أجوبة العلامة أحمد بن المبارك السجلماسي على أسئلة في علم الكلام

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #1

    أجوبة العلامة أحمد بن المبارك السجلماسي على أسئلة في علم الكلام

    الحمد لله رب العالمين
    والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وبعد؛


    فإن للعلماء المغاربة رسوخ في علم الكلام ومسائله ومباحثه، وتراثهم المطبوع والكم الهائل المخطوط خير شاهد على ذلك، وقد كان للعديد من العلماء على ممر القرون مساهمة متميزة في إحياء ذلك العلم إما بالتأليف بجميع أنواعه من مطولات ومختصرات ومتوسطات، وإما بالإجابة على الأسئلة المستقلة في رسائل خاصة، وهذه الطريقة قد اختارها بعض العلماء المحققين منهم الشيخ العلامة أحمد بن المبارك السجلماسي الذي كانت بحوثه في علم الكلام عبارة عن رسائل مستقلة واكبت مستجدات عصره، ومن بينها رسالة اشتملت على أجوبة نفيسة صنفها في الرد على أسئلة وجهت له حول مباحث دقيقة ومسائل غميضة في علم الكلام، وهي دالة على دقة السائل على حد دلالتها على دقة المجيب كما سيظهر إن شاء الله تعالى.

    وقد كنت قد اعتنيت منذ مدة ببعض تلك الرسائل، ووجدت فيها من التحقيقات والتدقيقات ما يصعب وجوده حتى في المطولات، ولا غرابة في ذلك حيث إن شيخ شيوخ المغرب الحسن بن مسعود اليوسي لم يقض حتى أنجب من خلال الزاوية الدلائلة فحول العلماء والأدباء المغاربة الذين بدورهم تخرج بهم أفاضل أهل عصرهم كالشيخ ابن المبارك السجلماسي، فقد كان إماما في المعقول والمنقول، حاملا لراية الأصول والفروع، وللأسف ما يزال أكثر تراثه مخطوطا يسر الله تعالى للباحثين إبراز بعضه.

    وها أنا أنقل نص السؤال الأول الوارد عليه ضمن الأربعة أسئلة التي أجاب عليها، وهو في صفة الإرادة، وأنقل شيئا فشيئا جوابه البديع في ذلك، فاسحا المجال لحذاق المنتدى والمسترشدين المهتدين للبحث في طيات الجواب وما تضمنه من المباحث النفسية والنقول الشريفة، والله الموفق لفهم كلام العلماء وفهم مرادهم.


    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلاَنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ


    الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ، رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا.
    وَبَعْدُ، فَقَدْ أَتَانَا بَعْضُ الأَحْبَابِ بِبطَاقَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى أَسْئِلَةٍ أَرْبَعَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِعِلْمِ الكَلاَمِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْكُرَ فِي الجَوَابِ عَنْهَا مَا ظَهَرَ لِلْعَقْلِ القَاصِرِ وَالنَّظَرِ الفَاتِرِ.


    فَالسُّؤَالُ الأَوَّلُ مِنْهَا فِي الإِرَادَةِ. وَنَصُّهُ: مَا قَوْلُكُمْ فِي الإِرَادَةِ؟ فَإِنَّهُ إِنِ اسْتَوَى الشَّيْءُ وَمُقَابِلُهُ فِي التَّرْجِيحِ بِهَا، كَوُجُودِ زَيْدٍ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَوُجُودِهِ فِي غَيْرِهِ، افْتَقَرَتْ إِلَى مُرَجِّحٍ آخَرَ، ثُمَّ ذَلِكَ المُرَجِّحُ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِيَا لَمْ يَتَأَتَّ التَّرْكُ، وَلَزِمَ وُجُوبُ الفِعْلِ، وَبَطَلَ الاِخْتِيَارُ الَّذِي هُوَ كَوْنُ الفَاعِلِ يَتَأَتَّى مِنْهُ الفِعْلُ وَالتَّرْكُ؛ إِذِ التَّرْجِيحُ لِأَحَدِ المُتَقَابِلَيْنِ ذَاتِيٌّ لَهَا، وَالذَّاتِيُّ لاَ يَتَخَلَّفُ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ صِحَّةِ تَرْجِيحِ المُقَابِلِ لِذَاتِهَا، فَلاَ يَعُمُّ تَعَلُّقُهَا جَمِيعَ المُمْكِنَاتِ.
    لاَ يُقَالُ: يُمْكِنُ تَعَلُّقُهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لِذَاتِهَا، وَتَعَلُّقُهَا بِخَاصٍّ دُونَ مُقَابِلِهِ لاَ يُنَافِيهِ لِأَنَّهُ عَرَضِيٌّ.
    لِأَنَّا نَقُولُ: التَّعَلُّقُ الخَاصُّ إِنْ كَانَ اتِّفَاقِيًّا لَزِمَ الاِفْتِقَارُ إِلَى مُرَجِّحٍ؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ مَعَهُ التَّرْجِيحُ تَبْقَى مَعَهُ مُسَاوَاةُ المُقَابِلِ فِي الإِمْكَانِ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ فِي الوُقُوعِ، وَإِلاَّ لَزِمَ صِحَّةُ التَّرْجِيحِ بِلاَ مُرَجِّحٍ وَسَدُّ بَابِ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ. وَإِنْ كَانَ لُزُومِيًّا كَانَ ذَاتِيًّا وَنَافَى إِمْكَانُ التَّعَلُّقِ إِمْكَانَ التَّعَلُّقِ بِمُقَابِلِهِ دُونَهُ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الذَّاتِيِّ لاَ يَتَخَلَّفُ، لاَ بِذَاتِيٍّ وَلاَ بِعَارِضٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَنْتَفِي عُمُومُ التَّعَلُّقِ لِذَاتِهَا، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ تَسَاوِي المُمْكِنَاتِ فِي الأَمْرِ النَّفْسِيِّ وَهُوَ إِمْكَانُ التَّعَلُّقِ بِكُلٍّ مِنْهَا، كَمَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ الاِخْتِيَارِ الَّذِي هُوَ إِمْكَانُ التَّرْكِ وَالفِعْلِ لِلْمُرِيدِ. انْتَهَى بِحُرُوفِهِ.
    التعديل الأخير تم بواسطة نزار بن علي; الساعة 03-08-2008, 21:29.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #2
    وَالجَوَابُ، وَبِاللهِ الاِسْتِعَانَةُ:

    إِنَّهُ لاَ إِشْكَالَ فِي المَسْأَلَةِ أَصْلاً، وَذَلِكَ أَنَّ الإِرَادَةَ كَمَا لاَ يَخْفَى عَلَى كَرِيمِ عِلْمِكُمْ لَهَا تَعَلُّقَانِ:
    ـ صَلاَحِيٌّ.
    ـ وَتَنْجِيزِيٌّ.

    فَبِالصَّلاَحِيِّ يَثْبُتُ الاِخْتِيَارُ، وَبِالتَّنْجِيزِيِّ يَثْبُتُ التَّرْجِيحُ. وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَفْسِيًّا فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَفْرَادِ الصَّلاَحِ الَّذِي هُوَ نَفْسِيٌّ، فَلاَ تَسَلْسُلَ.

    فَقَدْ ثَبَتَ ـ بِحَمْدِ اللهِ ـ الاِخْتِيَارُ لِأَجْلِ الصَّلاَحِيِّ، وَثَبَتَ التَّرْجِيحُ لِأَجْلِ التَّنْجِيزِيِّ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الإِرَادَةَ نِسْبَتُهَا إِلَى المُمْكِنَاتِ عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ، فَثَبَتَ الاِخْتِيَارُ.

    وَلَيْسَتْ نِسْبَتُهَا إِلَى المُمْكِنَاتِ عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ لِأَجْلِ التَّنْجِيزِيِّ، فَفَارَقَتِ القُدْرَةَ وَالعِلْمَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي نِسْبَتُهَا إِلَى المُمْكِنَاتِ عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ، وَانْدَفَعَ السُّؤَالُ المَشْهُورُ، وَهُوَ أَنَّ القُدْرَةَ وَالعِلْمَ لَمَّا كَانَتْ نِسْبَتُهُمَا إِلَى المُمْكِنَاتِ عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ لَمْ يَتَأَتَّ التَّخْصِيصُ بِهِمَا، فَاحْتِيجَ إِلَى صِفَةٍ أُخْرَى يَكُونُ بِهَا التَّخْصِيصُ وَهِيَ الَّتِي نُسَمِّيهَا إِرَادَة، وَحِينَئِذٍ يَسْأَلُ السَّائِلُ فَيَقُولُ: إِنْ عَمَّتْ نِسْبَةُ الإِرَادَةِ سَائِرَ المُمْكِنَاتِ عَادَ الإِشْكَالُ وَاحْتِيجَ إِلَى صِفَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ خَصَّتْ نِسْبَتُهَا البَعْضَ دُونَ البَعْضِ بَطَلَ الاِخْتِيَارُ. وَلَعَلَّ مَا فِي السُّؤَالِ مَأْخُوذٌ مِنْهُ.

    وَالجَوَابُ المَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّ التَّخْصِيصَ وَصْفٌ نَفْسِيٌّ لِلْإِرَادَةِ، فَبَعْدَ عُمُومِ نِسْبَتِهَا لاَ يُحْتَاجُ إِلَى صِفَةٍ أُخْرَى لِأَنَّ التَّخْصِيصَ وَصْفٌ نَفْسِيٌّ لاَ يَتَعَلَّلُ، فَلاَ يُحْتَاجُ إِلَى مُرَجِّحٍ. وَبَيَانُ أَنَّهُ نَفْسٍيٌّ أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي أَحْوَجَنَا إِلَى إِثْبَاتِ الإِرَادَةِ وَعَدِّهَا صِفَةً زَائِدَةً عَلَى العِلْمِ وَالقُدْرَةِ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ أَجْلِ التَّخْصِيصِ حَيْثُ شَاهَدْنَا وُقُوعَ بَعْضِ المُتَقَابِلاَتِ دُونَ بَعْضٍ، وَمُشَاهَدَةُ ذَلِكَ الوُقُوعِ هِيَ الَّتِي أَوْجَبَتْ ثُبُوتَ التَّخْصِيصِ لِلْفَاعِلِ المُخْتَارِ سُبْحَانَهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ ثُبُوتُهُ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ لَمْ تَكُنْ دَاعِيَةٌ إِلَى إِثْبَاتِ الإِرَادَةِ، لَكِنَّهُ لَمَّا اسْتَحَالَ ذَلِكَ وَجَبَ ثُبُوتُ صِفَةٍ يَكُونُ بِهَا التَّخْصِيصُ، وَهِيَ الَّتِي سَمَّيْنَاهَا إِرَادَةً، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّخْصِيصُ هُوَ سِرُّهَا وَوَصْفُهَا النَّفْسِيُّ لَكَانَ ثُبُوتُهَا عَلَى خِلاَفِ مَا أَفْضَى إِلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَذَلِكَ فَسَادٌ لِطَرْدِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَمُسْتَلْزَمُهُ بَاطِلٌ، فَنَقِيضُهُ ـ وَهُوَ كَوْنُهُ نَفْسِيًّا لَهَا ـ وَاجِبٌ.

    وَإِذَا كَانَ نَفْسِيًّا سَقَطَ السُّؤَالُ؛ إِذْ لاَ مُنَافَاةَ بَيْنَ عُمُومِ نِسْبَةِ الإِرَادَةِ وَوُقُوعِ التَّخْصِيصِ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَوَتْ نِسْبَتُهَا مِنْ حَيْثُ أَنَّ التَّخْصِيصَ ـ الَّذِي هُوَ وَصْفٌ نَفْسِيٌّ لَهَا ـ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ جُزْئِيٌّ كَتَخْصِيصِ زَيْدٍ الخَاصِّ بِوُجُودِهِ الخَاصِّ فِي وَقْتِهِ الخَاصِّ وَمَكَانِهِ الخَاصِّ مَعَ لَوْنِهِ الخَاصِّ وَمِقْدَارِهِ الخَاصِّ؛ لِأَنَّ هَذَا لاَ يَصِحُّ كَوْنُهُ نَفْسِيًّا لِلْإِرَادَةِ؛ لِتَعَلُّقِهَا بِدُونِهِ، بَلْ أُخِذَ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ كُلِّيٌّ صَادِقٌ عَلَى سَائِرِ التَّخْصِيصَاتِ الجُزْئِيَّةِ صِدْقَ الكُلِّيِّ عَلَى جُزْئِيَّاتِهِ، فَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّخْصِيصَ الكُلِّيَّ وَصْفٌ نَفْسِيٌّ لَهَا، وَالكِلِّيُّ نِسْبَتُهُ إِلَى الجُزْئِيَّاتِ عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ، فَلِذَلِكَ عَمَّتْ نِسْبَتُهَا، لَكِنْ بِالتَّخْصِيصِ لاَ بِغَيْرِهِ.

    التعديل الأخير تم بواسطة نزار بن علي; الساعة 03-08-2008, 21:40.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

    تعليق

    • نزار بن علي
      طالب علم
      • Nov 2005
      • 1729

      #3
      فَإِنْ قُلْتَ: العُمُومُ فِي النِّسْبَةِ مَعَ التَّخْصِيصِ مُتَنَافِيَانِ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ طَرَفٍ عَلَى آخَرَ، وَعُمُومُ النِّسْبَةِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَ الأَطْرَافِ.

      قُلْتُ: لاَ نُسَلِّمُهُ؛ لِأَنَّ اسْتِوَاءَ الأَطْرَافِ الَّذِي اقْتَضَاهُ عُمُومُ النِّسْبَةِ هُوَ مِنْ أَوْصَافِ التَّخْصِيصِ، فَكَيْفَ يُنَافِيهِ؟! وَبِالجُمْلَةِ، فَتَرْجِيحُ طَرَفٍ عَلَى آخَرَ هُوَ الَّذِي عَمَّتْ نِسْبَتُهُ سَائِرَ المُتَقَابِلَاتِ، لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ البَدَلِ، لاَ عَلَى سَبِيلِ الشُّمُولِ.

      فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا عَمَّتْ نِسْبَتُهُ كَمَا زَعَمْتَ، وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنَ المُتَقَابِلاَتِ إِلاَّ البَعْضُ دُونَ البَعْضِ، وَحِينَئِذٍ فَذَلِكَ الوَاقِعُ مِنْهَا لاَ جَائِزَ أَنْ يَكُونَ بِالتَّخْصِيصِ الكُلِّيِّ؛ لِأَنَّهُ لاَ إِشْعَارَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الخُصُوصِيَّاتِ؛ ضَرُورَةَ أَنَّ الأَعَمَّ لاَ إِشْعَارَ لَهُ بِأَخَصٍّ مُعَيَّنٍ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِالتَّخْصِيصِ الجُزْئِيِّ، وَهُوَ لَيْسَ بِنَفْسِيٍّ كَمَا سَبَقَ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ بِنَفْسِيٍّ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّلُ، وَكُلُّ مَا يَتَعَلَّلُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى وَاسِطَةٍ، فَيَعُودُ السُّؤَالُ.

      قُلْتُ: نَخْتَارُ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِالجُزْئِيِّ، وَأَنَّهُ يَتَعَلَّلُ، وَلاَ يَعُودُ السُّؤَالُ؛ لِأَنَّ تَعَلُّلَهُ إِنَّمَا هُوَ بِالكُلِّيِّ، وَالكُلِّيُّ نَفْسِيٌّ لَهُ كَمَا أَنَّهُ نَفْسِيٌّ لِلْإِرَادَةِ، فَلاَ يُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجُزْئِيَّ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الكُلِّيِّ مَعَ زِيَادَةِ الخُصُوصِيَّاتِ، فَبِالكُلِّيِّ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ يَحْصُلُ ذَلِكَ الوَاقِعُ، فَالحُصُولُ المَنْسُوبُ إِلَى هَذَا الجُزْئِيِّ مَعْلُومٌ بِالكُلِّيِّ الَّذِي فِيهِ، وَثُبُوتُ الكُلِّيِّ لَهُ ـ أَيْ لِلْجُزْئِيِّ ـ لاَ يُعَلَّلُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ حَقِيقَتِهِ، فَهُوَ ذَاتِيٌّ، وَالذَّاتِيُّ لاَ يَتَعَلَّلُ. وَهَذَا كَمَا نَقُولُ فِي قَبُولِ العِلْمِ لِلإنسان، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ لَهُ بِوَاسِطَةِ النَّاطِقِ الَّذِي فِيهِ، وَثُبُوتُ النَّاطِقِ لَهُ لاَ يَتَعَلَّلُ لِأَنَّهُ ذَاتِيٌّ، وَكَمَا نَقُولُ: الجِسْمِيَّةُ تَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ بِوَاسِطَةِ أَنَّهُ حَيَوَانٌ، وَثُبُوتُ الحَيَوَانِ لَهُ لاَ يَتَعَلَّلُ لِأَنَّهُ أَيْضًا ذَاتِيٌّ وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ، فَكَذَلِكَ هَذَا التَّخْصِيصُ الكُلِّيُّ هُوَ ذَاتِيٌّ لِلتَّخْصِيصِ الجُزْئِيِّ، وَبِسَبَبِهِ تَحْصُلُ التَّخَصُّصَاتُ الخَارِجِيَّةُ بِالجُزْئِيِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الجُزْئِيُّ نَفْسِيًّا لِلْإِرَادَةِ.

      وَنَخْتَارُ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِالكُلِّيِّ، وَقَوْلُكُمْ: «الكُلِّيُّ لاَ إِشْعَارَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الخُصُوصِيَّاتِ» يُفِيدُ لَوْ أَخَذْنَا الكُلِّيَّ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ مُجَرَّدًا عَنْ سَائِرِ الخُصُوصِيَّاتِ، أَمَّا حَيْثُ أَخَذْنَاهُ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ وُجُودِهِ فِي ضِمْنِ الخُصُوصِيَّاتِ فَلاَ.

      فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا أُخِذَ مِنْ تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ كَانَ هُوَ عَيْنُ الجُزْئِيِّ، وَالجُزْئِيُّ لَيْسَ بِنَفْسِيّ، فَيَلْزَم أَنَّ الكُلِّيَّ لَيْسَ بِنَفْسِيّ.

      قُلْتُ: إِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ أُخِذَ بِشَرْطِ الخَلْطِ بِالخُصُوصِيَّاتِ، وَنَحْنُ أَخَذْنَاهُ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ مُجَامِعٌ لِلْخُصُوصِيَّاتِ وَلِعَدَمِهَا، وَحِينَئِذٍ فَلَكَ أَنْ تُنَزِّلَهَا عَلَى أَقْسَامِ المَاهِيَّةِ الثَّلاَثَةِ: المُطْلَقَةُ وَالمُجَرَّدَةُ وَالمَخْلُوطَةُ، فَإِنْ أُخِذَ مِنْ حَيْثُ تَجَرُّدُهُ عَنِ الخُصُوصِيَّاتِ كَانَ مَاهِيَّةً مُجَرَّدَةً، وَهَذَا لَيْسَ بِنَفْسِيٍّ لِلْإِرَادَةِ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ مَا أَفْضَى بِهِ الدَّلِيلُ. وَإِنْ أُخِذَ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ مَخْلُوطٌ بِالخُصُوصِيَّاتِ كَانَ مَاهِيَّةً مَخْلُوطَةً، وَهَذَا لَيْسَ بِنَفْسِيٍّ، وَهُوَ الجُزْئِيُّ السَّابِقُ، وَإِنْ أُخِذَ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ لاَ يَتَقَيَّدُ بِتَجْرِيدٍ وَلاَ خَلْطٍ فَهَذَا نَفْسِيٌّ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ لاَ يُشْعِرُ بِالخُصُوصِيَّاتِ جَزْمًا فَهُوَ لاَ يُنَافِيهَا حَتْمًا، فَيَصِحُّ اسْتِنَادُ الوُقُوعِ إِلَيْهِ فِي الجُمْلَةِ.

      فَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ الإِرَادَةَ يَثْبُتُ لَهَا التَّخْصِيصُ الكُلِّيُّ، وَبِهِ يَثْبُتُ الاِخْتِيَارُ، وَالتَّخْصِيصُ الجُزْئِيُّ، وَبِهِ يَثْبُتُ التَّرْجِيحُ وَتَخْتَلِفُ نِسْبَتُهَا إِلَى المُمْكِنَاتِ، وَأَنَّ عُمُومَ النِّسْبَةِ لاَ يُنَافِي التَّرْجِيحَ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُرَجِّحٍ آخَرَ، وَأَنَّ اخْتِلاَفَ نِسْبَةِ الإِرَادَةِ إِلَى المُمْكِنَاتِ لاَ يُنَافِي الاِخْتِيَارِ.

      وَمَنْشَأُ الإِشْكَالِ تَوَهُّمُ أَنَّ الإِرَادَةَ لَيْسَ لَهَا إِلاَّ تَعَلُّقٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ فُرِضَ عَامًّا احْتَجْنَا إِلَى مُرَجِّحٍ، وَإِنْ فُرِضَ خَاصًّا انْتَفَى الاِخْتِيَارُ، وَهُوَ غَلَطٌ مَحْضٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
      وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

      تعليق

      • نزار بن علي
        طالب علم
        • Nov 2005
        • 1729

        #4
        وَحَيْثُ فَرَغْنَا مِمَّا ظَهَرَ لِعَقْلِنَا القَاصِرِ وَنَظَرِنَا الفَاتِرِ، فَلْنَذْكُرْ مَا لِلْأَئِمَّةِ الأَعْلاَمِ نُجُومِ الدُّنْيَا وَمَصَابِيحِ الظَّلاَمِ. فَأَقُولُ: قَالَ فِي «المَعَالِمِ»: «فَإِنْ قَالُوا: كَمَا أَنَّ القُدْرَةَ صَالِحَةً لِلْإِيجَادِ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَكَذَلِكَ الإِرَادَةُ صَالِحَةٌ لِلتَّخْصِيصِ فِي كُلِّ الأَوْقَاتِ، فَإِنِ افْتَقَرَتِ القُدْرَةُ إِلَى مُخَصِّصٍ فَلْتَفْتَقِرِ الإِرَادَةُ إِلَى مُخَصِّصٍ زَائِدٍ. فَنَقُولُ: المَفْهُومُ مِنْ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا مُغَايِرٌ لِلْمَفْهُومِ مِنْ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا، فَوَجَبَ التَّغَايُرُ بَيْنَ القُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ».

        قَالَ «الفِهْرِيُّ» ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فِي شَرْحِهِ: «يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ المُغَايَرَةَ بَيْنَ مَفْهُومِ القُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ لاَ يَرْفَعُ الإِشْكَالَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا أَثْبَتُّمُ الإِرَادَةَ صِفَةً زَائِدَةً مِنْ أَجْلِ صَلاَحِيَّةِ القُدْرَةِ بِاعْتِبَارِهَا تَخَصَّصَ مَا تَخَصَّصَ بِالوُقُوعِ، وَإِلاَّ لَكَانَ تَرْجِيحًا لِلْمُمْكِنِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَإِذَا أَثْبَتُّمُ الإِرَادَةَ عَامَّةَ التَّعَلُّقِ كَانَتْ نِسْبَتُهَا إِلَى مَا وُجِدَ وَإِلَى مَا لَمْ يُوجَدْ نِسْبَةً وَاحِدَةً، فَتَفْتَقِرُ إِلَى صِفَةٍ أُخْرَى، وَالقَوْلُ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ كَالقَوْلِ فِي الإِرَادَةِ وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ.

        وَالجَوَابُ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا كَانَ أَثَرُ القُدْرَةِ الوُقُوعُ، وَأَثَرُ الإِرَادَةِ التَّخْصِيصُ، وَصَحَّ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مُرِيدٍ قَادِرٌ، وَلَيْسُ كُلُّ قَادِرٍ مُرِيدٌ، فَقَدْ تَبَايَنَ المَفْهُومُ مِنَ القُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الإِرَادَةُ مِنْ صِفَةِ نَفْسِهَا التَّخْصِيصُ فَلاَ يُقَالُ لِمَ خَصَّصَتْ؛ فَإِنَّ صِفَاتِ النَّفْسِ لاَ تُعَلَّلُ، كَمَا لاَ يُقَالُ: لِمَ كَانَ العِلْمُ كَاشِفًا؟ وَكَمَا خَصَّصَتْ بَعْضَ المُمْكِنَاتِ بِالوُقُوعِ خَصَّصَتْ بَعْضَهَا بِعَدَمِ الوُقُوعِ، فَإِنَّ الإِرَادَةَ تَتَعَلَّقُ بِالوُجُودِ وَالعَدَمِ، لَكِنْ يَبْقَى أَنْ يُقَالَ: فَلِمَ اخْتُصَّ هَذَا بِالوُجُودِ وَهَذَا بِالعَدَمِ مَعَ اسْتِوَاءِ النِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا؟! وَهَلاَّ كَانَ الأَمْرُ بِالعَكْسِ؟! قُلْنَا: هَذَا مِنْ سِرِّ القَدَرِ، وَهُوَ مَوْقِفُ عَقْلٍ.» انتهى.

        وَقَوْلُهُ: كُلُّ مُرِيدٍ قَادِرٌ وَلاَ عَكْسَ، مَبْنِيٌّ ـ وَاللهُ أَعْلَمُ ـ عَلَى مَا نُسِبَ لِلشَّيْخِ الأَشْعَرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ مِنْ أَنَّ الإِرَادَةَ لاَ تَتَعَلَّقُ بِمَا عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ، وَالقُدْرَةُ تَتَعَلَّقُ بِهِ، فَتَكُونُ القُدْرَةُ أَعَمَّ. نَسَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ بَعْضُ قُدَمَاءِ الأَشَاعِرَةِ ، وَقَدْ أَفْرَدَ مَقَالاَتَ الشَّيْخِ الأَشْعَرِيِّ فِي الاعْتِقَادَاتِ فِي مُجَلَّدٍ، وَهَذِهِ عِبَارَتُهُ: «وَكَانَ ـ أَيْ الأَشْعَرِيُّ ـ يَقُولُ: إِنَّهُ تَعَالَى لاَ يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ خِلاَفَ مَا عَلِمَ، وَيَصِحُّ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى خِلاَفِ مَا عَلِمَ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى مَا عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ. وَكَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ كَوْنَ مَا عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ كَانَ مُقَصِّرًا عَنْ بُلُوغِ مُرَادِهِ، وَالتَّقْصِيرُ عَنْ بُلُوغِ المُرَادِ عَجْزٌ وَنَقْصٌ، فَأَمَّا إِذَا قَدَرَ عَلَى مَا عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ رُجُوعُ نَقْصٍ إِلَى ذَاتِهِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ المَقْدُورِ مَعَ كَوْنِ القَادِرِ قَادِرًا عَلَيْهِ لاَ يُوجِبُ نَقْصًا لِلْقَادِرِ مَعَ اسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَرَعًا لِغَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ انْتِفَاءُ المُرَادِ لِأَنَّ انْتِفَاءَهُ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي تَعَلَّقَتِ الإِرَادَةُ بِكَوْنِهِ دَلاَلَةٌ عَلَى نَقْصٍ بِذَاتِ المُرِيدِ وَآفَةٌ تَرْجِعُ إِلَيْهِ.» انتهى.

        قُلْتُ: اعْتَبَرَ فِي الإِرَادَةِ التَّنْجِيزِيَّ، وَفِي القُدْرَةِ الصَّلاَحِيَّ، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ شَيْخِ الشُّيُوخِ فِي حَوَاشِي الكُبْرَى عَلَى «الفِهرِيِّ» فِي هَذِهِ العِبَارَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
        التعديل الأخير تم بواسطة نزار بن علي; الساعة 04-08-2008, 04:12.
        وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

        تعليق

        • نزار بن علي
          طالب علم
          • Nov 2005
          • 1729

          #5
          وَقَالَ فِي «شَرْحِ المَقَاصِدِ» بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا لِأَصْحَابِنَا فِي الإِرَادَةِ وَمَقَالاَتِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ فِيهَا وَاسْتِدْلاَلَ الأَصْحَابِ مَا نَصُّهُ: «وَقَدْ تُورَدُ هَاهُنَا إِشْكَالاَتٌ:

          ـ الأَوَّلُ: أَنَّ نِسْبَةَ الإِرَادَةِ إِلَى الفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَإِلَى جَمِيعِ الأَوْقَاتِ عَلَى السَّوَاءِ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ تَعَلُّقُهَا بِالطَّرَفِ الآخَرِ وَفِي الوَقْتِ الآخَرِ لَزِمَ نَفْيُ القُدْرَةِ وَالاِخْتِيَارِ، وَإِذَا كَانَتْ عَلَى السَّوَاءِ فَتَعَلُّقُهَا بِالفِعْلِ دُونَ التَّرْكِ وَفِي هَذَا الوَقْتِ دُونَ غَيْرِهِ يَفْتَقِرُ إِلَى مُرَجِّحٍ مُخَصِّصٍ؛ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِ المُمْكِنِ بِلاَ مُرَجِّحٍ كَمَا ذَكَرْتُمْ، وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ.

          وَالجَوَابُ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالمُرَادِ لِذَاتِهَا مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إِلَى مُرَجِّحٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ شَأْنُهَا التَّرْجِيحُ وَالتَّخْصِيصُ لِلْمُسَاوِي، بَلْ وَلِلْمَرْجُوحِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ وُجُودِ المُمْكِنِ بَلاَ مُوجِدٍ وَتَرَجُّحِهِ بِلاَ مُرَجِّحٍ فِي شَيْءٍ .

          فَإِنْ قِيلَ: فَمَعَ تَعَلُّقِ الإِرَادَةِ بِالفِعْلِ لاَ يَبْقَى التَّمَكُّنُ مِنَ التَّرْكِ وَيَنْتَفِي الاِخْتِيَارُ.

          قُلْنَا: قَدْ مَرَّ غَيْر مَرَّةٍ أَنَّ الوُجُوبَ الاِخْتِيَارِيَّ هُوَ مَحْضُ الاِخْتِيَارِ.» انتهى.

          يَعْنِي لِأَنَّهُ جَائِزٌ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ، فَاخْتِيرَ وُقُوعُهُ، فَوَجَبَ وُقُوعُهُ وُجُوبًا عَرَضِيًّا بِحَسَبِ الاِخْتِيَارِ، فَهَذَا الوُجُوبُ العَرَضِيُّ لاَ يُنَافِي الاِخْتِيَارَ، بَلْ يُحَقِّقُهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَقَعَ بِسَبَبِهِ.

          وَمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي الجَوَابِ الأَوَّلِ هُوَ أَنَّ التَّخْصِيصَ نَفْسِيٌّ لِلْإِرَادَةِ، فَلاَ تَفْتَقِرُ إِلَى مُرَجِّحٍ، وَتَمَامُ بَيَانِهِ فِيمَا سَبَقَ لَنَا.
          إِذَا فَهِمْتَ هَذَا، فَلْنَرْجِعْ إِلَى مَا فِي السُّؤَالِ لِنُمَشِّيَهُ عَلَى هَذَا الجَوَابِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: «إِنَّ الإِرَادَةَ إِنِ اسْتَوَى الشَّيْءُ وَمُقَابِلُهُ فِي التَّرْجِيحِ بِهَا افْتَقَرَتْ إِلَى مُرَجِّحٍ وَتَسَلْسَلَ».

          أَقُولُ:

          ـ أَمَّا أَوَّلاً: إِنَّمَا يَلْزَمُ هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْإِرَادَةِ إِلاَّ التَّعَلُّقُ العَامُّ الكُلِّيُّ، أَمَّا حَيْثُ كَانَ لَهَا تَعَلُّقٌ خَاصٌّ تَنْجِيزِيٌّ فَإِنَّهَا لاَ تَفْتَقِرُ.

          ـ وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلَوْ سَلَّمْنَا افْتِقَارَهَا إِلَى مُرَجِّحٍ، لَكِنْ لاَ نُسَلِّمُ لُزُومَ التَّسَلْسُلِ لِاحْتِمَالِ انْقِطَاعِ السِّلْسِلَةِ كَمَا هُوَ الوَاقِعُ، فَإِنَّ الإِرَادَةَ بِسَبِبِ مَا لَهَا مِنَ التَّعَلُّقِ الصَّلاَحِيِّ عَمَّتْ نِسْبَتُهَا، فَاحْتِيجَ إِلَى مُرَجِّحٍ وَهُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ، ثُمَّ هُوَ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى مُرَجِّحٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنَ التَّخْصِيصِ الكُلِّيِّ الَّذِي هُوَ نَفْسِيٌّ لَهُ وَنَفْسِيٌّ لِلْإِرَادَةِ، فَيَنْقَطِعُ التَّسَلْسُلُ.

          ـ وَأَمَّا ثَالِثًا: فَالتَّعْبِيرُ بِالاِفْتِقَارِ مُضَافًا إِلَى الإِرَادَةِ فِي قَوْلِهِ: «افْتَقَرَتْ الإِرَادَةُ» لاَ يَخْفَى مَا فِيهِ ـ وَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا لِمَا فِي عِبَارَةِ القَوْمِ ـ لِأَنَّ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلََى المُرَجِّحُ هُوَ أَطْرَافُ المُتَقَابِلاَتِ السِّتِّ لاَ الإِرَادَةُ، كَمَا تَسَامَحُوا فِي قَوْلِهِمْ: «افْتَقَرَ العِلْمُ وَالقُدْرَةُ إِلَى صِفَةٍ أُخْرَى يَكُونُ بِهَا التَّخْصِيصُ»، فَإِنَّ العِلْمَ وَالقُدْرَةَ لاَ يَفْتَقِرَانِ إِلَى ذَلِكَ قَطُّ، فَإِنَّهُمَا لَيْسَا بِحَادِثَيْنِ حَتَّى يَحتَاجَا إِلَى مُخَصِّصٍ، بَلِ الَّذِي يَفْتَقِرُ هُوَ أَطْرَافُ المُتَقَابِلاَتِ السِّتِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

          قَوْلُهُ: «وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِيَا لَمْ يَتَأَتَّ التَّرْكُ، وَلَزِمَ وُجُوبُ الفِعْلِ وَبَطَلَ الاِخْتِيَارُ» الخ.

          أَقُولُ:


          ـ أَمَّا أَوَّلاً: إِنَّمَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ على تقدير أن لا يكون لها إلا تعلق واحد خاص، أما حيث كان لها تعلق عام تعيّن قطعا إمكان تأتي الترك وانتفى وجوب الفعل وتحقق الاختيار.

          ـ وَأَمَّا ثَانِيًا: فَقَوْلُهُ فِي بَيَانِ اللاَّزِمِ السَّابِقِ: «إِذِ التَّرْجِيحُ لِأَحَدِ المُتَقَابِلَيْنِ ذَاتِيٌّ لَهَا، وَالأَمْرُ الذَّاتِيُّ لاَ يَتَخَلَّفُ، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ صِحَّةِ تَرْجِيحِ المُقَابِلِ لِذَاتِهَا فَلاَ يَعُمُّ تَعَلُّقُهَا جَمِيعَ المُمْكِنَاتِ»، يُقَالُ عَلَيْهِ: مَا تَعْنِي بِالتَّرْجِيحِ الَّذِي جَعَلْتَهُ نَفْسِيًّا؟ الخَاصَّ أَوِ العَامَّ؟

          فَإِنْ عَنَيْتَ الأَوَّلَ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَحِينَئِذٍ فَذَلِكَ اللاَّزِمُ الَّذِي فَرَّعْتَهُ عَلَيْهِ لاَ يُلاَئِمُهُ، بَلْ نَقِيضُهُ هُوَ الَّذِي يُلَائِمُهُ وَهُوَ صِحَّةُ تَرْجِيحِ المُقَابِلِ وَعُمُومُ تَعَلُّقِهَا بِجَمِيعِ المُمْكِنَاتِ.

          وَإِنْ عَنَيْتَ الثَّانِي فَلاَ نُسَلِّمُ أَنَّهُ نَفْسِيٌّ؛ ضَرُورَةَ تَعَقُّلِ الإِرَادَةِ بِدُونِهِ، فَإِنَّ تَخْصِيصَ زَيْدٍ الخَاصَّ بِوُجُودِهِ الخَاصِّ فِي وَقْتِهِ الخَاصِّ وَمَكَانِهِ الخَاصِّ وَهَكَذَا لاَ يَتَوَقَّفُ تَعَقُّلُ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ تَخْصِيصُ عَمْرٍ، وَمِثْلُهُ تَخْصِيصُ بَكْرٍ وَتَخْصِيصُ مَا فِي الشَّجَرِ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ وَتَخْصِيصُ مَا فِي السَّمَوَاتِ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ وَتَخْصِيصُ مَا تَحْتَ الثَّرَى بِمَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَوَقَّفُ تَعَقُّلُهَا عَلَيْهِ هُوَ مُطْلَقُ التَّخْصِيصِ الصَّادِقِ بِهَذِهِ الأَفْرَادِ وَبِغَيْرِهَا، وَهُوَ المُسَمَّى بِالصَّلاَحِيِّ وَبِالعَامِّ وَبِالكُلِّيِّ.

          وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ حَوَاشِي الصُّغْرَى مِنْ تَسْمِيَةِ التَّنْجِيزِيِّ القَدِيمِ لِلْإِرَادَةِ نَفْسِيًّا فَتَسَامُحٌ مَبْنِيٌّ عَلَى تَسْمِيَةِ كُلِّ لَازِمٍ بَدِيهِيّ نَفْسِيًّا، وَهُوَ أَحَدُ الاِحْتِمَالَيْنِ لَهُمْ فِي النَّفْسِيِّ، وَالاِحْتِمَالُ الآخَرُ أَنَّ النَّفْسِيَّ لاَ يُطْلَقُ عَلَى اللَّوَازِمِ البَدِيهِيَّةِ، وَالاِحْتِمَالاَنِ ذَكَرُوهُمَا فِي قَوْلِ الشَّيْخِ الأَشْعَرِيِّ أَنَّ التَّعَلُّقَ وَصْفٌ نَفْسِيٌّ.

          فَحَاصِلُ الجَوَابِ أَنَّكُمْ إِنْ عَنَيْتُمْ بِالنَّفْسِيِّ التَّعَلُّقَ العَامَّ فَالمَلْزُومُ مُسَلَّمٌ وَاللاَّزِمُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِنْ عَنَيْتُمُ الخَاصَّ فَالمَلْزُومُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَاللاَّزِمُ مُسَلَّمٌ، وَلاَ يَصِحُّ الدَّلِيلُ إِلاَّ إِذَا سُلِّمَ مَلْزُومُهُ وَلاَزِمُهُ مَعًا.
          وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

          تعليق

          • نزار بن علي
            طالب علم
            • Nov 2005
            • 1729

            #6

            قَوْلُهُ:
            «لاَ يُقَالُ: يُمْكِنُ تَعَلُّقُهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لِذَاتِهَا، وَتَعَلُّقُهَا بِخَاصٍّ دُونَ مُقَابِلِهِ لاَ يُنَافِيهِ لِأَنَّهُ عَرَضِيٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: التَّعَلُّقُ الخَاصُّ إِنْ كَانَ اتِّفَاقِيًّا لَزِمَ الاِفْتِقَارُ إِلَى مُرَجِّحٍ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ مَعَهُ التَّرْجِيحُ تَبْقَى مَعَهُ مُسَاوَاةُ المُقَابِلِ فِي الإِمْكَانِ فَيَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ فِي الوُقُوعِ، وَإِلاَّ لَزِمَ صِحَّةُ التَّرْجِيحِ بِلاَ مُرَجِّحٍ، وَهُوَ سَدٌّ لِبَابِ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ».

            أَقُولُ: مَا تَعْنُونَ بِالمُرَجِّحِ فِي قَوْلِكُمْ: «لَزِمَ الاِفْتِقَارُ إِلَى مُرَجِّحٍ؟» التَّعَلُّقَ العَامَّ أَوْ غَيْرَهُ؟ فَإِنْ عَنَيْتُمْ الأَوَّلَ حَتَّى يَكُونَ التَّعَلُّقُ الخَاصُّ لَوْلاَ مَا فِيهِ مِنَ التَّعَلُّقِ العَامِّ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ التَّخْصِيصِ الَّذِي هُوَ نَفْسِيٌّ لِلْإِرَادَةِ لَمْ يَتَأَتَّ بِهِ التَّرْجِيحُ فَهَذَا مُسَلَّمٌ وَلاَ مَحْذُورَ لِأَنَّ الخَاصَّ أَحَدُ فَرْدَيْ الكُلِّيِّ، وَالكُلِّيُّ جُزْءٌ مِنْهُ، وَاحْتِيَاجُ المَاهِيَّةِ إِلَى أَجْزَائِهَا لاَ مَحْذُورَ فِيهِ؛ إِذْ لاَ يَسْتَلْزِمُ مَجْعُولِيَّةً. وَإِنْ عَنَيْتُمْ غَيْرَهُ فَلاَ نُسَلِّمُهُ.

            ثُمّ إِنَّ هَذَا التَّعلُّق الخَاصَّ فبِالنَّظَرِ إلى كونه قَدِيمًا أزَلِيًّا يُقَالُ فِيهِ لُزُومِيٌّ قَطْعًا، لاَ اتِّفَاقِيٌّ أَيْ جَائِز الوجود والعدم، وبالنَّظَر إلى ثبوت التعلُّقِ العامِّ وكَوْنِ هَذَا الخَاصَّ أَحَد أَفْرَادِه يقال فيه إِنَّهُ ليس بلُزُومِيٍّ، أَيْ بِلاَزِمٍ عَقْلاً يَمْتَنِعُ مَعَهُ عَقْلاً المُقَابِلُ الآخر. وَإِنْ كَانَ لُزُومِيًّا بمعنى أنه واجِبٌ قَدِيمٌ فهو قِسْمٌ ثالِثٌ ليس بلُزُومِي صرْفٍ ولا باتِّفَاقِيٍّ صَرْفٍ، وَحِينَئِذٍ فلك أن تَسْلُبَ عَنْهُ الافتقار إلى مُرَجِّحٍ سَلْبًا عقلِيًّا لثبوت قِدَمِهِ، وما ثَبَتَ قِدَمُهُ استَحَالَ افْتِقَارُهُ، ويكون الترجيحُ الذي ثَبَتَ له بسبب التَّعلُّقِ العامِّ الَّذِي هو جُزْئَيْهِ أَحَد كالتَّعلُّقِ الثابت للقدرة بسَبَبِ أَحَدِ جُزْئَيْهَا الَّذِي هو التأثير، فإنها صِفَةٌ تؤثِّرُ، فَصِفَةٌ جِنْسٌ، وتَؤُثِّرُ فَصْلٌ، والتَّعَلُّقُ ثَبَتَ لَهَا لِخُصُوصِيَّةِ التَّأْثِيرِ لاَ لِعُمُومِ الصِّفَةِ، وحينئذ فقوله: "إِنْ كَانَ اتِّفَاقِيًّا" يُقَالُ عَلَيْهِ: إن عنيت به جائز الوقوع فلا نسلمه، وإن عنيت به تعلقا قديما واجبا وسميته اتفاقيا نظرا إلى كونه فردي العام، فلا نسلم قولك: "لزم افتقاره"، وبيانه ما سبق من أن ما ثبت قِدَمُه استحالَ افتقارُه.

            وقوله: "لأنّ ما يتفق معه الترجيح تبقى معه مساواةُ المقابِل"، جوابُه أنّ بقاء المساواة لا يتفرع عليها قوله: "فيفتقر إلى غيره"؛ لأنّ المساواة باقية لأجل التعلق العام، واحتياج الخاص إليه من احتياج الماهية إلى أجزائها ولا محذور فيه.

            فإن قلت: إذا بقيت المساواة لأجل العام فكيف يكون العام مخصصا حتى يحتاج إليه الجزئي لأن التخصيص والمساواة متنافيان.

            قلت: قد سبق جوابه بأن المساواة وصف للتخصيص، وذلك يرجع إلى عموم التخصيص الذي هو نفسي للإرادة، ويكون وزانه مع التي هي تخصيص زيد وتخصيص عمر وتخصيص بكر وأمثالها كوزان الناطق الذي هو الفصل الذاتي لماهية الإنسان مع أفراده التي هي نطق زيد ونطق عمر ونطق بكر وأمثالهما، فإن هذه الأنطاق الجزئية ليست وصفا نفسيا للإنسان ولكنها من أفراده، فكانت أوصافا نفسية لزيد وعمرو وبكر لا لأجل أنها أنطاق جزئيات، بل لأجل ما فيها من النطق الكلي الذي هو الفصل، فكذلك التخصيصات الجزئيات أوصاف نفسية للإرادة لا لأجل خصوصها، بل لأجل ما فيها من التخصيص الكلي الذي هو الوصف النفسي لها، وحينئذ فلا يلزم افتقار ولا ترجيح بلا مرجح ولا سد باب إثبات الصانع.

            وقوله: "وإن كان لزوميا" الخ جوابه أنه لا ينافي إمكان التعلق لأجل التعلق العام الثابت للإرادة، وحينئذ فلا ينتفي عموم التعلق، ولا يلزم عدم تساوي الممكنات في إمكان التعلق بكل منها، كما لا يلزم انتفاء الاختيار، والله تعالى أعلم، لا رب غيره ولا خير إلا خيره.

            انتهى جواب السؤال الأول. والله الموفق للتأمل والاستفادة
            وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

            تعليق

            • نزار بن علي
              طالب علم
              • Nov 2005
              • 1729

              #7
              رفعا لأولي الألباب.. وإن كانت هذه المباحث العزيزة والجهود الفريدة للشيخ ابن المبارك السجلماسي لا تصلها أكثر الأيادي.
              وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

              تعليق

              يعمل...