ما يطلب في رجب الحرام المكرّم (*)
اعلم أن رجبًا شهر فصيل، والعبادة فيه لها أجر جليل، خصوصًا الصوم فيه والاستغفار، والتوبة من الأوزار، وفي أول ليلة منه يستجاب الدعاء فيستحب، قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «خمس ليال لا تُرد فيهن الدعاء؛ أول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلة الجمعة، وليلة الفطر، وليلة النحر» أخرجه السيوطي رحمه الله تعالى في الجامع، عن ابن عساكر، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه.
وفي ليلة السابع والعشرين منه أسري بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما هو مشهور معلوم. ورجبٌ هو الفرد من الأشهر الحرم، قال تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم} وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب؛ فالأشهر الحرم ثلاثة سَرد، وواحد فرد؛ وهو رجب.
وكان في ابتداء الإسلام يحرم القتال في الأشهر الحرم، ثم نسخ بقوله تعالى: {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وبقيت حرمتها في تضعيف الأجر على الطاعة وتعظيم الوزر على المعصية، حمانا الله تعالى منها.
ورجب هو شهر الله الأصب، تصب فيه الرحمة على التائبين، وتفيض أنوار القبول على العالمين، وكانوا يسمونه الأصم لأنه لم يسمع فيه حسُّ قتال، ويقال له: «رجم» بالميم، ومعناه أنه يُرجم فيه الأعداء والشياطين حتى لا يؤذوا فيه الأولياء والصالحين.
قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: «رجبٌ شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي» أخرجه في الجامع.
وقال العلماء: رجب شهر الاستغفار، وشعبان شهر الصلاة على النبي المختار، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ورمضان شهر القرآن؛ فاجتهدوا رحمكم الله تعالى في رجب فإنه موسم التجارة، واعمُروا أوقاتكم فيه فهو أوان العمارة، فمن كان من التجار فهذه المواسم قد دخلت، ومن كان مريضا بالأوزار فهذه الأدوية قد حملت.
قال وهب بن منبه رضي الله تعالى عنه: جميع أنهار الدنيا تزور زمزم في رجب تعظيما لهذا الشهر. وقرأت في كتب الله المنزلة أن من استغفر الله في رجب بالغداة والعشي يرفع يديه ويقول: اللهم اغفر لي وارحمني وتب عليّ (سبعين مرة) لم تمس النار له جلدًا. لخصت هذا كله من تحفة الإخوان في قراءة الميعاد في رجب وشعبان ورمضان للعلامة الفشني رحمه الله تعالى؛ فانظره فإنه في هذا الباب نفيس جدًّا.
وذكر سيدي القطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس سره في كتابه «الغنية»: أن مما يطلب أن يدعى به في أول ليلة من رجب هذا الدعاء:
(إلهي تعرَّض لك في هذه الليلة المتعرِّضون، وقصدك القاصدون، وأمل فضلك ومعروفك الطالبون؛ ولك في هذه الليلة نفحاتٌ وجوائزُ، وعطايا ومواهبُ، تَمُنّ بها على من تشاءُ من عبادك، وتمنعها ممن لم تسبق له العناية منك، وهأنذا عبدك الفقيرُ إليك، المؤمل فضلك ومعروفك، فإن كنت يا مولايَ تفضلت في هذه الليلة على أحد من خلقك، وجُدتَ عليه بعائدَة من عطفك، فصلّ على سيدنا محمد وآله وصحبه، وجُدْ عليَّ بطَولك ومعروفك يا رب العالمين).
وكان عليٌّ رضي الله تعالى عنه يفرِّع نفسه للعبادة في أربع ليال في السنة، وهي أول ليلة من رجب، وليلة الفطر، وليلة الأضحى، وليلة النصف من شعبان. وكان من دعائه فيها:
اللهم صل على محمد وآله مصابيح الحكمة، وموالي النعمة، ومعادن العِصمة، واعصمني بهم من كل سوء، ولا تأخذني على غِرَّة، ولا على غفلة، ولا تجعل عواقب أمري حسرةً وندامة، وارض عني؛ فإن مغفرتك للظالمين، وأنا من الظالمين. اللهم اغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينفعك، فإنك الواسعة رحمته، البديعةُ حكمته، فأعطني السَّعة والدَّعة، والأمن والصحة، والشكر والمعافاة والتقوى، وأفرِغِ الصبر والصدق عليّ وعلى أوليائك، وأعطني اليُسر، ولا تجعل معه العسر، واعمم بذلك أهلي وولدي وإخواني فيك، ومن ولدني، من المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. اهـ.
--------------------------
(*) منقول من كتاب كنز النجاح والسرور في الأدعية التي تشرح الصدور، تأليف: الشيخ عبد الحميد بن محمد علي قدس عليه رحمة الله تعالى
تعليق