشتملت على أجوبة نفيسة صنفها في الرد على أسئلة وجهت له حول مباحث دقيقة ومسائل غميضة في علم الكلام، وهي دالة على دقة السائل على حد دلالتها على دقة المجيب كما سيظهر إن شاء الله تعالى.
وقد كنت قد اعتنيت منذ مدة ببعض تلك الرسائل، ووجدت فيها من التحقيقات والتدقيقات ما يصعب وجوده حتى في المطولات، ولا غرابة في ذلك حيث إن شيخ شيوخ المغرب الحسن بن مسعود اليوسي لم يقض حتى أنجب من خلال الزاوية الدلائلة فحول العلماء والأدباء المغاربة الذين بدورهم تخرج بهم أفاضل أهل عصرهم كالشيخ ابن المبارك السجلماسي، فقد كان إماما في المعقول والمنقول، حاملا لراية الأصول والفروع، وللأسف ما يزال أكثر تراثه مخطوطا يسر الله تعالى للباحثين إبراز بعضه.
وها أنا أنقل نص السؤال الأول الوارد عليه ضمن الأربعة أسئلة التي أجاب عليها، وهو في صفة الإرادة، وأنقل شيئا فشيئا جوابه البديع في ذلك، فاسحا المجال لحذاق المنتدى والمسترشدين المهتدين للبحث في طيات الجواب وما تضمنه من المباحث النفسية والنقول الشريفة، والله الموفق لفهم كلام العلماء وفهم مرادهم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلاَنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ، رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا.
وَبَعْدُ، فَقَدْ أَتَانَا بَعْضُ الأَحْبَابِ بِبطَاقَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى أَسْئِلَةٍ أَرْبَعَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِعِلْمِ الكَلاَمِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْكُرَ فِي الجَوَابِ عَنْهَا مَا ظَهَرَ لِلْعَقْلِ القَاصِرِ وَالنَّظَرِ الفَاتِرِ.
فَالسُّؤَالُ الأَوَّلُ مِنْهَا فِي الإِرَادَةِ. وَنَصُّهُ: مَا قَوْلُكُمْ فِي الإِرَادَةِ؟ فَإِنَّهُ إِنِ اسْتَوَى الشَّيْءُ وَمُقَابِلُهُ فِي التَّرْجِيحِ بِهَا، كَوُجُودِ زَيْدٍ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَوُجُودِهِ فِي غَيْرِهِ، افْتَقَرَتْ إِلَى مُرَجِّحٍ آخَرَ، ثُمَّ ذَلِكَ المُرَجِّحُ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِيَا لَمْ يَتَأَتَّ التَّرْكُ، وَلَزِمَ وُجُوبُ الفِعْلِ، وَبَطَلَ الاِخْتِيَارُ الَّذِي هُوَ كَوْنُ الفَاعِلِ يَتَأَتَّى مِنْهُ الفِعْلُ وَالتَّرْكُ؛ إِذِ التَّرْجِيحُ لِأَحَدِ المُتَقَابِلَيْنِ ذَاتِيٌّ لَهَا، وَالذَّاتِيُّ لاَ يَتَخَلَّفُ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ صِحَّةِ تَرْجِيحِ المُقَابِلِ لِذَاتِهَا، فَلاَ يَعُمُّ تَعَلُّقُهَا جَمِيعَ المُمْكِنَاتِ.
لاَ يُقَالُ: يُمْكِنُ تَعَلُّقُهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لِذَاتِهَا، وَتَعَلُّقُهَا بِخَاصٍّ دُونَ مُقَابِلِهِ لاَ يُنَافِيهِ لِأَنَّهُ عَرَضِيٌّ.
لِأَنَّا نَقُولُ: التَّعَلُّقُ الخَاصُّ إِنْ كَانَ اتِّفَاقِيًّا لَزِمَ الاِفْتِقَارُ إِلَى مُرَجِّحٍ؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ مَعَهُ التَّرْجِيحُ تَبْقَى مَعَهُ مُسَاوَاةُ المُقَابِلِ فِي الإِمْكَانِ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ فِي الوُقُوعِ، وَإِلاَّ لَزِمَ صِحَّةُ التَّرْجِيحِ بِلاَ مُرَجِّحٍ وَسَدُّ بَابِ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ. وَإِنْ كَانَ لُزُومِيًّا كَانَ ذَاتِيًّا وَنَافَى إِمْكَانُ التَّعَلُّقِ إِمْكَانَ التَّعَلُّقِ بِمُقَابِلِهِ دُونَهُ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الذَّاتِيِّ لاَ يَتَخَلَّفُ، لاَ بِذَاتِيٍّ وَلاَ بِعَارِضٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَنْتَفِي عُمُومُ التَّعَلُّقِ لِذَاتِهَا، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ تَسَاوِي المُمْكِنَاتِ فِي الأَمْرِ النَّفْسِيِّ وَهُوَ إِمْكَانُ التَّعَلُّقِ بِكُلٍّ مِنْهَا، كَمَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ الاِخْتِيَارِ الَّذِي هُوَ إِمْكَانُ التَّرْكِ وَالفِعْلِ لِلْمُرِيدِ. انْتَهَى بِحُرُوفِهِ.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وبعد؛
فإن للعلماء المغاربة رسوخ في علم الكلام ومسائله ومباحثه، وتراثهم المطبوع والكم الهائل المخطوط خير شاهد على ذلك، وقد كان للعديد من العلماء على ممر القرون مساهمة متميزة في إحياء ذلك العلم إما بالتأليف بجميع أنواعه من مطولات ومختصرات ومتوسطات، وإما بالإجابة على الأسئلة المستقلة في رسائل خاصة، وهذه الطريقة قد اختارها بعض العلماء المحققين منهم الشيخ العلامة أحمد بن المبارك السجلماسي الذي كانت بحوثه في علم الكلام عبارة عن رسائل مستقلة واكبت مستجدات عصره، ومن بينها رسالة اشتملت على أجوبة نفيسة صنفها في الرد على أسئلة وجهت له حول مباحث دقيقة ومسائل غميضة في علم الكلام، وهي دالة على دقة السائل على حد دلالتها على دقة المجيب كما سيظهر إن شاء الله تعالى.
وقد كنت قد اعتنيت منذ مدة ببعض تلك الرسائل، ووجدت فيها من التحقيقات والتدقيقات ما يصعب وجوده حتى في المطولات، ولا غرابة في ذلك حيث إن شيخ شيوخ المغرب الحسن بن مسعود اليوسي لم يقض حتى أنجب من خلال الزاوية الدلائلة فحول العلماء والأدباء المغاربة الذين بدورهم تخرج بهم أفاضل أهل عصرهم كالشيخ ابن المبارك السجلماسي، فقد كان إماما في المعقول والمنقول، حاملا لراية الأصول والفروع، وللأسف ما يزال أكثر تراثه مخطوطا يسر الله تعالى للباحثين إبراز بعضه.
وها أنا أنقل نص السؤال الأول الوارد عليه ضمن الأربعة أسئلة التي أجاب عليها، وهو في صفة الإرادة، وأنقل شيئا فشيئا جوابه البديع في ذلك، فاسحا المجال لحذاق المنتدى والمسترشدين المهتدين للبحث في طيات الجواب وما تضمنه من المباحث النفسية والنقول الشريفة، والله الموفق لفهم كلام العلماء وفهم مرادهم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلاَنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ، رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا.
وَبَعْدُ، فَقَدْ أَتَانَا بَعْضُ الأَحْبَابِ بِبطَاقَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى أَسْئِلَةٍ أَرْبَعَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِعِلْمِ الكَلاَمِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْكُرَ فِي الجَوَابِ عَنْهَا مَا ظَهَرَ لِلْعَقْلِ القَاصِرِ وَالنَّظَرِ الفَاتِرِ.
فَالسُّؤَالُ الأَوَّلُ مِنْهَا فِي الإِرَادَةِ. وَنَصُّهُ: مَا قَوْلُكُمْ فِي الإِرَادَةِ؟ فَإِنَّهُ إِنِ اسْتَوَى الشَّيْءُ وَمُقَابِلُهُ فِي التَّرْجِيحِ بِهَا، كَوُجُودِ زَيْدٍ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَوُجُودِهِ فِي غَيْرِهِ، افْتَقَرَتْ إِلَى مُرَجِّحٍ آخَرَ، ثُمَّ ذَلِكَ المُرَجِّحُ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِيَا لَمْ يَتَأَتَّ التَّرْكُ، وَلَزِمَ وُجُوبُ الفِعْلِ، وَبَطَلَ الاِخْتِيَارُ الَّذِي هُوَ كَوْنُ الفَاعِلِ يَتَأَتَّى مِنْهُ الفِعْلُ وَالتَّرْكُ؛ إِذِ التَّرْجِيحُ لِأَحَدِ المُتَقَابِلَيْنِ ذَاتِيٌّ لَهَا، وَالذَّاتِيُّ لاَ يَتَخَلَّفُ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ صِحَّةِ تَرْجِيحِ المُقَابِلِ لِذَاتِهَا، فَلاَ يَعُمُّ تَعَلُّقُهَا جَمِيعَ المُمْكِنَاتِ.
لاَ يُقَالُ: يُمْكِنُ تَعَلُّقُهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لِذَاتِهَا، وَتَعَلُّقُهَا بِخَاصٍّ دُونَ مُقَابِلِهِ لاَ يُنَافِيهِ لِأَنَّهُ عَرَضِيٌّ.
لِأَنَّا نَقُولُ: التَّعَلُّقُ الخَاصُّ إِنْ كَانَ اتِّفَاقِيًّا لَزِمَ الاِفْتِقَارُ إِلَى مُرَجِّحٍ؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ مَعَهُ التَّرْجِيحُ تَبْقَى مَعَهُ مُسَاوَاةُ المُقَابِلِ فِي الإِمْكَانِ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ فِي الوُقُوعِ، وَإِلاَّ لَزِمَ صِحَّةُ التَّرْجِيحِ بِلاَ مُرَجِّحٍ وَسَدُّ بَابِ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ. وَإِنْ كَانَ لُزُومِيًّا كَانَ ذَاتِيًّا وَنَافَى إِمْكَانُ التَّعَلُّقِ إِمْكَانَ التَّعَلُّقِ بِمُقَابِلِهِ دُونَهُ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الذَّاتِيِّ لاَ يَتَخَلَّفُ، لاَ بِذَاتِيٍّ وَلاَ بِعَارِضٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَنْتَفِي عُمُومُ التَّعَلُّقِ لِذَاتِهَا، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ تَسَاوِي المُمْكِنَاتِ فِي الأَمْرِ النَّفْسِيِّ وَهُوَ إِمْكَانُ التَّعَلُّقِ بِكُلٍّ مِنْهَا، كَمَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ الاِخْتِيَارِ الَّذِي هُوَ إِمْكَانُ التَّرْكِ وَالفِعْلِ لِلْمُرِيدِ. انْتَهَى بِحُرُوفِهِ.
تعليق