مواعظ الشيخ محمد سليم حفظه الله

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • انيس بن الحسين بيات
    طالب علم
    • Feb 2010
    • 10

    #1

    مواعظ الشيخ محمد سليم حفظه الله

    الحمد لله، الذي علا بحوله، و دنا إلى عباده بطوله، احمده تعالى و اشكره، و اتوب إليه و استغفره، و اصلي و اسلم على رسوله ، امام المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، و على آله و اصحابه الغر الميامين، و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،

    اما بعد:

    فيا ايها الإخوة الكرام، سأقدم في هذا الموضوع - بتوفيق الله - مواعظ و نصائح التي القتها استاذي و شيخي و مربي، صاحب السماحة العلامة محمد سليم دهورات حفظه الله، الذي سوف اعرفه لديكم من قريب.

    و اول ما ابدا به ما كتبه الشيخ - طال عمره - عن الإخلاص، كتبه في اللغة الإنجلزية، فحولته بإذنه عربية، ثم اصلحه و صححه بعد استاذي الشيخ ابو بكر حفطه الله.

    ادعو الله ان ينفعني عز و جل و اياكم بهذا العمل، و ان يكتبه لي في ميزان الحسنات يوم القيامة
    .

    اخلاص النية

    قال النبيّ صلى الله عليه و سلم : "إنّ الله لا ينظر إلى صوركم و اموالكم، و لكن ينظر إلى قلوبكم و اعمالكم" (رواه مسلم)
    إن الحديث المذكور يوضّح الميزان الذي به يقضي الله بين الناس يوم اليامة. فقضاه مبنيّ لا على الحلية الصورية، و لا على العرقيّة او الأصلية او المالية، بل قضاه على امرين:
    1 القلب
    2 الأعمال

    و السؤال الذي ينشأ هنا طبعاً: ما هو الشيئ الذي يطلب الله في القلوب و الأعمال؟
    امّا القلب، فظاهر انّ المطلوب هو الإيمان الصادق و البرّ، و ذاك يشمل التخلّق بجميع المحامد من الصبر و التواضع و الجود و الإخلاض، مع التأنّي عن جميع الرذائل، كالغضب و الحقد و الحسد.
    و امّا الأعمال، فمنها ما قرّرها الشرع مأجورةً عليها، فتجزى كذلك، والتي انكرها لن يقبلها الله. فالأعمال مع النيّات تقضى بصلاح المرء و فساده و علُوّه و دنوّه.

    الإخلاص و متابعة السنّة: امران مهمّان
    و لقبول عمل ما عند الله، لا بدّ من ان يحتوي على امرين:
    1- تصحيح النيّة و اخلاصها
    2- و ان يتابع فيه السنة النبويّة

    قال النبيّ صلى الله عليه و سلم: "إنّما الأعمال بالنيّات" (متفق عليه)

    فلذا، ليَكُن الهمّة الأصلية الوحيدة من العمل الصالح، رضى الباري سبحانه، مهما يبدو ظاهر العمل متقناً، إن لم يكن مخلصاً، لا يجلب أيّ اجر، و قولوا مثل ذلك لمّا كان العمل خالصاً لوجهه سبحانه، غير انّه قد مخالف للسنة.
    ذات يوم عيد، عزم رجلٌ ان يتنفّل بالمصلّى، فمنعه عليّ رضي الله عنه، فقال: يا امير المؤمنين! إنّي اعلم انّ الله لا يعاقب احداً على الصلوة!
    فقال له عليّ كرم الله وجهه: "و إني لاعلم انّ الله لا يجزي عملاً إلاّ و رسوله صلى الله عليه و سلم فعله او حضّ عليه! و صلوتك لغو باطل، فقد نهينا عنه، بل و يخشى ان يؤاخذك الله بمخالفة رسوله صلى الله عليه و سلم!" (مجالس الابرار)

    فلنستحضر انّ سنّة رسول الله صلى الله عليه و سلم هي المحجّة إلى حصول محبّة الله عز و جل و غفرانه.

    قال جل ذكره: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (آل عمران:31)

    الإخلاص روح الأعمال
    الإخلاص حياة العمل و روحه، إن يعدم لم يبق عملاً - و إن كان موجوداً في الظاهر- غير انّه في الواقع كالجسد بلا روح؛ لا طائل وراءه.
    و مثال هذا كتمثال الأسد او جثّته، الذي مع مظهره الواقعي لا يخيف احداً حتّى الطفل الصغير. و في المقابل، ما ظنكم لو دخل الأسد الحيّ او شبله على جماعة؟ فالأوّل و إن كان على شكل الأسد لم يفرّ احدٌ عند رؤيته لعدم الحياة فيه، و في الموقف الثاني، الأسد - و إن كان صغيراً - لكن يخاف منه لأجل كونه حيّاً. فالعمل العظيم بدون الإخلاص مع عظمه و حجمه لا يثاب و لا يؤجر عليه، و لا يوضع العمل بدون الإخلاص في الميزان يوم القيامة، فانّه لا يزن شيئاً، في حين ان العمل الصغير المخلص يثقل في الميزان.

    و قد جاء في الحديث ان الرجل يؤتى به بين يدي ربه يوم القيامة و عليه قناطير السيئات، و هو لا يرى إلا انّه هالك، فبيناه كذلك إذ تقدّم الملائكة رقعة فيها تسجيل حسنة واحدة له. فيجعل الرجل يستعجب و يستحيل نجاته من رزيته المقتربة بهذه القربة الصغيرة، إذ ترجح هذه ما كان من سيئاته كلها، فيستوجب عنها، فيخبر بانها كانت الكلمة: اشهد ان لا إله ألاّ الله و انّ محمداً رسول الله، التي قالها مخلصاً في حياته. (رواه الترمذي)

    السيئات باحسن النيات
    و لن يغلط المرء بان النيات المخلصة تبدِّل السيئات حسنات، كلاّ! فالعمل القبيح لا يزال قبيحاً، ايّاً كانت نية فاعله. فالحديث: "انما الأعمال بالنيات" لا يطبق إلا على الحسنات.

    و في الجملة، يمكن توزيع الأعمال إلى اربعة اقسامٍ:
    1 الحسنات بنيات مثلها
    2 الحسنات بنيات سيّئة
    3 السيئات بنيات حسنة
    4 السيئات بنيات مثلها
    و باستثناء الأول، يحكم على الجميع بالقباحة، و كلها تجلب سخط الله عز و جل، و تؤدّي إلى الهلاك الدائم في دار القرار.
    وتوضيحاً لتلك الحقيقة نشابه العمل بجواز السفر، و النيّة بالتأشيرة؛ لو فسد الجواز لا يغني التقديم الناجح للتأشيرة شيئاً، فالمقتضى هو سلامة كليهما؛ جواز السفر و سمة الدخول.

    ثمّ الأهم للفوز في مجال الدين ان يلازم المرء طلب العلم ليتميّز بين السيّئات و الحسنات، و يسوغ له ذلك بقراءة الكتب الصحيحة و التزام العلماء الأتقياء البررة المعتبرة، و استعانتهم في اموره اليومية.

    و السعادة مرهونة بإكثار الحسنات قدر ما يمكن، و معه إقامة وصف الإخلاص، و ذا يحصل له بمحاسبته نفسه من قبل ان يقدم إلى العمل، و من بعد تكميله و في اثنائه ايضاً. و عندئذٍ يُتوقّع من الله أن يتقبّل صالح اعماله.

    فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (18:110)
    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (85:11)

    وفقنا الله و إياكم بإمتثال اوامره و فهم دينه، و تغمّدنا برحمة منه و عفوٍ و أنعُمٍ، و وفقنا بالسعي في طلب مرضاته و تزكية النفوس، ظواهرها و بواطنها. آمين
  • انيس بن الحسين بيات
    طالب علم
    • Feb 2010
    • 10

    #2
    نبذة عن شيخي

    نبذة عن شيخي

    و لد عام 1962 بقرية بهوريا، في الهند، ثم انتقل هو مع ابويه و اخواته و اخوانه إلى بريطانيا عام 1973، و تدرس الإنجلزية و العلوم الإساسية في الثانوية. ثم تدرج في الكلية لعامين او عام.

    و قد احسن ابوه تأديبه و تربيته، و قضى حاجة في نفسه حينما ادخل ابنه اليافع بدار العلوم جامعة العلوم العربية ببري، انجلترا ليحصل على العلوم الدينية، مثل الغة العربية و التفسير و الحديث و الفقه، وفرغ الشيخ من التعلم عام 1986 بالدرجات العلى، و شرّف في عامه ذلك بالتدريس في منبع تعلمه.

    و في عام 1991، توفي والده المشفق، فاضطر الى الرجوع الى بلده ليستر، و أخذ في خدمات الدين بها.

    ثم في سنة 1991م، أسّس الشيخ ادارته الشهيرة: مجمع الدعوة الإسلامي التي بدأت غريباً لتوفرها خدمة الدين الحنيف و الدعوة إليه في اللغة الإنجلزية، اللغة التي لم يبدأ فيها اشاعته قط، فأدّاه إخلاصه و مراقبة اكابره اياه و جهده إلى السعي في الشباب، و الإستماع إليهم و ارشادهم في مشاكلهم و تربيتهم، حتىّ اخرج كثيراً منهم - بعون الله و فضله وحده من ظلمات المخدرات و مستنقعات الأهواء، إلى مستمر الصراط و ملاذ الإنتباه. فاقام الشيخ مدرسة ليتيح للشباب الذين قد فرغوا من التعليم الإسلامي الإبتدائي، ان يستمروا في تعليمهم و يربطوا انفسهم بالدين إبان اخطر السنوات في عمرهم. و كانت هذه أنيقة، لم تسبق في غرضها من قبل، ثم تلقى المعاصرون فكرة الشيخ باقبول التام، و فشت مدارس مثلها بعد ذلك.

    و تطوّر امر إدارته عبر السنين إلى أن صارت مركزاً و مرجعاً لمجتمعات مسلمة و غير مسلمة، من بلاد العالم المختلفة، فالإدارة اليوم تتضمن على جامعتين، جامعة رياض العلوم، و جامعة رياض الصالحات (للبنات)، و مكتبة للإستفتاء و اصدار الفتاوى، و شعبة لتزكية النفس و الإسترشاد في الأمور الدينية.

    و الشيخ بنفسه يقوم بتدريس الأحاديث الشريفة في الجامعتين، و خاصة الجامع الصحيح للبخاري، و يلقي الدروس و مجالس التزكية و الإصلاح، مع الإشراف التام على جميع امور الإدارة. قد وفقه الله تعالى بالتفقه في دينه، فيفاجؤنا كل يوم بالدرر الثمينة، التي لو أخذ الناس بها لكفتهم، فوفقنا الله و إياكم بالإستفادة من الشيخ حق الانتفاع، و بالشكر لله على هذه النعمة العظمى.

    تعليق

    • انيس بن الحسين بيات
      طالب علم
      • Feb 2010
      • 10

      #3
      خامس اقسام الدين الخمسة هو الآدب، و له اربعة فروع:

      1 الأخلاق الباطنة
      2 الشيم الحسنة
      3 السياسة
      4 حسن المعاشرة

      الأخلاق الباطنة تأتي بالتصوُّف، و الشيم الحسنة تُتأثر ببيئة المرء، فمن الناس من تكون في طبيعته شرافة، فتميل الى احسن ما يرى في ما حوله فيتّصف به، ومنهم من ساءت طبيعته، فلا يبالي بالأحسن و الأقبح، فإنه لا يرى فيه مطلباً و مسعى. أمّا السياسة، فغير ما نجد في الحكام و ملوك الأرض في عصرنا الحاضر، بل هو عبارة عن الإتقان والقيام بكل امرٍ بنظم صحيح و تدبير حسن.

      تعليق

      • انيس بن الحسين بيات
        طالب علم
        • Feb 2010
        • 10

        #4
        إن من وضع قدمه في التصوف، فهو على الأقلّ سيستحضر ان لا رتبة له، فاعلاً ما فعل، فيصدق فيه قول عليٍّ رضي الله عنه: من عرف نفسه عرف ربه، لذا سيهتدي الى سواء السبيل قبل وفاته

        تعليق

        • انيس بن الحسين بيات
          طالب علم
          • Feb 2010
          • 10

          #5
          التوكل ليس عبارة عن ترك الاسباب، بل إن ترك الأسباب في دار الأسباب تعطل، غير انها لا تتخذ ارباباً

          تعليق

          • انيس بن الحسين بيات
            طالب علم
            • Feb 2010
            • 10

            #6
            عنصرا التزكية و التصوف

            بني التزكية على عنصرين:

            1 دوام الطاعة

            2 كثرة ذكر الله عز و جل

            و دوام الطاعة هو ان يمتثل المرء اوامر الله و يجتنب نواهيه في كل آن و حين، و يشتمل قلب المرء على خصال الملائكة، و رذائل الشيطان، فمهما وجدت الطاعة، غلبت تلك الخصال، و كلما ارتكبت معصية، ارتفعت تيك الرذائل.

            و الاعنصر الأساسي دوام الطاعة، و كثرة الذكر تعاون على ذلك و تساعد، حتى لو داوم السالك على كثرة الذكر و اقتصر عليه دون الطاعة، لفات المقصد، كما ان الأستاذ يلقن تلميذه بأكل اللوز عصر الاختبارات مع كثرة المطالعة، ما ظنكم لو اكتفى المسكين على اللوز دون المطالعة؟؟

            تعليق

            • انيس بن الحسين بيات
              طالب علم
              • Feb 2010
              • 10

              #7
              قال الشيخ حفظه الله:

              إني ادعو بهذه الكلمات للاستعانة على شر نفسي:

              رب إني مغلوب فانتصر

              تعليق

              • انيس بن الحسين بيات
                طالب علم
                • Feb 2010
                • 10

                #8
                الإتعاظات بين يدي الحجاج

                إن الحجّ دعوة من رب العالمين إلى زيارة بيته الحرام، و فرصةً سانحةً لإصلاح الأخطاء و الهفوات التي نجدها في حياتنا. فليتوجه كل متوقع الحج إلى عظمة هذه الرحلة المباركة و ليتزوّد لها احسن الزاد. و اضافةً إلي مهمة تعلّم مناسكه، ثمّة نكات يجب ان يتعاهدها ضيوف الرحمن السعدان.
                1- الإخلاص ليحاسب الحجاج نياتهم و ليتساءلوا انفسهم لمَ هم يحجون؟ فقد قال رسول الباري جلّ شأنه:
                إنما الأعمال بالنيات (متفق عليه)
                اذا كانت النيّة صحيحة خالصة لوجه الله، يتقبّل العمل، و إلاّ فالعمل مردود. و قد تنبّأ رسول الله صلى الله عليه و سلم عن فساد النيات في الحج حيث قال:
                يأتي على الناس زمان يحج أغنياء الناس للنزاهة، و أوساطهم للتجارة، و قراؤهم للرياء و السمعة، و فقراؤهم للمسئلة (الخطيب والديلمي عن أنس)
                فعلى الحاج اصلاح نيته ، و ان لا يحج لرضا الأقرباء او الأصدقاء مثلاً، و للتحصيل على لقب الحاج، بل لرضا الله الذي خلقنا و رزقنا و اسنح لنا زيارة البلدة المقدسة، و وفقنا للإمتثال بامره الجليل، و ليبذل الحاج جل جهده في إقامة هذا الخلوص إبان المناسك كلها و بعد عوده الي وطنه.
                2 التوبة و لأننا سوف نتقرب إلى الله قربة انيقة و سنضيفه ضيافةً مكرمةً، لا ينبغي ان نَقْدَم إليه مذنبين مجرمين، فالأليق بنا ان نتوب اليه من كلّ ذنب صغير او كبير. فتنفَّلْ ايها الحاج ركعتين للتوبة و تضرّع و انِبْ من المعاصي كلها، سواء كانت في حقوق الله او حقوق عباده، او في مجال الإخلاص او العبادات او المعاملات او المعاشرات، التوبة واجب من الجميع.
                ثم للتوبة شروط، امّا للذنوب التي تتعلق بحق الله فحسب، كشرب الخمر و الزنا و الميسر و المساهمة عن الصلوة و الزكوة مثلاً، فثلاثة: الأوّل الإقلاع عن المعاصي بالفور، و الثاني لزوم الندم على ما اقترف؛ و احساس التحسُّر على معصية الله. و الثالث ان يعزم ان لا بعود إليها ابداً. و اما التي يقترفها العبد مما يتعلق بحقوق العباد، مثل غصب الأموال و البهتان و الإغتياب، ففيه زيادة شرط رابع، و هو التصفُّح و الإسترضاء عن المظلوم. كما انّ الرجل إذا غصب مال صاحبه، يجب عليه ردّه إياه او استعفاؤه عنه. و إذا كان ظلماً لا يمكن التدارك عنه حسيّاً، يجب استرضاء المظلوم و إزالة التكدر منه.
                و إذا استوفى العبد هذه الشروط، يصير حاله كما وصفه الحديث:
                التائب من الذنب كمن لا ذنب له (رواه ابن ماجه و الطبراني)
                إن التوبة النصوحة الصادقة لتؤدي الى اقامة الصلوات الخمسة و اتمام الفوائت، و ايتاء الزكوة حلولَ فروضها، و الأصحية و اداء ما فات منها و استحلال المظلمة من الأخ المظلوم، و اصلاح ذات البين
                و انما الحكمة في التلاقي بالأحبة قبل الحج، هي ان نطلب العفو منهم و نصفح و نتصالح، و لا يكفي لذلك مجرد قول: اعف عنّي يا أخي سطحيّاً، كلاّ! بل لنصدق العزم على القول، و في عصرنا الحاضر نذهب نتلاقي كل من كانت العلاقة بيننا و بينهم جيدةً، و لا نُرضي من ساءت العلاقات معهم، إلاّ اننا احوج ما نكون إلى اصلاح ذات البين مع الصنف الثاني، فإلى الله المشتكى.
                3 التوكل على الله - و ممّا ينبغي ذكره: التلهُّف و التوق الشديد الذي يحسه الحجاج المتوقِّعون. و له و جهان: الأوّل الخوف الطبعي من الظعن إلى بلدة غريبة، و الثاني التعليقات السلبيّة مِمّن قد حجُّوا. و ليعلم الحاج انَّ اثناء سفر الحجّ كلّه، سيواجه تسعةً و تسعين موضعاً للراحة من المائة، بمقابلة موضع واحد فيه نوع مشكلة ما، غير انّ الشيطان لا يزال يحاول ان يقدم امامه المشكلة الشاذة دون الراحات، كي يُبطل بها سعيه و حجّه، فيشكو العوائق و الصعوبات في البقاع المباركة، و النتيجة: ترهيب عباد الله عن اداء حجّهم، و لا حول و لا قوّة إلاّ بالله.
                و الواقع انّ لكلّ سفر تكاليفَه. قال النبيّ صلى الله عليه و سلم:
                السفر قطعة من العذاب... (متفق عليه)
                إنّ سفر الحجّ طويل يجتمع فيه نحو ثلاثة مليون شخصاً من كافّة انحاء العالم، و كثيراً ما يزدحمون جميعاً في آنٍ واحد بمكان واحد لعبادة واحدة! فالتنظيم لمثل هذه المناسبات لا يسع لأيّ منظمة او إدارة، بل لا يمكن إلاّ بعون الخالق جل وعلا. و في هذه المواقع كلّما نجد من مشقّة او إزعاج لا تعدل شيئاً جينما نوازنها بالنظرة الاولى إلى بيت الله العتيق، فإنّها ترجح العوائق كلّها.
                و لذا نلتمس من الحجّاج المرتحلين ان لا يحكوا إلاّ الجوانب الإيجابية من سفرهم، فإنّ حكاية السلبيّات من مكر الشيطان، يكيده ليفسد على الحجّاج ثواب جهدهم، و إنّنا لو عطّل احدٌ نيّة الحجّ لأجل حكاياته و قصصه المستخبثة يوشك ان يعاقب عند الله.
                فعلى كلّ من اراد الحجّ، لا سيّما حجة الإسلام ان لا يلقي بالاً إلى قصص الآخرين. إنّ رحلة الحجّ رحلة مستريحة سالمة عن ايّ توعّد، متوفرة فيها الحوائج، غير انّها في نهاية الامر سفرٌ، لا يخلو من مزعجات كغيره من الأسفار، فلنتوكّل على الله و لنفرّغ اذهاننا عن الأحزان طرّاً.
                كان والدي المحترم، الحافظ ابراهيم رحمه الله يقول لمن اراد الحجّ: "إذا اتينا احداً نزوره و نضيفه،لا نهتمّ بمرقدنا و مطعمنا فإنّ مضيفنا يتولّى لنا ذلك و لا يزال يسألنا عن تفضيلاتنا، و إن احتجنا إلى شيئٍ انّما لنا ان نذكره امامه، فإن كان هذا حال المضيف الإنساني، كيف تقولون في المضيف الالـهي؟
                فإنّ علينا ان نضع في اعتبارنا انّنا ضيوف الرحمن في الحجّ، و إن اوذينا فلنوطِّن انفسنا بانّ الله عز و جل يسلِّط علينا مصيبة تافهة ليمحو بها جبال خطايانا فنسلم من المصائب الخالدة يوم القيامة.
                4 اختيار رفقاء السفر ليعتمد المرء الصالحين من الرفقاء، و ان كانوا قد حجّوا من قبل فحسن، و ان امكن له السفر بعالم رباني متقي فاحسن. و ليكن الجماعة متوسط العدد لا ازدحاماً، و الاصحاب متقاربي المزاج متناصرين متآخين، فإن التجارب ستدلّك إلى انهم لو كانوا مختلفي الطبيعة لتفشو فيهم التفرقة و التنازع، غير انّ سفر الحج رحلة جديرة بان يجتنب فيها من الفسوق و الجدال. و من المشاهد انّ الصداقة التي تنشأ في الحج تتأبّد كما الفرقة و التناجش فمبني على ذلك ،ليتخذ الصلحاء اصحاباً، الذين إذا غفل نبهوه و يرشدوه إلى الله و إلى الآخرة.
                5 إقلل الثقل و مما ينبغي ان يوعى: اجتناب سَوق الأشياء غير ضرورية، و هذا يسهل و يهين عليك السفر لا سيّما عند التفتيش و اثناء التعوّد بين الفنادق و المواقف، و الواقع ان كلّ شيئ موفور بمقامك، فعند الحاجة يمكنك اشتراءه، نعم، إلا انّ مما لا بدّ منه: الثياب الضرورية و (toiletries) وهلم جرّاً. و عامّةً يجرّ الناس معهم كثيراً مما لا يحتاجون اليه، و يظَلون مجهودين لأجلها.
                6 الإجتناب و الإبتعاد عن البدعات، و إلى اوان الرحال، إنّ علينا ان نجتنب المعاصي كلها حتّي البدعات و المحدَثات التي تسخط الباري جل و في علاه. و نحن نقوم بفعل كثير من الأمور مقلِّدين في عماء، لمجرّد انّ الآخرين يفعلونه، مثل الاحتفالات و دعوة الناس على الطعام و غير ذلك من البدع و الرسومات فليلاحظ انّ ما يراءى به يجلب سخط الربّ لا رضاه.

                تعليق

                يعمل...