"الرعاية" للحارث بن أسد المحاسبي وأثره في المغرب. بقلم د. حمزة الكتاني

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حمزة الكتاني
    طالب علم
    • Oct 2008
    • 282

    #1

    "الرعاية" للحارث بن أسد المحاسبي وأثره في المغرب. بقلم د. حمزة الكتاني

    "الرعاية" للحارث بن أسد المحاسبي وأثره في المغرب

    بقلم: محمد حمزة الشريف الكتاني:

    تمهيد

    كتاب "الرعاية لحقوق الله والقيام بها"، من أهم مؤلفات شيخ الصوفية في القرن الثالث: الحارث بن أسد المحاسبي، المتوفى عام 243هـ، وقد اعتمده شيوخ التربية جيلا بعد جيل، ودهرا بعد دهر، وهو كتاب يتحدث عن السلوك إلى طريق الحق تعالى وكيفية السير، ومراعاة النفس في ظاهرها وباطنها، وامتحانها واستفهامها بحيث تستحضر حقوق الحق سبحانه وتعالى عليها في كل لمحة ونفس.

    وهو الأمر الذي فتح بابا كبيرا من أبواب الجذب الإلهي؛ تمزقت به قلوب عباد، ووصلت قلوب آخرين، ما حذا شمس الدين ابن قيم الجوزية إلى انتقاده انتقادات لاذعة في كتابه: "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين"، في حين جعله أبو حامد الغزالي من روادف كتابه "إحياء علوم الدين".

    ولا شك أن كتابا له هذه القيمة وبُعد الصيت؛ سيصل إلى المغرب بلد الأولياء والصوفية، إن لم يكن سابقا لإحياء الغزالي، فمواكبا له؛ إذ هو نواته وأساس فكرته.
    وسأعمل في هذا البحث المقتضب على جرد المصادر التي تطرقت لاعتناء المغاربة دراسة وتدريسا بكتاب "الرعاية" خاصة، مع تحليل لذلك، وإبراز لأهم معالم هذه المدرسة في المغربي.

    اعتناء المغاربة بكتاب "الرعاية لحقوق الله"

    إذا تحدثنا عن المغاربة؛ إنما نتحدث عن أهل المغرب الأقصا، ولا شك أن المغاربة منذ دخول الإسلام إليهم وتمكنه بينهم كان بهم اعتناء كبير بالتصوف والسلوك، وكل ما يقرب إلى الله تعالى، حتى قيل: "إن المغرب بلد الأولياء، كما أن المشرق بلد الأنبياء". فما كان يظهر كتاب من الكتب ذات القيمة في السلوك والوصول إلى الله تعالى إلا ونجده يصل في أقرب مدة للمغرب، ويتدارسه المغاربة ويقيِّمونه ويعلقون على مضمونه إن سلبا أو إيجابا.

    والتصوف وإن كانت ظهرت طلائعه في المغرب في زمن الأدارسة عليهم السلام، فمن بعدهم ممن اشتهر ذكرهم في مشارق الأرض ومغاربها؛ فإن رواج سوقه إنما تبدى في زمن الدولة الموحدية في القرن السادس الهجري، فهناك اعتنى الناس بدراسة التصوف كلعم وسلوك، وقد يمزجونه بعلم الكلام أيضا.

    ولعل من أبرز المدارس التي ظهرت في تلك الفترة، وتخرج بها كبار رجال التصوف الذين بقي أثرهم واضحا للعيان إلى الآن: مدرسة الإمام أبي الحسن علي ابن حرزهم الفاسي العثماني، والذي طريقه مدار سلسلة الطرق الصوفية في المغرب، بل أثنى عليه الشيخ الكبر ابن عربي الحاتمي في كتبه، وأشاد بأخذه عن بعض تلاميذه كما يأتي( ).

    ولذلك؛ فإننا نجد كتاب "المستفاد في مناقب العُباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد"، وهو محمد بن عبد الكريم الكتاني الفندلاوي الذي يعتبر أول من أرخ لصلحاء فاس من أهل المغرب الأقصا، يذكر هذا الكتاب "الرعاية" - في ترجمة أبي الحسن علي ابن حرزهم الفاسي، المتوفى عام 559هـ، قال( ): "واما الكلام على "الرعاية" وكلام المحاسبي؛ فلم يخلفه مثله في ذلك".

    قلت: ويستفاد من هذا أمور:

    1- أنه من أوائل من تحدث عن "الرعاية" للمحاسبي ودرّسها في مجالسه.
    2- أنه درس كتبا أخرى للمحاسبي.
    3- أنه جاء بعده من درَّسوا كتب المحاسبي؛ ومنها: "الرعاية".

    وهذا النقل اعتمده من جاء بعد "المستفاد"؛ كصاحب "التشوف"( )، و"جذوة الاقتباس"( )، و"سلوة الأنفاس"( ).

    وبمعرفة من تخرج بأبي الحسن ابن حرزهم من الأئمة، ممن كانوا مرجع المغرب في علم الكلام؛ كأبي عمرو السلالجي، وفي الحديث؛ كأبي الحسن ابن القطان الفاسي، وفي التصوف؛ كأبي مدين الغوث...إلخ، يعلم مدى تأثير ابن حرزهم في المغرب، وبالأحرى تأثير كتاب "الرعاية" الذي أوقف نفسه على تدريسه والنفع به.

    مدرسة أبي الحسن ابن حرزهم في "الرعاية"


    فممن كان يحضُر درس أبي الحسن ابن حرزهم في "الرعاية": الإمام أبو مدين الغوث التلمساني حسبما ذكره أحمد التادلي الصومعي في "المعزَى في مناقب أبي يعزى"( )، كما أنه لم يكتف بدراسته؛ فقد كان يُدرسه أيضا، وتخرج به أعلام:

    وممن تخرج بالشيخ أبي مدين الغوث في "الرعاية" واعتنى به: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الهاشمي القرَشي، المتوفى عام 599، فقد قال في "المعزَى" أثناء ترجمته( ): "وكان له مجلس يقرأ عليه فيه كتب القوم من كتب الرقاق؛ كالإحياء، و"القوت"، ورسالة الأستاذ، و"الرعاية"...وغير ذلك".

    كما ترجم في "المستفاد"( ) لأحد طلبة الشيخ علي بن إسماعيل ابن حرزهم؛ وهو: أبو موسى عيسى ابن الحداد الفاسي المتوفى بمكة المكرمة آخر القرن السادس، قال: "ولما توفي ابن حرزهم؛ قعد في مكانه؛ إذ لم يكن في طلبته من يخلفه في "الرعاية" للمحاسبي غيره!".

    فدل على أنه أيضا كان ممن تصدر لتدريس "الرعاية"، وقد أخذ عنه مؤلف "المستفاد" محمد بن عبد الكريم الكتاني الفندلاوي أيضا، والفندلاوي شيخ الشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي رحم الله الجميع. بل رحل إلى المشرق وجاور بمكة المكرمة، ولا شك أنه أيضا اعنى بتدريس هذا الكتاب في تلك الربوع.

    وذكر الإمام محمد بن جعفر الكتاني في "سلوة الأنفاس"( ) في ترجمة الشيخ الوتد سيدي ابن جعدون الحناوي المتوفى عام 597 عن "روح القدس" لمحمد بن علي ابن عربي الحاتمي قال: "ففتح كتاب "شرح المعرفة" للمحاسبي، فقرأ منه كلمات، ثم قال لي: اشرح وبيِّن ما قال!". قلت: وهو من طبقة الآخذين عن أبي الحسن ابن حرزهم أيضًا.

    ومن أهم من أخذ عن أبي الحسن ابن حرزهم كتاب "الرعاية": إمام علم الكلام في المغرب وأشعريُّه؛ أبو عمرو عثمان السلالجي، المتوفى بفاس عام 574هـ، فقد أخذ عليه، وتأثر به في التصوف والكلام( )، ومما قرأه عليه قراءة بحث ومدارسة: كتاب "الرعاية" للحارث المحاسبي، ولا شك أنه تأثر به في دراساته التوحيدية والكلامية.

    بل إن السلالجي بدوره؛ قام على تدريس "الرعاية" للمحاسبي، فأخذ عنه فيه جملة من علماء المغرب؛ نذكر منهم: أبو الحسن علي ابن مؤمن المتوفى عام 598هـ( )، والذي كانت له رحلة واسعة للأندلس والمشرق، ودون مشيخته في سفر كبير.

    الخلاصة

    بقي أثر "الرعاية" للمحاسبي في المغرب أجيالا بعد ذلك، حتى تصدر أعلام الزاوية الفاسية لتدريسه في زواياهم في القرنين الحادي والثاني عشر حسبما في كتاب "الزاوية الفاسية"( ) للأستاذة نفيسة الذهبي، ولا شك أن ذلك استمر قرونا بعد ذلك.

    أما من حيث الاستفادة من "الرعاية" والاستشهاد به؛ فإنه لا يكاد يخلو كتاب من كتب السلوك من النقل عنها والاستفادة منها، ولا شك أن طائفة الخواطريين التي تزعمها علي بن ميمون الغماري أخيرا كانت قبسا واضحا من هذا الكتاب، ومن هنا يظهر الأثر الكبير الذي كان للرعاية للمحاسبي في مغرب الموحدين، والذي هو مطبخ المدرسة الصوفية في المغرب الموحدي، قبل بروز الطريقتين الشاذلية والقادرية بفروعيهما، والذي بقي تأثيره فيما بعد إلى يوم الناس هذا.

    والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات

    المصادر والمراجع:
    - "التشوف إلى رجال التصوف، وأخبار أبي العباس السبتي". تأليف: يوسف بن يحيى ابن الزيات التادلي. تحقيق: الدكتور أحمد توفيق. طبعة: مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء. سنة 1984.

    2- "الزاوية الفاسية: التطور والأدوار حتى نهاية العهد العلوي الأول". تأليف: الدكتور نفيسة الذهبي. مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء. سنة 1422/ 2001 .

    3- "سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بمدينة فاس". تأليف محمد بن جعفر الكتاني. تحقيق: د. محمد حمزة الشريف الكتاني. طبعة: دار الثقافة. الدار البيضاء، سنة 1425/ 2004.

    4- "عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية". تأليف: د. جمال علال البختي. منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية. سنة 1426/ 2005.

    5- "مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن". تأليف محمد العربي بن يوسف الفاسي الفهري. تحقيق: الدكتور محمد حمزة بن علي الكتاني. طبعة: دار ابن حزم بيروت. سنة 1429/ 2008.

    6- "المستفاد في مناقب العباد، في مدينة فاس وما يليها من البلاد". تأليف: محمد بن عبد الكريم الكتاني الفندلاوي. تحقيق: محمد الشريف. منشورات: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، جامعة عبد الملك السعدي، سلسلة الأطاريح الجامعية (4). سنة 2002.

    7- "المعزى من أخبار الشيخ أبي يعزى". تأليف: أحمد التادلي الصومعي. تحقيق: علي الجاوي. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، أكادير. سنة: 1996.
    أنبه الأخوة الكرام، أنني منعت من الكتابة في هذا المنتدى منذ أشهر، ولذلك لا تجدون مشاركاتي، وإن كانت إدارة المنتدى لم تعلن ذلك، تماما على عادة الأنظمة الدكتاتورية العربية...
  • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
    طالب علم
    • Apr 2010
    • 760

    #2
    جزاكم الله خيرا

    تعليق

    يعمل...