بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة في التعليم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير المعلّمين والمعلّمين، وأفضل المتأدبين والمؤدبين القائل: "علموا ولا تعنفوا، فإن المعلّم خير من المعنف". صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله وعلى آلك وصحبك أجمعين وسلّم تسليماً.
أما بعد، فقد منّ الله تعالى عليّ بالجلوس في حلق العلم، أتعلّم وأعلّم. وقد تعلّمت من ذلك الكثير بفضل الله تعالى، سواء مما وقع لي أو لإخواني الطلاب. فخطر لي أن أنبه المعلّمين والمتعلّمين إلى أمور من باب النصيحة في الدين، لعلّ الله تعالى أن ينفعنا بها في ذلك، وهو حسبي ونعم الوكيل.
أولاً: ينصح للطالب في بداية الطلب بأن لا يكثر من النظر في الكتب إلا للحاجة، وعليه أن يجعل همه وشغله فهم الكتاب الذي يدرسه، ولا يتعداه إلى غيره إلا بما يعينه على فهم كتاب درسه وتحصيل ما حواه من دقائق ومعان. ويسرد المدرس في بداية دروسه أسماء الكتب التي تعين الطالب على فهم كتابه المقرر بحيث يجعله مدار نظره وفكره، ويخرج إلى تلك الكتب ليقرأ فيها وينقل منها إلى كراسه ما يحتاجه ثم يعود إلى كتابه.
ثانياً: يقرأ المدرس مع الطلاب كتاب الدرس قراءة نصية، ويصب اهتمامه على بيان المفاهيم والمصطلحات بياناً كافياً ولا ينتقل إلى بحث جديد قبل أن يتأكد من تحصيل طلابه للمبحث السابق. وينصح للطالب أن ينقل إلى كراسه كلّ مصطلح جديد ويكتب تعريفه الدائر على ألسنة أئمة الفن ويحفظه ولا يخترع تعريفات من عنده. وهذا النصح جار أيضاً في كلّ قاعدة عقلية أو نقلية أو فائدة تمرّ به وما أكثر ذلك في كلام العلماء. فينصح للطالب بالحرص على عباراتهم رضي الله عنهم لأنّ حفظ عباراتهم وإدمان النظر فيها من أسباب تقوّم الفكر. وقراءة العلماء وتأمل كلامهم يعلّم العقل والأدب إلى جانب العلم، وتعلّمهما لا يقل شأناً عن تعلّم العلم نفسه للطالب لأنه بهما يفتح عليه باب تحصيل العلوم. فعلى المعلّم أن يحبب العلماء إلى طلابه ويعودهم الدعاء لهم وإنصافهم والذب عن أعراضهم وتوجيه كلامهم وحمله على محامل شريفة حسنة ما أمكن ذلك. وإن رأى منهم خطأ فليتروّ قبل أن يحكم فيه فلعله أساء الفهم، حتى إذا استيقن الخطأ فليعتذر لهم وليحسن معارضتهم والرد عليهم تنقيحاً للعلوم، وحفظاً للدين، ونصحاً للمسلمين. ولا يحذف من أقوالهم شيئاً بل يذكر القول الذي يعتقده خطأً وينبه على ما فيه، "فربّ مبلّغ أوعى من سامع".
ثالثاً: يحرص المدرس على فكّ عبارات كتاب الدرس وشرح غريب ألفاظه وبيان مفهوم الكلمات لغة وعرفاً إن كانت اصطلاحاً، ويعيد الضمائر إلى مراجعها ما أمكنه ذلك، ويعلّم الطلاب كيف يعلّقون ملحوظاته على كتاب الدرس، ويمتحن الطلاب بالسؤال عن الضمائر والمعاني وغير ذلك كلما سنح له ذلك، فإنه مما يعلّم الطلاب تحليل الكلام والتدبر في معانيه، ويبقيهم حاضري الأذهان متوقعين للسؤال متشوفين للمشاركة ومنافسة الأقران. وذلك كله مفيد للطلاب يبرز الألمعي منهم ويعلي همم الباقين ليلحقوا به. ويحذر الطالب من الكره والحسد، ويحث على بذل العلم لإخوانه والمدارسة معهم وإفادتهم، فالقويّ يأخذ بيد الضعيف، والمرء يصل بإخوانه، والمعطي هو الله. والعلم يربو بالإنفاق كما ينمو المال به، فكلاهما رزق، وذلك من شكر المنعم. والعلم بحر لا ساحل له، فلا يخشينّ باذله أن لا يجد مغاصاً، ولا يحذرنّ من أن يتقدّم عليه غيره، فرزقك لن يأخذه غيرك، وكلّ شيء عند الله بمقدار. جلّ جلاله "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها" فاسألوا الله من فضله يعطكم، واشكروه على نعمه يدمها ويزدكم.
رابعاً: يُعلَّم الطالب بلسان الحال والمقال، ولا يعنّف ولا يزجر، بل يتسامح معه ويعذر، وينصح له بالتعريض في الناس، أو بلسان الناصح الشفيق عند الانفراد به، وبالإشارة والتعريض لا بالتصريح ما أغنى ذلك عن التصريح، ليرهف حسّه ويلطف فهمه ويتأدب بالذوق. ومما يفيد في ذلك اختيار أمثلة مما يعلّي الهمم ويبعث على المروءة، ويغرس الأخلاق الحميدة، ويخلّي النفس عن الأخلاق الذميمة، ويرتفع بها عن سفساف الأمور إلى معاليها.
خامساً: الأولى أن يؤخذ عن موفور العقل والدين وإن قلّ علمه لا عن موفور العلم قليل العقل والدين؛ لأن الأول يحكمه عقله ويقيه من ميل الهوى ورعه، ويتوافر علمه بسبب هذين الأمرين لأنه إن نظر علم، وإن اتقى عُلّم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وأما الثاني فإن عرض له جديد حيّره واستعصى عليه استنباطه ورده إلى أصله، فإما أن يمسكه عن الخوض فيه دينه أو تهلكه رعونته. وأما صاحب الهوى فلا يعرف حدّه، وكل شر عنده، قد يمرقه من الدين شهوته فيهلك ويهلك.
سادساً: يحرص المعلّم على تفهيم المسائل بأمثلة العلماء نفسها ولا يتعداها إلى أمثلة أخرى قبل أن تتوضح أمثلة الكتاب. ويفهم الطالب أن المثال إنما يضرب على تقدير صحته وذلك كاف في تقريب الممثَل له وإن كان المثال خطأ في نفس الأمر. ومع ذلك لا يهمل بيان خطأ المثال إن كان خطأ. وعلى المعلّم أن يقرر المسائل التي يدرسها كما هي، والمذهب الذي يعلّمه كما هو، ولا يتعداه بذكر آرائه الشخصية، ورؤاه وأفكاره التي قد تكون في طور النضوج. وذلك مهم جداً في تدريس المبتدئين.
سابعاً: ليستعمل المعلّم وسائل تعليمية تعينه على بيان المسائل كرسم الأشكال التوضيحية على اللوح والتمثيل من الواقع ليقوى الارتباط بين مسائل العلم وواقعه في ذهن الطالب.
ثامناً: يقسم الكتاب إلى أجزاء، ويحدد للطالب قبل الدرس ما سيدرسه إن شاء الله تعالى في درسه القادم، ويحضّ على التحضير له بقراءته ومحاولة فهمه وشرحه وتلخيصه وإعداد الأسئلة على المواضع التي لم يفهمها، وينتظر الطالب معلمه حتى ينتهي من تقرير المسألة فإن أجيب في تضاعيف بيانه عن استشكالاته وإلا سأل سؤال المستفهم. وينبغي أن يتسع صدر المعلّم لسؤال الطالب، ويناقشه في سؤاله ليقيمه ويصححه، ويعوّد الطالب على حسن السؤال وتصحيحه وجمعه في ذهنه قبل إلقائه على المعلّم. وهذا القدر من المباحثة مع الطالب هامّ للغاية، ففيه الدربة له على البحث، وفيه تعليم الفكر والنظر في جهات المسألة وكيفية تقليبها. وينبغي أن يرتقي المعلم بالطالب في المباحثة وإدارة الكلام ويزيد له في مساحة المناقشة والشرح والتقرير والاستدلال والاعتراض والإضافة شيئاً فشيئاً من بداية الطلب، حتى إذا جاوز المراحل المتوسطة في التعليم وحضر مجالس المنتهين صارت تلك المجالس أشبه بحلق بحث ومداولة. فليتنبه إلى ذلك فإن فيه تكميل آلات الطالب وشحذ ذهنه وتمكين ثقته بعقله وعلمه وتقوية لنفسه. وكل ذلك لا بد أن لا يخرج عن دائرتي الأدب والذوق العامّين لا بل والخاصّين؛ فإن أولى الناس بالأخلاق الحميدة هو طالب تراث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما بلغ من بلغ ما بلغ إلا بحسن الخلق.
تاسعاً: يطلب من كلّ طالب أن يمارس الكتابة بوضع أسئلة، وتعليقات، وإجابات عن أسئلة ربما يقترحها المعلّم، ويرتب الطالب ما كتب بلغة سليمة مختصرة في ورقة ويعطيها لمعلمه. وعلى معلمه أن يقرأ طلابه ويوجههم ويصحح أخطاءهم في فكرهم ويثني على ما أحسنوه من ذلك، ويشجع من أساءوا وينصح لهم بما يحسّن مهاراتهم. وليس يكشف عن مستوى عقل وفهم ومواهب طالب العلم أكثر من الكتابة. وفي هذا فرصة ينبغي على المعلم أن يفترصها كي يكتشف مواهب طلابه ويستثمرها، فلعلّ أحدهم قلمه أحد من لسانه، ولعلّ غيره بخلافه، فالأول يحث على الكتابة والثاني يحث على الخطابة. ولعلّ أحدهم أشدّ لحيين من صاحبه في المعقولات ولعلّ صاحبه أشغف منه بالمنقولات وهكذا "كلّ ميسّر لما خلق له".
عاشراً: يوجّه الطالب نحو حفظ المتون، ويسمع الطالب المتن بعد أن يضبطه له معلّمه إما للمعلّم أو لعريف ينتدبه المعلّم لذلك، ولكن لا ينبغي أن يهمل الحفظ أبداً. لأن المتون تجمع كليّات الفنّ ومسائله في ذهن الطالب جملة. وتعينه على فهم ما حفظه لدوام تفكره فيما يحفظ، وتعينه على استحضار مسائل الفنّ عند الحاجة لها إذا غفل عنها وكثيراً ما يغفل عن قواعد الفنّ في بداية الطلب لقلة المراس وقرب العهد بالاشتغال. ولا يجوز أن يقرّ الطالب على أنه لا يمكنه أن يحفظ وأنه يكفي أن يفهم والحفظ ليس أمراً ذا بال؛ وهذه أعذار شائعة اليوم بين الطلاب، فينبغي أن تعلّى هممهم ويؤمروا بالحفظ ويفهموا أن ذلك مما لا يستغنى عنه. فعلى الطالب أن يحفظ ولا يمكنه أن يحصّل العلم إذا لم يحفظ منه قدراً معيّناً، وقد قيل الحفظ شطر العلم.
هذا ولا ينسى المعلم الدعاء لطلابه، ويعلّمهم الدعاء لأنفسهم ومشايخهم ومن علّمهم وأحسن إليهم، فإن الدعاء من أعظم سبل التواضع وتربية النفوس. فلا تكاد تجد مواظباً على الذكر والدعاء سيء الخلق. وليكثر طالب العلم من مجالسة العلماء والاستماع لهم فإن ذلك يورثه التقوى ويزيده علماً، وليكثر من مجالسة الصالحين والفقراء فإن ذلك يورثه الزيادة في الطاعة والرضى بما قسم الله تعالى له، وليبتعد عن مجالسة أهل الدنيا من الفساق وأهل المال والرياسة فالأولون يورثونه تسويف التوبة والاسترواح للمعصية واستمراءها، والتالون يورثونه الحرص على الدنيا والطمع بما فيها، ثم التاولون يورثونه الكبر وقسوة القلب. وليقتصد في مجالسة النساء والصبيان. وليحرص على الوقت أشد الحرص، وليستخرج من نفسه أشد العزم ويصحح النية ويصدق فيها في طريقه لدرسه أنه لا يريد إلا وجه الله تعالى في كل ما يقول ويكتب ويفعل، وليستغفر الله سبحانه ويسأله العصمة من الرياء والعجب والحسد والكذب وسائر آفات القلب واللسان والجوارح. ومن جدّ وجد، ومن سار على الدرب وصل، ولا تقل فات الأوان وسبقني فلان وفلان، فإن العبرة بمن صدق لا بمن سبق. هذا ما خطر بالبال في الحال، ولعلّ من إخواننا من يزيد على هذه الكلمات ما يثريها من تجربته وكلام مشايخه. والله تعالى أعلم وأحكم وهو جلّ وعلا الموفق. والحمد لله رب العالمين.
كلمة في التعليم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير المعلّمين والمعلّمين، وأفضل المتأدبين والمؤدبين القائل: "علموا ولا تعنفوا، فإن المعلّم خير من المعنف". صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله وعلى آلك وصحبك أجمعين وسلّم تسليماً.
أما بعد، فقد منّ الله تعالى عليّ بالجلوس في حلق العلم، أتعلّم وأعلّم. وقد تعلّمت من ذلك الكثير بفضل الله تعالى، سواء مما وقع لي أو لإخواني الطلاب. فخطر لي أن أنبه المعلّمين والمتعلّمين إلى أمور من باب النصيحة في الدين، لعلّ الله تعالى أن ينفعنا بها في ذلك، وهو حسبي ونعم الوكيل.
أولاً: ينصح للطالب في بداية الطلب بأن لا يكثر من النظر في الكتب إلا للحاجة، وعليه أن يجعل همه وشغله فهم الكتاب الذي يدرسه، ولا يتعداه إلى غيره إلا بما يعينه على فهم كتاب درسه وتحصيل ما حواه من دقائق ومعان. ويسرد المدرس في بداية دروسه أسماء الكتب التي تعين الطالب على فهم كتابه المقرر بحيث يجعله مدار نظره وفكره، ويخرج إلى تلك الكتب ليقرأ فيها وينقل منها إلى كراسه ما يحتاجه ثم يعود إلى كتابه.
ثانياً: يقرأ المدرس مع الطلاب كتاب الدرس قراءة نصية، ويصب اهتمامه على بيان المفاهيم والمصطلحات بياناً كافياً ولا ينتقل إلى بحث جديد قبل أن يتأكد من تحصيل طلابه للمبحث السابق. وينصح للطالب أن ينقل إلى كراسه كلّ مصطلح جديد ويكتب تعريفه الدائر على ألسنة أئمة الفن ويحفظه ولا يخترع تعريفات من عنده. وهذا النصح جار أيضاً في كلّ قاعدة عقلية أو نقلية أو فائدة تمرّ به وما أكثر ذلك في كلام العلماء. فينصح للطالب بالحرص على عباراتهم رضي الله عنهم لأنّ حفظ عباراتهم وإدمان النظر فيها من أسباب تقوّم الفكر. وقراءة العلماء وتأمل كلامهم يعلّم العقل والأدب إلى جانب العلم، وتعلّمهما لا يقل شأناً عن تعلّم العلم نفسه للطالب لأنه بهما يفتح عليه باب تحصيل العلوم. فعلى المعلّم أن يحبب العلماء إلى طلابه ويعودهم الدعاء لهم وإنصافهم والذب عن أعراضهم وتوجيه كلامهم وحمله على محامل شريفة حسنة ما أمكن ذلك. وإن رأى منهم خطأ فليتروّ قبل أن يحكم فيه فلعله أساء الفهم، حتى إذا استيقن الخطأ فليعتذر لهم وليحسن معارضتهم والرد عليهم تنقيحاً للعلوم، وحفظاً للدين، ونصحاً للمسلمين. ولا يحذف من أقوالهم شيئاً بل يذكر القول الذي يعتقده خطأً وينبه على ما فيه، "فربّ مبلّغ أوعى من سامع".
ثالثاً: يحرص المدرس على فكّ عبارات كتاب الدرس وشرح غريب ألفاظه وبيان مفهوم الكلمات لغة وعرفاً إن كانت اصطلاحاً، ويعيد الضمائر إلى مراجعها ما أمكنه ذلك، ويعلّم الطلاب كيف يعلّقون ملحوظاته على كتاب الدرس، ويمتحن الطلاب بالسؤال عن الضمائر والمعاني وغير ذلك كلما سنح له ذلك، فإنه مما يعلّم الطلاب تحليل الكلام والتدبر في معانيه، ويبقيهم حاضري الأذهان متوقعين للسؤال متشوفين للمشاركة ومنافسة الأقران. وذلك كله مفيد للطلاب يبرز الألمعي منهم ويعلي همم الباقين ليلحقوا به. ويحذر الطالب من الكره والحسد، ويحث على بذل العلم لإخوانه والمدارسة معهم وإفادتهم، فالقويّ يأخذ بيد الضعيف، والمرء يصل بإخوانه، والمعطي هو الله. والعلم يربو بالإنفاق كما ينمو المال به، فكلاهما رزق، وذلك من شكر المنعم. والعلم بحر لا ساحل له، فلا يخشينّ باذله أن لا يجد مغاصاً، ولا يحذرنّ من أن يتقدّم عليه غيره، فرزقك لن يأخذه غيرك، وكلّ شيء عند الله بمقدار. جلّ جلاله "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها" فاسألوا الله من فضله يعطكم، واشكروه على نعمه يدمها ويزدكم.
رابعاً: يُعلَّم الطالب بلسان الحال والمقال، ولا يعنّف ولا يزجر، بل يتسامح معه ويعذر، وينصح له بالتعريض في الناس، أو بلسان الناصح الشفيق عند الانفراد به، وبالإشارة والتعريض لا بالتصريح ما أغنى ذلك عن التصريح، ليرهف حسّه ويلطف فهمه ويتأدب بالذوق. ومما يفيد في ذلك اختيار أمثلة مما يعلّي الهمم ويبعث على المروءة، ويغرس الأخلاق الحميدة، ويخلّي النفس عن الأخلاق الذميمة، ويرتفع بها عن سفساف الأمور إلى معاليها.
خامساً: الأولى أن يؤخذ عن موفور العقل والدين وإن قلّ علمه لا عن موفور العلم قليل العقل والدين؛ لأن الأول يحكمه عقله ويقيه من ميل الهوى ورعه، ويتوافر علمه بسبب هذين الأمرين لأنه إن نظر علم، وإن اتقى عُلّم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وأما الثاني فإن عرض له جديد حيّره واستعصى عليه استنباطه ورده إلى أصله، فإما أن يمسكه عن الخوض فيه دينه أو تهلكه رعونته. وأما صاحب الهوى فلا يعرف حدّه، وكل شر عنده، قد يمرقه من الدين شهوته فيهلك ويهلك.
سادساً: يحرص المعلّم على تفهيم المسائل بأمثلة العلماء نفسها ولا يتعداها إلى أمثلة أخرى قبل أن تتوضح أمثلة الكتاب. ويفهم الطالب أن المثال إنما يضرب على تقدير صحته وذلك كاف في تقريب الممثَل له وإن كان المثال خطأ في نفس الأمر. ومع ذلك لا يهمل بيان خطأ المثال إن كان خطأ. وعلى المعلّم أن يقرر المسائل التي يدرسها كما هي، والمذهب الذي يعلّمه كما هو، ولا يتعداه بذكر آرائه الشخصية، ورؤاه وأفكاره التي قد تكون في طور النضوج. وذلك مهم جداً في تدريس المبتدئين.
سابعاً: ليستعمل المعلّم وسائل تعليمية تعينه على بيان المسائل كرسم الأشكال التوضيحية على اللوح والتمثيل من الواقع ليقوى الارتباط بين مسائل العلم وواقعه في ذهن الطالب.
ثامناً: يقسم الكتاب إلى أجزاء، ويحدد للطالب قبل الدرس ما سيدرسه إن شاء الله تعالى في درسه القادم، ويحضّ على التحضير له بقراءته ومحاولة فهمه وشرحه وتلخيصه وإعداد الأسئلة على المواضع التي لم يفهمها، وينتظر الطالب معلمه حتى ينتهي من تقرير المسألة فإن أجيب في تضاعيف بيانه عن استشكالاته وإلا سأل سؤال المستفهم. وينبغي أن يتسع صدر المعلّم لسؤال الطالب، ويناقشه في سؤاله ليقيمه ويصححه، ويعوّد الطالب على حسن السؤال وتصحيحه وجمعه في ذهنه قبل إلقائه على المعلّم. وهذا القدر من المباحثة مع الطالب هامّ للغاية، ففيه الدربة له على البحث، وفيه تعليم الفكر والنظر في جهات المسألة وكيفية تقليبها. وينبغي أن يرتقي المعلم بالطالب في المباحثة وإدارة الكلام ويزيد له في مساحة المناقشة والشرح والتقرير والاستدلال والاعتراض والإضافة شيئاً فشيئاً من بداية الطلب، حتى إذا جاوز المراحل المتوسطة في التعليم وحضر مجالس المنتهين صارت تلك المجالس أشبه بحلق بحث ومداولة. فليتنبه إلى ذلك فإن فيه تكميل آلات الطالب وشحذ ذهنه وتمكين ثقته بعقله وعلمه وتقوية لنفسه. وكل ذلك لا بد أن لا يخرج عن دائرتي الأدب والذوق العامّين لا بل والخاصّين؛ فإن أولى الناس بالأخلاق الحميدة هو طالب تراث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما بلغ من بلغ ما بلغ إلا بحسن الخلق.
تاسعاً: يطلب من كلّ طالب أن يمارس الكتابة بوضع أسئلة، وتعليقات، وإجابات عن أسئلة ربما يقترحها المعلّم، ويرتب الطالب ما كتب بلغة سليمة مختصرة في ورقة ويعطيها لمعلمه. وعلى معلمه أن يقرأ طلابه ويوجههم ويصحح أخطاءهم في فكرهم ويثني على ما أحسنوه من ذلك، ويشجع من أساءوا وينصح لهم بما يحسّن مهاراتهم. وليس يكشف عن مستوى عقل وفهم ومواهب طالب العلم أكثر من الكتابة. وفي هذا فرصة ينبغي على المعلم أن يفترصها كي يكتشف مواهب طلابه ويستثمرها، فلعلّ أحدهم قلمه أحد من لسانه، ولعلّ غيره بخلافه، فالأول يحث على الكتابة والثاني يحث على الخطابة. ولعلّ أحدهم أشدّ لحيين من صاحبه في المعقولات ولعلّ صاحبه أشغف منه بالمنقولات وهكذا "كلّ ميسّر لما خلق له".
عاشراً: يوجّه الطالب نحو حفظ المتون، ويسمع الطالب المتن بعد أن يضبطه له معلّمه إما للمعلّم أو لعريف ينتدبه المعلّم لذلك، ولكن لا ينبغي أن يهمل الحفظ أبداً. لأن المتون تجمع كليّات الفنّ ومسائله في ذهن الطالب جملة. وتعينه على فهم ما حفظه لدوام تفكره فيما يحفظ، وتعينه على استحضار مسائل الفنّ عند الحاجة لها إذا غفل عنها وكثيراً ما يغفل عن قواعد الفنّ في بداية الطلب لقلة المراس وقرب العهد بالاشتغال. ولا يجوز أن يقرّ الطالب على أنه لا يمكنه أن يحفظ وأنه يكفي أن يفهم والحفظ ليس أمراً ذا بال؛ وهذه أعذار شائعة اليوم بين الطلاب، فينبغي أن تعلّى هممهم ويؤمروا بالحفظ ويفهموا أن ذلك مما لا يستغنى عنه. فعلى الطالب أن يحفظ ولا يمكنه أن يحصّل العلم إذا لم يحفظ منه قدراً معيّناً، وقد قيل الحفظ شطر العلم.
هذا ولا ينسى المعلم الدعاء لطلابه، ويعلّمهم الدعاء لأنفسهم ومشايخهم ومن علّمهم وأحسن إليهم، فإن الدعاء من أعظم سبل التواضع وتربية النفوس. فلا تكاد تجد مواظباً على الذكر والدعاء سيء الخلق. وليكثر طالب العلم من مجالسة العلماء والاستماع لهم فإن ذلك يورثه التقوى ويزيده علماً، وليكثر من مجالسة الصالحين والفقراء فإن ذلك يورثه الزيادة في الطاعة والرضى بما قسم الله تعالى له، وليبتعد عن مجالسة أهل الدنيا من الفساق وأهل المال والرياسة فالأولون يورثونه تسويف التوبة والاسترواح للمعصية واستمراءها، والتالون يورثونه الحرص على الدنيا والطمع بما فيها، ثم التاولون يورثونه الكبر وقسوة القلب. وليقتصد في مجالسة النساء والصبيان. وليحرص على الوقت أشد الحرص، وليستخرج من نفسه أشد العزم ويصحح النية ويصدق فيها في طريقه لدرسه أنه لا يريد إلا وجه الله تعالى في كل ما يقول ويكتب ويفعل، وليستغفر الله سبحانه ويسأله العصمة من الرياء والعجب والحسد والكذب وسائر آفات القلب واللسان والجوارح. ومن جدّ وجد، ومن سار على الدرب وصل، ولا تقل فات الأوان وسبقني فلان وفلان، فإن العبرة بمن صدق لا بمن سبق. هذا ما خطر بالبال في الحال، ولعلّ من إخواننا من يزيد على هذه الكلمات ما يثريها من تجربته وكلام مشايخه. والله تعالى أعلم وأحكم وهو جلّ وعلا الموفق. والحمد لله رب العالمين.
تعليق