كتاب: (ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك) لعبد الفتاح اليافعي

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحمن صالح محمد
    طالب علم
    • Jun 2005
    • 169

    #1

    كتاب: (ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك) لعبد الفتاح اليافعي

    كتاب: (ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك) لعبد الفتاح اليافعي

    اسم الكتاب:
    (ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك)

    مؤلف الكتاب:
    عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي

    الدار الطابعة:
    مؤسسة الرسالة ناشرون

    قدم للكتاب فضيلة الشيخ الدكتور حسن مقبولي الأهدل, نائب رئيس جامعة صنعاء وعميد كلية الشريعة سابقا ورئيس قسم الحديث والأصول حاليا
    ومما جاء في تقديمه :
    (فلقد اطلعت على ما كتبه الأخ الباحث العلامة الشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي في بحثه الموسوم (ما عبتدك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك ) وما أورده في هذا البحث من بيان وتفيسر هذه العبارة الواردة على ألسنة الصوفية والزهاد وما نقله من تفسير أهل العلم في معنى هذه العبارة وإيضاحها مؤيدا ما ذهب إليهم من القول بصحتها مدعما ذلك وموثقا له من كتبهم
    وقد وفق الباحث في إزالة الإشكال والغموض عن هذه العبارة والرد بالبيان المقنع على من فهمها فهما سقيما وقد استدل على ذلك بأقوال الأئمة وخاصة كبار العلماء أمثال العز بن عبد السلام وشيخ الإسلام بن تيمية وتقي الدين السبكي وابن قيم الجوزية ومن تبعهم من المتأخرين
    وبهذا يكون الباحث قد أوضح هذه العبارة إيضاحا جليا زال معه الغموض واللبس والإشكال واستبانت الحقيقة في معنى هذه الكلمة لدى القارئ والمنصف فجزاه الله خيرا على هذا التحقيق)



    فهرس الكتاب
    بين يدي البحث: الحق أحق أن يتبع
    المقدمة
    التمهيد
    معنى المقولة إجمالا

    الفصل الأول
    من أقوال أهل العلم في المقصود بهذا المقولة

    * قول الإمام تقي الدين ابن تيمية :
    * قول الإمام تقي الدين السبكي :
    * قول الإمام ابن قيم الجوزية :
    * قول الإمام ابن رجب الحنبلي :
    *قول الإمام ابن الوزير اليماني :
    * قول الإمام أحمد زروق :
    * قول الإمام العطار :
    * قول الإمام البجيرمي :
    * قول الشيخ أبي بكر بن سالم العلوي
    *قول الإمام عبد الله بن علوي الحداد العلوي :
    *الإمام ابن عجيبة شارح الحكم :
    *قول الشيخ الطاهر بن عاشور:
    * قول الشيخ سيد قطب :
    * قول الشيخ عبد القادر عيسى :
    قول الشيخ محمد زكي إبراهيم :
    * قول الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي :


    الفصل الثاني
    من وردت عنهم هذه المقولة أو ما يقاربها

    * نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام
    * زين العابدين علي بن الحسين :
    * معروف الكرخي :
    * بشر بن الحارث الحافي :
    * وهب بن منبه والفضيل بن عياض عن بعض الحكماء :
    *موسى بن الصباح
    * علي ابن الموفق :
    * أبو يزيد البسطامي :
    * سهل التستري :
    * رابعة العدوية :
    * اليمني صاحب ذي النون المصري :
    * السري السقطي :
    * إبراهيم بن أدهم :
    * العابدة رقية الموصلية :
    * أبو سليمان الداراني :
    * عباس المجنون :
    أبو طالب المكي:
    أبو بكر الواسطي :
    أحمد الرفاعي :
    عبد القادر الجيلاني :
    * أبو حامد الغزالي :
    *ابن عطاء :
    * زكريا الأنصاري :
    *النفراوي المالكي :
    *العدوي المالكي :
    *عبد الرؤوف المناوي :
    *الطحطاوي الحنفي صاحب حاشية المراقي :


    الفصل الثالث
    من ورد عنهم ما في معنى هذه المقولة

    * الفضيل بن عياض
    * مطرف بن عبد الله بن الشخير
    * أبو علي الجوزجاني :
    * ضيغم الحلاب :
    * ذو النون المصري :
    * صاحبة ذي النون المصري :
    * أبو يزيد البسطامي :
    * إبراهيم الخواص
    *أحمد بن خضرويه :
    * بهلول المجنون :
    * يحي بن معاذ الرازي :
    * سعيد بن يزيد النباجي
    * سعيد الشهيد :
    * صاحب بشر الحافي :
    *ابن الجلاء :
    *هرم بن حيان :
    *أبو خالد الصفار :
    * أبو بكر الشبلي :
    * محمد بن إبراهيم البغدادي
    *إبراهيم بن محمد أبو القاسم النصرآباذي
    *أحمد بن محمد الروذباري
    *رويم بن أحمد
    *وهيب بن الورد :
    *أبو حامد الغزالي :
    *أبو الفرج بن الجوزي :
    *العز بن عبد السلام :
    * تقي الدين ابن تيمية :
    *ابن قيم الجوزية :
    *أبو عبد الله محمد بن محمد المَقَّرِي (ت: 759 هـ )
    *الخادمي الحنفي :
    *الدردير والصاوي المالكيان :
    *ابن عجيبة شارح الحكم العطائية :
    *الجلال السيوطي :
    * سيد قطب :

    تنبيهات متممة

    التنبيه الأول :
    لا بد للسائر إلى الله من الخوف والرجاء والمحبة
    التنبيه الثاني :
    ليس الرضا والمحبة كالرجاء والخوف
    الخاتمة
    الفهرس



    يطلب الكتاب من
    مؤسسة الرسالة ناشرون
    ووكلائها في العالم

    مؤسسة الرسالة ناشرون :
    دمشق سوريا، هاتف :2212796
    تلفاكس :2211975 11 (963)
    ص. ب : 30597
    البريد الإلكتروني resalah@resalah.com Email :
    موقع الإنترنت : Http://www.resalah.com
    لبنان - بيروت:
    ص.ب. 117460

    الوكيل في اليمن :
    دار الجيل الجديد :
    اليمن صنعاء ص . ب : 544
    تلفون : 009671255286 009671227540

    مصر - القاهرة
    مؤسسة الرسالة
    هاتف ( 0020223906727 )
    فاكس ( 0020223956804 )

    الأردن - عمان
    مكتبة الخانجي
    تلفاكس ( 0096246412230 )

    السعودية - الرياض
    دار المعرفة
    فاكس ( 0096614193117104 )
    دار الإفهام
    هاتف ( 00966143004300)
    فاكس ( 00966143004307 )

    الإمارات العربية المتحدة - الشارقة
    دار البشير

    العراق - أربيل
    مكتبة نارين

    عنوان المؤلف
    اليمن صنعاء
    تلفون سيار : 711456608/00967
    بريد إلكتروني : afattah31@hotmail.com




    صفحة المؤلف على الشبكة العالمية
    فيها طائفة من أبحاث المؤلف



    التعريف بالمؤلف
    على الرابط التالي:






    كتب مطبوعة للمؤلف:
    الكتاب الأول: الطريق إلى الألفة الإسلامية (محاولة تأصيلية ورؤية جديدة
    وتحميل الكتاب على الرابط التالي:



    الكتاب الثاني: التمذهب (دراسة تأصيلية مقارنة لمسائل التمذهب)
    وتحميل الكتاب على الرابط التالي:



    الكتاب الثالث: المنهجية العامة (في العقيدة والفقه والسلوك)

    وتحميل الكتاب على الرابط التالي:
    الحق أحق أن يتبع
  • عبدالرحمن صالح محمد
    طالب علم
    • Jun 2005
    • 169

    #2
    المقدمة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين
    أما بعد :
    فهذا بحث موجز في معنى قول كثير من أئمة السلوك وغيرهم : ( ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك ) ونحو ذلك من العبارات
    والذي دفعني للكتابة في هذه المسألة هو ما رأيته عند كثيرين _حتى من المنتسبين إلى العلم والدعوة _ من فهم لهذه المقولة على غير وجهها ونسبة من قالها إلى الضلال والبدعة
    وقد رأيت بعض المشايخ كتب في الرد على سيد قطب رحمه الله فكان مما أخذه عليه أنه قال هذه المقولة أو ما شابهها
    كما أنه قد حصل لي بعض الحوارات حول هذه المقولة مع بعض طلاب العلم ورأيت أنهم يفهمون هذه المقولة فهما خاطئا فتذكرت قول الشاعر :
    وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم
    وقد قسمت هذا البحث إلى :
    مقدمة
    وتمهيد : في ذكر معنى هذه المقولة على سبيل الإجمال
    وثلاثة فصول :
    الفصل الأول : في أقوال أهل العلم في المقصود بهذه المقولة
    والفصل الثاني : في من وردت عنهم هذه المقولة أو ما يقاربها
    والفصل الثالث : في من ورد عنهم معنى هذه المقولة
    ثم الخاتمة والفهرس
    عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
    الدوحة _ قطر
    8/ جمادى الأولى / 1425 من الهجرة

    التمهيد
    معنى المقولة إجمالا

    ( ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك )
    قد يتبادر إلى ذهن من يقرا أو يسمع هذه العبارة أن قائلها يريد أن يقول عن نفسه : إنه يعبد الله لا خوفا ولا طمعا ( لا رغبة ولا رهبة ) وأنه لا يرغب في الجنة ولا يخاف من النار
    ثم يجول في خاطر القارئ لهذه المقولة قول الله تعالى : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) [ سورة السجدة - الآية : 16]
    وقوله تعالى : (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [سورة الأعراف - الآية : 56]
    وقوله تعالى : ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين ) [سورة الأنبياء - الآية : 90]
    وقوله تعالى : ( أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) [ سورة الزمر - الآية : 9]
    وقوله تعالى : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) [سورة الإسراء - الآية : 57]
    وغير ذلك من الآيات التي فيها الثناء على عبادة الله أو الأمر بها خوفا وطمعا , رغبة ورهبة , ويجول في خاطرة الآيات التي فيها الترغيب في الجنة والترهيب من النار وهي كثيرة جدا , أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر .
    ويجول في خاطره أيضا الأحاديث الكثيرة التي فيها سؤال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم من الله الجنة واستعاذتهم به من النار ورغبتم في دخول الجنة وخوفهم من دخول النار
    ويجول في خاطره أيضا قول مكحول الشامي رضي الله عنه : ( من عبد الله تعالى بالخوف وحده فهو حروري ومن عبد الله تعالى بالرجاء وحده فهو مرجئ ومن عبد الله تعالى بالمحبة وحدها فهو زنديق )
    فيقول هذا القارئ أو المستمع :
    إن صاحب هذه المقولة زنديق لأنه معارض للآيات والأحاديث ويزعم أنه أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأنه بلغ ما لم يبلغوا
    وكل هذا صحيح لو كان مراد قائلها هو ما فهمه هذا القارئ أو المستمع من أن القائل يعبد الله لاخوفا ولا طمعا وأنه لا يرغب في الجنة ولا يخاف من النار
    لكن عندما نفهم مراد قائلها على وجهه الصحيح فإن هذا الكلام باطل قطعا , إذن فما هو مراد قائلها وما هو الفهم الصحيح لهذه المقولة ؟
    الجواب :
    أن الناظر بتمعن في هذه المقولة يعلم أن مراد قائلها هو : أن عبادته لله تعالى كانت حبا فيه وطمعا فيه وخوفا منه , لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره , بحيث لو لم توجد جنة ولا نار لما ترك العبادة لأن وجود الجنة والنار وعدم وجودهما في عبادته عنده سيان
    والناس في هذا الباب على مراتب :
    - فمنهم من يعبد الله طمعا في الجنة وخوفا من النار فحسب بحيث لو لم تكن جنة أو نار لما عبد الله تعالى
    - ومنهم من يعبده تعالى طمعا في الجنة وخوفا من النار وحبا فيه سبحانه فعبادته لله كانت لأجل الثلاث بحيث لو لم تكن جنة أو نار لنقص من عبادته لربه بقدر ذلك
    - ومنهم من يعبده عز وجل طمعا فيه وخوفا منه وحبا فيه وحياء منه لأنه المستحق للعبادة فلو لم توجد جنة أو نار لما كلَّ وما ملَّ من عبادته سبحانه وتعالى
    وهذه المرتبة الثالثة هي أعلى المراتب وهي التي أرشد إليها القرآن وحث عليها في آيات كثيرة ومنها :
    - ( إنما نطعمكم لوجه الله )
    - ( الا ابتغاء وجه ربه الأعلى )
    - ( ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله )
    - ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله )
    - ( إن كنتم خرجتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي )
    - ( وخافون إن كنتم مؤمنين )
    - ( فأما من خاف مقام ربه )
    - ليعلم الله من يخافه بالغيب )
    - ( أنا ربكم فاعبدون )
    - ( إنني أنا الله الذي لا إله إلا أنا فاعبدني )
    - إلى غير ذلك من الآيات التي تحث على أن تكون العبادة لوجه الله وابتغاء مرضاته سبحانه وخوفا منه جل جلاله ولأنه الرب والإله المستحق للعبادة
    وما الجنة إلا مظهر من مظاهر رضاه وما النار إلا مظهر من مظاهر سخطه ولذا كان رضوان الله والقرب منه والنظر إليه أعظم من نعيم الجنة بل لا مقارنة , وما يدل على ذلك :
    - قوله تعالى ( إن له عندنا لزلفى وحسن مآب )
    - ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر )
    - ( جنات عدن تجري من تحتها ... ورضوان من الله أكبر )
    - ( للذي أحسنوا الحسنى وزيادة )
    - ( أولئك المقربون في جنات النعيم )
    وهذه المرتبة الثالثة هي التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم , فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنهما : ( أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه
    فقالت عائشة : لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر
    قال : ( أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا )
    فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعبد الله تعالى طمعا في الجنة لأنه عليه الصلاة والسلام في أعلى الجنان, ولم يكن يعبده سبحانه خوفا من ناره لأن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو عليه الصلاة والسلام من الناجين من النار فقد ضمن له ربه الجنة والخلاص من النار , وهذا مما لا يحتاج إلى كلام فهو من المعلوم من الدين بالضرورة
    فلماذا إذن كان صلى الله عليه وسلم يعبد ربه كل هذه العبادة ؟
    إنه عليه الصلاة والسلام كان يعبد الله جل جلاله حبا فيه وشكرا له وطمعا فيه وخوفا منه لا طمعا في جنة ولا خوفا من نار , قال الحافظ ابن حجر في الفتح 1/380 : ( قال القرطبي : ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفا من الذنوب وطلبا للمغفرة والرحمة فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك فأفادهم أن هناك طريقا آخر للعبادة وهو الشكر على المغفرة وإيصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا فيتعين كثرة الشكر على ذلك ...
    وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه , قال العلماء : إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة الله تعالى عليهم وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد والله أعلم ) اه
    وقل مثل ذلك في الملائكة المقربين فهل عبادتهم كانت طمعا في جنة أو خوفا من نار ؟
    وقل مثل ذلك أيضا في أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام
    وقل مثل ذلك أيضا في الصحابة المبشرين بالجنة وبالنجاة من النار رضي الله عنهم فهل كانوا يعبدون الله بعد معرفتهم بأنهم من أهل الجنة طمعا في الجنة ؟!
    بل وقل مثل ذلك في الكون المسبح بحمد الله فهو عابد لله مع أنه غير مخاطب بجنة ونار وإنما يسبح بحمد الله لأنه جل جلاله الرب المستحق للعبادة ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم )
    ومن وردت عنهم هذه المقولة أقوالهم وأحوالهم لا تحصى في خوفهم من الله ورجائهم له , تراجع في تراجمهم في مظانها من كتب التراجم
    فإن قيل : فلماذا إذن يسألون الله الجنة ويستعيذون به من النار إذا كانوا يعبدون الله لا طمعا في الجنة ولا خوفا من النار ؟
    بل ولماذا يحث النبي صلى الله عليه وسلم أمته في أحاديث كثيرة على سؤال الجنة والاستعاذة من النار ؟
    بل روى البيهقي في الشعب عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما يدخل الجنة من يرجوها وإنما يجنب من النار من يخافها وإنما يرحم من يرحم ) اه
    والجواب :
    أنه لا منافاة بين عبادة الله حبا له وطمعا فيه وخوفا منه _ لا طمعا في الجنة ولاخوفا من النار _ وبين حب الجنة ورجائها وطلبها من الله وكره النار والخوف منها والاستعاذة بالله منها
    وقد ورد عن كثير ممن اشتهرت عنهم هذه المقالة أنهم كانوا يسألون الله الجنة ويطلبونها ويستعيذون به من النار ويخافونها يراجع في ذلك كتب التراجم التي ترجمت لهم فعلى سبيل المثال هذه رابعة العدوية ذكر ابن الجوزي في ترجمتها عن عبد الله بن عيسى قال : دخلت على رابعة العدوية بيتها فرأيت على وجهها النور وكانت كثيرة البكاء فقرأ عندها رجل آية من القرآن فيها ذكر النار فصاحت ثم صقطت !) اه
    وكذلك الفضيل بن عياض ففي طبقات الأولياء لابن الملقن ص 132 أنه كان إذا قرأ آية فيها ذكر الجنة سأل الله الجنة حيث قال في ترجمته : ( وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة والنار تردد فيها وسأل.) اه

    ولنضرب لذلك مثلا حتى تتضح الصورة :
    - لو أن ولدا كان بارا بأبيه غاية البر وكان سبب بره بأبيه هو حبه له ومعرفته لما يستحقه والده من البر , لأنه كان السبب في وجوده بعد الله تعالى , ولم يكن سبب بره بأبيه هو الطمع في الأموال والهبات والعطايا ونحو ذلك من المثوبات ولا هو الخوف من ضرب الوالد وسبه وحرمانه ونحو ذلك من العقوبات , فلو لم يكن عند الوالد شي من المثوبات ولا شي من العقوبات للزم بره ولما عصاه وعقه
    ومع ذلك فالابن يحب أن يثيبه أبوه ويحب ألا يعاقبه بل ويسأل من أبيه المثوبة وتجنيبه العقوبة ولا تناقض بين كون سبب بره هو الحب ومعرفة حق الأبوة وبين سؤاله من أبيه المثوبة واجتناب العقوبة
    - قارن هذا الولد بولد آخر يبر أباه لأنه يحبه ولأنه يطمع في عطاياه ويخاف من سوطه وسبه , فإذا لم يكن عند الأب الهبات والعقوبات لنقص من بره به بقدر ذلك
    - قارن ذلك أيضا بولد ثالث يبر أباه طمعا في عطاياه وثوابه وخوفا من سوطه وعقابه فقط فهو لا يبر أباه حبا فيه ولا معرفة لحق الأبوة بل لأجل الثواب والعقاب فلو لم يكن عند الأب ذلك لما بره ولعصاه وعقه
    لا يشك عاقل في أن الولد الأول هو في أعلى المراتب ثم يليه الثاني ثم الثالث .
    ولنضرب لذلك مثلا آخر حتى تتضح الصورة أكثر فأكثر :
    سيد له ثلاثة عبيد :
    - عبد يطيعه ويخدمه ويعمل بما يحبه ويجتنب ما يسخطه ويغضبه يفعل ذلك كله حبا في سيده ومعرفة بحق السيادة وطمعا في رضاه عنه وخوفا من غضبه عليه ومع لك هو يحب من السيد أن يعطيه وألا يعاقبه بل ويسأل من السيد أن يعطيه وألا يعاقبه
    - وعبد آخر يطيعه ويخدمه حبا فيه وطمعا في طعامه وكسائه وخوفا من سوطه وعقابه ( كل هذه الثلاثة مجتمعة هي الدافع للطاعة )
    - وعبد ثالث يطيعه ويخدمه طمعا في طعامه وكسوته وخوفا من سوطه وعقوبته فحسب
    فلو أن شخصا سئل : من هو أفضل هؤلاء العبيد وأحبهم إلى مولاه وسيده ؟ فبماذا سيجيب ؟
    أظن أن الجواب لا يحتاج إلى تفكير بل سيقول المسؤول فورا دون تردد : إن العبد الأول هو الأفضل والأحب إلى مولاه وسيده
    ثم إن هناك أمرا آخر في هذا الصدد لا بد من التنبيه عليه ألا وهو : أن العمل الصالح مهما بلغ فلن يكون ثمنا للفوز بالجنة والنجاة من النار بل الفوز بالجنة والنجاة من النار محض فضل الله تعالى ورحمته وإنما الأعمال سبب لنيل هذا الفضل وهذه الرحمة , فمن أراد ذلك فلتكن عبادته حبا فيه تعالى وطمعا فيه وخوفا منه , قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة وعائشة رضى الله عنهما : ( لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة )
    فإن قيل : فإن الله تعالى أخبر أن أهل الجنة يدخلونها بعملهم قال سبحانه : ( تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون )
    فالجواب عن ذلك ما قاله ابن القيم في مفتاح دار السعادة 1/8 وهو : ( أن يقال الباء المقتضية للدخول غير الباء التي نفى معها الدخول : فالمقتضية هي باء السببية الدالة على أن الأعمال سبب للدخول مقتضية له كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها والباء التي نفى بها الدخول هي باء المعاوضة والمقابلة التي في نحو قولهم اشتريت هذا بهذا
    فأخبر النبي أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل احد وانه لولا تغمد الله سبحانه لعبده برحمته لما أدخله الجنة فليس عمل العبد وان تناهى موجبا بمجرده لدخول الجنة ولا عوضا لها فإن أعماله وإن وقعت منه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه فهي لا تقاوم نعمة الله التي انعم بها عليه في دار الدنيا ولا تعادلها
    بل لو حاسبه لوقعت أعماله كلها في مقابلة اليسير من نعمه وتبقى بقية النعم مقتضية لشكرها فلو عذبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له ولو رحمه لكانت رحمته خيرا له من عمله كما في السنن من حديث زيد بن ثابت وحذيفة وغيرهما مرفوعا إلى النبي انه قال إن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ) اه
    تنبيه مهم :
    - قد يوجد عند بعض الصوفية شطح فيطلقون القول: بأنهم يعبدون الله لا خوفا ولا طمعا ( لا رغبة ولا رهبة ) فلا بد من حمل كلامهم على أن مرادهم بالخوف الخوف من النار وبالطمع الطمع في الجنة لا الخوف من الله ذاته ورجاء الله ذاته
    - كما قد يوجد من الصوفية من يفهم من كلامه الزهد في الجنة, وذلك لأن كمال الزهد هو الزهد فيما عدا الله
    - وقد يوجد في كلام بعضهم ما يفهم منه عدم إرادة الجنة , وذلك لأن كمال الإرادة ألا تريد إلا الله
    - وقد يوجد في كلام بعضهم ما يفهم منه أن رجاء الجنة والخوف من النار ينافي المحبة , وذلك لأن الحبيب فان بحبيبه عن غيره
    - وقد يوجد في كلام بعضهم ما يفهم منه أن رجاء الجنة والخوف من النار ينافي كمال الرضا عن الله , وذلك لأن الراضي مفوض ومسلم لقضاء الله كائنا ما كان في الدنيا والآخرة
    فيمكن أن يحمل كلامهم في ذلك كله على أنه كان في حال السكر بسبب الفناء عند شهود الحقيقة كما اعتذر لهم ابن تيمية في فتاويه وابن القيم في مدارج السالكين وابن رجب الحنبلي في التخويف من النار والذهبي في السير وسيأتي كلامهم إن شاء الله تعالى
    - وإنما قيل : إن ذلك كان منهم في حال فناء وذهول وسكر لأن طلب الجنة والخوف من النار لا ينافي كمال المحبة لله , فدخول الجنة والنجاة من النار دليل على محبته سبحانه لمن أعطاه ذلك
    - وكذا لا ينافي كمال الرضا عن الله لأن الله قد قضى بدخول الجنة والنجاة من النار لأوليائه فمن رضاهم عنه رضاهم بما قضاه لهم
    - وكذا لا ينافي كمال الزهد فيما سوى الله ولا ينافي كمال الخوف من الله ولا ينافي كمال الإرادة لأن الجنة مظهر من مظاهر رضاه ومحبته سبحانه والنار مظهر من مظاهر سخطه وبغضه نسأل الله العافية
    ولنضرب لذلك مثلا تتضح به الصورة :
    من كان له محبوب شغفَ قلبَه وهام فيه فإنه يحب كل مظهر من مظاهر رضاه ومحبته كالهدية والعطية لا لذات الهدية والعطية وإنما لأنها جاءت من قبل الحبيب , ويخاف ويكره كل مظهر من مظاهر سخطه كالعقاب والعذاب لا لذات العقاب والعذاب وإنما لأنه جاء من قبل الحبيب , وقل مثل ذلك في إرادة مظاهر الرضا والمحبة لها وطلبها وعدم إرادة مظاهر السخط والبغض لها والهرب منها ... وهكذا
    قال الإمام الشعراني في كتابه ( تنبيه المغترين ) ص 140 : ( إنما خاف الأكابر من النار لما فيها من الحجاب عن الله تعالى لا لذاتها لأنهم لا يخافون إلا من الله تعالى وحده , كما أن من أحب الجنة من الأكابر لم يحبها لنعيم الأكل وإنما أحبوها لكونها دار المشاهدة لله تعالى والله أعلم ) اه
    وقال الإمام الحداد في رسالته ( آداب سلوك المريد ) ص 32 : ( وإياك والوقوع فيما وقع فيه بعض الشاطحين من الاستهانة بشأن الجنة والنار وعظم ما عظمه الله ورسوله, واعمل لله لأنه ربك وأنت عبده واسأله أن يدخلك الجنة وأن يعيذك من ناره بفضله ورحمته ) اه
    الحق أحق أن يتبع

    تعليق

    يعمل...