الحمد لله تعالى
سأل الأخ (سعيد) من منتدى الأزهريين هذا السؤال:
ابن ابي زيد القيرواني هل هو معتبر عند المالكية ؟وما مدى صحة الرسالة المنسوبة اليه؟ وهل ثبت عنه انه قال فيها هذه العبارة " وإنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو بكل مكان بعلمه"؟ ارجو البيان وشكرا
فكان هذا الجواب:
الحمد لله رب العالمين
سيدي الإمام العلم الهمام فريد نسجه ووحيد دهره أبو محمد بن أبي زيد القيرواني رضي الله تعالى عنه وأرضاه إمام من أئمة المالكية المعتبرين، بل دعامة من دعائمه التي لا غنى عنها بإرادة الله تعالى، هذا من حيث الفقه، وأما من حيث الاعتقاد فهو جبل شامخ وطود راسخ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، بمُحكَم عباراته، وبديع إشاراته، وهذا ما قرره أئمة الإسلام ممن شرحوا العقيدة القيروانية وبينوا معانيها وزادوا محكمَها توضيحًا ودفعوا عن متشابهها الأفهام السقيمة التي تسلل من روائها أصحاب البدع لتحريف عقيدة الشيخ الإمام القيرواني. وقد بسطنا ذلك مرارا، لكن لا بأس بالإشارة هنا إلى ما تقرر في موضعه.
العبارات المذكورة من الأخ السائل صحيحة مليحة لا يعترض عليها إلا سقيم الفهم، ولا يحملها على معنى فاسد لم يُرِده الإمام القيرواني إلا مبتدع زائغ.
وكما لا يخفى الأمر على الجميع فإن المشبهة ـ المعروفين اليوم بالوهابية ـ يدعون أن ابن أبي زيد القيرواني قصد أن الله ـ تعالى عن قولهم علوا كبيرا ـ كائن في جهة فوق بذاته، يعني كما أن الشمس بذاتها فوق رؤوسنا، هو كذلك عندهم بذاته فوق السموات والعرش، وهذا المعنى الفاسد لم يقصده الإمام القيرواني ولا خطر بباله، كيف وهو إن قصده كان ـ حاشاها ـ متناقضا متهافتا؟؟
وبيانه أن القيرواني قد نص نصا صريحا لا يحتمل إلا معنى واحد على تنزه اتصاف الله تعالى بالصفات المحدثة، حيث قال في مقدمة الرسالة: (وله الأسماء الحسنى والصفات العلى. لم يزل بجميع صفاته وأسمائه. تعالى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدثة.)
وقال في «الجامع»: إنّ الله تبارك وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى. لم يزل بجميع صفاته. وهو سبحانه وتعالى موصوف بأنّ له علما وقدرة وإرادة ومشيئة. لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، له الأسماء الحسنى والصفات العلى.
ومعلوم بطريق القطع واليقين من طريق حديث سيد المرسلين أنه كان الله ولا شيء معه، أي لا عرش ولا غيره، وهذا الحديث نص صريح لا يحتمل التأويل، ومفاده أن الله تعالى لم يكن تحته شيء في الأزل حتى يقال إنه فوق بذاته؛ فإن الفوقية التي يقصدها المشبهة لا تعقل إلا بين شيئين يكون أحدهما فوق والآخر تحت، وما لم يوجد ما هو تحت لا يقال في الآخر فوق، اللهم الفوقية المعنوية وهي التي يقصدها الإمام القيرواني، وقوله "بذاته" أدل دليل على ذلك؛ إذ ما يقابل الذاتي هو العرَضي، وفوقية الله تعالى بالمكانة على ما سواه فوقية ذاتية، ليست مستفادة من الغير حتى تكون عرضية، أما الفوقية التي يقصدها المشبهة فهي فوقية عرضية عرَضت للخالق ـ تعالى عن قولهم علوا كبيرا ـ بعد أن خلق المخلوقات فصار فوقها وصارت تحته، فهي بذلك صفة حادثة، والإمام القيرواني ينص نصا صريحا لا يحتمل التأويل على أن الله تعالى لا يتصف بصفة حادثة، والمشبهة ينصون نصا صريحا على أن الله تعالى عن قولهم علوا كبيرا يتصف بالصفات الحادثة ويسمونها اختيارية، فشتان بين عقيدة الإمام القيرواني وبين عقيدة المشبهة، ولو حملنا كلام القيرواني على عقيدة المشبهة لكان متناقضا حاشاه من بهتان المشبهة.
أما قوله رضي الله تعالى عنه: وهو بكل مكان بعلمه، فكلام واضح لا إشكال فيه، ومعناه أنه علمه تعالى متعلق بكل مكان وما فيه من المخلوقات تعلقا تفصيليا، إذ من المعلوم أن الصفة لا تفارق الموصوف، هذا في الحادث، فضلا عن القديم الأزلي سبحانه وتعالى.
وفي هذا كفاية، والله حسيب كل من حرف عقيدة الإمام القيرواني، وادعى عليه التشبيه والتجسيم، إما بلسان الحال أو بلسان المقال.
المصدر:
سأل الأخ (سعيد) من منتدى الأزهريين هذا السؤال:
ابن ابي زيد القيرواني هل هو معتبر عند المالكية ؟وما مدى صحة الرسالة المنسوبة اليه؟ وهل ثبت عنه انه قال فيها هذه العبارة " وإنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو بكل مكان بعلمه"؟ ارجو البيان وشكرا
فكان هذا الجواب:
الحمد لله رب العالمين
سيدي الإمام العلم الهمام فريد نسجه ووحيد دهره أبو محمد بن أبي زيد القيرواني رضي الله تعالى عنه وأرضاه إمام من أئمة المالكية المعتبرين، بل دعامة من دعائمه التي لا غنى عنها بإرادة الله تعالى، هذا من حيث الفقه، وأما من حيث الاعتقاد فهو جبل شامخ وطود راسخ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، بمُحكَم عباراته، وبديع إشاراته، وهذا ما قرره أئمة الإسلام ممن شرحوا العقيدة القيروانية وبينوا معانيها وزادوا محكمَها توضيحًا ودفعوا عن متشابهها الأفهام السقيمة التي تسلل من روائها أصحاب البدع لتحريف عقيدة الشيخ الإمام القيرواني. وقد بسطنا ذلك مرارا، لكن لا بأس بالإشارة هنا إلى ما تقرر في موضعه.
العبارات المذكورة من الأخ السائل صحيحة مليحة لا يعترض عليها إلا سقيم الفهم، ولا يحملها على معنى فاسد لم يُرِده الإمام القيرواني إلا مبتدع زائغ.
وكما لا يخفى الأمر على الجميع فإن المشبهة ـ المعروفين اليوم بالوهابية ـ يدعون أن ابن أبي زيد القيرواني قصد أن الله ـ تعالى عن قولهم علوا كبيرا ـ كائن في جهة فوق بذاته، يعني كما أن الشمس بذاتها فوق رؤوسنا، هو كذلك عندهم بذاته فوق السموات والعرش، وهذا المعنى الفاسد لم يقصده الإمام القيرواني ولا خطر بباله، كيف وهو إن قصده كان ـ حاشاها ـ متناقضا متهافتا؟؟
وبيانه أن القيرواني قد نص نصا صريحا لا يحتمل إلا معنى واحد على تنزه اتصاف الله تعالى بالصفات المحدثة، حيث قال في مقدمة الرسالة: (وله الأسماء الحسنى والصفات العلى. لم يزل بجميع صفاته وأسمائه. تعالى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدثة.)
وقال في «الجامع»: إنّ الله تبارك وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى. لم يزل بجميع صفاته. وهو سبحانه وتعالى موصوف بأنّ له علما وقدرة وإرادة ومشيئة. لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، له الأسماء الحسنى والصفات العلى.
ومعلوم بطريق القطع واليقين من طريق حديث سيد المرسلين أنه كان الله ولا شيء معه، أي لا عرش ولا غيره، وهذا الحديث نص صريح لا يحتمل التأويل، ومفاده أن الله تعالى لم يكن تحته شيء في الأزل حتى يقال إنه فوق بذاته؛ فإن الفوقية التي يقصدها المشبهة لا تعقل إلا بين شيئين يكون أحدهما فوق والآخر تحت، وما لم يوجد ما هو تحت لا يقال في الآخر فوق، اللهم الفوقية المعنوية وهي التي يقصدها الإمام القيرواني، وقوله "بذاته" أدل دليل على ذلك؛ إذ ما يقابل الذاتي هو العرَضي، وفوقية الله تعالى بالمكانة على ما سواه فوقية ذاتية، ليست مستفادة من الغير حتى تكون عرضية، أما الفوقية التي يقصدها المشبهة فهي فوقية عرضية عرَضت للخالق ـ تعالى عن قولهم علوا كبيرا ـ بعد أن خلق المخلوقات فصار فوقها وصارت تحته، فهي بذلك صفة حادثة، والإمام القيرواني ينص نصا صريحا لا يحتمل التأويل على أن الله تعالى لا يتصف بصفة حادثة، والمشبهة ينصون نصا صريحا على أن الله تعالى عن قولهم علوا كبيرا يتصف بالصفات الحادثة ويسمونها اختيارية، فشتان بين عقيدة الإمام القيرواني وبين عقيدة المشبهة، ولو حملنا كلام القيرواني على عقيدة المشبهة لكان متناقضا حاشاه من بهتان المشبهة.
أما قوله رضي الله تعالى عنه: وهو بكل مكان بعلمه، فكلام واضح لا إشكال فيه، ومعناه أنه علمه تعالى متعلق بكل مكان وما فيه من المخلوقات تعلقا تفصيليا، إذ من المعلوم أن الصفة لا تفارق الموصوف، هذا في الحادث، فضلا عن القديم الأزلي سبحانه وتعالى.
وفي هذا كفاية، والله حسيب كل من حرف عقيدة الإمام القيرواني، وادعى عليه التشبيه والتجسيم، إما بلسان الحال أو بلسان المقال.
المصدر:
تعليق