إشكالات حول صفة الوجود

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شفاء محمد حسن
    طالبة علم
    • May 2005
    • 463

    #1

    إشكالات حول صفة الوجود

    بسم الله الرحمن الرحيم

    والحمد لله رب العالمين، والصلاة ولاسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    فلدي بعض الإشكالات والتي لا أظن أنها قد طرأت على ذهني إلا لسوء فهمي، فأرجو منكم أن توضحوها لي..

    وجود الله تعالى ووجود الخلق بينهما اشتراك لفظي..
    ووجود كل شيء هو عينه..
    وبما أن الحقائق مختلفة، وأن وجودها هو عينها، فهناك اختلاف بين حقيقة وجود الحوادث ووجود الله تعالى..

    هل يمكن الجمع بين هذا وبين من قال:
    الوجود: صفة تصحح لموصوفها أن يرى..
    فعليه لا يكون الاشتراك في الوجود لفظيا، بل هو معنوي، إذ معنى الوجود الموجود بالذات الإلهية موجود في الحوادث، وهو إمكان الرؤية..
    وهذا ما فهمته من قول العلامة الأمير على حاشية عبد لاسلام على الجوهرة.. حيث قال: الوجود صفة كلية مشتركة بين الموجودات اشتراكا معنويا مشككا لسبقه في الواجب..
    فكيف يمكن الجمع بين هذين القولين؟

    وجزاكم الله خيرا..
    ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
    فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
    فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!
  • شفاء محمد حسن
    طالبة علم
    • May 2005
    • 463

    #2
    الإشكال الثاني:
    الصفات السلبية سميت سلبية لأنها تسلب أمورا افتراضية في الذهن، لا وجود لها في الخارج..
    والصفة النفسية هي التي إذا انتفت انفت نفس الذات.. وهي الوجود في حق الله تعالى..
    ولو نظرنا الآن إلى كل صفة من الصفات السلبية لرأيناها كالصفة النفسية، من حيث إنها لو انتفت عن الله تعالى لما كان إلها، فمثلا لو انتفى عنه القدم لما كان واجب للوجود، وكذا مخالفة الحوادث، و البقاء، و الوحدانية، و القيام بالنفس..
    فكل صفة من هذه الصفة لازمة لكونه واجب الوجود، لزوما من الطرفين..
    وقد قال بعضهم على ما قرأت أن بعض الصفات السلبية هي نفسية أيضا..
    فما الذي رجح القول بأنها سلبية؟
    وهل ثمة شيء يمنع من أن نسميها كلها نفسية، أو على الأقل لازمة من لوازم الصفة النفسية؟
    أم أنه خلاف لفظي فقط لا ينبني عليه شيء، وهو ما فهمته؟

    الإشكال الثالث:
    هل قولنا: الصفة النفسية هي التي إذا انتفت تنتفي نفس الذات، هو أمر خاص بالذهن، أم أنه في الخارج كذلك..
    إذ أننا نستطيع أن نتصور إنسانا غير موجود في أذهاننا، كتصورنا بأن يولد إنسان، فهذا غير موجود الآن، وربما لا يوجد أصلا..
    لكننا لا نستطيع أن نتصور في أذهننا أن ثمة إله غير موجود..
    وبعد أن يوجد إنسان في الخارج، صار وجوده جزء من حقيقته، بل هو نفسه، لا يمكننا أن ننفيه، فهل في هذه الحالة يصير الوجود صفة نفسية لكونه في الخارج، وإن لم تكن كذلك في الذهن؟؟
    هذه المسألة كثيرا ما أفكر بها وأصل إلى نتيجة، تضيع من ذهني، وأظن أنها تضيع لكونها غير واضحة تماما.. فهل يمكن أن توضحوها لي بطريقة مبسطة، أرجع إليها في ذهني كل ما فكرت فيها؟؟

    أرجو أن تكون الإشكالات واضحة، وأنا بانتظار إجابتكم، جزاكم الله عنا كل خير..
    ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
    فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
    فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!

    تعليق

    • سعيد فودة
      المشرف العام
      • Jul 2003
      • 2444

      #3
      بسم الله
      الجواب عن السؤال الأول:
      لأجل هذه الملاحظات الذكية التي ذكرتيها أختي الفاضلة
      فإن المتأخرين من العلماء قالوا:
      إن الإمام الأشعري عندما قال إن الوجود مشترك لفظي، إنما قصد إن حقيقة وجود الله تعالى ليست مثل حقيقة وجود المخلوقات، لما علم من أن حقيقة وجود المخلوقات دالة على احتياجهم وفقرهم، وليس كذلك في حق الله تعالى، فلاختلاف الحقائق سمى الاشتراك لفظيا، ولكنهم قالوا أيضا، إن ذلك القول أيضا لا يفهم منه أنه نفى أي اشتراك مطلقا ولو في أحكام الوجودين، بل إنه قائل به، ولا يخفى أن الأحكام من باب المعاني، وهذا ما قرره من قال إن الوجود مشترك معنوي لم يقصدوا إن حقيقة وجود الله تعالى مثل حقيقة وجود المخلوقات فاتفقوا مع الإمام في هذه الجهة، وزادوا في توضيح القول بأن بينوا أن الوجود يطلق على الكون والثبوت والتحقق، وعلى الموجود، فالاشتراك إنما وقع في الوجود بمعنى التحقق والكون، لا في مصداقه وهو الموجود، والوجود كما نقلتيه عن بعضهم أمر كلي معنوي بهذا المعنى.
      ولذلك قال بعض المحققين: إن مآل قول الأشعري إلى قول الرازي، ملاحظين في ذلك إجمال الأشعري وتفصيل الرازي، وإن كان الشيخ قبل الإمام زمانا.
      وإذا كان الأمر كذلك فقد يقبل كون الوجود مصححا للرؤية، ولذلك أطلق الشيخ القول بأن كل موجود يصح أن يُرى لوجود اشتراك ما بين الموجودات، وهذا القدر من الاشتراك لا يصحح التماثل في الحقائق كما اتضح.
      راجيا أن يكون في هذا الجواب كفاية، فإن كان هناك احتياج للتفصيل أكثر، فليسأل عن محل الإشكال او الاستفسار، ونسأل الله أن يقدرنا على البيان.
      والله الموفق
      وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

      تعليق

      • فراس يوسف حسن
        طالب علم
        • Jun 2004
        • 400

        #4
        فالاشتراك المعنوي يقع في المفهوم وليس في المصداق, فمفهوم الوجود هو الأمر الثابت المتحقق في الخارج, أما في المصداق فلا اشتراك لأن حقيقة وجود الله تعالى تغاير حقيقة وجود الممكن.
        ولأن الوجود هو الثبوت والتحقق بالمفهوم كان ضد العدم وهو نقيض الثبوت.
        إليك وإلا لا تشد الركائب ــــــــــ ومنك وإلا فالمؤمل غائب
        وفيك وإلا فالرجاء مضيع ــــــــــ وعنك وإلا فالمحدث كاذب

        تعليق

        • فراس يوسف حسن
          طالب علم
          • Jun 2004
          • 400

          #5
          قولك:
          " والصفة النفسية هي التي إذا انتفت انفت نفس الذات"
          يغاير الحكم المترتب عن انتفاء الصفات السلبية, فبانتفاء واحدة منها ينتفي كمال الذات لا عين الذات!
          إليك وإلا لا تشد الركائب ــــــــــ ومنك وإلا فالمؤمل غائب
          وفيك وإلا فالرجاء مضيع ــــــــــ وعنك وإلا فالمحدث كاذب

          تعليق

          • شفاء محمد حسن
            طالبة علم
            • May 2005
            • 463

            #6
            بسم الله الرحمن الرحيم

            جزاكم الله خيرا، وزادكم علما وفضلا..
            بصراحة لا أعلم إن كنت قد فهمت كلامكم جيدا أم لا، فسأحاول تلخيص ما فهمته، وأرجو أن تنبهوني على ما ترونه من سوء فهم..
            هل تقصدون بقولكم: ولذلك قال بعض المحققين: إن مآل قول الأشعري إلى قول الرازي، ملاحظين في ذلك إجمال الأشعري وتفصيل الرازي، وإن كان الشيخ قبل الإمام زمانا.
            قول الإمام الرازي-رحمه الله -: إن الوجود هو غير الموجود، وقول الإمام الأشعري -رحمه الله-: إنه عينه؟

            إن كان كذلك فأستطيع أن أبني عليه فأقول تلخيصا لفهمي:
            كلمة الوجود تطلق على معان: الموجود، والثبوت، والكون، والتحقق..
            لو نظرنا إليه على المعنى الأول، فالوجود هو عين الموجود، الموجودات مختلفة، فاختلفت معانيها، فالاشتراك بينها على هذا المعنى لفظي..وهو قول الإمام الأشعري -رحمه الله -.
            ولو نظرنا للمعاني الأخرى، فالوجود إنما هو حكم من أحكام الموجود لا عينه، ويسمى صفة له، ولما كان هذا الحكم خارجا عن حقائق المحكومين به، جاز أن تشترك فيه حقائق كثيرة، ويكون الاشتراك معنويا، بمعنى ثبوت هذا الحكم لكل فرد من أفراده، سواء اتحدت حقائقهم أو اختلفت..
            فهل على هذا يحمل كلام الإمام الرازي -رحمه الله- أعني: هل هو ممن قال بأن الاشتراك في الوجود معنوي؟
            لكن لا يزال عندي إشكال خفي، لم يظهر تماما بعد، فلا يمكنني صياغته..
            واعذروني لجهلي بأقوال الإمام، فأنا لا أزال جديدة في عالم كتب العقيدة، وليس لي فيها سعة اطلاع..

            والأخ الفاضل فراس، قولكم:
            " والصفة النفسية هي التي إذا انتفت انتفت نفس الذات"
            يغاير الحكم المترتب عن انتفاء الصفات السلبية, فبانتفاء واحدة منها ينتفي كمال الذات لا عين الذات!


            انتفاء الكمال يلزم منه انتفاء الذات، ألا ترى أنك لو نفيت القدم، فإنك تنفي الوجود الماضي، ولو نفيت البقاء، فإنك تنفي الوجود المستقبل، وكذا في مخالفة الحوادث، والقيام بالنفس، يلزم منها الحدوث، ويلزم من الحدوث نفي الوجود الماضي..
            وهذا يتضح في الأدلة، فحيث ثبتت صفة الوجود، تثبت الصفات السلبية بعدها تبعا..
            هذا ما فهمته، وأنا بانتظار تبيين مشايخنا الكرام -حفظهم الله-..
            ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
            فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
            فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!

            تعليق

            • فراس يوسف حسن
              طالب علم
              • Jun 2004
              • 400

              #7
              الأخت الفاضلة:
              على هذا فإن صفات المعاني القدرة ، والإرادة ، والعلم ، والحياة ، والسمع ، والبصر ، والكلام أيضاً يمكن أن تسمى نفسية لأن بانتفائها أو بانتفاء بعضها تنتفي الذات. فانتفاء القدرة يلزم عنه العجز, والعجز نقص والنقص دال على الحدوث والحدوث ينفي الذات الواجب الوجود. وانتفاء الإرادة يلزم عنه الجبر وهو نقص, وكذا يقال في العلم والحياة والسمع والبصر والكلام.
              صفة الوجود ليست هي بشيء زائد عن الذات في الخارج وفي الذهن, أما الصفات السلبية وصفات المعاني فهي صفات زائدة على الذات, فنحن نتصور الذات ومن ثم نتصور وجوب قدمها ومخالفتها للحوادث الخ. فلو أن أحداً تصور وجود الذات مع ذهوله عن أية صفة يمكن أن تتصف بها الذات لم يستلزم ذلك انتفاء الذات. من هنا نعلم بأن انفكاك الذات عن الصفات في التصور منعت من تسمية تلك الصفات بصفات نفسية, أي عين الموجود, وليست شيئا زائداً عليه ولو بالتعقل والتصور.
              إليك وإلا لا تشد الركائب ــــــــــ ومنك وإلا فالمؤمل غائب
              وفيك وإلا فالرجاء مضيع ــــــــــ وعنك وإلا فالمحدث كاذب

              تعليق

              • شفاء محمد حسن
                طالبة علم
                • May 2005
                • 463

                #8
                المعذرة أنا أخطأت بقولي: إن نفي الكمال يلزم منه نفي الذات، صحيح إنه يلزم منه ذلك لكن ليس مباشرة، بل يحتاج لعدة مقدمات، أما الصفات السلبية فيلزم منها نفي الوجود الدائم مباشرة..
                فالقدم يلزم من نفيه نفي الوجود الماضي.. وهكذا في البقية..
                وهناك فرق كبير بين الصفات السلبية وصفات المعاني.. فالصفات السلبية مجرد أمور اعتبارية لا وجود لها في الخارج، فكيف تكون زائدة على الذات؟!
                وأما صفات المعاني فهي صفات وجودية، فبينهما فرق كبير، والله أعلم..
                ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
                فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
                فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!

                تعليق

                • شفاء محمد حسن
                  طالبة علم
                  • May 2005
                  • 463

                  #9
                  للرفع رجاء أن أجد جوابا ..!
                  ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
                  فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
                  فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!

                  تعليق

                  • سعيد فودة
                    المشرف العام
                    • Jul 2003
                    • 2444

                    #10
                    الأخت الفاضلة شفاء
                    أرجو منك تحديد السؤال الذي تريدين الإجابة عنه وبيان وجه الإشكال، وندعو الله أن يقدرنا على الإجابة وحل الإشكال بما فيه مقنع...
                    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                    تعليق

                    • شفاء محمد حسن
                      طالبة علم
                      • May 2005
                      • 463

                      #11
                      المعذرة أستاذي الفاضل، قد أجبتم عن إشكالي الأول، فلخصتُ ما فهمته بما كتبته:

                      كلمة الوجود تطلق على معان: الموجود، والثبوت، والكون، والتحقق..
                      لو نظرنا إليه على المعنى الأول، فالوجود هو عين الموجود، الموجودات مختلفة، فاختلفت معانيها، فالاشتراك بينها على هذا المعنى لفظي..وهو قول الإمام الأشعري -رحمه الله -.
                      ولو نظرنا للمعاني الأخرى، فالوجود إنما هو حكم من أحكام الموجود لا عينه، ويسمى صفة له، ولما كان هذا الحكم خارجا عن حقائق المحكومين به، جاز أن تشترك فيه حقائق كثيرة، ويكون الاشتراك معنويا، بمعنى ثبوت هذا الحكم لكل فرد من أفراده، سواء اتحدت حقائقهم أو اختلفت..
                      فهل على هذا يحمل كلام الإمام الرازي -رحمه الله- أعني: هل هو ممن قال بأن الاشتراك في الوجود معنوي؟
                      ولم أتأكد من صحة فهمي، لأنه إن صح فستنحل عندي عدة إشكالات تندرج تحته..
                      ثم الإشكال الثاني والثالث، ماذا عنهما؟!
                      جزاكم الله خيرا، وبارك لكم في أوقاتكم، وأعمالكم..
                      ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
                      فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
                      فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!

                      تعليق

                      • سعيد فودة
                        المشرف العام
                        • Jul 2003
                        • 2444

                        #12
                        ما ذكرتيه عموما صحيح،
                        وتنبهي إلى ما يأتي:
                        الثبوت والكون والتحقق ليست ألفاظا مترادفة المعنى، ولكنها متساوقة في التحقق، بمعنى أنه مهما صدق التحقق صدق الوجود والكون....
                        إلا أن الوجود يشترك مع الألفاظ الأخرى المذكورة (الكون، والثبوت...) في كونه حكما أيضا مثلها.
                        نعم، والإمام الرازي من القائلين بأن الوجود مشترك معنوي على المعنى الذي ذكرتيه، وهو معنى الكون، مع قوله بعدم التساوي في الحقائق الخارجية بين الواجب والممكن، وعلى ذلك فلا يوجد خلاف أصلي بينه وبين الأشعري رحمهما الله تعالى، ولذلك أرجع متأخرو المحققين قول الإمام الأشعري (لإجماله) إلى قول الإمام الرازي (لتفصيله).
                        وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                        تعليق

                        • سعيد فودة
                          المشرف العام
                          • Jul 2003
                          • 2444

                          #13
                          وأما الإشكال الثاني فكثير مما قاله الأستاذ فراس -وفقه الله- صحيح مفيد في هذا الباب، وأزيد هنا:
                          إنما سميت الوجود صفة نفسية لأن مدلولها عين الذات ونفسها، بخلاف الصفات السلبية فإن مدلولها سلب ونفيُ أمر لا يصح إثباته للذات الواجب الوجود، فالقِدَم تنفي ابتداء الوجود، أي ثبوت بداية للوجود، والقاء تنفي ثبوت آخرية ونهاية للذات المتحقق الوجود....وهكذا، فمدلول هذه الصفات بالمطابقة لا يدل على نفس الذات الواجب، ولكنها تدل على ما لا يمكن انفكاكه عن الذات الواجب الوجود، فالواجب الوجود لا يمكن أن يكون له بداية، ولا يمكن أن يكون لها نهاية، ولا يمكن تعدده في نفس الأمر (الوحدانية) ولا يمكن أن يكون له ضبه ولا مثيل (المخالفة للحوادث) وهكذا...
                          ولذلك الأمر سميت هذه الصفات بالصفات السلبية، لأن مدلولها سلب أمر عن الذات الواجب.
                          ولكون ذلك مستلزما إثبات كمال واجب للذات في نفسها، فقد يقول بعض العلماء إن هذه الصفات السلبية راجعة إلى النفسية، لأنها تثبت أحكاما لنفس الذات ولو بلازمها، فالذات التي ثبت وجودها، إذا نفي أن يكون لوجودها أول، فقد ثبت أنه لا أول لوجودها، وإذا نفي أن يكون لها آخر، فقد ثبت أنه لا آخر لوجودها، وإذا ثبت أنه لا يمكن أن يوجد لها مشابه ولا مثيل، فقد ثبت تفردها بالكمالات، ولهذا قال بعض العلماء إن نفس التفرد بالكمال كمال، وهكذا...
                          فإرجاع السلبية إلى النفسية لهذا الوجه لا لنفس معناها المطابقي. وهي لا تدل على نفس الذات بل على حكم واجب للذات، وإن لم يكن وجوديا زائدا عليها، فمن هنا فارقت الصفاتُ السلبيةُ الصفاتِ المسماة بالنفسية (أي: الوجود) لأنَّ هذه دالة على نفس الذات لا على أمر زائد عليها (سلبيا كان أو وجودياً).
                          ومن هنا فقد تبين -بقليل من التأمل- الفرق بين النفسية والمعاني والسلبية.
                          وأما قولك:
                          وهل ثمة شيء يمنع من أن نسميها كلها نفسية، أو على الأقل لازمة من لوازم الصفة النفسية؟
                          فقد تبين بأن هناك فارقا بينهما، وهي ليست لازمة عن مجرد الوجود، بل لازمة عن وجوب الوجود، ونحن لا نريد من صفة الوجود ، أنها ثابتة بقيد الوجوب، وإلا لكفانا هذا عن جميع التنزيهات السلبية، لأن وجوب الوجود أصل كل كمال، بل يمكن أن نقول: إن الوجود إذا لوحظ انضمام الصفات السلبية والمعاني فالحاصل كمال مفهوم وجوب الوجود. فلا يثبت واجب الوجود إلا متصفا بالصفات السلبية والمعاني التي ثبتت نسبتها للواجب بالدليل القاطع.
                          ويمكنك أن تقولي: إذا تكلمنا عن وجود الإله فينبغي أن يكون مستلزما للصفات السلبية والمعاني كذلك، لأن الإله يجب أن يكون واجب الوجود في التصور الإسلامي الصحيح، وعلى هذا أجمع عقلاء علماء الإسلام، خلافا لدعوى المخالفين من أن بعض الآلهة ليست قديمة أو ليست متصفة بالقدرة التامة، أو بالعلم التام...اهـ (كما يتصوره الهندوس،والمشركون، والنصارى، واليهود، وغيرهم ممن انحرف عقله عن التصور الصحيح لوجوب الوجود وللإلهية الحقيقية التامة، لا المتوهمة المتخيلة في الأذهان بلا تحقق لها في الأعيان.
                          وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                          تعليق

                          • شفاء محمد حسن
                            طالبة علم
                            • May 2005
                            • 463

                            #14
                            جزاكم الله خير الجزاء..
                            فقد انحل الإشكال عندي، وكان سببه أن ذهني وقع في حالة لم أتمكن أن أفصل فيها الوجود عن كونه واجبا، فكنت أرى أن وجوب الوجود يستلزم القدم وغيره، وهذا ما منعني من فهم كلام الأخ الفاضل فراس.. فجزاه الله خيرا.. وغفر الله لي فقد كان علي أن أتأمل أكثر قبل أن أعترض عليه..
                            ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
                            فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
                            فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!

                            تعليق

                            • فراس يوسف حسن
                              طالب علم
                              • Jun 2004
                              • 400

                              #15
                              هذه تعليقات لأبي يعرب المرزوقي على استشكالات الأخت شفاء!

                              مسك الختام

                              في تحريف علم الكلام



                              ابو يعرب المرزوقي

                              ما مجال التدجيل الأعظم[1] عند الناكصين بالفكر الأشعري إلى الحضيض ؟ إنه الكلام على المفهوم الذي لا يكاد المرء أن يمسك بالمتهربين من تحصيل دلالاته الدقيقة: مجال الكلام في الميتافيزيقيات التي يمضغ منها المتكلمون عبارات غير مفهومة ويتصورون أنفسهم من كبار المنظرين بقطع الشعر كما يقول حجة الإسلام. سبق أن تكلمت على مثال منطقي وعلى مثال كلامي بالجوهر وميتافيزيقي بالعرض (أعني أنه بدأ كلاميا ثم صار ميتافيزيقيا) وعلى مثال علمي وعلي الآن أتكلم على مثال ميتافيزيقي بالجوهر وكلامي بالعرض (أعني انه بدأ ميتافيزيقيا ثم صار كلاميا) حتى يبتين لكل القراء ضروب الدجل التي عمت في موقع الأصلين والرازي للزاعمين الكلام في علم الكلام لتعليم المسلمين العقيدة الصحيحة بعلمهم الأعرج.

                              وهذا المثال قدمته مشكورة الأخت الفاضلة السيدة شفاء محمد محسن. فقد طرحت ثلاثة إشكالات دالة على حيرة فلسفية حقيقية وحللت الأجوبة التي طلبتها بما يدل على أنها تكاد تدرك سر اللعبة عند من لجأت إليهم لمساعدتها. ورغم أنها تبدو قد فهمت ما قدم لها فقد عجبت من ردها السريع المعبر عن اقتناع بما أتاها من جواب تدعي أنه حل الإشكال الذي تعاني منه في المسائل الثلاث التي طرحتها.

                              إن إدعاءها فهم الجواب وجزمها بزوال الإشكال هو الذي دعاني للتساؤل: هل كانت السيدة حقا تفهم ما سألت عنه أم هي تكرر محفوظات ؟ ذلك أن الأجوبة التي تلقتها لم تجب عن الأسئلة التي طرحتها فكيف بدا لها أنها حلت الإشكال عندها ؟ للجواب عن هذا السؤال سأكتفي بإشكالها الأول والجوب عليه من شيخها ومساعده[2]: الإشكال الأول كيف نوفق بين هاتين النظرتين:

                              1- النظرة القائلة بأن الوجود مشترك لفظي (Homonymous) وهي النظرة التي تنسب عادة إلى كلام القدامى عامة وكلام الأشعري خاصة.

                              2-والنظرة القائلة إنه مشترك معنوي دون تعيين (رغم أنها أشارت إلى شرح اعتبره مشككا) وهي النظرة التي تنسب عادة إلى كلام المتأخرين.

                              لم أفهم كيف فهمت الاشتراك المعنوي الذي عبر عنه شيخها وكيف أقنعها كلامه بما لا شيء يدل على أنه يعي ما يردده فيه من معان وصلتها بالإشكال المطروح (علما وأنه قد سبق أن قال إن الاشتراك المعنوي لمفهوم الوجود يقال بتواطؤ أي بنفس المعنى على كل الموجودات وهو ما يقتضي أن يتساوى فيه الله مع الإنسان والحيوان والنبات والجماد قال ذلك في خبطه حول ما نسبه إلى ابن تيمية من خطأ منطقي تكلمنا عليه في الفصل الأول من هذا الباب !)؟ فهو لم يعين طبيعة العلاقة بين التحقق والوجود والثبوت والكون بالموجود بحيث تعتبر معاني وجودية تعالج المشكل الذي تريد له السائلة حلا أعني التوفيق بين النظرتين القائلة بالاشتراك الاسمي وبالاشتراك المعنوي حتى من دون تحديد طبيعته (لأنه كما لا يعلم الشيخ ذو طبائع أربع مختلفة كما نبين إن شاء الله: متواطئ ومشتق ومشكك خاص ومشكك عام) ؟ ناهيك عن كلام مساعده اللبق[3].

                              والسؤال هو: كيف يشترك وجود الخالق في أحكام الوجود مع الموجودات الأخرى ؟ وكيف يكون ذلك كافيا للتوفيق بين القائلين بالاشتراك الإسمي والقائلين بالتشكيك ؟ ثم ما معنى أحكام الوجود ؟ أهي أحكامه بمعنى صفاته الذاتية أم بمعنى أحكام معرفتنا للوجود ؟ أليس الثبوت قابلا لأن يقع في العدم (ثوابت ابن عربي وشيء أبي هاشم) فكيف يشارك فيه الله ؟ أليس التحقق دالا على تأنن الماهيات أي حصولها موجودة بالوجود الطبيعي بعد أن كانت قائمة في العناية بالمعنى السينوي للكلمتين ؟ ومن ثم يكون السؤال: كيف يمكن أن ينطبق على من لا فصل بين ماهيته وإنيته ؟ وبأي معنى من معاني الوجود يتعلق التحقق والثبوت وهما مما يعرض للوجود ولا يقبلان الوصف به إلا تناسبيا كما يصح ذلك على المقولات التسع في صلتها بالجوهر ؟ وكيف يمكن الكلام على المشاركة المعنوية بين الله والمخلوقات في الكون ولا كون إلا ومتضايف مع الفساد؟ أيكون الله مشاركا لغيره في تغير جوهري (وهو معنى الكون) يجعله يكون ويفسد معاذ الله ؟ هل يتردد الوجود القديم بين الكون والفساد ككل المخلوقات ؟

                              ما هذا الخبط يا أدعياء العلم ؟ بأي لغة تتكلمون؟ أم إن لهذه المصطلحات معاني أخرى غير التي في المعاجم المختصة وغير ما تواضع عليه أصحابها من الفلاسفة الحقيقيين في أنساق فكرهم التي لا يلجها من هب ودب لأنها بالطبع من المضنون به على غير أهله ؟ ومع ذلك فالشيخ مقتنع بأنه أجاب الجواب الشافي لأنه يجهل أنه يجهل. والسائلة اقتنعت بأنها فهمت لأنها لم تفهم عما تسأل. لكني أنا لم اقتنع بما اقتنع به الشيخ ولا بما اقتنعت به السائلة وسأريهما ما لم يرياه وما لو رأياه لعادا إلى التعلم الهادئ ولالتزما حدودهما لئلا يواصلا التدجيل على طلبة العلم. ولا يعدم من هو صادق بينهم في طلب دون شك.



                              ملاحظات سريعة



                              ملاحظة مبدئية حول الخيار المنهجي:

                              هل نريد أن نعالج القضية فلسفيا بإطلاق أعني بمرجعية معرفية مقصورة على القول الفلسفي أم بمرجعية دينية بإطلاق أعني بمرجعية معرفية مقصورة على الآيات القرآنية ؟ أم هل نريد أن نعلب على الحبلين كما يفعل المتكلمون إذ يزعمون الانطلاق من القرآن لكنهم بالتأويل يجعلون ما فيه مجرد مثالات بالمعنى الذي يقصده فلاسفتنا في القرون الوسطى أو تصورات إيديولوجية شعبية بالمعنى الذي يقصده علمانيونا ؟ وفي الحقيقة فالكلام لا يتصور إلا قائلا بهذين الرأيين معا لأن الرأي الأول هو التأسيس النظري للموقف الباطني والثاني هو ثمرته العملية: وذلك هو جوهر الباطنية أعني ما يسميه ابن تيمية بالقرمطة في العمل والسفسطة في النظر.

                              ملاحظة تطبيقية حول العلاج المنهجي:

                              ذلك أن كلا طرفي العلاقة السائلة والمسؤول لم يعالجا القضية العلاج المناسب لأنهما يمضغان معان فلسفية غير مفهومة تداولها المتكلمون الأوائل بعد جهد جهيد ولم يفهمها منهم إلا الفحول ثم نسيت فصارت علكا تنتقل من فك إلى فك دون نسغ ولا حياة في الشروح والحواشي كما نجد ذلك كثير التردد عند الأخ نزار الذي يردد بلا فهم ما يجده في الحواشي الصفراء معتبرا ذلك علما لدنيا. فقد كان المنتظر أن تسأل السائلة عن "وصف" موجود على الله ما مصدر انطباقه على الله ؟ فلا وجود لهذه الصفة في ما جاء به القرآن بل ما يقرب منها هو الواجد لا الموجود. وهذا هو المعنى الوحيد الذي يليق بالذات العلية لأن معنيي الوجود في العربية لا يليقان به:

                              1-فالله ليس مال يُملك فيكون موجودَ واجدٍ أعني ما عنده من ثروة.

                              2-والله ليس مجرد معلوم في ذهن عالم أعني معنى في تصور ذهني يصادفه باحث عنه كما في عبارة "وجد الضالة".

                              بل هو أصل كلا الأمرين في الموجودات التي خلقها أعني ما يرمز إليه المملوك أو مصدر القيام لذلك فهو قيوم ومصدر العلم لذلك فهو عليم. ومن قيومته وجوديا ومن عليميته معرفيا يخلق كل ما عداه أعني العالم بكل ما فيه ولا يشاركه أي شيء منها في أي شيء إلا بالاسم.

                              ملاحظة معرفية حول المعاني المقصودة:

                              وقد كان من المنتظر أن تسأل عن صلة المعاني الأربعة التي يزعم شيخها استعمالها للتوفيق بين رأيي الأشعري والرازي أعني الثبوت والتحقق والكون والموجود. ذلك أننا لا نرى طبيعة الترابط بين هذه المعاني اللهم إلا إذا كانت الذاكرة تكفي للوصل بين معاني الكلمات. وهذا يذكرني بالكثير من المفكرين العرب الذين يحاولون أن يربطوا بين المعاني في الكلام العربي من منطلق مجالات دلالة مستمدة من لغة أجنبية. فلعل هذه المعاني مترابطة في مجال الدلالة الذي يمكن استمداده من اللغة اليونانية لكني هنا لا أرى رابطا بينها.

                              ما أعلمه من التحليل الفلسفي لكلمة وجود في اللغة الفلسفية العربية كان دائما في محاولة لطلب البدائل الممكنة لأداء معان يونانية وجدها فكرنا العربي خلال تلقيه الفلسفة اليونانية وترجمتها. وقد تكرر ذلك أربع مرات معلومة للقاصي والداني في تاريخ الفكر العربي الإسلامي:

                              1-الكندي والمقابلة بين المعنيين المعرفي والوجودي (الرسالة إلى المعتصم)

                              2-الفارابي والبحث عن ترجمة الرابطة المنطقية في القضية (شرح العبارة)

                              3-ابن سينا في محاولة تعريف موضوع الإلهيات (الشفاء)

                              4-ابن رشد في مراجعة الخيارين العربيين لأداء أداة الربط الحملي في القضية أعني بين هو وموجود (تهافت التهافت وتفسير ما بعد الطبيعة).

                              وهذه جميعا تحيل إلى ما يسمى بالدلالة التناسبية Analogy للوجود والواحد والخير أعني الدلالة التناسبية للمتعاليات الثلاثة المعهودة.

                              ومن كان جاهلا بهذه الأمور فإنه لا يحق له أن يتكلم في مثل هذه المسائل. تلك هي العلة الأولى لهذا الحكم.

                              أما العلة الثانية فهي الأعمق. إذا اقتصرنا على ما تسمح به العربية والقرآن أصبح كل الكلام السابق لاغيا في حق الله ويمكن حصره في الكلام على الوجود المخلوق بشرط ربطه بمعنيي الوجود العربيين:

                              أعني من حيث هو موجودية للأشياء تدين بقيامها لها وتشير إلى مصدر متعال عليها فيكون مدلولها المربوبية.

                              ومن حيث هو معلومية للأشياء تدين بمعرفتها لها وتشير إلى مصدر متعال عليها فيكون مدلولها الآلهية.

                              والمعنى الجامع بين المعنيين هو اللقاء بالشيء في العلم بوصفه يفرض سابقا على إدراكه أعني وجد بمعنى لقي أو صادف وفيه في نفس الوقت وجود الشيء قياما في الأعيان ووجوده علما في الأذهان. لكن المعاني الفلسفية التي حددها الفكر الإنساني بالتدريج تعود إلى أربعة أحدها هو الأصل والبقية فروع عنه. وتلك هي المعاني التي عمل بها الفكر الإسلامي سواء بمعناه الفلسفي الخالص أو بما فهم منه المتكلمون مع تلكؤ في إدراك المعاني الدقيقة.

                              ملاحظة حول دلالة مفهوم الوجود فلسفيا وتاريخيا:

                              فالمعنى الأول والرئيسي في مستوى الوجود نفسه تحدده مقابلتان هما:

                              1- الوجود بمعنى الحدين "عرض ذات" والعلاقة بينهما.

                              2- الوجود بمعنى الحدين "قوة فعل"[4] والعلاقة بينهما.

                              أما في مستوى الفكر والصوغ المعرفي للوجود فتحدده مقابلتان أخريان يناظر فيهما ما في الأذهان ما في الأعيان:

                              1- الوجود بمعنى الحدين "كاذب صادق"[5]والعلاقة بينهما.

                              2- الوجود بمعنى الحدين "مقولة الجوهر-أعراضها المقولية التسع" والعلاقة بينهما.

                              1- فالوجود بمعنى العرض يستثنيه أرسطو بصريح العبارة من بحثه، ومن كل بحث علمي. إنه موضوع المغالطية ولعله في الحقيقة عين مادة علم الكلام. ومع ذلك فإن أرسطو، خلال إخراجه من البحث المابعد الطبيعي، يحدد طبيعته، وأصنافه، وعلته، وكونه غير معلوم، ويبين وظيفته الوجودية: به نفهم إمكان القول السفسطائي عند اليونان والقول الكلامي عندنا.

                              2 والوجود بمعنى الفعل والقوة يعتبره أرسطو موضوع الطبيعيات. والواقع أن علم الطبيعة، من حيث هو علم مجرّد (يدرس جزءا من الوجود أو صفة مجردة: الوجود بما هو متحرك، ليس بوسعه أن يعالج هذا المبدأ بصورة مطلقة، ويكتفي باستعماله. ولهذا يعترف العلماء بحدود العلم أعني بما ينكره القائلون بإمكان علم الكلام.

                              3 - والوجود بمعنى الصادق والكاذب وأرسطو يستثنيه، كذلك، من مجال البحث الميتافيزيقي، لكنه، مع ذلك، يحدد مادته، وأنواعه، وعلته، ووظيفته الوجودية. كما يؤكد كذلك على أن هذا المعنى هو موضوع علم يسميه علم البرهان، ويغلب على الظن أنه يطابق علم المنطق. ولعل أول من أدرك أهمية هذا المعنى هو ابن سينا في إلهياته عندما أسس الفصل الحقيقي بين الماهية والوجود. فالماهية المفصولة فعلا عن الوجود قابلة للعلم من حيث هي تصور ليس بالضرورة مطابقا لموجود فعلي بل قد يكون مجرد مقدر ذهني بالمعنى التيمي. فتكون هذه الفكرة السينوية ذات الأصل الأرسطي قد صارت ثورة إبستمولوجية عند تأويلها التأويل التيمي بمعنى اعتبار العقل الإنساني قادرا على إبداع مقدرات ذهنية وجعلها موضوعا لعلم خيالي قابل للتطبيق على الوقائع (وإليه تنسب الرياضيات والمنطق في الفهم التيمي بعد تخلصيهما من الميتافيزيقا التي اعتبرت موضوعاتها حقائق وجودية وليست مبدعات أو تقديرات ذهنية !).

                              4 وأخير الوجود بمعنى الأجناس العالية .وهذا المعنى الذي يحاول الشيخ الكلام فيه دون الأهلية الكافية. ونظرا إلى أن هذا المعنى من الوجود هو الموضوع الجوهري في ما بعد الطبيعة، فإن أرسطو يخصّص له أعظم مكانة. ولو فهم فلاسفتنا هذه القضية كما فهمها شيخ الإسلام لتحرروا من الميتافيزيقا من البداية بتطوير فكرة ابن سينا التي صارت في حل ابن تيمية فصلا بين المقدرات الذهنية كعلم أداة وبين المعرفة التي هي بالضرورة تطبيق لهذه المقدرات على المعطيات الحسية التجريبية دائما.

                              مسألة الوجود وتحريف الفكر الأشعري

                              وحاصل القول وزبدته أنه لا يمكن التوفيق بين الموقفين أبدا وذلك للعلتين التاليتين النابعتين من معنيي المشكك. فما سماه فلاسفتنا بالمشكك يحاول هذا الشويخ جمعه تحت عنوان المعنوي من الوجود أي غير المتواطئ وغير المشترك الاسمي إذا حاولنا أن نضفي بعض المعنى على قصده. لكن المشكك ليس نوعا واحدا بل هو ينقسم على الأقل إلى نوعين يتوسطان بين المتواطئ والاسمي[6]:

                              1-المشكك الوجودي أو التناسب الوجودي وعليه يقيس أرسطو معنى الوجود مطبقا على الجوهر والأعراض (مثل وصف الطبي ووصف الصحي): ويعتقد أرسطو أن في هذا تراتبا في الكثافة الوجودية لأن الجوهر أكثر كثافة وجودية من العرض لاستغناء الأول عن الثاني في قيامه بعكس حاجة الثاني للأول. لكن الفلسفة الحديثة وابن تيمية قبلها بين كذب هذا الحكم: الجوهر حتى لو صح تمييزه عن العرض فإنه لا يمكن أن يظهر من دونه. ولما كان لا معنى لقيامه من دون ظهوره فإنه ثم فهو غير مستغن عن العرض. وبذلك يزول أساس الميتافيزيقا كلها: لا معنى للمقابلة جوهر عرض إلا بالمعنى المعرفي لا الوجودي أي إننا في علمنا كما في لغتنا نحتاج إلى ما يؤدي دور المسند إليه والمسند. لكن المسند في حالة يمكن أن يسبح مسندا إليه في حالة أخرى بمقتضى تغير المقام والمقال.

                              يتبع...
                              إليك وإلا لا تشد الركائب ــــــــــ ومنك وإلا فالمؤمل غائب
                              وفيك وإلا فالرجاء مضيع ــــــــــ وعنك وإلا فالمحدث كاذب

                              تعليق

                              يعمل...