تقريب التصوف (4): الصوفية، والتوسل و الاستغاثة بالرسول والأولياء

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عدلي وصفي
    طالب علم
    • Aug 2012
    • 20

    #1

    تقريب التصوف (4): الصوفية، والتوسل و الاستغاثة بالرسول والأولياء

    ثانيا:التوسل و الاستغاثة بالأنبياء و الصالحين، و التبرك بقبورهم و مقاماتهم
    لم تعتد المراجع الصوفية الأصلية مناقشة هذا المبحث، لأنه يتعلق بمسائل الدعاء، وهي من العبادات، و العبادات مبحث من مباحث الفقه،ونحن إنما ذهبنا لمناقشة القضية في هذه الدراسة حول التصوف لإكثار أهله من الأدعية والأذكار التي تتضمن توسلات و استغاثات بالنبي (صلى الله عليه وسلم) و بالأولياء، واعتيادهم زيارة قبورهم للتبرك و الدعاء عندها، حتى صار ذلك مما يشتد عليهم مخالفهم فيه، علما بأن مخالفهم قد اعتاد مناقشة المسألة باعتبارها مبحث من مباحث العقيدة، و أصول الدين، ذلك أنه رأى في التوسل ، والاستغاثة، والتبرك بالمقامات نوعا من الشرك لم يتردد في تصنيفه ضمن الشرك الأكبر الذي يخرج من الملة، ونحن نرى هذا من شطط القول و الإحداث في دين الله، لأن هذه المسائل قد ناقشها الذين أجازوها، و الذين أنكروها كمسائل من فروع الفقه التي يدور الحكم فيها بين الواجب، و المندوب، والمباح،و المكروه والحرام، لا من مسائل العقيدة التي يدور الحكم فيها بين الإيمان، و الكفر، و استمر ذلك قرونا، و السائد عند جمهور فقهاء أهل السنة عدم الاعتداد بالأقوال المحدثة التي تناقض الإجماع، ولذلك ما قبل جمهور علماء الأمة هذا القول (أعني اعتبار التوسل و الاستغاثة من قضايا الاعتقاد) ولا غيرها من الأقوال التي شذ فيها ابن تيمية عن إجماع الأمة مهما كان علمه، وما كان لهم أن يقبلوا ذلك منه، و هم قد رفضوا الفتاوى الشاذة المنسوبة لمن هو أجل منه قدرا، و أكثر علما من علماء السلف، فما قبلوا ما ذهب إليه ابن عباس من القول بإباحة نكاح المتعة، أو فتواه في طريقة حل معضلة عول المواريث لمخالفته قوليه هذين لإجماع الصحابة، كما أنهم ما قبلوا فتوى نافع مولى ابن عمر و التي ربما تروى عنه عن ابن عمر بإباحة مجامعة النساء في الأدبار لمخالفتها إجماع الصحابة و التابعين إلا بعض الظاهرية، و شيئا يروى عن مالك في أخذه بقول نافع ما أخذ به علماء المالكية ولا أفتى به منهم أحد، وهكذا كل قول محدث مخالف للإجماع جدير به أن يهمل فلا يتابع و لا يعمل به، وإن أثبت في الأسفار، وقد استمر الناس على ذلك قرونا حتى ظهرت فرقة استمسكت بكل ما قال ابن تيمية استمساكهم بالكتاب و السنة ، أو أشد، واعتبروا منهجهم منهج السلف، و زعموا أن جمهور علماء الخلف قد ضلوا عما اهتدوا إليه -بزعمهم- و أنهم ابتدعوا بتركهم العمل بهذه الأقوال الشاذة، و لم يكن لدعوتهم تأثير يذكر في باديء الأمر إلى أن أصبح لها دولة، ثم توفر لهذه الدولة من الثروة ما مكن لهذه لهذه الطائفة أن تحصل على التمويل اللازم لنشر دعوتها في مختلف الأقطار الإسلامية، و قد وجدوا ممن لا قدم لهم في العلم الشرعي من يتابعهم حتى أصبحت بدعتهم عند كثير من الناس هي السنة، و صار أهلها يتبجحون بوصف أنفسهم بأهل السنة والجماعة من على المنابر، و في بعض وسائل الإعلام فلا تتمعر لذلك الوجوه، ولا تشمئز النفوس، بل سلم الأكثر لهم زعمهم أنهم سلفيون حتى صارت الكلمة علما عليهم، و صار العامة ينعتونهم بالسنيين، لذلك نجد من الضروري أن يتصدى كل من يملك الحد الأدنى من الملكة الفقهية و الكلامية لتوضيح ما أخطأت فيه هذه الطائفة علما بأن الكثير من الراسخين في العلم ما قصروا عن ذلك لكن لا بأس من تكرار التنبيه ذكرى ولعلهم يرجعون، و نحن بادؤون - إن شاء الله- بعرض قولهم على أحسن وجه له ثم نشرع في نقده:
    فمجمل قولهم أن التوسل و الاستغاثة بذوات الأنبياء والصالحين شرك، لأن الأصل في التوحيد إفراد الله -سبحانه- باستحقاق العبودية، ولان الدعاء عبادة لقول النبي (صلى الله عليه و سلم): الدعاء مخ العبادة، في رواية "الدعاء هو العبادة"، فإن دعاء غير الله -تعالى- شرك، وقد قال تعالى: "وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا"
    أما قول من قال أن التوسل بالأبياء والصالحين ليس على سبيل تأليهههم ، ولكن استجلابا للإجابة لمكانتهم عند الله -تعالى- ، فذلك -عندهم شبيه بقول الكفار "ما نعبدهم إلا ليقربونا من الله زلفى"
    و مذهبهم حتى الآن يتمتع -على الأقل بالتماسك المنهجي، ولكن التناقض الداخلي سرعان ما يظهر في أقوالهم عند قولهم أن التوسل بالأعمال الصالحة جائز مثل أن يقول الإنسان "اللهم أسألك بصلاتي ، وصدقتي، وصيامي"، و قولهم بجواز التوسل إلى الله بالأحياء من الأنبياء والصالحين دون الأموات، ووجه التناقض أنه إذا كان التوسل بالمخلوقين شرك، فلا وجه لاستثناء الأعمال الصالحة ، فالأعمال البشرية مخلوقة بإجماع الأمة (فهي عند الجمهور من خلق الله، و عند القدرية و المعتزلة من خلق العبد) ، ولا وجه للتوسل بالأحياء دون الأموات فالأحياء مخلوقون كالأموات، و لو كان التوسل عبادة للمتوسل به لوجب أن يكفر من توسل بالأحياء مثل كل من عبد حيا من المخلوقين كفرعون، والنمروذ ، والملائكة، و الجن، و عيسى (عليه السلام)، وهو في عقيدتنا لم يقتل ولم يصلب و إنما رفع للسماء حيا حتى ينزل في آخر الزمان، و الذي أوقع القوم في هذا التناقض المنهجي ما ثبت عن النبي (صلى الله عليه و سلم) من أحاديث فيها التوسل بالأحياء و بالأعمال الصالحة و ما صح عن الصحابة في ذلك ، و من ذلك ما صح من تعليم النبي (صلى الله عليه و سلم) الأعرابي الأعمى الذي أراد أن يُرَد عليه بصره أن يدعو بكلمات فيهن "اللهم إني أسألك و أتوجه إليك بنبيك محمد (صلى الله عليه و سلم) نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى..."، وهذا الحديث نص في جواز التوسل بالنبي (صلى الله عليه و سلم) في قوله " اللهم إني أسألك و أتوجه إليك بنبيك محمد (صلى الله عليه و سلم) نبي الرحمة" ، و بجواز الاستغاثة به في قوله : "يا محمد"، و من ذلك ما ثبت من توسل الصحابة وفيهم عمر بسيدنا العباس عم النبي (صلى الله عليه وسلم) حين استسقوا عام الجدب ، وأما التوسل بالأعمال الصالحات فقد ورد في حديث الثلاثة من بني إسرائيل الذين آووا إلى غار فانسد بصخرة ، فتوسل كل منهم بعمل صالح حتى يفرج عنهم، و في إقرار من النبي (صلى الله عليه و سلم) لذلك، وقد كان يمكن لهم لو كانوا يناقشون القضية باعتبارها من فروع الفقه أن يدعوا أن منع التوسل والاستغاثة قد ورد بدليل عام، وأن التوسل بالعمل الصالح، والأحياء قد استثني بدليل خاص لكن لأن القوم يعتبرون المسألة من أصول العقيدة لم يمكنهم ذلك، لأنه لا يمكن استثناء شيء بالعبادة دون الله، لكن لما كان القوم يريدون أن ينصروا مذهب شيخيهم ابن تيمية و ابن عبد الوهاب، فقد تكلفوا هذه التفرقة المستغربة، ولو أن الحق كان أحب إليهم مما عداه، وقول النبي (صلى الله عليه و سلم) أحق عندهم بالاتباع من قول سواه لما احتاجوا أن يتأولوا حديث النبي (صلى الله عليه وسلم ) ودعاءه الذي علمه للأعمى على هذا التأويل المتكلف، بالتفرقة بين حالي النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحياة والموت، رغم أن المتوسل به هو النبي (صلى الله عليه و سلم)، أما المتوسل إليه فهو الله الحي الذي لا يموت، و مقام النبي (صلى الله عليه وسلم) عند الله ما تغير فيما بين كونه في الدنيا، و بعد أن اختاره المولى إلى الرفيق الأعلى، و رغم أن القوم يجزعون من تأويل النصوص جزعا، و يفرقون منه فرقا، و يشنعون على من تأول اليد، والقدم، والجهة ، والوجه، والاستواء ،و النزول، لكنا نراهم يسرعون للتأويل عندما يخالف النص أهواءهم، بل يقعون في الاستهزاء بكلام النبي (صلى الله عليه وسلم)، فنجد من يتجاسر في بعض منتدياتهم على عنونة بعض المشاركات "الرد على شبهة حديث الأعمى، فهكذا يصير كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) الشبهة، و قول مشايخهم القول الفصل المفصل، و لو كان توقيرهم لصحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي تمتليء به أدبياتهم لسان حال لا لسان مقال فحسب لانصاعوا لإجماعهم على التوسل بمن يظن صلاحهم الثابت من توسلهم بالعباس عم النبي (صلى الله عليه و سلم) من غير نكير مروي من أحد منهم، و لما فرقوابغير دليل بين كون الصالح بين الأحياء، أم في الأموات، و العجب أنهم استخدموا توسل الصحابة بالعباس دليلا على عدم جواز التوسل بالأموات لأن عمر والصحابة ما توسلوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) رغم أن مجرد القيام بالعمل على وجه ما لا يدل على إنكار العامل غيرذلك من الوجوه مثل أن ما روته السيدة عائشة من أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يزيد في تهجده بالليل عن إحدى عشرة ركعة لا يدل على كراهية القيام بأكثر من ذلك، كما أن التوسل بالعباس (رضي الله عنه) يتضمن في ذاته توسلا بالنبي (صلى الله عليه و سلم) لأنهم ما اختصوا العباس بذلك إلا لكونه أقرب القوم نسبا من النبي (صلى الله عليه وسلم) رغم أنه كان في القوم وقتها من كان أقدم من العباس إسلاما، و ألصق بالنبي (صلى الله عليه وسلم) صحبة، و أكثر منه جهادا.
    و الحق أنهم يعللون التفرقة بين الحي والميت بعلل لا تستقيم في ذهن من له أدنى قدر من التمييز لكنه الهوى و التعصب للأشياخ حين يستبد بالإنسان، فمنها أن الحي يرجى منه النفع و الضر بإذن الله ، أما الميت فلا ، و كأن النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو حي كان يقدر بذاته البشرية أن يعيد بصر الأعمى، و إنما الشفاء من الشافي، أو أن العباس الحي كان يقدر أن ينزل الغيث، و إنما نزول الغيث من المغيث، لكن التوسل سؤال لله بما للنبي و الولي عنده من المكانة، فلا فرق بين الحي والميت في ذلك ، بل إن الحي الذي نظن صلاحه قد يتبدل حاله ويختم له بسوء، أما الميت، فقد تأكد لنا من سيرته استمرار حاله على الصلاح فيما نعلم حتى توفاه الله ،مما يقوي الظن بأنه ولي لله، و مما يحتجون به أيضا في التفرقة بين الحي و الميت أن الناس قد فتنوا بالأموات و اتخذوهم آلهة مثل ود و صواع ويغوث ويعوق و نسرا كانوا فيما يروى عبادا صالحين ثم ألههم قومهم، و مثلما وقعت الفتنة بالعزير والمسيح بعد رفعه و هو شبيه بالميت في غيبته عن الأنظار، و إنما الأحياء لا يفتَن بهم عادة من هذه الجهة لكون طبيعتهم البشرية ظاهرة ، فنقول قد وقع الافتتان بالأحياء أيضا مثلما حدث مع فرعون ، و نمرود،و الاسكندر الأكبر و قد تألهوا في حياتهم و عبدهم خلق كثير، بل ومثلما وقع من بعض الناس من تأليههم عليا في حياته على ما يروى، و مثلما وقع بعضهم في تأليه الفاطمي الحاكم بأمر الله وقد كان حيا، و مثلما كان يعتقد أهل اليابان و الصين حتى زمن قريب بألوهية أباطرتهم. و مما يحتجون به أيضا في التفريق بين الحي و الميت أن الأحياء يسمعون و الموتى لا يسمعون، و دليلهم في ذلك قول الله تعالى " وما أنت بمسمع من في القبور" ، و أنا لا أريد أن أدخل في جدلية هل يسمع الموتى الأحياء أم لا؟ و اختلاف الأدلة في هذا، فلنسلم لهم بما قالوه، ولنسألهم ، وبماذا يفيد أن يكون المتوسل به سميعا أم غير سميع، وقد قلنا أن الدعاء لله، والوسيلة إليه، و ليس للمتوسل به من أمر الإجابة شيء، وحتى عند الاستغاثة بالقول "يا محمد" لا يقصد المستغيث أن يسمع المستغاث به القول بأذني رأسه، فما طلب النبي من الأعمى أن يقول الاستغاثة أمامه أو في موضع بحيث يسمعه.
    و الحق أن ادعاء كون التوسل هو من باب قول المشركين "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" سوء قراءة، و قلة فهم لأنهم قالوا ما نعبدهم، و لم يقولوا ما نتوسل بهم إلا ليقربونا من الله زلفى، ذلك أن الكفار كانوا يعتقدون أن لشفعائهم ألوهية حقيقية، وهذا منصوص عليه في القرآن في مواضع عدة نذكر منها قوله تعالى: "و اتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا" ، و قوله: "و اتخذوا من دون الله آلهتة لعلهم ينصرون" ، و قال على لسانهم "أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب"، و كانوا يعتقدون أن لهذه الآلهة قدرة مستقلة على النفع و الضرر، وهذا جلي من قوله تعالى "لعلهم ينصرون.لا يستطيعون نصرهم" ، اما قولهم ما نعبدهم إلا ليقربونا من الله زلفى" فمخالف بالكلية لحال المتوسل من المسلين لأن المتوسل ما اعتقد بألوهية المتوسل به، وما توجه إليه بالعبادة، كحال مشركي العرب مع آلهتهم المزعومة، و قوله ليقربونا من الله زلفى" فلأنهم كانوا يظنون أن في عبادتها قربة لله وذلك لاعتقادهم أن الآلهة المزعومة مثل مناه و اللات و العزى بنات الله، و اعتقادهم في شفاعة معبوداتهم، مخالف لاعتقاد أهل الملة في الاستشفاع بالأنبياء و الصالحين، فهم اعتقدوا أن لشركائهم مع الله قول، ولهم عليه حق لازم يشفعون به، أما أهل الإسلام فلم يتردد أحد في الاعتقاد في أن من يستفع به من ولي أو نبي عبد لا يملك في ملك الله شيئا، إنما له عند الله محبة و كرامة، والقرآن ما أنكر الشفاعة بالإطلاق، وإنما أنكرأن تكون بغير إذن الله أو لحق للشفيع على الله واجب أن يلتزمه يقول الله تعالى: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" و بمثل ظن من يكفرون بالتوسل وقع بعض الناس في إنكار الشفاعة في الآخرة للنبي (صلى الله عليه وسلم) ثم للملائكة،و للصديقين، والشهداء، والصالحين، رغم ما ثبت من ذلك بالنص لأنهم قالوا إن ذلك مثل قول الكفار في معبوداتهم "هؤلاء شفعاؤنا عند الله" وما فطنوا للفارق بين مفهوم الشفاعة الشركي و المفهوم الإسلامي ،هذا خلاصة ردنا على ما ذهبوا إليه في التوسل
    الرد على أقوالهم في التكفير بالاستغاثة: أما زعمهم بأن الاستغاثة بالأنبياء والأولياء، ونداءهم مثل "يا رسول الله، ويا حسين، ويا شافعي" من الدعاء الذي هو العبادة، فمرده للخلط بين الدعاء بالمعنى الشرعي ، والدعاء بالمعنى اللغوي، فالدعاء بالمعنى الشرعي الذي هو الحديث إلى الإله من حيث أنت عبد ، وهو رب، وهو يشمل توحيده و الثناء عليه، و يشمل مسألته العفو والرحمة، ومسألته المنافع على ما جاء في لسان العرب و هذا المعنى لا يجوز صرفه إلا للرب، أما الدعاء لغة فهو محض النداء، و هو قد يعني طلب الاستعانة بالشخص، مثل "إذا رأيت العدو فادع المسلمين"، أي استعن بهم، فهذا جائز أن يوجهه الإنسان لأي مخلوق طالما لم تنصرف نيته إلى المعنى التعبدي الشرعي، و لا يقال أن كون المخلوق ميتا فذلك دليل على أن الداعي يقصد المعنى التعبدي الذي لا يجوز صرفه لغير الله ، لان هذا تحكم بغير دليل، وحمل لكلام المسلمين على أسوأ النوايا يدل على سوء الظن بهم و كفى به إثما، وسواء قلنا أن هذا النداء الاستغاثي للنبي، أو الولي الميت مسموع مرجو النفع، أو قال البعض أنه غير مسموع ولا مرجو النفع، فليس فيه ما يكفر طالما لم تنصرف نية المستغيث به إلى المعنى التعبدي للدعاء، كما لو قال شخص لأمي أعني على أقرأ علي هذا الكتاب، فما استطاع الأمي أن يقرأ له فإن دعاءه لهذا الأمي يظل مباحا من الناحية الشرعية، و لا يدخل به في الشرك، فطالما أن الاستغاثة بالميت على معنى الطلب من عبد الإعانة لا على معنى الإستجداء من رب الإجابة فلا باب للقول بالوقوع في الشرك سواء نفعت تلك الاستغاثة أم لم تنفع.
    أقوال العلماء في التوسل و الاستغاثة: يمكن أن نقسم التوسل إلى ثلاثة أنواع،
    الأول : التوسل بالعمل الصالح، و هذا مجمع علي جوازه بين العلماء، وقال البعض يستحب، و من ذلك أن يتوسل بصلاته، أو صدقته، أو صلاته على النبي (صلى الله عليه وسلم)، أو طلبه للعلم، أو غير ذلك ، ومن الصور التي أوجدها المسلمون تاريخيا لهذا النوع من التوسل ما اعتاده كثير من العلماء خلال بعض فترات التاريخ الإسلامي من إقامة المجالس عند وقوع البلاء ، أو خوف عدو من الكفار لقراءة القرآن، أو صحيح البخاري، أو قراءة بعض كتب العلم مثل قراءة فقهاء الأحناف لمتن القدوري المعروف بالكتاب، وهو من المتون الأساس في مذهبهم، متوسلين بهذه الأعمال الصالحة لله -تعالى- في حاجة المسلمين من رفع بلاء أو جلب نصر ورخاء.
    أما النوع الثاني فهو التوسل بالنبي (صلى الله عليه و سلم) و الاستغاثة به، و كلاهما مشروع مستحب عند جماهير علماء الأمة ، وذلك لما ورد من حديث دعاء الأعمى الذي أشرنا له سابقا، و لاعتياد المسلمين الاستشفاع و التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) من غير إنكار من العلماء جيلا بعد جيل، بل أكدوا مشروعية ذلك وأثبتوا أدعية منها في كتبهم إلى أن خالف في ذلك ابن تيمية (و هو من وفيات المائة الهجرية الثامنة) و من تابعه، بل و أنكروا مشروعية زيارة القبر الشريف بالكلية، و أكاد أقول إن قولهم على كثرتهم في الزمن الأخير لا يؤثر في انعقاد الإجماع العلمي على خلافه لاتفاق علماء الأمة جيلا بعد جيل على عكسه، ولعدم قبول جمهور العلماء المجايلين لابن تيمية و اللاحقين له واستنكارهم قوله، يقول الإمام ابن حجر: "و هذا من أشنع الأقوال المروية عن ابن تيمية"، و مما صح في إجازة ذلك من المروي عن علماء المذاهب المعتمدة ما رواه القاضي عياض المالكي في الشفا، و القسطلاني في المواهب عن مالك، واتفق على تصحيح سنده الزرقاني، وابن حجر" أن مالكا رضي الله عنه لما سأله أبو جعفر المنصور يا أبا عبد الله: أأستقبل رسول الله صلى الله عليه سلم أم استقبل القبلة وأدعو؟ فقال الإمام مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك أدم عليه السلام إلى الله عز وجل يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفع فيك"، ومنها ما قال ابن الحاج المالكي في كتابه المدخل في فضل زيارة القبور"(وَأَمَّا عَظِيمُ جَنَابِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فَيَأْتِي إلَيْهِمْ الزَّائِرُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ قَصْدُهُمْ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ ، فَإِذَا جَاءَ إلَيْهِمْ فَلْيَتَّصِفْ بِالذُّلِّ ، وَالِانْكِسَارِ ، وَالْمَسْكَنَةِ ، وَالْفَقْرِ، وَالْفَاقَةِ، وَالْحَاجَةِ ، وَالِاضْطِرَارِ ، وَالْخُضُوعِ وَيُحْضِرْ قَلْبَهُ وَخَاطِرَهُ إلَيْهِمْ ، وَإِلَى مُشَاهَدَتِهِمْ بِعَيْنِ قَلْبِهِ لَا بِعَيْنِ بَصَرِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَبْلَوْنَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ ، ثُمَّ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَيَتَرَضَّى عَنْ أَصْحَابِهِمْ ، ثُمَّ يَتَرَحَّمُ عَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، ثُمَّ يَتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِمْ فِي قَضَاءِ مَآرِبِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ وَيَسْتَغِيثُ بِهِمْ وَيَطْلُبُ حَوَائِجَهُ مِنْهُمْ وَيَجْزِمُ بِالْإِجَابَةِ بِبَرَكَتِهِمْ وَيُقَوِّي حُسْنَ ظَنِّهِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ بَابُ اللَّهِ الْمَفْتُوحِ، وَجَرَتْ سُنَّتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَبِسَبَبِهِمْ"علما أنه لم يصح موضع قبر من قبور الأنبياء المزعومة بشكل مؤكد إلا موضع قبر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).
    وقد اقترح عبد الله بن محمود بن مودود الحنفي في الاختيار لتعليل المختار ، وهو من الكتب الأساس في فقه الأحناف دعاء يقال عند القبر الشريف، و لأن من هم من طبقة ابن مودود من الفقهاء لم يكونوا يرون لأنفسهم الاجتهاد، فنحن نظن أن دعاءه هذا قد رواه عن بعض متقدمي أهل المذهب، وفيه ،: "و قد جئناك من بلاد شاسعة، وأمكنة بعيدة ، نقطع السهل و الوعر، نقصد زيارتك، لنفوز بشفاعتك، و ننظر إلى مآثرك، و نقضي بعض حقك، و الاستشفاع بك إلى ربنا، فإن الخطايا قد قصمت ظهورنا، و الأوزار قد أثقلت كواهلنا، وأنت الشافع المشفع الموعود بالشفاعة العظمى ، والمقام المحمود، والوسيلة، وقد قال الله تعالى: "ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله و استغفر لهم الرسول لوجودا الله توابا رحيما" وقد جئناك ظالمين لأنفسنا، مستغفرين لذنوبنا، فاشفع لنا إلى ربك، واسأله أن يميتنا على سنتك، وأن يحشرنا في زمرتك، وأن يوردنا حوضك، وأن يسقينا بكأسك غير خزايا، ولا ندامى، الشفاعة الشفاعة الشفاعة يا رسول الله"
    و هذا دعاء صريح في التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) و في الاستغاثة به بتوجيه الخطاب إليه مباشرة،أما عند الشافعية فنكتفي بان نذكر ما جاء في المجموع للنووي وهو من أهم كتبهم المعتمدة في باب زيارة قبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول: "ثم يرجع إلى موقفه الأول قُبالة وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه"، و قد جاء في أذكار النووي:"اعلم أنه ينبغي لكل من حجّ أن يتوجه إلى زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن، فإن زيارته صلى الله عليه وسلم من أهمّ القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات"
    أما عند الحنابلة ، والذين يفترض أن منكري التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) على مذهبهم فيكفي في ذلك برأي الإمام ابن قدامة المقدسي مصنف الفقه الحنبلي الأول، والأكثر اعتمادا عندهم ، يقول ابن قدامة في الشرح الكبير على المقنع في باب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم):" يقول : (اللهم إنك قلت وقولك الحق : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته"
    و يقول المرداوي في الإنصاف:"قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ :" يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ"
    فهل تترك سنة النبي العدنان (صلى الله عليه وسلم)،وأقوال هؤلاء الفحول الأعلام، واتفاق المذاهب الأربعة الكبار لرأي شاذ حادث استشنعه جل من سمعه إلا من ابتلي بحب شيخ مذهبه الحب الذي يعمي ويصم عن الحق؟
    أما الوجه الثالث من التوسل، و الاستغاثة، فبمن يظن صلاحهم، و ولايتهم، و المشهور من مذهب الشافعية جواز ذلك يقول ابن الصلاح الشافعي أستاذ النووي في أدب المفتي "كرامات الأولياء من أمته وإجابات المتوسلين به في حوائجهم ومغوثاتهم عقيب توسلهم به في شدائدهم براهين له صلى الله عليه وسلم قواطع ومعجزات له سواطع ولا يعدها عد ولا يحصرها حد أعاذنا الله من الزيغ عن ملته وجعلنا من المهتدين الهادين بهديه وسنته."
    و روي منع ذلك عن العز بن عبد السلام
    أما الحنابلة فقد ذكر المرداوي أن التوسل بالرجل الصالح مشروع عندهم على الرأي المنصور في المذهب، يقول في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، وهو ثاني أهم كتب الحنابلة بعد المغني: "(يَجُوز التوسُّل بالرجل الصالح ، على الصحيح من المَذْهَب . وقيل يُسْتَحب"
    أما عند الأحناف فقد ورد في متن الكنز للنسفي ما تعلق به المكفرون بالتوسل، و هو ما ورد في في كتاب الكراهية من كراهية الدعاء بمعقد العز من عرشك، و بحق فلان، وقد أوضح الطوري في تكملة البحر الرائق بشرح كنز الدقائق أن كراهية الدعاء بمعقد العز، و في صيغة أخرى بمقعد العز من العرش ما يمكن أن يتطرق لوهم الجاهل من ارتباط عز الرحمن بالعرش، وأن عزه معقود به على الصيغة الأولى، و أو أنه قاعد عليه على الصيغة الثانية، و أوضح مع ذلك أن أبا يوسف قال بجواز ذلك لورود النص بالدعاء بذلك {على ضعفه}، أما كراهية الدعاء بحق فلان، فهي لدفع الوهم في تصور أن لمخلوق حق عند الله (أي حق لازم واجب عليه وجوب الإلزام)، أما التوسل بفلان مباشرة فلم يكره عند الأحناف، وكذا التوسل بكرامة فلان لوضوح هذه الصيغ، فعلى شرح الطوري هذا يتضح أن الكراهية ليست كراهية للتوسل في ذاته، و إنما لبعض الصيغ التي قد توحي بمعان غير موافقة للشرع، والواجب عند تفسير كلام الأئمة الرجوع إلى أهل مذهبهم لأنهم أعلم بمقاصد إمامهم الرأي عندي أن الإمام قد أفتى بذلك لكثرة أهل الأهواء و البدع في العقيدة من المجسمة، و من هم حديثي عهد بإسلام في زمانه بالكوفة، و كتب السادة الأحناف ممتلئة بتوسلات بالنبي و آله و صحابته في مقدماتها بما يرفع أي شك عن أن تحريم التوسل من مذهبهم، والعجب أن يتمسك أهل التكفير بالتوسل والاستغاثة بكلام للإمام أبي حنيفة و يتركون ما تقرر في مذهبهم على ما أوضحه المرداوي في الإنصاف، مع تعمدهم الغض من شأن الإمام الأعظم في سياقات أخرى، و الطعن فيه تعريضا، وتصريحا.
  • همام ابراهيم طوالبه
    طالب علم
    • Jun 2007
    • 95

    #2
    ألا ترى معي أن هناك فرقا عند العلماء:

    بين التوسل والاستغاثة ؟

    بين التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوسل بغيره؟

    وغيرها من الفروع

    لذا فإني أعتقد

    أن من أسباب الإشكال والحدة والتعصب في الأمة

    هذا التعميم في الأحكام وهذا الخلط بين المسائل
    ( ولا تقف ما ليس لك به علم
    إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )

    تعليق

    • أحمد عدلي وصفي
      طالب علم
      • Aug 2012
      • 20

      #3
      أعتقد أن الموضوع كان واضحا في التفرقة بين التوسل و الاستغاثة، كما كان واضحا في التفرقة بين التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبغيره، حتى أنني فرقت بينهما وناقشت كل موضوع تحت عنوان فرعي مستقل فلا أدري كيف رأيتم هذا التعميم و الخلط , و أوردت الأدلة على أن التوسل والاستغاثة بالنبي (صلى الله عليه وسلم ) جائزة في المذاهب الأربعة لم يشذ إلا أصحاب ابن تيمية من الحنابلة و زعمت أن قولهم لا يؤثر في الإجماع على خلافه لعارضته ما استقر عليه كل أهل العلم المعتبرين قرونا من جواز التوسل والاستغاثة بالنبي حتى أن الأدعية في ذلك أثبتت في أبواب الحج والعمرة و الزيارة في جميع كتب المذاهب المعتمدة عندهم كما بينا، أما التوسل بالصالحين فقلنا أن هناك خلافا فيه، و أن هناك من قال بعدم جوازه من أمثال العز بن عبد السلام، و غيره، لكن قلنا أن أكثر العلماء على القول بجوازه كما بينا، و هذه المسألة من خلافيات الفروع، و الرأي عندي أن من أسباب الحدة و التعصب في الأمة إصرار البعض على مناقشتها ضمن الأصول العقائدية..
      تقبل تحياتي

      تعليق

      • همام ابراهيم طوالبه
        طالب علم
        • Jun 2007
        • 95

        #4
        أخ أحمد...

        اعتذر منك فأقول: غير واضح...

        تأمل رعاك الله:

        هل هناك فرق شرعي أو خلاف فقهي بين قول الداعي: اللهم إني أسألك بجاه فلان، وقوله: يا فلان؟
        وهل النصوص الشرعية والنصوص الفقهية التي نقلتها تؤيد كلا الأمرين؟

        ثم...

        بما أنك بحثت في هذه المسألة:
        هل وقفت على أقوال العلماء في مسألة نداء المقبورين؟ وأنا هنا لا أسأل عن التوسل

        هل هناك من الفقهاء من أنكر مشروعية التوسل بالصالحين، وقصر جوازه على النبي صلى الله عليه وسلم؟
        قلت: نعم، فهل خلاف من خالف مقبول شرعا؟ الأصل: نعم
        فما مبنى كلامهم وعلته؟ وما دليله؟
        وهل هناك فرق بينه وبين كلام الوهابية من جهة العلة والدليل؟
        ولماذا قبلت كلامهم دون الوهابية؟

        وقد أنكرت على الوهابية قولهم:
        "التوسل و الاستغاثة بذوات الأنبياء والصالحين شرك"

        ولكنك نقلت أقوالا تبين الجواز عند بعض العلماء خاصة في مسألة التوسل بالصالحين، مع ان هناك من قال بالتحريم
        ألا تعتقد أن الأصل أن نبين ضوابط الحكم بالشرك من عدمه، بدل أن ندخل في حكم فقهي قد اختلف فيه بعض الفقهاء

        فإذا جاء أحدهم وعمم، وأطلق الأحكام، ألا يعد هذا من أسباب الحدة والتعصب!!!
        ( ولا تقف ما ليس لك به علم
        إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )

        تعليق

        • أحمد عدلي وصفي
          طالب علم
          • Aug 2012
          • 20

          #5
          الأخ العزيز:
          أولا : دعني أوضح لك أن المقال لم يكن دراسة فقهية حول التوسل و الاستغاثة، و إنما هو جزء من دراسة حول المفاهيم والممارسات الصوفية، ومحاولة شرحها، وتقييم موافقتها للشريعة الإسلامية، و دعني أوضح لحضرتك بالضبط المقولتين الأساسيتين اللتين تحاجج المقالة عنها: " المقولة الأساسية أن ممارسات الصوفية في التوسل والاستغاثات، موافقة لآراء فقهية معتبرة في عدة مذاهب ، و من المعروف أن الفعل الذي يوافق رأيا فقهيا معتبرا لا يعد منكرا أصلا فضلا عن أن نقول إنه بدعة أو فسق أو كفر أما مدى صحة الرأي الفقهي من عدمه فهو خلاف فقهي لم نقصده هنا سواء كان خلافا داخل المذاهب أو بين المذاهب" فمثلا يرى الأحناف أن من أخرج ريحا في الصلاة، فهو يخرج، ولا يتكلم ، و يتوضأ ثم يبني على صلاته، الجمهور أنه يستأنف، فالحنفي إذا بنى فإن فعله لا يعد منكرا ولا بدعة و لا فسق لانه وافق رأيا فقهيا معتبرا حتى لو لم يكن رأي الجمهور، و ذلك بعكس الرأي الشاذ الذي لا يتابع عليه ، والفرق بينهما يعرف في الأصول، أما المقولة الثانية فهي أن اعتبار مسألة التوسل والاستغاثة من مسائل العقيدة أمر حادث أحرى بأن ينسب هو للبدعة بصرف النظر عن الحكم الفقهي لهذه أو تلك
          ثانيا: إذا ثبت أن الاستغاثة بالنبي (صلى الله عليه وسلم) مقبولة عند جمهور علماء المذاهب الأربعة على ما أثبتنا من أدعية في كتبهم توجهوا فيها بالطلب مباشرة من النبي (صلى الله عليه وسلم) فهذا يثبت أن الإستغاثة بأي أحد ليست دعاء تعبديا على الوجه الذي يكون شركا لأنها لو كانت كذلك في حق أي مخلوق لكانت كذلك في حق النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنه لا يجوز صرف أي عبادة إلى غير الله ولو حتى للنبي (صلى الله عليه وسلم)
          أما ضوابط الشرك فهي ثابتة مقررة في كتب علماء العقيدة و مروية عن أكابر أهل السنة والجماعة، وقد اتفق أهل الحديث منهم ، والأشاعرة، أن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، و أقر بالنبوات، و الكتب ، و الملائكة، والبعث الآخر، والجنة و النار ، والقدر بصفة عامة (بصرف النظر عن الإختلاف فيه مفهومه) ، و أقر بفرضية الصلاة والزكاة، والصيام، والحج أن ذلك المسلم الذي لا يجوز رميه بالكفر، و تجري عليه أحكام المسلمين في الدنيا حتى و ارتكب كبيرة مجمع على كونها كذلك فما بالنا بفعل تقر حضرتك أنه مختلف على تحريمه، وما رأى أحد المتوسل أو المستغيث مشركا قبل ابن تيمية، فهل يعني ذلك أن المسلمين ظلوا ثمانمئة عام و هم ليسوا على شيء

          تعليق

          • همام ابراهيم طوالبه
            طالب علم
            • Jun 2007
            • 95

            #6
            أخ أحمد...

            دعنا نقرر أولا:
            ليس كل من حرم الاستغاثة أو التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم، يكون معاديا للتصوف
            بل ليس كل من حرم التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذا لم يثبت عنده إجماع الفقهاء، يكون معاديا للتصوف
            فهذا مبحث فقهي فيه من يحرم وفيه من يحلل

            والعبرة بموافقة هذا الاجتهاد لقانون فهم الإسلام (علم أصول الفقه)

            وهذا لا يعني أنني أقرر ما أعتمده في مسألة التوسل والاستغاثة هنا
            فهذا له مقام آخر

            ولكن ما يهم هنا القول بأن ...
            التصوف هو غير هذه المسائل الفقهية

            ودعنا نقرر أيضا:
            محل إنكارنا على أهل التكفير من الوهابية هو الحكم بالكفر والشرك على من تلبس بالتوسل أو الاستغاثة لمجرد التوسل والاستغاثة
            فإنكارنا على إدخال مسألة التوسل والاستغاثة في دائرة العقيدة (كفر وإيمان) لا في دائر الفقه (حرام وحلال)

            فعلينا أن نحدد بالضبط محل الإنكار
            ليسهل علينا التعامل معه

            يتبع
            ( ولا تقف ما ليس لك به علم
            إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )

            تعليق

            • همام ابراهيم طوالبه
              طالب علم
              • Jun 2007
              • 95

              #7
              أخ أحمد...

              أما عن مقاصدك

              فمقصدك الأول:
              "ممارسات الصوفية في التوسل والاستغاثات، موافقة لآراء فقهية معتبرة في عدة مذاهب"

              فهذا لم يكن واضحا بالنسبة لي... وأشكرك على التوضيح
              ويحسن بك إن أردت نقل هذه الرسالة أو نشرها مرة أخرى
              يحسن بك أن تشير إلى هذا المقصد بوضوح في أول الكلام

              ولكن دعني أنبه إلى قضية:
              قلت: آراء فقهية معتبرة
              وقلت بعدها: الرأي الشاذ

              وأقول:
              ليس كل رأي فقهي يكون معتبرا
              وأنت تعلم أن بعض الآراء الفقهية نقلت عن الصحابة، ومع ذلك أعتبرت شاذة

              فما هو الميزان الذي على أساسه نعتبر الرأي الفقهي معتبرا أو شاذا؟
              ما هو الميزان الذي نحكم به؟

              وربما يقال لك: إن هذه آراء شاذة (أي جواز التوسل والاستغاثة)،

              ولذا فلا يعد نقلك لآراء الفقهاء وحده كافيا، إلا إن وقفت على الميزان المعتبر في هذا

              أما قصدك الثاني:
              "أما المقولة الثانية فهي أن اعتبار مسألة التوسل والاستغاثة من مسائل العقيدة أمر حادث أحرى بأن ينسب هو للبدعة بصرف النظر عن الحكم الفقهي لهذه أو تلك"

              ألا تعتقد معي أن هذا المقصد يحتاج إلى بسط وتفصيل أكثر؟
              فكيف نحكم على مسألة ما بأنها مسألة فقهية أو مسألة عقائدية؟
              وهذا في نظري هو لب البحث وأساسه

              وأخيرا:
              قلت: "الاستغاثة بالنبي (صلى الله عليه وسلم) مقبولة عند جمهور علماء المذاهب الأربعة"

              لو تفضلت بذكر النصوص الدالة على ذلك، فكل ما ما نقلته من نصوص يمكن أن يحمل على التوسل لا الاستغاثة
              فبغض النظر عن موقفي من الاستغاثة
              فإني أحب أن أطلع على نصوص واضحة للفقهاء في المسألة

              وقد أشار قولك:
              "وما رأى أحد المتوسل أو المستغيث مشركا قبل ابن تيمية"

              أشار قولك هذا إلى أن الشيخ ابن تيمية كان يحكم بالشرك على المتوسل والمستغيث
              فهلا نقلت لنا نصوصه في هذا، لتكتمل الصورة
              أم أن الحكم هذا لم يكن من أقوال الشيخ ؟

              واعلم
              أني لا أريد إلا المباحثة
              والاستدراك على مبحث مهم
              له أثر كبير على وحدة الأمة واجتماع كلمتها
              الذي نطمح إليه بشرط الفهم الصحيح للإسلام كما أنزله الله تعالى

              دمت بود
              ( ولا تقف ما ليس لك به علم
              إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )

              تعليق

              • أحمد عدلي وصفي
                طالب علم
                • Aug 2012
                • 20

                #8
                الأخ العزيز همام
                السلام عليك
                أما قولك :"دعنا نقرر أيضا:
                محل إنكارنا على أهل التكفير من الوهابية هو الحكم بالكفر والشرك على من تلبس بالتوسل أو الاستغاثة لمجرد التوسل والاستغاثة
                فإنكارنا على إدخال مسألة التوسل والاستغاثة في دائرة العقيدة (كفر وإيمان) لا في دائر الفقه (حرام وحلال)

                فعلينا أن نحدد بالضبط محل الإنكار
                ليسهل علينا التعامل معه"فهو صحيح تماما، و كنت قد أوضحت ذلك في بقية لمقالي تحت عنوان "الخلاصة" لكن عن رفعها على المنتدى ظهرت لي رسالة خطأ لطول الموضوع عن 20000 كلمة فقمت بحذف الجزء الأخير منه، و لعل هذا سبب لسوء الفهم من بعض القراء
                لكن دعني أضيف مسألة أخرى يجب أن تكون محل إنكار، وهي اعتبار مسألة خلافية من مسائل التحريم المقطوع به المجمع عليه، مثل الزنا و الكذب، و السرقة، ولعلنا نعلم جميعا أن دائرة المحرمات المجمع عليها المقطوع بحرمتها ضيقة إلى حد ما مقارنة بالمختلف في حكم تحريمه، فإذا كان أكثر الكوفيين من الفقهاء قد ترخصوا في بعض المسكرات فيما دون حد الإسكار، فهذا يدل على أن تراثنا الفقهي في عصوره الذهبية كان يتسع لطيف واسع من الاجتهادات، الواجب علينا ألا نخالف ما استقر عليه علماء الأمة المتقدمين فما جعلوه من مسائل الخلاف نجعله كذلك، وما جعلوه من مسائل الإجماع نجعله كذلك ، وما جعلوه من مسائل العقيدة نجعله كذلك/ بذلك ينتفي أهم أسباب الخلاف بين الأمة، و بذلك أيضا نكون حققنا المفهوم الحقيقي للسلفية.
                أما بالنسبة للفارق بين الرأي المعتبر و الرأي الشاذ فتفصيل الكلام فيه في علم أصول الفقه، و الحاصل أن "الرأي الشاذ هو ما انفرد به واحد أو نفر قليل من المجتهدين، من غير أن يوافقوا في ذلك رأيا لسلفهم من أهل الاجتهاد، و لا يوافقهم عليه سائر مجتهدي زمانهم ، ولا يتابعهم عليه أكثر أهل العلم اللاحقين المناظرين لهم في درجة الاجتهاد"،و الأمثلة الشهيرة للآراء الشاذة أقوال ابن عباس الشاذة الثلاثة المعروفة في الترخص في نكاح المتعة، و قيل أنه رجع عنه، و الترخص في الجمع بين الصلاتين في الحضر بغير خوف ولا عذر، و قوله في مسألة عول الفرائض،و شذوذ البعض بالقول بنسخ المسح على الخفين، و قول الأصم بتحريم الإجارة، و القول الشاذ المنسوب لمالك في اباحة مجامعة النساء في الأدبار، و هو الرأي الذي لم يتابعه عليه أحد من المالكية، وأنكروا نسبته إليه، وهو يروى عن نافع وعن ابن عمر أيضا، و أشباه ذلك، و الرأي الشاذ إما يأتي من غير دليل معتبر، أو تأسيسا على دليل حدث الاتفاق على نسخه ، أو تأويله على غير ما تأوله به صاحب الرأي الشاذ.
                و لقد زعمت أن قول ابن تيمية بتحريم التوسل و الاستغاثة بالنبي (صلى الله عليه وسلم) قول شاذ لأنه لم يؤثر عن أحد من السلف من أهل الاجتهاد المعتبرين، ولم يقبله منه مجايلوه من العلماء، و لم يتابعه عليه أحد يذكر من العلماء لقرون حتى ما كان من أمر الشيخ ابن عبد الوهاب والوهابية.
                أما بخصوص الاستغاثة بالنبي (صلى الله عليه و سلم) ففي ما أوردنا من نصوص ما يدل عليه، مثل ما صرح به ابن الحاج الفاسي المالكي في المدخل و أثبتناه في مقالتنا :وَيَسْتَغِيثُ بِهِمْ وَيَطْلُبُ حَوَائِجَهُ مِنْهُمْ (أي الأنبياء)
                و ما أوردناه نقلا عن الاختيار لابن مودود الحنفي:الشفاعة الشفاعة الشفاعة يا رسول الله"
                و ما أوردناه من الشرح الكبير على المقنع لابن قدامة و فيه توجيه الكلام مباشرة للنبي (صلى الله عليه و سلم):أتيتك مستغفراً من ذنوبي
                و أوضح من ذلك ما قاله تاج الدين السبكي الحافظ والفقيه الشافعي الكبير:"اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل ، والإستغاثة ، والتشفع بالنبي(ص)الى ربه سبحانه وتعالى .وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين ، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين ، وسير السلف الصالحين ، والعلماء والعوام من المسلمين . ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ، ولا سمع به في زمن من الأزمان ، حتى جاء ابن تيمية" أورد ذلك في كتابه شفاء السقام الذي ألفه خصيصا للرد على ابن تيمية.
                ثم أن المخالف (الوهابية) لم يفرق بين الاستغاثة والتوسل بل جمع بينهما في الحكم بالحرمة، و نسبة فاعلهما للشركية، فلماذا نتكلف عناء التفصيل، والقضية واحدة من وجهة نظره، ونظرنا.

                أما بالنسبة للتفرقة بين ما عو عقائدي، وما هو فقهي فما نعتقد أننا بحاجة لإعادة اختراع العجلة بعد أن تم اختراعها بالفعل، فكتب العقيدة تحدد الموضوعات التي تندرج تحت باب العقائد و تناقشها بالتفصيل، ويكفي أن نعود إلى أي كتاب منها سواء كتب على طريقة المتكلمين الأشاعرة أو الماتريدية، أو حتى المعتزلة ككتاب المغني في أبواب التوحيد و العدل للقاضي عبد الجبار المعتزلي، أو ما كتب منها على طريقة المحدثين مثل العقيدة الطحاوية لنعرف ما هي قضايا العقيدة، و لن نجد في كل ما ألف قبل ابن تيمية من يناقش مسألة التوسل والاستغاثة في العقائد.
                أما بخصوص نسبة ابن تيمية المتوسل و المستغيث إلى الشرك فهي شائعة عن ابن تيمية لا ينكرها أنصاره، ولا خصومه، وهو و إن لم يكن يصرح بأنهما كافران خارجان عن الملة ، فقد نسبهما إلى الخروج عن مقتضى التوحيد و هو ما مهد لمن بعده من التكفيريين أن يصرحوا بما عرض به، و المعروف أن الآراء الذائعة المشهور نسبتها لأصحابها لا تحتاج للتدليل و الاستشهاد، فيكفي للشخص أن يقرر أن أبا حنيفة و مالكا لم يقولا بخيار المجلس في البيوع على سبيل المثال، وأن الشافعي و أحمد قالا به من غير استشهاد لأن هذه الآراء عنهم مشهورة مقررة من أتباعهم و مخالفيهم مع ذلك فنقول أن فتاوى ابن تيمية مليئة بالتصريح بنسبة المتوسل بذات الأنبياء و الصالحين إلى الشرك ، وتشبيههم بالكفار، و نكتفي هنا بنقل هذا النص: "الزيارة البدعية فمن جنس زيارة النصارى مقصودها الاشراك بالله، مثل طلب الحوائج منه (أي الميت)، أو به أو التمسح بقبره أو تقبيله أو السجود له، فهذا كله لم يأمر به الله ولا رسوله، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين ، ولا كان أحد من السلف يقعله عند قبر النبي (صلى الله عليه وسلم ولا غيره.."
                فانظر كيف نص على بدعة التوسل و الاستغاثة ، وزعم أن قصد الزائر للقبر متوسلا الإشراك بالله ، وسوى بين التوسل والاستغاثة أي طلب الحوائج به وطلب الحوائج منه، و زعم أن أئمة الأمة ما فعلوا من ذلك شيئا ولا استحبوه رغم ما في كتب الآثار مما يخالف قوله، و جعل التوسل و التمسح تبركا و السجود للقبر بابا واحدا. و سوى بين اتيان قبر النبي و بين غيره من قبور الصالحين وقانا الله شر البدع و تكفير المسلمين.

                تعليق

                • أحمد عدلي وصفي
                  طالب علم
                  • Aug 2012
                  • 20

                  #9
                  لمن أراد التوسع في مسألة الرد على أقوال ابن تيمية في مسألة التوسل والاستغاثة نقول إن كتاب تاج الدين السبكي شفاء السقام
                  http://archive.org/details/Shifau_Sigham
                  لم يؤلف مثله قط في ذلك خاصة أن لصاحبه باعا طويلا في الحديث، و الفقه، مما مكنه من الرد على مزاعم ابن تيمية في تضعيف أدلة التوسل والاستغاثة، و مكنه أيضا من مناقشة تحليلات ابن تيمية للأدلة التي يحتج بها من منظور فقهي

                  تعليق

                  • أحمد عدلي وصفي
                    طالب علم
                    • Aug 2012
                    • 20

                    #10
                    ملحوظة ورد أن كتاب شفاء السقام للسبكي الابن المكني بتاج الدين، و الصواب أنه للسبكي الأب المكني بتقي الدين ، فنعتذر للزلة، و كلاهما من أعلام الحديث و الفقه الشافعي ، و وقد ولد كلاهما بمصر وانتقل للشام

                    تعليق

                    يعمل...