العلامة ابن خلدون و دوره في تربية الطفل المسلم ...

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمود محمد المحرزى
    طالب علم
    • Aug 2011
    • 53

    #1

    العلامة ابن خلدون و دوره في تربية الطفل المسلم ...

    بقلم : محمود المحرزي الحسيني


    ( توطئة )




    بسم الله الرحمن الرحيم

    تعيش امتنا العربية و الاسلامية_في وضعها الراهن_ حالة من حالات الصراع الداخلي..خصوصا علي مستوى الفكر; ويعد هذا الصراع _الكائن_ بمثابة المحصلة المنطقية لكل ما لازمنا من تبعات الاستعمار الغربي، هذا الاستعمار الذى ابي ان يغادر هذه البلاد_في صورته العسكرية_دون ان يبذر في تربتها الحضارية(بذور فلسفاته المتناقضة)..تلك الفلسفات التي قام بالتوفر عليها والتفاني في رعايتها رجالاته من :المبشرين، و المستشرقين، و من دان لهم بالولاء..من اصحاب الفلسفات الانهزامية...
    هذا..ويمكن ان نحدد _بصفة عامة_ اشكالات تلك الفلسفات من خلال محتواها ، والذى يحمل بين طياته جمل الخصائص الحضارية لهذا الغرب ، وما تشمله من مضامين _نراها_ تغاير من كل وجه: مضامين حضارتنا العربية الاسلامية التليدة...و يمكن ان نستبين ذلك بوضوح من خلال الدلالات الثقافية لهذا الغرب ، ومدى التباين بينها و بين الثقافة الاسلامية من حيث النظرة الي: الالوهية ، و الكون ، و الانسان..........، و ايضا بما تحمله تلك الثقافة_الوافدة_ من مذاهب اجتماعية و اقتصادية تختلف من حيث : اسسها ، و ركائزها ، و منطلقاتها ،ونظرتها الي الاخلاق و القيم عن ثقافتنا الاصيلة... كما يمكننا التعريف ب(مادة) هذا الصراع _الدائر_ عن طريق تحديد طرفي النزاع : فالوافد الغربي بما يحمله من سياسات الهيمنة ، و فلسفة الاحتواء من جهة!!! و من جهة اخرى :الشرقي الموروث بما يحمله من ثقافة لها اصالتها الذاتية ، و قسماتها الحضارية التي تميزت بها عبر القرون...
    و بحثنا هذا ( ابن خلدون و اسهاماته في تربية الطفل المسلم )..لا يعد مجرد ( ردة فعل ) لتخرصات الغربيين ، او من سار في ركابهم !! كما و انه من الجهة الاخرى لا يسير في نغمة التغني بامجاد السابقين ..و النحيب علي اطلالهم_ و ننوه في الوقت ذاته الي ان دراسة منجزات اعلامنا التربوية ب (دقة ) و ب ( موضوعية ) ، لتزيد من تقديرنا لهم ، و الاعتراف لذويهم._انما يستهدف بحثنا هذا : ابراز خصائص التجديد التربوى بالنسبة للطفل ، و ذلك من خلال استعراض النتاج الفكرى لعلم من اعلام المسلمين ، عاش في القرن الثامن الهجرى !!!! و شهد له المتخصصون _ في الغرب نفسه _ بانه امام و مجدد في بحوث التربية و التعليم ...و سيستبين لنا _بمشيئة الله _ بعد ابراز اسهامات ابن خلدون في تربية الطفل : مدى اهمية دراسة (تراث اعلامنا الفكرى ) _ خصوصا _ ممن عرفو بنزعتهم التجديدية ، تلك الخصيصة التي تميز بها هذا الدين و فارق بها غيره !!!! و التي امتثلت حقيقة في مصادر تشريعاته ، مما جعلها تتصف بالمرونة ، و الصلاحية لكل زمان و مكان....
    و سنمهد في هذا القسم بالتعريف بابن خلدون .. سيرة...و مسيرة...


    .................................................. .................................................. .................................................. ..............................................


    تمهيد*
    ـ التعريف بابن خلدون :


    هو العلامة : ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن ابي بكر ، الشهير بابن خلدون ، و هو جده التاسع ، و مؤسس هذه الاسرة الكبيرة..و ابن خلدون هو احد نجوم اضاءت حلك الليل البهيم ابان ضعف المسلمين ، و تقهقرهم الثقافي و الفكرى ...و احد المنن التي امتن الله _تعالي _بها علي المسلمين في قرنه و وقته .....



    ـ نشاته :

    ولد في تونس ( 732هجريا_1332ميلادية ) ، و نشا في عائلة لهل ميول سياسية ، و مركز اجتماعي و علمي مرموق داخل المجتمع المغربي..حتي كان منهم الوزراء و اصحاب المهمات الخطيرة...و قد دارت بهم صروف الزمان بين علو تارة و هبوط تارة اخرى!!! اما عن والده : فقد ناى بنفسه عن السياسة ، و اشتغل بالعلم الشرعي و اللغة ، و يصفه _ابن خلدون _في كتابه التعريف ( و هو سيرة ذاتية له ) بانه (...نزع عن طريقة السيف و الخدمة الي طريقة العلم و الرباط....) ، و يظهر ان ما كان لهذه الاسرة من مكانة : كان له ابلغ الاثر علي التكوين الفكرى _ المتين _ الذى امتاز به.....
    ـ ثقافته و تعليمه :
    اسرة بهذا المجد و الشرف قد مهدت لابن خلدون سبيل الثقافة الواسعة ، فحفظ القران الكريم في صغره ، و تعلم فنون القراءات و اجادها ، كما عني بدراسة العلوم الشرعية من تفسير و حديث و فقه و اصول.....، و بجانب ذلك فقد الم بعلوم الالات من نحو و صرف و معاني.....، هذا ولم يترك العلوم العقلية!! بل الم بالكثير في الرياضيات و الطبيعة و المنطق و الفلسفة.......، و يظهر لنل من خلال سيرته : ان اهم عوامل تكوين ثقافته هو انه استطاع ان يتتلمذ بطريق _ مباشر او غير مباشر _علي اعيان المغرب ، و فطاحل الاندلس _ خصوصا _اللذين هاجروا الي ( تونس ) عندما تضعضعت الدولة الاسلامية في اسبانيا !!!! هذا..وقد اظهر ابن خلدون من جودة الفهم ، و حسن التلقي ، و البراعة في التحصيل : ما جعل اساتذته يعجبون به كل الاعجاب..و يرضون عنه غاية الرضا..
    ـ حياته العلمية :
    ..حفلت حياة ابن خلدون بالتغيرات الكثيرة ، و لم يستقر به الحال !! خصوصا لاشتغاله اول امره بالسياسة.. فحبس مرات!! و ناله الاذى غير مرة..و قد تقلب في وظائف كثيرة : فمن كاتب للعلامة ( و هو عمل بسيط ) الي مبعوث (سفير ) لابن الاحمر ( صاحب الاندلس ) ، الي ان توجه الي المشرق _مصر _ فتولي القضاء بالجامع الازهر..وهو في كل ذلك متنقلا في البلاد..فكون الصداقات ، و اشترك في مؤامرات !! و كان هذا مبعث الخصومات و مصدر المنافسات...وان لم تخل حياته _ احيانا _ من اسباب الرضا........



    _شخصيته :

    ينقل ( المقرى ) في نفح الطيب..وصفا يعطينا ملامح قريبة لشخصية ابن خلدون ، و هذا علي لسان اخلص اصدقائه و هو ( ابن الخطيب ) ..يقول (..وهو رجل فاضل ، حسن الخلق ، جم الفضائل ،باهر الخصل..ظاهر الحياء ، اصيل المجد ، وقور المجلس ، خاص الزى ، عالي الهمة ، عزوف عن الضيم ، صعب المقادة ....، طامع لفتن الرياسة....،متقدم في فنون عقلية و نقلية..سديد البحث ، كثير الحفظ ، جواد ، حسن العشرة....)


    _ ملخص ما سبق :


    ظهر لنا فيما سبق ان اسفار ابن خلدون الكثيرة ، و تقلبه في الوظائف المتعددة من كتابة ، وسفارة ، و تدريس ، و وزارة ، و قضاء ،مع قراءاته التحليلية لظروف عصره الاجتماعية و الثقافية و السياسية و التعليمية.....، و نضيف الي ذلك ذكاءه المتقد..و عقليته المتاملة..و القادرة علي تدوين خبرات فريدة في بابها ...هو ما حدا بالكثير من الباحثين بان يصفوه ( اماما في الدراسات التاريخية ، و الاجتماعية ، و الاقتصادية ، و السياسية ، و التربوية....
    *
    هذا التمهيد : ملخص _ بتصرف كبير _ من المراجع الاتية :
    1_د. علي عبد الواحد وافي : عبد الرحمن بن خلدون ، مكتبة مصر ، سلسلة اعلام العرب ، 1962
    2_ د. محمد المعتصم مجذوب : شخصيات تربوية ، مطبعة التمدن ، الخرطوم ، 1963
    3_ مقدمة (ابن خلدون ) ، تصدير المحقق ، ط1 ، دار الفجر للتراث ، مصر ، 2004

  • محمود محمد المحرزى
    طالب علم
    • Aug 2011
    • 53

    #2
    .................................................. ..................... << تمهيد >> .................................................. .....

    .. من المعروف ان مرحلة الطفولة هي اهم مراحل حياة الانسان ففيها يتشكل الضمير .. و هي اخصب الترب لغرس العقايد و قيم الحضارات علي اختلاف الديانات و المذاهب ..

    فلا غرو ان نجد جملة الديانات السماوية قد اهتمت ايما اهتمام برعاية الطفولة ؛

    و الدين الاسلامي ـ ووفقا للعديد من الابحاث المتخصصة ـ هو الرائد في هذا الباب و من هنا فقد اهتم المخلصون من ابناءه الي اعداد العدة منذ اكثر من ثمانين عاما الي ابراز

    تلك الخصيصة و اخراجها من ركام المخطوطات و طرحها حقيقة ماثلة في عالم الناس ( التربية الاسلامية ) و التي اسسها سيد المربين و المرسلين عليه الصلاة و السلام ..

    و الاسلام يقدم مادته التربوية من خلال مصادره الاساسية :

    القران الكريم و السنة النبوية و اجتهادات الراشدين و ائمته المعتبرين ، و تمثل تلك المصادر المرجع الاساس لكل التشريعات و البرامج الخاصة برعاية الطفولة من المنظور الاسلامي ؛

    و كذلك تمثل ( منطقة الثبات ) و التي يتم في ضوئها تقييم الجهود و الاسهامات التربوية لاعلام المسلمين علي تعاقب القرون ....و ( ابن خلدون ) هو احد من اهتموا و اسهموا ـ بنصيب وافر ـ

    في الحقل التربوي ، و قدموا ارائهم و توصياتهم تحت مظلة هذه المرجعية .....

    المبحث الاول :

    << ابن خلدون و طرق التدريس >د

    استطاع ابن خلدون التوصل الي حقايق تربوية عظيمة تتصل باسس التعليم العامة .. و هنا نستعرض ـ بايجاز شديد ـ ما سطره العلامة في ابراز اهمية ( طرق التدريس )
    في العملية التعليمية :
    و اول ما يظهر ذلك في فصله الذي عقده بعنوان << في وجه الصواب في تعليم العلوم و طرق افادته >>

    ـ يؤكد ابن خلدون علي ارساء مبدا **التدرج ** و هو من المبادئ المتفق عليها بين اعلام الفكر الانساني عامة ، و التربوي خاصة ؛
    و يفسر ابن خلدون هذا التدرج : ان يكزن من السهل الي الصعب ، و من الاجمال الي التفصيل مع مراعاة الاعتبارين التاليين :

    1 ـ مراعاة مقدرة المتعلم العقلية ( و هو هنا يرسي لمبدا الفروق الفردية ).

    2 ـ مدي استعداد المتعلم ما يراد دراسته خاصة ( و هو هنا يرسي لمبدا الميول و الاتجاهات )

    يقول ابن خلدون في ذلك :
    اعلم ان تلقين العلوم للمبتدئين انما يكون مفيدا اذا كان علي التدرج ، شيئا فشيئا ، و قليلا فقليلا ،
    يلقي عليه اولا المسائل نم كل باب من الفن ** هي اصول ذلك الباب ** و يرب له في شرحها علي سبيل الاجمال و يراعي في ذلك قوة عقله و استعداده لفبول ما يرد عليه .....

    ـ يؤكد ـ ابن خلدون ـ علي اهمية ( مبدا التكرار ) في عمليت التعلم ، و الذي ياتي في سياق مبدا التدرج .

    ـ يري ـ ابن خلدون ـ ان ضرب الامثلة الحسية و سيلة ناجحة للفهم ، و مما يقوله في ذلك :
    ( .. ويكون المتعلم اول الامر عاجزا عن الفهم بالجملة الا في الاقل ، و علي سبيل التقريب و الاجمال ، و الامثال الحسية .. ثم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلا قليلا بمخالفة مسائل ذلك الفن و تكرارها عليه .

    ـ << نقد ابن خلدون لعلماء عصره >>
    ينعي ـ ابن خلدون ـ بشدة ، علي علماء عصره لاهمالهم ضرورة التدرج و التكرار فيقول :
    ( .. و قد شاهدنا كثير من المتعلمين لهذا العهد الذي ادركنا يجهلون طرق التعليم ، و افادته ، و يحضرون للمتعلم في اول تعليمه المسائل المقفلة من العلم ،
    و يطالبونه باحضار ذهنه في حلها !! و يحسبون ذلك مرانا علي التعليم !! .. و يكلفونه وعي ذلك و تحصيله ، و يخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها ، و قبل لن يستعد لحملها ...)

    كما يري ابن خلدون ان مطالبة الطفل بفهم المسائل الغامضة العسيرة و التي تفوق ادراكه قد تكون سببا هاما في قتل ملكات الطفل في مهدها لما يعتورها من احباط عام .

    ـ و مما يؤكد عليه ابن خلدون في توجيه العملية التعليمية :
    1 ـ الاهتمام بالكيف لا الكم ، و ذلك بالنسبة لالقاء المادة التعليمية علي الناشئة :
    يقول في ذلك ( .. و لا ينبغي للمعلم ان يزيد متعلمه علي فهم كتابه الذي ركب علي التعليم منه ، بحسب طاقته ، و علي نسبة قبوله للتعليم مبتدا كان او منتهيا ..)

    2 ـ تحديد المادة التعليمية و عدم الخلط :
    يقول في ذلك ( .. و لا يخلط مسائل الكتاب بغيرها ، حتي يعيه من اوله الي اخره ، و يحصل اغراضه ، يستولي منه علي ملكة بها ينفذ بها غيره ،
    لان المتعلم اذا حصل ملكة ما في علم من العلوم ، استعد بها لقبول ما بقي ، و حصل له نشاط في طلب المزيد ، و النهوض الي ما فوق حتي يستولي
    علي غايات العلوم )

    3 ـ التاكيد علي اضرار الخلط في التعليم :
    و يقول في ذلك : ( .. و اذا خلط عليه الامر عجز عن الفهم ، و ادركه الكلل ، و انطمس فكره ، و ياس من التحصيل ، و هجر العلم و التعليم ..)

    انتهي المبحث الاول ..
    ( يتبع )

    تعليق

    • يوسف ابن ميمون المداني
      طالب علم
      • Jan 2013
      • 70

      #3
      مجهود تشكر عليه، أخي الكريم، إذ بينتم لنا، في مبحثكم الأول، رأي ابن خلدون في ما يخص التربية و التعليم. و قد جاء في بحثكم هذا أن (ابن خلدون) قد قرر بعض المسائل الضرورية (كالتدرج في طرح المادة العلمية) و كل ذلك، أخي الكريم، مراعاة لما عليه نفس الطفل، و خوف من دفعه إلى هجر العلم و التعليم.
      -------
      أستسمحكم أخي في طرح سؤال، من خلال قراءاتكم لإبن خلدون و عنه، هل لديه دراسات نفسية أو شيء قريب من ذلك، للطفل، عليها يبني تلك الأراء التي ذكرتموها في مبحثكم الأول؟

      تعليق

      • محمود محمد المحرزى
        طالب علم
        • Aug 2011
        • 53

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة يوسف ابن ميمون المداني
        مجهود تشكر عليه، أخي الكريم، إذ بينتم لنا، في مبحثكم الأول، رأي ابن خلدون في ما يخص التربية و التعليم. و قد جاء في بحثكم هذا أن (ابن خلدون) قد قرر بعض المسائل الضرورية (كالتدرج في طرح المادة العلمية) و كل ذلك، أخي الكريم، مراعاة لما عليه نفس الطفل، و خوف من دفعه إلى هجر العلم و التعليم.
        -------
        أستسمحكم أخي في طرح سؤال، من خلال قراءاتكم لإبن خلدون و عنه، هل لديه دراسات نفسية أو شيء قريب من ذلك، للطفل، عليها يبني تلك الأراء التي ذكرتموها في مبحثكم الأول؟
        نشكر لكم المرور الكريم ايها الفاضل :
        نعم ؛ المتتبع لاثار مؤسس علم الاجتماع المدني ( العمراني ) من خلال تصانيفه و ابرزها المقدمة و التاريخ ـ و هو مصنف عظيم الحجم و الفائدة ـ يظهر له اهتمامات ابن خلدون بمسالة سيكولوجية الطفل
        و توجيهاته في هذا الباب و هو ما نشير له في المبحث التالي بشكل موجز و اصل هذا البحث كبير تقدمنا به بشكل اكاديمي منذ عدة سنوات ؛
        و نال استحسان بعض الافاضل من اهل الفن ( التربية الاسلامية )
        و نعدكم بمراجعة ما سطره ابن خلدون في هذا الباب وفق ترتيب خاص لانه ( اي ابن خلدون ) لم يعن بطريقة التسلسل في عرض الفكرة كما هي الان في الدراسات البحثية علي اختلاف مناهجها .
        كما تحسن الاشارة هنا الي ان ابن خلدون لم يعن الطفل بشكل خاص ؛ انما اراد المجتمع العمراني الكامل فاتي باجزاء الصورة البشرية المكونة لهذا المجتمع ؛
        فكان الطفل المسلم هو اهم لبنات البناء و من ثم فقد عقد تلك الفصول ..
        و بالجملة فان هذا البحث قد يتسم بالصعوبة و هو ما حدا بنا الي الاقتصار علي المقدمة كمرجع رئيس له هذا من جهة ..
        و من جهة اخري فان موافاة كل ما جاء في الباب من مصادر عديدة لم تشر ايا منها الي اهتمامه بسيكولوجية الطفل ـ الا ما كان من نتفا هنا و هناك ـ
        هو ما زاد من صعوبة البحث و شحذ همة الباحث الي اقصي الحدود ..

        تعليق

        • محمود محمد المحرزى
          طالب علم
          • Aug 2011
          • 53

          #5
          المبحث الثاني :
          << ابن خلدون و نظرية الرفق بالصغار >>


          .. قد يدخل هذا المبحث في سابقه ؛ طرق التدريس ، بيد اننا نوليه اهتماما خاصا وذلك لما يحمله من مضامين لها دلالات سلوكية هامة في العملية التعليمية ،
          و كذا ما نلمسه من خطورة مبدا الرفق و اهميته في تربية الاطفال ، ذلك ان مصادرة هذا المبدا تعني بشكل لازم ارساء نقيضه !!
          و هو ما يعني : العنف و التعسف و القهر و مصادرة الحريات ؛ و هي علي التحقيق جملة الاثافي و التي نعاني منها في مجتمعاتنا المعاصرة ..
          و يمكن لنا ان نجمعها تحت عنوان ( السلطوية ) يقول احد الباحثين :
          ( .. و تعد السلطوية من اهم الامراض التي يعانيها الجسم التربوي العربي المثخن بالجراح ؛ لان معظم المشكلات و التحديات و الازمات التربوية العربية
          ليست الا من اعراض ذلك المرض ، او من نتائجه ...)
          و لهذا كله وجدنا ابن خلدون قد اولي هذه المشكلة عناية خاصة ، و عقد لها فصلا كاملا في مقدمته بعنوان :
          << فصل في ان الشدة علي المتعلمين مضرة بهم >>
          ابان فيه عن ضرورة الاهتمام بسيكولوجية المتعلم ، و ذلك عن طريق ارساء جملة من القواعد الهامة في هذا الصدد ، منها :

          1 ـ التوجيه بالصبر الحكمة هو المسلك المتعين في معاملتهم و تاديبهم علي الوجه المطلوب .

          2 ـ وجوب الرفق و الاناة ، و النهي عن الشدة ، و سلوك التسلط و العنف ـ كما ينوه ـ الي الاثار السلبية فيقول :

          (( .. و من كان مرباه بالعسف و القهر من المتعلمين .. سطا به القهر و ضيق علي النفس في انبساطها و ذهب بنشاطها ، و دعاه الي الكسل ، و حمله علي الكذب ،
          و الحنث .. و فسدت معاني الانسانية التي له من حيث الاجتماع التمدن ...
          )
          فابن خلدون هنا : يؤسس لمبدا تربوي عظيم و هو < احترام ذاتية الطفل > و امكان الاستفادة به في التربية الخلقية ، فيعرف الفرد حقوقه و يحرص
          عليها من غير عدوان ، او ظلم ، و يؤدي واجباته بامانة و اخلاص من غير رهبة او خوف ، كما يراعي علاقته بالاخرين مترفعا عن الخضوع و الضراعة و ايضا عن العنجهية و الغظرسة ...

          ( ابن خلدون و فلسفة العقوبة ..)

          ينوه ابن خلدون الي ان ما ذهب اليه في ( مبدا الرفق لا يعني الغاء العوبة تماما .. انما نجده يتفق مع المثل القائل :
          ان العقاب البدني هو البديل الاخر عند الاياس من جملة الطرق الاخري للردع و التهذيب فيقول :
          (( .. و قد قال محمد بن ابي زيد في كتابه الذي الفه في حكم المعلمين و المتعلمين : لا ينبغي لمؤدب الصبيان ان يزيد في ضربهم اذا احتاجوا اليه !!
          عل ثلاث اسواط شيئا ... و من كلام عمر رضي الله عنه : ( من لم يؤدبه الشرع لا ادبه الله )

          فابن خلدون باقراره لكلام ابن ابي زيد القيرواني لا يري باسا من العقوبة ـ غير العنيفة ـ اما العقاب البدني القاسي فياباه و لا يقول به ؛
          و تاكيدا لوجهته ـ التي تبناها ـ ينقل وصية الرشيد الشهيرة لمؤدب ولده ( الاحمر ) كاملة و جاء في نهايتها :
          ( .. و قومه ما استطعت بالقرب و الملاينة ، فان اباهما عليك : فعليك بالشدة و الغلظة ...)

          < و قفة >
          بيد ان لنا وقفة مع ابن خلدون و ذلك فيما يختص بالعقوبة البدنية بعد ان تستنفذ كل سبل النصح و التوجيه و ذلك من خلال اعتبارين اثنين :

          الاول : ان لا يتعجل المعلم بالعقوبة الا بعد ( تكرار ) تلك السبل التوجيهية من الترغيب في الخير و التنفير من الشرور ، و امتثال مكارم الاخلاق متحليا بفضيلة ( الصبر )
          و قد قال النبي عليه الصلاة و السلام ( الصبر ضياء ) و قال الامام علي عليه سلام الله و رضوانه ( الصبر مطية لا تكبوا ، و ضياء لا يخبوا ، و سيف لا ينبوا )
          فيضع نصب عينيه قدوة الاحياء عليه الصلاة و السلام في حلمه و صبره .

          الثاني : اختلاف الميول و الاتجاهات لدي المتعلمين ، و اختلاف ردود لفعالهم تجاه العقوبة ، و هو ما يقتضي ان يكون لدي المعلم ( دربة خاصة )
          في فهم سيكولوجية المتعلمين ؛ فمن بينهم من هو مفرط الحساسية امام العقاب ، مما يكون له اثر سلبي جدا و هو واقع مشاهد في كثير من مدارسنا اليوم ،
          و منهم ايضا من يتسم بالبلادة الذهنية و قلة الاكتراث فيكون الرادع ـ بشرطه ـ مقوما له و سبيلا الي فلاحه .

          ( يتبع )

          تعليق

          • سعيد فودة
            المشرف العام
            • Jul 2003
            • 2444

            #6
            بارك الله فيك، هذا موضوع لطيف مفيد...ننتظر تكملته
            وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

            تعليق

            • محمود محمد المحرزى
              طالب علم
              • Aug 2011
              • 53

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة سعيد فودة
              بارك الله فيك، هذا موضوع لطيف مفيد...ننتظر تكملته
              و فيكم بارك ايها المفضال ( رازي العصر ) و اقامكم علي المحاجة و اثابكم فضلا و فضلا ..

              و نشكر لكم مروركم العطر الباهي و تلك دلالة هامة علي دربة التعليم التي تتميزون بها من شحذ الهمم و لو بالاشارة ..

              عاملكم الله تعالي بلطفه ..
              و جعلنا من الشاهدين علي جهادكم هناك .. يوم التناد .. اللهم امين .

              تعليق

              يعمل...