الحمد لله، الذي علا بحوله، و دنا إلى عباده بطوله، احمده تعالى و اشكره، و اتوب إليه و استغفره، و اصلي و اسلم على رسوله ، امام المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، و على آله و اصحابه الغر الميامين، و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
اما بعد:
فيا ايها الإخوة الكرام، سأقدم في هذا الموضوع - بتوفيق الله - مواعظ و نصائح التي القتها استاذي و شيخي و مربي، صاحب السماحة العلامة محمد سليم دهورات حفظه الله، الذي سوف اعرفه لديكم من قريب.
و اول ما ابدا به ما كتبه الشيخ - طال عمره - عن الإخلاص، كتبه في اللغة الإنجلزية، فحولته بإذنه عربية، ثم اصلحه و صححه بعد استاذي الشيخ ابو بكر حفطه الله.
ادعو الله ان ينفعني عز و جل و اياكم بهذا العمل، و ان يكتبه لي في ميزان الحسنات يوم القيامة.
قال النبيّ صلى الله عليه و سلم : "إنّ الله لا ينظر إلى صوركم و اموالكم، و لكن ينظر إلى قلوبكم و اعمالكم" (رواه مسلم)
إن الحديث المذكور يوضّح الميزان الذي به يقضي الله بين الناس يوم اليامة. فقضاه مبنيّ لا على الحلية الصورية، و لا على العرقيّة او الأصلية او المالية، بل قضاه على امرين:
1 القلب
2 الأعمال
و السؤال الذي ينشأ هنا طبعاً: ما هو الشيئ الذي يطلب الله في القلوب و الأعمال؟
امّا القلب، فظاهر انّ المطلوب هو الإيمان الصادق و البرّ، و ذاك يشمل التخلّق بجميع المحامد من الصبر و التواضع و الجود و الإخلاض، مع التأنّي عن جميع الرذائل، كالغضب و الحقد و الحسد.
و امّا الأعمال، فمنها ما قرّرها الشرع مأجورةً عليها، فتجزى كذلك، والتي انكرها لن يقبلها الله. فالأعمال مع النيّات تقضى بصلاح المرء و فساده و علُوّه و دنوّه.
الإخلاص و متابعة السنّة: امران مهمّان
و لقبول عمل ما عند الله، لا بدّ من ان يحتوي على امرين:
1- تصحيح النيّة و اخلاصها
2- و ان يتابع فيه السنة النبويّة
قال النبيّ صلى الله عليه و سلم: "إنّما الأعمال بالنيّات" (متفق عليه)
فلذا، ليَكُن الهمّة الأصلية الوحيدة من العمل الصالح، رضى الباري سبحانه، مهما يبدو ظاهر العمل متقناً، إن لم يكن مخلصاً، لا يجلب أيّ اجر، و قولوا مثل ذلك لمّا كان العمل خالصاً لوجهه سبحانه، غير انّه قد مخالف للسنة.
ذات يوم عيد، عزم رجلٌ ان يتنفّل بالمصلّى، فمنعه عليّ رضي الله عنه، فقال: يا امير المؤمنين! إنّي اعلم انّ الله لا يعاقب احداً على الصلوة!
فقال له عليّ كرم الله وجهه: "و إني لاعلم انّ الله لا يجزي عملاً إلاّ و رسوله صلى الله عليه و سلم فعله او حضّ عليه! و صلوتك لغو باطل، فقد نهينا عنه، بل و يخشى ان يؤاخذك الله بمخالفة رسوله صلى الله عليه و سلم!" (مجالس الابرار)
فلنستحضر انّ سنّة رسول الله صلى الله عليه و سلم هي المحجّة إلى حصول محبّة الله عز و جل و غفرانه.
قال جل ذكره: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (آل عمران:31)
الإخلاص روح الأعمال
الإخلاص حياة العمل و روحه، إن يعدم لم يبق عملاً - و إن كان موجوداً في الظاهر- غير انّه في الواقع كالجسد بلا روح؛ لا طائل وراءه.
و مثال هذا كتمثال الأسد او جثّته، الذي مع مظهره الواقعي لا يخيف احداً حتّى الطفل الصغير. و في المقابل، ما ظنكم لو دخل الأسد الحيّ او شبله على جماعة؟ فالأوّل و إن كان على شكل الأسد لم يفرّ احدٌ عند رؤيته لعدم الحياة فيه، و في الموقف الثاني، الأسد - و إن كان صغيراً - لكن يخاف منه لأجل كونه حيّاً. فالعمل العظيم بدون الإخلاص مع عظمه و حجمه لا يثاب و لا يؤجر عليه، و لا يوضع العمل بدون الإخلاص في الميزان يوم القيامة، فانّه لا يزن شيئاً، في حين ان العمل الصغير المخلص يثقل في الميزان.
و قد جاء في الحديث ان الرجل يؤتى به بين يدي ربه يوم القيامة و عليه قناطير السيئات، و هو لا يرى إلا انّه هالك، فبيناه كذلك إذ تقدّم الملائكة رقعة فيها تسجيل حسنة واحدة له. فيجعل الرجل يستعجب و يستحيل نجاته من رزيته المقتربة بهذه القربة الصغيرة، إذ ترجح هذه ما كان من سيئاته كلها، فيستوجب عنها، فيخبر بانها كانت الكلمة: اشهد ان لا إله ألاّ الله و انّ محمداً رسول الله، التي قالها مخلصاً في حياته. (رواه الترمذي)
السيئات باحسن النيات
و لن يغلط المرء بان النيات المخلصة تبدِّل السيئات حسنات، كلاّ! فالعمل القبيح لا يزال قبيحاً، ايّاً كانت نية فاعله. فالحديث: "انما الأعمال بالنيات" لا يطبق إلا على الحسنات.
و في الجملة، يمكن توزيع الأعمال إلى اربعة اقسامٍ:
1 الحسنات بنيات مثلها
2 الحسنات بنيات سيّئة
3 السيئات بنيات حسنة
4 السيئات بنيات مثلها
و باستثناء الأول، يحكم على الجميع بالقباحة، و كلها تجلب سخط الله عز و جل، و تؤدّي إلى الهلاك الدائم في دار القرار.
وتوضيحاً لتلك الحقيقة نشابه العمل بجواز السفر، و النيّة بالتأشيرة؛ لو فسد الجواز لا يغني التقديم الناجح للتأشيرة شيئاً، فالمقتضى هو سلامة كليهما؛ جواز السفر و سمة الدخول.
ثمّ الأهم للفوز في مجال الدين ان يلازم المرء طلب العلم ليتميّز بين السيّئات و الحسنات، و يسوغ له ذلك بقراءة الكتب الصحيحة و التزام العلماء الأتقياء البررة المعتبرة، و استعانتهم في اموره اليومية.
و السعادة مرهونة بإكثار الحسنات قدر ما يمكن، و معه إقامة وصف الإخلاص، و ذا يحصل له بمحاسبته نفسه من قبل ان يقدم إلى العمل، و من بعد تكميله و في اثنائه ايضاً. و عندئذٍ يُتوقّع من الله أن يتقبّل صالح اعماله.
فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (18:110)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (85:11)
وفقنا الله و إياكم بإمتثال اوامره و فهم دينه، و تغمّدنا برحمة منه و عفوٍ و أنعُمٍ، و وفقنا بالسعي في طلب مرضاته و تزكية النفوس، ظواهرها و بواطنها. آمين
اما بعد:
فيا ايها الإخوة الكرام، سأقدم في هذا الموضوع - بتوفيق الله - مواعظ و نصائح التي القتها استاذي و شيخي و مربي، صاحب السماحة العلامة محمد سليم دهورات حفظه الله، الذي سوف اعرفه لديكم من قريب.
و اول ما ابدا به ما كتبه الشيخ - طال عمره - عن الإخلاص، كتبه في اللغة الإنجلزية، فحولته بإذنه عربية، ثم اصلحه و صححه بعد استاذي الشيخ ابو بكر حفطه الله.
ادعو الله ان ينفعني عز و جل و اياكم بهذا العمل، و ان يكتبه لي في ميزان الحسنات يوم القيامة.
اخلاص النية
قال النبيّ صلى الله عليه و سلم : "إنّ الله لا ينظر إلى صوركم و اموالكم، و لكن ينظر إلى قلوبكم و اعمالكم" (رواه مسلم)
إن الحديث المذكور يوضّح الميزان الذي به يقضي الله بين الناس يوم اليامة. فقضاه مبنيّ لا على الحلية الصورية، و لا على العرقيّة او الأصلية او المالية، بل قضاه على امرين:
1 القلب
2 الأعمال
و السؤال الذي ينشأ هنا طبعاً: ما هو الشيئ الذي يطلب الله في القلوب و الأعمال؟
امّا القلب، فظاهر انّ المطلوب هو الإيمان الصادق و البرّ، و ذاك يشمل التخلّق بجميع المحامد من الصبر و التواضع و الجود و الإخلاض، مع التأنّي عن جميع الرذائل، كالغضب و الحقد و الحسد.
و امّا الأعمال، فمنها ما قرّرها الشرع مأجورةً عليها، فتجزى كذلك، والتي انكرها لن يقبلها الله. فالأعمال مع النيّات تقضى بصلاح المرء و فساده و علُوّه و دنوّه.
الإخلاص و متابعة السنّة: امران مهمّان
و لقبول عمل ما عند الله، لا بدّ من ان يحتوي على امرين:
1- تصحيح النيّة و اخلاصها
2- و ان يتابع فيه السنة النبويّة
قال النبيّ صلى الله عليه و سلم: "إنّما الأعمال بالنيّات" (متفق عليه)
فلذا، ليَكُن الهمّة الأصلية الوحيدة من العمل الصالح، رضى الباري سبحانه، مهما يبدو ظاهر العمل متقناً، إن لم يكن مخلصاً، لا يجلب أيّ اجر، و قولوا مثل ذلك لمّا كان العمل خالصاً لوجهه سبحانه، غير انّه قد مخالف للسنة.
ذات يوم عيد، عزم رجلٌ ان يتنفّل بالمصلّى، فمنعه عليّ رضي الله عنه، فقال: يا امير المؤمنين! إنّي اعلم انّ الله لا يعاقب احداً على الصلوة!
فقال له عليّ كرم الله وجهه: "و إني لاعلم انّ الله لا يجزي عملاً إلاّ و رسوله صلى الله عليه و سلم فعله او حضّ عليه! و صلوتك لغو باطل، فقد نهينا عنه، بل و يخشى ان يؤاخذك الله بمخالفة رسوله صلى الله عليه و سلم!" (مجالس الابرار)
فلنستحضر انّ سنّة رسول الله صلى الله عليه و سلم هي المحجّة إلى حصول محبّة الله عز و جل و غفرانه.
قال جل ذكره: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (آل عمران:31)
الإخلاص روح الأعمال
الإخلاص حياة العمل و روحه، إن يعدم لم يبق عملاً - و إن كان موجوداً في الظاهر- غير انّه في الواقع كالجسد بلا روح؛ لا طائل وراءه.
و مثال هذا كتمثال الأسد او جثّته، الذي مع مظهره الواقعي لا يخيف احداً حتّى الطفل الصغير. و في المقابل، ما ظنكم لو دخل الأسد الحيّ او شبله على جماعة؟ فالأوّل و إن كان على شكل الأسد لم يفرّ احدٌ عند رؤيته لعدم الحياة فيه، و في الموقف الثاني، الأسد - و إن كان صغيراً - لكن يخاف منه لأجل كونه حيّاً. فالعمل العظيم بدون الإخلاص مع عظمه و حجمه لا يثاب و لا يؤجر عليه، و لا يوضع العمل بدون الإخلاص في الميزان يوم القيامة، فانّه لا يزن شيئاً، في حين ان العمل الصغير المخلص يثقل في الميزان.
و قد جاء في الحديث ان الرجل يؤتى به بين يدي ربه يوم القيامة و عليه قناطير السيئات، و هو لا يرى إلا انّه هالك، فبيناه كذلك إذ تقدّم الملائكة رقعة فيها تسجيل حسنة واحدة له. فيجعل الرجل يستعجب و يستحيل نجاته من رزيته المقتربة بهذه القربة الصغيرة، إذ ترجح هذه ما كان من سيئاته كلها، فيستوجب عنها، فيخبر بانها كانت الكلمة: اشهد ان لا إله ألاّ الله و انّ محمداً رسول الله، التي قالها مخلصاً في حياته. (رواه الترمذي)
السيئات باحسن النيات
و لن يغلط المرء بان النيات المخلصة تبدِّل السيئات حسنات، كلاّ! فالعمل القبيح لا يزال قبيحاً، ايّاً كانت نية فاعله. فالحديث: "انما الأعمال بالنيات" لا يطبق إلا على الحسنات.
و في الجملة، يمكن توزيع الأعمال إلى اربعة اقسامٍ:
1 الحسنات بنيات مثلها
2 الحسنات بنيات سيّئة
3 السيئات بنيات حسنة
4 السيئات بنيات مثلها
و باستثناء الأول، يحكم على الجميع بالقباحة، و كلها تجلب سخط الله عز و جل، و تؤدّي إلى الهلاك الدائم في دار القرار.
وتوضيحاً لتلك الحقيقة نشابه العمل بجواز السفر، و النيّة بالتأشيرة؛ لو فسد الجواز لا يغني التقديم الناجح للتأشيرة شيئاً، فالمقتضى هو سلامة كليهما؛ جواز السفر و سمة الدخول.
ثمّ الأهم للفوز في مجال الدين ان يلازم المرء طلب العلم ليتميّز بين السيّئات و الحسنات، و يسوغ له ذلك بقراءة الكتب الصحيحة و التزام العلماء الأتقياء البررة المعتبرة، و استعانتهم في اموره اليومية.
و السعادة مرهونة بإكثار الحسنات قدر ما يمكن، و معه إقامة وصف الإخلاص، و ذا يحصل له بمحاسبته نفسه من قبل ان يقدم إلى العمل، و من بعد تكميله و في اثنائه ايضاً. و عندئذٍ يُتوقّع من الله أن يتقبّل صالح اعماله.
فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (18:110)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (85:11)
وفقنا الله و إياكم بإمتثال اوامره و فهم دينه، و تغمّدنا برحمة منه و عفوٍ و أنعُمٍ، و وفقنا بالسعي في طلب مرضاته و تزكية النفوس، ظواهرها و بواطنها. آمين
تعليق