رسالة (الكفاية في حقائق التصوف ودفع الشبهات حولها)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صالح عبدالرحمن الجبرين
    طالب علم
    • Feb 2015
    • 29

    #1

    رسالة (الكفاية في حقائق التصوف ودفع الشبهات حولها)



    رسالة (الكفاية في حقائق التصوف ودفع الشبهات حولها).
    - المقدمة.
    1- المبحث الأول: في تعريف التصوف وحقيقته.
    2- المبحث الثاني: شبهة ذمِّ زهد المتصوفة وذمِّ انقطاعهم عن الدنيا.
    3- المبحث الثالث: التأكيد على أنَّ التصوف منهجٌ وعلم، وليس بعقيدةٍ أو أصول لطائفةٍ ما.
    4- المبحث الرابع: اختلاف العلماء في جواز استعمال لفظ "التصوف" للتعبير عن السلوك والتزكية.
    5- المبحث الخامس: التعريف بالخوانق، أو مصطلح الرباط في علم التصوف:
    6- المبحث السادس: التعريف بمصطلح الكشف والتجلي.
    7- المبحث السابع: التعريف بمصطلح المشاهد وتُسمَّى بالمزارات.
    8- المبحث الثامن: التعريف بالتبرك، ورد الشبهة حوله.


    بسم الله الرحمن الرحيم
    إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديه، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا، مَن يهدهِ الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، والصلاة والسلام على محمد بن عبدالله، وآله وصحبهِ ومَن والاه، وبعد:
    فهذه رسالةُ (الكفاية في حقائق التصوف ودفع الشبهات حولها)، وهي رسالةٌ مختصرةٌ وجامعةٌ في آنٍ واحدٍ لحقائق التصوف وما يلحق بهِ مِن مصطلحات، ألفتها رغبةً في تقريب التصوف لمن كان بعيدًا عنهُ، فيعرف حقائقهُ ويدرك معالِـمَهُ، وقصدت كذلك تنزيهَهُ عن عبث المفسدين المبتدعين الذين نفروا الناس عنهُ بالشبهات والأباطيل. وهذه الرسالة في الأصل فضلٌ مستخرجٌ مِن كتابي الكبير في توحيد الله، أسأل الله أن ييسر لي طبعه، والله ولي التوفيق.
    http://aladeenalmuthakir.blogspot.co...og-page_2.html
    التعديل الأخير تم بواسطة صالح عبدالرحمن الجبرين; الساعة 02-12-2015, 21:58. سبب آخر: إضافة فهرس إجمالي
  • صالح عبدالرحمن الجبرين
    طالب علم
    • Feb 2015
    • 29

    #2
    (1) المبحث الأوَّل: في تعريف التصوف وحقيقته:
    اضطرب الناسُ في تعريف التصوف وتشعَّبت آراؤهم فيه، ولعلَّ السبب في ذلك هو الجمود على التسمية، فالتسميةُ لا تعني الشيء الكثير عند العالِم، فالعالِـمُ وإن كان يعتبرُ بالألفاظ فإنَّه يُقدِّم المعاني ويعتني بها أكثر مِن عنايتِهِ بالألفاظ، وأمَّا الجاهِلُ الـمُتعالِم المتشبِّع بما لم يُعطَ، أو الجاهل الخائض في العلوم الإسلاميَّةِ لفضولِهِ وبلادَتِهِ، أو الضال الزائغ الـمُمَوِّهُ عن زيغهِ فإنهم جميعًا يجمدون على الألفاظ في الغالب، وكثيرًا ما يُؤتَون مِن الألفاظ.
    فلنُحقِّق الآن معنى التصوُّف لنتمكَّنَ مِن الحكمَ عليه، فنقبل ما كان مِنهُ صوابًا ونرد ما خالف سنَّةً وكتابًا.
    التصوُّفُ لغةً: مِن الصوف وهو على معنًى واحدٍ في اللغة، فهو الشَّعْرُ النابتُ على جلدِ الضأنِ ونحوه مِن الحيوان، يُقال: كبشٌ صافٍ، ونعجَةٌ صائفة. ويُقَالُ لواحِدِةِ الصوف: صُوفَة، وتُصغَّرُ صويفَة. قاله الأزهري رحمه الله.[كتاب "معجم تهذيب اللغة" للأزهري ج2/ص1962].
    وأمَّا التصوُّفُ اصطلاحًا: فقد اختلفوا في تعريفِهِ بناءً على اختلافهم في مراعاة اعتباراتٍ معينة.
    فأهلُ السُّنَّة يقولون التصوف هو: القيامُ بمعاني الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة وتزكية النفس بمكارمِ الأخلاق.
    وعلم التصوف هو: العلم المتعلق بمعاني الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة وتزكية النفس بمكارم الأخلاق.

    هذا هو مفهومُ قول أهل السنَّة، وقلنا هو مفهوم قول أهل السنَّة ولم نقل "هو قولهم" لأنَّ ألفاظ أهل السنَّة قد اختلفت في تعريف التصوف، وأكثر التعريفات إنَّما تدور حول هذه المعاني ولا تخرج عنها، وتعريفاتهم كثيرةٌ جدًّا، فكلُّ عَلَمٍ مِن أعلام المسلمين له قولٌ في تعريف التصوف، وقد ذكر الحافظ أبو نعيم مئات التعريفات متفرقةً في تراجم الأعلام في كتابهِ "حلية الأولياء"، وليس بعضها بأشهر مِن بعض، ولا بأظهر في المعنى وأقوم مِن بعض، فكلها متقاربة.
    قال الإمام الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: (فمباني المتصوِّفة الـمُتَحقِّقَةِ في حقائقهم على أركانٍ أربعة:
    معرفة الله تعالى ومعرفة أسمائِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ.
    ومعرفة النفوس وشرورها ودواعيها.
    ومعرفة وساوس العدو ومكائده ومضالِّهِ.
    ومعرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها وكيف الاحترازُ مِنها والتجافي عنها.
    ثم ألزموا أنفسهم بعد توطئة هذه الأبنيَة دوام المجاهدة وشدَّة المكابدة وحفظ الأوقات واغتنام الطاعات ومفارقة الراحات، والتلذذ بما أُيِّدوا بهِ مِن المطالعات، وصيانَة ما خُصُّوا بِهِ مِن الكرامات، لا عن المعاملات انقطعوا، ولا إلى التأويلات ركنوا، رغبوا عن العلائق، ورفضوا العوائق، وجعلوا الهموم همًّا واحدًا، ومزايلة الأعراض طارفًا وتالدًا، اقتدوا بالمهاجرين والأنصار، وفارقوا العروض والعقار، وآثروا البذل والإيثار، وهربوا بدينهم إلى الجبال والقفار، احترازًا مِن موامقة الأبصار، أن يومئ إليهما بالأصابع ويُشَار، لما أنسوا بِهِ مِن التحف والأنوار، فهم الأتقياءُ الأخفياء، والغرباء النجباء، صحَّت عقيدهم فسلمت سريرتهم) انتهى [كتاب "حلية الأولياء" للحافظ أبي نعيم ج1/ص53].

    وكثيرٌ ممن لم يُحَقِّق القول ويُنعِم النظر يتوهمون فيظنُّونَ أنَّ أهل السنَّة قد اختلفوا اختلافًا مؤثرًا في تعريف التصوف، وهذا غير سديدٍ عندي ولا أرى أن يُنظر فيه البتة، حيث إنَّ هؤلاء المتوهِّمُون لا يميزون بين تعريف الشيء باعتبار ثمرتِهِ، وبين تعريف الشيء باعتبار حقيقتهِ وصفته، وبين تعريف الشيء باعتبار شروطِهِ، ونحو هذه الاعتبارات، فإنَّ اختلاف تعريف الشيء بناءً على هذه الاعتبارات لا يعني بالضرورة اختلاف التعريف في الحقيقة، ولذلك لو عرَّفَ أحدهم التصوف باعتبار الصفة الجامعة للتصوف نفسه، وعرَّف آخر التصوف باعتبار الصفةِ الظاهرة في المتصوِّف، ظنَّ ضعيف النظر والتحقيق أنَّ الرجلين قد اختلفا في تعريف التصوف.

    وقد يكون الاختلاف في التعريف بناءً على الثمرة المشاهَدة، فقد يُعرِّفُ الصوفيُّ التصوُّف بناءً على الآثار التي وجدها مِن تصوفهِ، ثم يُعرِّفهُ صوفيٌّ آخر بتعريف آخر بناءً على ما وجد مِن الآثار المغايرة لآثار الصوفي الأوَّل.
    ولذلك قال بعض المحققين كالقنوجي البخاري رحمه الله: (فالواجبُ على مَن يريد ذلك، أن يجتهدَ في الوصول إليه بالعيان دون أن يطلبه بالبيان، فإنَّه طورٌ وراءَ طورِ العَقل:
    علمُ التصوُّفِ عِلْمٌ ليس يَعرِفُهُ * * * إلاَّ أخو فِطنَةٍ بالحقِّ معروف
    وليس يعرفه مَن ليس يشهده * * * وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف) انتهى [كتاب "أبجد العلوم" للقنوجي ص375].
    بل وقد يختلف العلماء والمتصوفة في بيان اشتقاق لفظ التصوف بناءً على اختلاف تعريفهم له.

    قال الحافظ أبو نعيم: (فأمَّا التصوُّف فاشتقاقُهُ عند أهل الإشارات والـمُنبِّئين عنهُ بالعبارات مِن الصفاء والوفاء. واشتقاقُهُ مِن حيث الحقائق التي أوجَبَت اللغة: فإنَّه تفعَّلَ مِن أحد أربعة أشياء: مِن الصوفانَة، وهي بقلةٌ وَغْبَاء قصيرة. أو مِن صوفَة، وهي قبيلةٌ كانت في الدهر الأوَّل يُجتزُ الحاج وتخدم الكعبَة. أو مِن صوفةِ القفا، وهي الشعرات النابتة في متأخرة. أو مِن الصوف المعروف على ظهور الضأن) انتهى.
    والراجحُ في الاشتقاق اللغوي أنَّهُ مِن الصوف المعروف، وذلك لاتسام المتصوفة في الغالب بلبس الصوف، حيث كان دليلاً على التواضع والتقلل والزهد، ولكن لم يكن هذا اللباس قانونًا كما يظنُّه بعض الجهلة مِن أعداء التصوف، فليس مِن شروط صحَّة التصوف لبس الصوف، بل يكفي في تحقق صفة التصوف في الشخص اتصافهُ بالشروط المذكورة في التعريف الذي قدَّمتُهُ.
    وهذا الذي حقَّقَهُ أئمة الصوفيَّة مِن السلف الصالح أهلِ السنَّة والجماعة، وعلى رأسهم الإمام أبو عبدالله المكي رحمه الله المتوفى في آخر القرن الثالث.
    قال الإمام أبو عبدالله المكي فيما نقله عنه تلميذهُ أبو الشيخ الأصبهاني في طبقاته: (إنمَّا سُمِّيَت الصوفيَّة باسم الصوفيَّة لأنهَّم قومٌ عملوا بحقائق الدين، وحققوا العمل للآخرة، بالزهد في الدنيا والتقلل، وكان لباسهم الصوف مِن إحدى تلك الحقائق، وكان ظاهرًا ففارقوا بهِ الناس، فسُمُّوا بهِ، وليس كل مَن لبس الصوف استحق ذلك الاسم، ولا كل مَن لم يلبسه زال عنه ذلك الاسم، ولكن ننظر إلى مَن عمل بحقائق الدين، واجتنَبَ أهل الغفلة واعتزَلَ البطَّالين، في كلامِهِ وأخذهِ وأعاطيه وعمله، وكان على ذلك كلِّه مِن حركاته خائفًا دخيلاً، لبس الصوف أو لم يلبسه) انتهى [كتاب "طبقات المحدثين بأصبهان" لأبي الشيخ الأصبهاني ج3/ص180].

    تعليق

    • صالح عبدالرحمن الجبرين
      طالب علم
      • Feb 2015
      • 29

      #3
      (2) المبحثُ الثاني: شبهةُ ذم زهد المتصوفة وذمِّ انقطاعهم عن الدنيا:
      قال تاج الدين السبكي لـمَّا ابتدأ بتعريف الصوفيَّة والتصوف: (والصحيح صحَّته، وأنَّهم المعرضون عن الدنيا، المشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة) انتهى[كتاب "معيد النعم ومبيد النقم" للسبكي ص119].
      فـقـــولُ الإمام السبكي رحمه الله: (المعرضون عن الدنيا) لا يريدُ بهِ الإعراض التام، لأنَّ القول بالإعراض التام عن الدنيا قولٌ بدعيٌّ مذمومٌ بالنص، قال ربنا عزَّ وجل: {يا بني آدم خذوا زينتكم عندَ كل مسجدٍ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنَّه لا يحب المسرفين * قل مَن حرَّم زينَة الله التي أخرج لعبادِهِ والطيِّبَاتِ مِن الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصةً يومَ القيامَة كذلك نفصِّلُ الآياتِ لقومٍ يعلمون} [سورة الأعراف 31-32].
      وصحَّ عــن رســول الله صلى الله عليه وسلم أنَّـــه قــال: "أمــا والله إنِّـي لَأخــشاكم للهِ وأتــقــاكم لـه، لكنِّي أصومُ وأُفطِر، وأُصلِّي وأرقُد، وأتزوَّجُ النساء، فمَن رَغِبَ عن سنَّتي فليسَ مِنِّي" [رواه البخاري في كتاب النكاح، برقم (5063)].
      فالمرادُ بالانقطاعِ عن الدنيا: انقطاعٌ دون انقطاع، وذلك الانقطاع يصدق على الغالب مِن الحال وليس على الحال كله، فهو انقطاعٌ دون تضييعٍ للفروض والحقوق ونفقة اليوم للنفس ومَن يعول، فهذا الانقطاعُ محمودٌ.

      بل إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان فقيرًا منقطعًا عن الدنيا بهذا المعنى، وليس هذا محلُّ بسط هذه المسألة، ولكن أذكر في ذلك بعض الأحاديث:
      فعن عروة عن عائشة رضي الله عنها، أنَّها قالت لعروة: "ابن أختي، إن كُنَّا لننظرُ إلى الهلال، ثـمَّ الهلال، ثلاثة أهلَّة في شهرين، وما أوقِدَت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نارًا". فقلتُ: يا خالة، ما كان يُعِيشُكُم؟ قالت: "الأسودان، التمرُ والماء، إلاَّ أنَّه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيرانٌ مِن الأنصار، كانت لهم منائحُ، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن ألبانهم فيَسقينا" والحديث متفقٌ عليه [رواه البخاري في كتاب الهبة (2567). ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، برقم (2972)].

      وروى مسلم عن عائشة قالت: "ما شَبِعَ آلُ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِن خبز البُـرِّ ثلاثًا حتى مضى لسبيلِهِ" [رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، برقم (2970)].
      فهذا الحالُ المرويُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولئلاَّ يعترض علينا عبَدَة الدينار والدرهم أو الجهلة المخلِّطون الذين يرون أنَّ هذا حال النبيِّ صلى الله عليه وسلم إجبارًا لا اختيارًا، أذكر قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي خرجَ مِن لسانِهِ المبيِّن لفضل هذا النمط مِن العيش والترغيب فيه.

      فعن عقبة بن عامرٍ رضي الله عنهُ، قال: قلتُ يا رسول الله ما النجاة؟ قال: "أمسِك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك" [رواه الترمذي في كتاب الزهد، برقم (2406)].
      وهذا حديثٌ صحيحٌ صريحٌ في فضل العزلة، وهي التي بيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّها النجاة، فهل يقول مَن يؤمن بالله واليوم الآخر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ بما هو مذمومٌ شرعًا؟ الجواب لا، وكذلك لا نقول بأنَّه أمر بالعزلة المطلقة، بل هي عزلةٌ دون عزلة، وقد ألف علماء السلف كتبًا في العزلة.

      وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: نامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصيرٍ، فقامَ وقد أثَّــر في جنبِهِ، فقلنا: يا رسول الله لو اتَّخذنا لكَ وِطاءً؟ فقال: "مالــي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلاَّ كراكبٍ استظلَّ تحتَ شجرةٍ، ثـمَّ راحَ وتركها". قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح [رواه الترمذي في السنن في كتاب الزهد، برقم (2377)].
      قلتُ: أترى اتخاذ الوطاء حرامًا؟ بل هو حلال، ولكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أرادَ أن يُعلِّم أُمَّتَهُ أنَّ طريق الزهد والتقلُّل أفضل.

      وروى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهمَّ أحــينـي مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرنـي فـي زمرة الـمساكين يوم القيامَة". وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد ولـم يُـخـــرِّجاه. ووافقهُ الذهبي [رواه الترمذي في السنن في كتاب الزهد، برقم (2352). والحاكم في المستدرك في كتاب الرقاق، برقم (7911)].

      والخلاصةُ: أنَّ الانقطاع عن الدنيا مطلقًا مذموم، والسنَّة هي انقطاعٌ دون انقطاع، بمعنى التقللُّ والانقطاع الذي لا يُفضي إلى تضييع واجب، كما رُوِيَ مِن حال النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقولِهِ، ومنهج النبيِّ صلى الله عليه وسلم هو المنهج الحق.

      وقد أبعَدَ ابن الجوزي رحمه الله، فذمَّ لبس الصوف والتجافي والتبذُّل في اللباس عمومًا، وهذا مبنيٌ على مذهبهِ الذي تفرَّد بهِ في إنكار التصوف كما هو معلومٌ وسيأتي الكلام عليه.
      أمَّا في مسألة اللباس فقال مُبوِّبًا: (ذِكر تلبيس إبليس على الصوفيَّة في لباسهم).
      ثم قال: (لـمَّا سَمِعَ أولئك القوم أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُرَقِّعُ ثوبَهُ وأنَّه قال لعائشة رضي الله عنها: "لا تخلعي ثوبًا حتى ترقعيه"، وأنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه كان في ثوبِهِ رقاع، وأنَّ أويسًا القرني كان يلتقطُ الرِّقاع مِن المزابل فيغسلها في الفرات ثم يخُيطها فيلبسها، اختاروا المرقَّعات، وقد أبعدوا في القياس، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَهُ كانوا يؤثرون البذاذة ويُعرضون عن الدنيا زهدًا، وكان أكثرهم يفعلُ هذا لأجل الفقر، فأمَّا إذا لم يكن هذا لفقرٍ وقَصَدَ البذاذة فما له مِن معنًى) انتهى[كتاب "تلبيس إبليس" لابن الجوزي ص179].
      وقال في موضعٍ آخر: (ومِن الصوفيَّة مَن يلبسُ الصوف ويحتجُّ بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لبسَ الصوف، وربما روى في فضيلةِ لبس الصوف. فأمَّا لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوف، فقد كان يلبسهُ في بعض الأوقات، ولم يكن لبسهُ شهرةً عند العرب.
      وأمَّا ما يُروَى في فضلِ لبسِهِ فمِن الموضوعات التي لا يثبتُ مِنها شيء، ولا يخلو لابسُ الصوف مِن أحد أمرين:
      إمَّا أن يكون متعوِّدًا لبس الصوف وما يُجَانسُهُ مِن غليظ الثياب، فلا يُكرَهُ ذلك لهُ لأنَّه لا يشتهر بهِ.
      وإمَّا أن يكون مترفًا لم يتعوَّدهُ فلا ينبغي له لبسُهُ مِن وجهين:
      أحدهما: أنَّه يُحَمِّلُ بذلك على نفسه ما لا تطيق، ولا يجوز له ذلك.
      والثاني: أنَّه يجمعُ بلبسِهِ بين الشهرة وإظهار الزهد) انتهى [كتاب "تلبيس إبليس" لابن الجوزي ص186].

      قلتُ: وهذا عدم تحقيق ويُجابُ عنهُ مِن وجهين:

      (1) الوجهُ الأوَّل: أنَّ الزهدَ سنَّةٌ عظيمة وليس واجبًا على المؤمنين، وقد وردَت فضيلةُ التخشن في اللباس خصوصًا وفي العيش عمومًا، كما وردت كذلك فضيلة التقلل مِن الدنيا وفضيلة الفقر في أحاديث كثيرة، وهذا مبطلٌ لـما زعمهُ ابن الجوزي وهو أنَّ الفقر كان مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ إجبارًا لا اختيارًا، ومِن هذه الأحاديث:
      حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه المشهور وقد سبق، قال: نامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصــيـرٍ، فقامَ وقد أثَّــر في جنبِهِ، فقلنا: يا رسول الله لو اتَّخذنا لكَ وِطاءً؟ فقال: "مالــي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلاَّ كراكبٍ استظلَّ تحتَ شجرةٍ، ثـمَّ راحَ وتركها". قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح [رواه الترمذي في السنن في كتاب الزهد، برقم (2377)].
      أترى اتخاذ الوطاء حرام؟ فليس هو بحرامٍ لكنَّه عليه الصلاة والسلام ألزمُ الخلق بالسنن، وهذا الحديث دليلٌ على اختيار النبيِّ صلى الله عليه وسلم العيش الخشن مع القدرة على الألين مِنه.

      وروى الترمذي عن فضالة بن عبيد، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس يَخِرُّ رجالٌ مِن قاماتِهِم في الصلاة مِن الخصاصة، وهم أصحاب الصُّفَّة، حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين. فإذا صلَّـى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرَفَ إليهم، فقال: "لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقةً وحاجَة"، قال فضالة: وأنا يومئذٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الترمذي: هذا حديثٌ صحيح [رواه الترمذي في السن في كتاب الزهد، برقم (2368)].
      وهذا الحديث كذلك حجَّةٌ صريحةٌ في تفضيل العيش الخشن الذي وصفه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: "فاقةً وحاجة".

      وروى التـرمذي عن معاذ بن أنس الجهني، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن ترك اللباس تواضعًا لله وهو يقدر عليه، دعاهُ الله يومَ القيامَة على رؤوس الخلائق حتى يُـخـــيِّـــرَهُ مِن أيِّ حُلَلِ الإيمان شاء يَلبَسُهَا". قال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواهُ الحاكم وقال: هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولـم يُخرِّجاه. ووافقه الذهبي [رواه الحاكم في المستدرك في كتاب اللباس، برقم (7372)].

      وروى أحمد في الزهد بسندٍ صحيح، عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البذاذة مِن الإيمان البذاذة مِن الإيمان البذاذة مِن الإيمان"، قال عبدالله: سألتُ أبي ما البذاذة؟ قال: التواضع في اللباس [كتاب الزهد لأحمد برقم (29) ص21].
      قلت: يقول أهل اللغة البذاذة هي لبس الرديء مِن الثياب، وهذا مفسرٌ لقول أحمد أنَّ البذاذة هي التواضع في الملبس، فالتواضع في الملبس هو لبس الرديء مِن الثياب، وهذا معنى البذاذة لغة، ومَن زعم أن المراد مِن قول أحمد "التواضع في الملبس" سلوك الوسط فقد زعمَ سخفًا، فالتوسط في الملبس ليس بتواضعٍ البتة، إنَّما التوسط عدم كبرٍ وإسراف فحسب، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابهِ ومَن اهتدى بهديهم مِن السلف خير شاهدٍ على أنَّهم لم يتوسطوا بل اختاروا الفقر، فلا يقدر أحدٌ على دفع النصوص والأخبار التي وردت عنهم في اختيارهم العيش الخشن والمظهر الرث.

      وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركبُ الحِمَار، ويَلبسُ الصوف، ويعتقل الشاة، ويأتي مراعاة الضيف. قال الحاكم: حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولـم يُخرِّجاهُ. ووافقهُ الذهبي فقال: على شرطهما [رواه الحاكم في المستدرك في كتاب الإيمان، برقم (204)].

      والخلاصةُ: أنَّ هذه الأحاديث وغيرها أحاديث شاهدةٌ على بطلان ما زعمهُ ابن الجوزي وغيرهُ ممن تأثر بمذهبه، شاهدةٌ على فضل التقلل والتخشنُ في العيش، بل وشاهدةٌ على فضلِ لبس الصوف خلافًا لما زعمهُ ابن الجوزي. فكل ما وردَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لبسه فهو سنَّة، حتى عاداتهِ عليه السلام دوَّنها أهل العلم لكونها سنن، ولا يزعم الفرق بين ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم تعبدًا وعادةً إلاَّ الجهال الجفاة.

      (2) الوجه الثاني: أنَّ النصوص كما دلَّت على فضيلة التخشن في العيش ولبس الرديء، فإنَّ مَن يعمل بسنة الزهد في زمانٍ لا يعمل بهِ أحد غير عاصٍ وليس فعله بشهرةٍ إلاَّ إن نوى ذلك، والشهرةُ أصلاً مشروطة بالقصد، ولو كان صحيحٌ قول ابن الجوزي لوجب ترك سننٍ كثيرةٍ مهجورة، وهذا لا يقول بهِ عالـمٌ فضلاً عن تقي، والسنن لا تهجر لأجل الناس وذلك مِن غير خلافٍ نعلمهُ، ولا تفعل لأجلهم كذلك.
      هذا ما يتعلق بحقيقة التصوف، وفضله والشبهة حول مفهومه.

      تعليق

      • صالح عبدالرحمن الجبرين
        طالب علم
        • Feb 2015
        • 29

        #4
        (3) المبحث الثالث: التأكيدُ على أنَّ التصوف منهجٌ وعلمٌ وليس بعقيدةٍ أو أصولٍ لطائفةٍ ما:
        فينبغي التنبُّه إلى أنَّ التصوُّف منهجٌ في الدين، وليس عقيدةً يعتقد بها المرء، وعليه فإنَّه يجبُ أن يُعلَمَ أنَّ التصوف قد يكون منهجًا مستقيمًا بالكتاب والسنَّة كلُّهُ، وقد يكون منهجًا أُحدِثَ فيه مِن البدع إضافةً إلى ما فيه مِن الـهدى.
        والبدع التي تبتدع في التصوف إنَّما هي بِدَعٌ منهجيَّة في الفروع، وليست بدعًا اعتقاديَّة في الأصول، وقد يسيء الفهم في هذا مَن لم يُفرِّق بين العقيدة والمنهج، فنقول لهُ: قد يكون المتصوِّفُ سُنِّيًّا سواء أشعريًّا أو ماتريديًّا أو مَن وافقهم في الاعتقاد ولم يتسمَّ باسمهم، وقد يكون المتصوف مبتدعًا كأن يكون زيديًّا، وقد يكون متفلسفًا معتقدًا بالحلول، وقد يكون مِن الرافضة الإمامية كذلك، وكلُّ واحدٍ مِن أتباع كلِّ طائفةٍ يُرجِّح طريقةً معيَّنةً في التصوُّف، فالتصوُّف منهجٌ وطريـــقٌ في العمل، يسلكُهُ مَن يسلكُهُ مِن الناس.
        فبدع التصوُّف لا ترتبطُ بأيِّ عقيدةٍ مِن العقائد، إنَّما هي طرقٌ يَـختارها أهل العقائد. ولذلك لا يُبدَّعُ الذي يحدث الحقائق الباطلة في التصوف حتى تكون بدعتهُ تمسُّ أصلاً مِن أصول الدين، فالحال في التصوف أو السلوك هو الحال في سائر العلوم كالفقه والأصول.

        وهناك طرقٌ صوفـــيَّــة قد انتشرت في العالـم الإسلامي، كالطريقة الشاذليَّة والطريقة الرفاعيَّة والطريقة النقشبنديَّة ونحوها، ولا حاجة لنا إلـى ذكر هذه الطرق والتفصيل في آدابها وما يلتزمهُ المريدون فيها مِن أذكار ودعوات، لأنَّ الطرق كثيرة والـمنــشــئــون لـها عــبـر الزمان كــثيـر وسيأتـي غيرهم بعد زماننا هذا، فيكفي أن نعلم الضابط الصحيح للتصوف لنحكم على ما يُـخالفه أو مَن يُخالفهُ بالزيغ والضلال، وهذا أصلٌ نافع، تمسَّك بهِ أهل السنَّة المنصفون، وقد أعملوه فـي المذاهب الفقهيَّة مِن قبل، فالمذاهب الفقهيَّة الأربعة متفقة على الالتزام بأصول الاستدلال الثلاثة اللازمة التي مَن خالفها عُدَّ زائغًا وهي الكتاب والسنَّة والإجماع. ولذلك ضلَّلَ أهل السنَّة منكري الإجماع مِن المعتزلة ولم يُعتَدَّ بـهم فـي أيِّ خلاف فقهي، فأيُّ مذهبٍ فقهي جديد ينشئهُ منشئٌ فإنَّه لابدَّ مِن النظر في أصوله، فإنَّه لا يُذَمُّ اسمهُ مجرَّدًا، بل لابدَّ مِن النظر في أصول استدلاله ومدارك أحكامِهِ إن كان موافقًا للضابط الذي يتَّبعهُ المسلمون أم مخالف له، على أنَّ جماهير العلماء قد منعوا التمذهب بغير المذاهب الأربعة لمصالح شرعية، لكن كلامنا عن التأثيم وكونِهِ لا مانع مِنه في نفس الأمر.
        وكذلك الحالُ في طرق التصوف، فالطريقة المخالفة للنظر الشرعي طريقةٌ فاسدةٌ مردودة، والطريقة الموافقة طريقةٌ محمودة. وأنا لا أعلم أنَّ هناك نصٌّ عن أحدٍ مِن الأئمة الأربعة مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة يُـجيزُ اتخاذ طريقته في الفقه مذهبًا، ولكن الأُمَّة اتفقت على جواز ذلك لكونهم أهل هدايةٍ، والمتحنبلُ مثلاً لا يُقال عنه أنَّه اتخذ اسمًا غير اسم السنَّة أو رغب عن هدي محمد وأقبل على هدي أحمد بن حنبل، بل هو متبعٌ للسنَّة ولكنَّه أقبل على طريقةِ مجتهدٍ أهلٍ للنظر أجمعت الأُمَّة على هدايتِهِ، وهكذا الحال في طرق التصوف، فما دام الانتسابُ في أصول الدين إلى أهل السنَّة والجماعة لا إلى مسمَّياتٍ أخرى، فإنَّ الانتساب إلى الطرق الفقهيَّة أو السلوكيَّة الصوفيَّة لا يضر.
        والخلاصة: أنَّه ينبغي التفريق بين الطرق الصوفيَّة والمذاهب الاعتقاديَّة في أصول الدين، فقد يكون السالك للتصوف سنيٌّ، وقد يكون مبتدعًا، وقد يكون زنديقًا.
        ولذلك ذكر ابن النديم رحمه الله أقوال أعلام أهل السنَّة والجماعة مِن الخلف في أخذهم علم التصوف عن السلف، وبيَّن أنَّ منتهى هذا الأخذ «الصحابة الكرام» رضي الله عنهم، فقال رحمه الله: (قرأتُ بخطِّ أبي محمَّد جعفر الخلدي، وكان رئيسًا مِن رؤساءِ المتصوِّفَة ووَرِعًا زاهدًا، وسـمـــعــــتُـــهُ يقول ما قرأتُهُ بـخـــطِّــــهِ: أخذتُ عن أبـي القاسم الـجُــنَــيـد بن محمَّد، وقال لـي: أخذتُ عن أبـي الحسن السري بن الـمغلس السقطي. وقال: أخذ السري عن معروف الكرخي، وأخذ معروف الكرخي عن فـــرقـــد السبخي، وأخذ فـــرقـــد عن الـحسن البصري، وأخذ الحسنُ عن أنس بن مالك. ولقي الحسنُ سبعين مِن البدريِّين) انتهى [كتاب "الفهرست" لابن النديم ص319].

        وبعض الوهابيَّة في زماننا يطعنون فـي الـجُـــنــيد المذكور في كلام ابن النديم جهلاً مِنهم بهِ، وهؤلاء لا عبرةَ بِطَعنِهِم، فإنَّ الجنيد رحـمــه الله مِن أهل السنَّة وإمامٌ مِن أئمة الـهدى، لـم يطعن فيه أحدٌ مِن أئمة أهل السنَّة والجماعة، بل حتى الشيخ ابن تيمية لم يتكلَّم فيه إلاَّ بخير، وهم يدَّعون اتِّباعَ ابن تيمية، فقد ذكر أنَّه مِن المهتدين على عقيدة أهل السنَّة، فقال رحمه الله: (وأمَّا الذين جـمعوا الآراء الفلسفيَّة الفاسدة والـخيالات الصوفــيَّـة الكاسدة، كابن عربـي وأمـــثــالـــه، فهم مِن أضلِّ أهل الأرض، ولـهذا كان الـجُنَيد رضي الله عنه سيِّد الطائــفــة إمام هدى، فكان قد عَرَفَ ما يعرض لبعض السالكين، فلـمَّا سئل عن التوحيد قال: التوحيدُ إفرادُ الحدوث عن القِدَم. فبيَّن أنَّه يُـمَيِّزُ الـمُحدَث عن القديم، تـحذيرًا عن الـحلول والاتـحاد، فجاءت الـملاحدة كابن عربـي ونحوه، فأنكروا هذا الكلام على الـجُنَيد، لأنَّه يُبطِلُ مذهبهم الفاسد، والـجُنَيدُ وأمثالهُ أئمة هدًى، ومَن خالفَهُ في ذلك فهو ضال) انتهى[مجموع فتاوى ابن تيمية ج5/ص491].

        ونعود إلى كلام ابن النديم، فإنَّ ما ذكرهُ مِن أخْذِ علماء أهل السنَّة والجماعة مِن الـخلف علم التصوف مِن بعضهم البعض إلى السلف الصالح، أمرٌ ظاهرٌ مِن الروايات عنهم، وقد بيَّن ذلك ابن خلدون وأطال في بيانِهِ، فكان ممَّا قال عن علم التصوف: (هذا العلمُ مِن العلوم الشرعيَّة الحادثة في الـمِلَّة، وأصلُهُ أنَّ طريقة هؤلاء القوم لـم تزل عند سلف الأُمَّة وكبارها مِن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقةَ الـحقِّ والـهِدَايَة، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلـى الله تعالـى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يُقبِلُ عليه الجمهور مِن لذَّةٍ ومالٍ وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عامًّا في الصحابة والسلف، فلـمَّا فشا الإقبالُ على الدنيا في القرن الثاني وما بعدهُ، وجنَحَ الناسُ إلى مخالطة الدنيا، اختصَّ المقبلون على العبادة باسم الصوفيَّة والمتصوِّفَة) انتهى [كتاب "تاريخ ابن خلدون" مِن مقدمته المشهورة ج1/ص368].

        قلتُ: وقد ألَّف الحافظ أبو نعيم كتابَهُ المسند المشهور "حلية الأولياء" في ترجمة الأولياء مِن الصوفــيَّـة وبيان مناقبهم وما رووا مِن الأحاديث مِن عهد الصحابة حتى أواخر القرن الثالث، وهو كتابٌ جليلٌ يُعَدُّ مِن دواوين السنَّة المسندة المهمَّة. والحافظ أبو نعيم مِن أعلام أهل السنَّة والجماعة المتَّبعين للسلف الصالح، فهو ممَّن صحَّت عقيدته وصفا منهجه.
        وذكر في مقدِّمَتِهِ التفريق بين صوفيَّة أهل السنَّة والجماعة وبين صوفيَّة المنتحلين وأهل البدع والحلوليَّة الكفار، فقال رحـمــه الله: (فقد استعنتُ بالله عزَّ وجل، وأجبتك إلى ما ابتغيت مِن جمع كتاب يتضمَّنُ أسامي جماعةٍ، وبعض أحاديثهم وكلامِهِم، مِن أعلامِ الـمتحقِّقين مِن الـمتصوِّفَة وأئمتهم، وترتيب طبقاتـهِم مِن الـــنُّــسَّاك ومحجتهم، مِن قــرنِ الصحابــةِ والتابعين وتابعيهم، ومَن بعدهم مـمَّن عرَفَ الأدلَّة والحقائق، وباشَرَ الأحوال والطرائق، وسَاكَن الرياض والحدائق، وفارق العوارض والعلائــق، وتبرَّأ مِن الـمتنطعين والمتعمِّقين، ومِن أهل الدعاوى مِن المتسوِّفين، ومِن الكسالى والمثبِّطين، المتشبهين بهم في اللباس والمقال، والمخالفين لهم في العقيدةِ والفعال، وذلك لما بلَغَكَ مِن بسط لساننا ولسانِ أهل الفقه والآثار في كل القطر والأمصار، في الـمـنـــتــســبين إلــيهم مِن الــفسَقَة الـــفجار، والـمُباحــيَّــة والحلولـــيَّــة الكـــفَّــار، وليسَ ما حلَّ بالكَذَبَةِ مِن الوقيعَةِ والإنكارِ بقادِحٍ في مَنقَبَةِ البرَرَةِ الأخيار، وواضعٌ مِن درَجَةِ الصفوةِ الأبرار، بل في إظهارِ البراءة مِن الكذَّابين والنكيرِ على الخَوَنةِ الباطلين نزاهةٌ للصادقين ورِفْعَةٌ للمتحقِّقين، ولو لـم نَكشِف عن مخازي المبطلين ومساويهم ديانَةً، لَلَزِمَنا إبانتها وإشاعتها حميةً وصيانة.
        إذْ لأسلافِنَا في التصوف العِلْمَ المنشور، والصيت والذكر المشهور) إلى هنا كلامُهُ رحمه الله [كتاب "حلية الأولياء" لأبي نعيم ج1/ص26].

        أقول: ولـمَّا كان مِن سلف هذه الأُمَّة مِن أهل السنَّة والجماعة متصوِّفة، وجدنا علماء أهل السنَّة مِن الأشاعرة والماتريدية يختلفون في ترجيح طريقةٍ في التصوف كما يختلفون في ترجيح طريقةٍ في الفقه.
        فنجدُ أنَّ الإمام السبكي وهو شافعي في الفقه ومِن أكابر أئمة أهل السنة والجماعة، يُرجِّحُ لنفسِهِ طريقة الجنيد في التصوُّف، وقد تبعه على ذلك كثيرٌ مِن متأخري الشافعيَّة، فقال رحمه الله في كتاب "جـمع الـجوامع فـي أصول الفقه": (وأنَّ أبا الحسن الأشعري إمامٌ فـي السنَّة مُـــقــدَّم، وأنَّ طريق الشيخ الـجــنـــيد وصحبِهِ طريقٌ مـــُقـــوَّم) انــــتـــهـــى [كتاب "جمع الجوامع" في أصول الفقه ص491].
        قال الجلال في شرحِهِ على "جمع الجوامع": ("وصحبِهِ طريقٌ مُقوَّم" فإنَّه خالٍ مِن البدع، دائرٌ على التسليم والتفويض، والتبرِّي مِن النفس) انتهى [كتاب "حاشية البناني على شرح الجلال" ج2/ص651].

        تعليق

        • صالح عبدالرحمن الجبرين
          طالب علم
          • Feb 2015
          • 29

          #5
          (4) المبحث الرابع: اختلاف العلماء في جواز استعمال لفظ "التصوف" للتعبير عن السلوك والتزكية:
          اختلف العلماءُ في جواز إطلاق اسم "التصوف" على حقائق التزكية والسلوك أو جواز إطلاق "المتصوف" على القائم بخصال التصوف، على قولين:
          (1) القول الأوَّل: تحريـم استعمال هذا الاسم مطلقًا لأنَّه اسمٌ مُـحدَث، والاكتفاء بالأسـماء الشرعيَّة، كالزهد والتزكية والــتــعـــبُّـد والإحسان ونحو هذه الأسـماء التي جاءت بـها النصوص. ولا أعلم مَن ذهب إلى هذا القول سوى الإمام ابن الجوزي وبعض الوهابيَّة في زماننا. بل لقد غالا ابن الجوزي وذمَّ التصوف بمضمونهِ وهو مذهبٌ تفرَّد بهِ ولم يُسبَق إليه، وذمُّ الاسم لذاتِهِ قولٌ مرجوح، فكيف إذا انضافَ إليهِ ذم الحقائق الشرعيَّة الصحيحة المضمَّنة فيه؟
          قال ابن الجوزي بعد أن عرَّف التصوف وذكر أصل اشتقاقه: (وهذا الاسمُ ظهر للقوم قبل سنة مئتين، ولـمَّا أظهرهُ أوائلهم تكلموا فيه وعبَّروا عن صفتِهِ بعباراتٍ كثيرة، وحاصلها أنَّ التصوف عندهم رياضة النفس. ومجاهدة الطبع بردِّهِ عن الأخلاق الرذيلة، وحَمْلِهِ على الأخلاق الجميلة مِن الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إلى غير ذلك مِن الخصال الحسنة التي تُكسِبُ المدائح في الدنيا والثواب في الأُخرى ...) حتى قال: (وعلى هذا كان أوائل القوم، فلبَّسَ إبليس عليهم في أشياء ثمَّ لبَّس على مَن بعدهم مِن تابعيهم، فكلما مضى قرنٌ زاد طمعه في القرن الثاني، فزاد تلبيسُهُ عليهم إلى أن تمكَّنَ مِن المتأخرين غاية التمكن.
          وكان أصل تلــبـــيـــســهِ علــيهم أنَّــه صدَّهم عن العلم، وأراهم أنَّ الـمقصود العمل، فلـمَّا أطفأ مصباح العلم عندهم تـخبطوا في الظلمات، فمِنهم مَن أراهُ أنَّ الـمقصود مِن ذلك ترك الدنيا فـي الـجملة، فرفضوا ما يصلح أبدانهم، وشبهوا المال بالعقارب، ونسوا أنَّه خلق للمصالح، وبالغوا في الحمل على النفوس، حتى أنَّه كان فيهم مَن لا يضطجع، وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة، غير أنَّهم على غير الجادَّة، وفيهم مَن كان لقلَّةِ علمِهِ يَعمَلُ بما يقعُ إليهِ مِن الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري) انتهى [كتاب "تلبيس إبليس" لابن الجوزي ص158].

          ثم بالغَ ابن الجوزي فتجنَّى على أئمةٍ أعلامٍ مِن الحفاظ المتقدمين كأبـي نـــعـــيـم الأصبهانـي الـمجمع على إمامــــتِـــهِ في العلم والــســـنَّــة، فقال: (وجاء أبو نعيم الأصبهاني فصنَّف لـهم -أي للصوفــيَّـة- كتاب «الحليَة»، وذكرَ في حدود التصوف أشياء مُنكَرَة قــبــيحَة، ولـم يــــســــتَــحِ أن يَـــذكـر فـي الـــصــوفـــــيَّـــة أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وسادات الصحابة رضي الله عنهم، فذكر عنهم فــــيـــه الــعـجب، وذكر مِنهم شريـحًــا الــقاضي، والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل) انتهى [كتاب "تلبيس إبليس" لابن الجوزي ص160].

          قلتُ: أمَّا الحافظ أبو نعيم فهو مِن أئمة المسلمين المهتدين بهدي السلف الصالح المشتغلين بالحديث مجمعٌ على إمامتهِ مجمعٌ على هدايتِهِ، وكتابهُ "حلية الأولياء" مِن أجلِّ دواوين الإسلام المسندة مشحونٌ بالأحاديث والآثار الصحيحة والحسنة والضعيفة، وهو مِن أكثر دواوين الإسلام نفعًا، وقد أجمع العلماء على أنَّه مِن دواوين السنَّة الحسنة النافعة، ومع أنَّ كتاب الحلية فيه روايات في أسانيدها بعض الوضاعين وبعض المتروكين، وقلَّما يسلم مِن ذلك كتاب، فإنَّ فيه الكثير مِن الصحيح والحسن، وليس فيه حديث موضوع، فالمراد أنَّ الحافظ أبا نعيم إمامٌ بلا نزاع نعلمه، فلا عبرة بتشنيع ابن الجوزي، وابن الجوزي رحمه الله صحيح الاعتقاد ولم يكن مِن مجسمة الحنابلة بل كان مِن المنزهةِ موافقًا للأشعري، فله كتاب "دفع شبه التشبيه" مشهورٌ ثابتٌ عنه، ولكنه رحمه الله له زلة الحط مِن التصوف وأهله ولا معصوم إلاَّ مَن عصمه الله، فرحمه الله.

          ولنعد الآن إلى مذهب منكري اسم "التصوف".

          فربَّـما عضد منكروا التصوف مِن الوهابـــيَّـة قـولَـهم وشدُّوا أزرهُ بأثــريــن عن الشافعي، روى أحدهـما الحافظ أبو نــعـــيم في الحلية، فقال: (حدَّثنا أبو محمد بن حيَّان، حدَّثنا أبو الحسن البغدادي، حدَّثنا ابن صاعد، قال: سـمعتُ الشافعي يقول: أُسِّسَ التصوُّفُ على الكَسَل) انتهى [كتاب "حلية الأولياء" لأبي نعيم ج7/ص275].
          فهذا قد يُفهَمُ مِنه ذم التصوف.

          والجواب عن هذا الأثر: أنَّه أثر ضعيفٌ لانقطاع الإسناد، ومع ضعفِهِ فهو مُتَأوَّلٌ ولابدَّ. أمَّا إسنادُهُ: فأبو محمد بن حيَّان هو أبو الشيخ الأصبهانـي شيخُ الحافظ أبو نعيم، وهو إمامٌ حافظٌ معروف، وأمَّا أبو الحسن البغدادي فهو الدارقطني الحافظ المعروف، وأمَّا ابن صاعد فهو يحيى بن محمد بن صاعد الحافظ، وهو لـم يسمع مِن الشافعي ولـم يُدركهُ، فابن صاعِد ولد سنة ثمان وعشرين ومئتين 228هـ كما ذكر ذلك الخطيب [كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي ج16/ص342]، وأمَّا الشافعي رحمه الله فتوفي سنة أربع ومئتين 204هـ. فالانقطاعُ دليلُ ضعف الأثر.
          وأمَّا تأويلُهُ لو سلَّمنا صحَّـــتَــهُ: فهو في أقــوامٍ يَــنــتَــسِــبُــون إلى التصوف قد سلكوا طريقةً باطلةً فـي التصوف، ولـم يُرِد أنَّ التصوف نفسه قد أُسِّسَ على الكسل المذموم.
          وقال قومٌ آخرون في تأويلهِ: بل هــذه تــزكـــيـةٌ، فالـمرادُ بالكسلِ المعنى المجازي، فالكسلُ هو التثاقلُ عن ما لا ينبغي التثاقل عنهُ، والـمرادُ بِهِ على المجاز: التثاقل عن طلب الدنيا والزهدُ في الأسباب والتعلق بربِّ الأسباب. وقد ذكر هذا التأويل محقق كتاب "حلية الأولياء" في الحاشية مِن النسخة التي بين يدي.
          والتأويل الأوَّلُ أظهرُ، وأقربُ إلى الظاهر، فإنَّه لا يمكن أن يُطلَق اللفظ المذموم على الأمر الحسن ويكون المراد المجاز إلاَّ بقرينة تصرفهُ إلى المجاز، ولا قرينة هنا، فالصحيح أنَّه يُوجَّهُ إلى أقوامٍ انتسبوا إلى التصوف غلب عليهم الأكل والشرب والنوم وترك العمل، ولـم يُرِد بذلك ذم التصوف نفسه.

          وأمَّا الأثر الثاني عن الشافعي، فهو مِن كتاب "مناقب الشافعي" للبيهقي، وهو ضعيفٌ كذلك، والتأويلُ داخلٌ عليه كالرواية السالفة.
          قال البيهقي: (أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، قال: سمعتُ أبا محمد جعفر بن محمد بن الحارث يقول: سمعتُ أبا عبدالله الحسين بن محمد بن بحر يقول: سمعتُ يونس بن عبدالأعلى يقول: سمعتُ الشافعي يقول: لو أنَّ رجلاً تصوَّف مِن أوَّل النهار لـم يأتِ عليه الظهر إلاَّ وجدتهُ أحمق) انتهى [كتاب "مناقب الشافعي" للبيهقي ج2/ص207].
          وقد طار بعض الوهابيَّة بهذا الأثر كلَّ مطار، وجعلوهُ عمدةً يردُّ كلَّ ما رويَ عن غير الشافعي مِن الأئمة فجاوزوا الحدَّ والمقدار.

          والأثرُ يُجَابُ عنه بثلاثة أجوبة:

          (1) الجوابُ الأوَّل: أنَّه أثرٌ ضعيفُ الإسناد كذلك. فإنَّ فيه الحسين بن محمد بن بـحر، ولـم يترجم له أحد فيما أعلم إلاَّ الدارقطني، ووثَّقهُ. فقد جاء في سؤالات حمزة للدارقطني: (وسألتُهُ عن أبي عبدالله الحسين بن محمد بن الضحاك، يُعرَف بابن أخي بحر بمصر، فقال: ثقة) انتهى [كتاب "سؤالات حمزة السهمي" ص204].
          قلتُ: ولـم يذكرهُ أحد مِن المتقدمين ممَّن يمكن أن يطلع على حاله سوى الدارقطني، وليس لابن بحرٍ هذا وجودٌ في الكتب إلاَّ عند الدارقطني، ولم يذكر الدارقطني ولا غيره مِن المصنفين شيوخ ابن بحر ولا مَن روى عنه، ولا سنة ولادته ولا وفـــاتِــــهِ، فكيف يُعلَمُ اتصال الــســنـد؟ أفلا يــفـقـه هؤلاء؟ وإن نازعونا في جهالة الـحال، فلن يقدروا أن يُنازعونا في عدم الاتصال، فهو أثرٌ ضعيفٌ لا محالة.

          (2) الجواب الثاني: أنَّ الأثر متأوَّلٌ بـمثل الأثر السابق عند أبي نعيم، فنقول: بل هذا الكلام وجَّههُ الشافعي لـمَن لم يستحق مِن اسم التصوف إلاَّ مجرَّد الاسم ولم يتحلَّ بالمعاني الشرعيَّة التي يتحقق بها التصوف.
          والبيهقي وهو الذي روى هذا الأثر، وهو أعلم مِن الوهابيَّة ومِنِّي، ذكر هذا التأويل، ولا أعلم أحدًا مِن أهل العلم مَن يُعمِّمُ هذا الأثر على التصوف نفسه إلاَّ هؤلاء القوم.
          قال البيهقي رحمه الله: (وإنَّـــما أراد بهِ مَن دخلَ فـي الـــصــوفـــــيَّــــةِ واكتفى بالاسم عن الـمعنـى، وبالرسم عن الحقيقة، وقَـــــعَـــدَ عن الكسب، وألقى مؤنَتَهُ على المسلمين، ولـم يُبَالِ بـهم ولـم يـــرعَ حقوقَهم، ولـم يَشتَغِل بعلمٍ ولا عبادَة، كما وَصَفَهُ في موضعٍ آخر) انتهى [كتاب "مناقب الشافعي" للبيهقي ج2/ص207].
          أفيكون القوم أعلم مِن الإمام البيهقي؟ وسائرُ العلماء قد تأولوا هذا الأثر على قومٍ بأعيانهم لا على التصوف ذاتِهِ، ولـم يحمل الأثر على عمومِهِ إلاَّ هؤلاء.

          (3) الجواب الثالث: أنَّه قد رُويَ عن الشافعي رحـمه الله ما فيه الثناء على الصوفـــيَّــة صراحة، وهذا يدلُّ على أنَّ ما رُوِيَ عنه في الذمِّ مـخصوصٌ بأدعياء التصوف، لا التصوف نفسه.
          قال الـبــيــهــقـي فـي "مــنـاقـب الشافعي": (أخبرنا محمد بن عبدالله، قال: سمعتُ أبا زرعة الرازي يقول: أحمد بن محمد بن السندي يقول: سمعتُ الربيع بن سليمان يقول: سمعتُ الشافعي يقول: ما رأيتُ صوفيًّا عاقلاً قطُّ إلاَّ مسلم بن الخوَّاص) انتهى [كتاب "مناقب الشافعي" للبيهقي ج2/ص207].
          وهذا صريحٌ في الــثــناء على صوفـيٍّ باسم الــصــوفـــيَّـة، وهذا يدلُّ على أنَّ ذمَّهُ كان على مَن لـم يــســـتــحـــق اسم التصوف، لغلبةِ الأدعياء، لا أنَّ التصوف في نفسهِ مذموم.
          وكذلك قال البيهقي معلقًا: (وإنَّما أرادَ بهِ ذمَّ مَن يكون مِنهم بهذه الصفة، فأمَّا مَن صفا مِنهم في الصوفيَّة، بصدق التوكل على الله عزَّ وجل، واستعمال آداب الشريعة في معاملتهِ مع الله عزَّ وجل في العبادة، ومعاملتهِ مع الناس في العشرة، فقد حُكِيَ عنهُ أنَّه عاشرهم وأخذ عنهم.
          وذلك فيما أخبرنا أبو عبدالرحمن السلمي، قال: سمعتُ عبدالله بن الحسين ابن موسى السلامي يقول: سمعتُ علي بن أحمد يقول: سمعتُ أيوب بن سليمان يقول: سمعتُ محمد بن محمد بن إدريس الشافعي يقول: سمعتُ أبي يقول: صحبتُ الصوفيَّة عشرَ سنين، ما استفدتُ مِنهم إلاَّ هذين الحرفين: الوقتُ سيفٌ، ومِن العصمة أن لا تقدر) انتهى [كتاب "مناقب الشافعي" للبيهقي ج2/ص208].
          فهذا الشافعي نصَّ على صحبتهم عشر سنين ولـم ينهَ عن ذلك ولـم يُـــبدِ ندمًا، ونصَّ على أنَّه استفادَ مِنهم حرفين، وهذا لا يعني أنَّه لا فائدة عندهم، بل يعني أنَّ الصوفية الذين صحبهم الشافعي كانوا مشغولين عنه بالاشتغال بالآخرة، ومَن زعم أنَّه يقصد عدم الفائدة عندهم فقد أبعد لأنَّهُ نصَّ على أنَّه استفاد مِنهم، ومِن كلام البيهقي يتَّضحُ بأنَّه يحتجُّ بهذه الرواية والسابقة في عدم تعميم الأثر المروي عن الشافعي في ذم التصوف، فهذا الأثر وما ذكرتُ قبله يدل على أنَّ ذمَّه إنَّما كان لـمَن لـم يستحق مِن التصوف إلاَّ الاسم.
          ولا حاجة للإطالةِ في الرَّد على هؤلاء القوم.

          (2) القول الثاني: جواز إطلاق اسم التصوف، إذا لم يُخالف المعنى المضمَّن لـهذا الاسم أمرًا مِن أمور الدين الثابتة بالنص، وإلى هذا ذهب جمهور علماء الأمَّة وأئمتها وسلفها الصالحين، وأشهر مَن رويَ عنهم عدم التحرج مِن استعمال هذا الاسم مِن أئمة السلف الصالح: الإمام أحـمـد بن حــنــبــل، والشافعي وقد سبق قــولــه.

          أمَّا الإمام أحمد، فقد رويَ عنه في ذلك الشيء الكثير، وممَّا جاء عنهُ:
          *جلوسُهُ رحمه الله مع الصوفيَّة، حيث كان بعض العلماء الذين سلكوا طريق التصوف وتسموا بهِ يُجالسون أحمد ولم يكن يُنكر عليهم انتسابهم للتصوف.
          ومِنهم أبو تراب الزاهد الصوفي رحمه الله، وهو مِن علماء أهل السنَّة ومِن أشهر المتصوفة، قال عنهُ القاضي ابن أبي يعلى الحنبلي: (عَسْكَر بن الحصين، أبو تراب النخشبي الصوفـي: قَدِمَ بغداد غيرَ مرَّة. وكان يحضُرُ مَجلِسَ إمامنا) انتهى [كتاب "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى ج1/ص248].
          فهذا أبو تراب رحمه الله، وهو مِن أشهر مَن كان يتسمَّى بالتصوف، كان يُجالس الإمام أحمد ولـم يُنكر عليه ولـم يستشنع انتسابه إلى اسم التصوف.

          * ورُوِيَ عن الإمام أحمد مناداة الصوفيَّة بهذا الاسم مع عدم التحرُّج مِنه، ومما رويَ عنه في هذا:
          ما ذكرهُ القاضي ابن أبي يعلى في ترجمة أحد الصوفـــيَّـة مِن أصحاب أحمد، قال: (محمد بن إبراهيم، أبو حمزة الصوفي: كان يتكلَّمُ في جامع الرصافة، ثـمَّ انتقَلَ إلى جامع المدينة، وكان عالـمًا بالقراءات، جالسَ إمامنَا واستفادَ مِنه أشياء) ثـم قال بعد تــرجــمـتــهِ هذه: (أخبرنا أحـمد نــزيــل دمشق، أخبرنا أبـــو عبدالرحـمـن الـحـمــيــري، أخبرنا مـحمد بن الحسين السلمي، سـمعتُ محمد بن الحسين البغدادي، يحكي عن ابن الأعرابي، قال: قال أبو حمزة: كان الإمام أحمد بن حنبل يسألني في مجلسِهِ عن مسائل، ويقول: ما تقولُ فيها يا صوفي؟
          قلتُ أنا: أرادَ والله أعلم بسؤالهِ: إن أصابَ أقرَّهُ عليه، وإن أخطأ بيَّنَهُ له) انتهى[كتاب "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى ج1/ص268].
          وهناك ترجـمـةٌ أخرى، قال القاضي ابن أبي يعلى: (يوسف بن الحسين بن علي، أبو يعقوب الرازي، مِن مشايخ الصوفيَّة. كان كثيرَ الأسفار وصَحِبَ ذا النون المصري، وأبا تراب النخشبي، وأبا سعيد الخراز، وحكى عن ذي النون، وسَمِعَ إمامنا أحمد) ثم ذكر القاضي قصته مع أحمد فقال: (قرأتُ في كتاب ابن ثابت: حدَّثنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين بن حمزة الصوفي، حدَّثنا أبو بكر محمد بن أحـمد القرشي، حدَّثنا يوسف بن الحسين الرازي، قال: قلتُ لأحمد بن حنبل: حدِّثني! فقال: ما تصنعُ بالحديث يا صوفي؟ فقلتُ: لابدَّ حدِّثني ...) فحدَّثهُ أحمد رحمه الله بحديث [كتاب "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى ج1/ص418].

          وقد أيَّد مِن المتأخرين جواز إطلاق اسم "التصوف" على الحقائق المذكورة في تعريفهِ الإمام ابن تيمية، فقد ذكر جواز استعمال هذا اللفظ في فتاويه، فقال: (أمَّا لفظُ الصوفيَّة فلم يكن مشهورًا في القرون الثلاثة، وإنَّما اشتهرَ التكلم بهِ بعد ذلك، وقد نُقِلَ التكلم بِهِ عن غيرِ واحدٍ مِن الأئمة والشيوخ، كالإمام أحـمد بن حنبل، وأبو سليمان الداراني وغيرهما. وقد رُوِيَ عن سفيان الثوري أنَّه تكلَّم بهِ، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري ...) ثم استطرد ابن تيمية في اشتقاق اللفظ، حتى قال: (ولأجلِ ما وقَعَ في كثيرٍ مِنهم مِن الاجتهاد والتنازع فيه، تنازَعَ الناسُ في طريقهم، فطائفةٌ ذمَّت "الصوفيَّة والتصوف"، وقالوا: إنَّهم مبتدعون خارجون عن السنَّة، ونُقِلَ عن طائفةٍ مِن الأئمة في ذلك مِن الكلام ما هو معروف، وتَبِعَهم على ذلك طوائف مِن أهل الفقه والكلام.
          وطائفةٌ غَلَت فيهم، وادَّعوا أنَّهم أفضل الخلق، وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم.
          والصوابُ: أنَّهم مجتهدون في طاعةِ الله، كما اجتهدَ غيرهم مِن أهــل طـاعــةِ الله، ففيهم السابقُ المقرَّبُ بحسبِ اجتهادِهِ، وفيهم المقتصدُ الذي هو مِن أهل اليمين، وفي كل مِن الصنفين مَن قد يجتهدُ فيخطئ، وفيهم مَن يُذنِبُ فيتوب أو لا يتوب.
          ومِن المنتسبين إليهم مَن هو ظالمٌ لنفسِهِ، عاصٍ لربِّهِ.
          وقد انتسَبَ إليهم طوائف مِن أهل البدع والزندقة، ولكن عندَ الـمُحقِّقين مِن أهل التصوف ليسوا مِنهم) إلى هنا كلامُهُ المراد [مجموع فتاوى ابن تيمية ج11/ص5].
          ولكنَّ الشيخ تقي الدين ابن تيمية أخطأ فتوهَّم أنَّ الناسَ انقسموا في حقِّ الصوفيَّة، وهذا نظرٌ غير سديد، فما رويَ عن بعض السلف والعلماء في الذم إنَّما هو في حق مَن ابتدَعَ وخالفَ في التصوف، وليس ذمًّا للتصوف نفسه، وقد تبع ابن تيميَّة على هذا الخلط مَن أنكر التصوف مطلقًا مِن الوهابيَّة في زماننا، ولكنَّهم لشدَّة زيغهم خالفوه فتركوا كلامه فـي الثناء وانتقوا الذم فجعلوه مطلقًا زورًا وبهتانًا.

          وقال عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب ضمنَ عــقـــيــدتـــهِ الــتـي صرَّح بـها لـــعـــلــمــاء مكَّة: (ولا نُــــنكِــــرُ الـطريــقـة الـــصـــوفــــــيَّــــة، وتــــنـــزيــهَ الباطن مِن رذايلِ الـمـعــاصي، الـمتــعلِّــــقَــةِ بالقلب والجوارح، مهما استــقام صاحبها على القانون الشرعي، والـمنهج الـــقــويـم الـمرعي، إلاَّ أنَّا لا نتكلَّف له تأويلاتٍ في كلامِهِ ولا في أفــعـالِـــهِ، ولا نُــعــوِّلُ ونستعينُ ونَـــســـتـــنــصِــرُ ونتوكَّلُ فـي جـميع أمورنا إلاَّ على الله) انتهى [كتاب "الدرر السنيَّة في الأجوبة النجديَّة" ج1/ص241].
          قلتُ: وهذا هو القول الذي لا يَــــرتــــضـــي المنصفُ غيره، ولكنَّه جاوَزَ فقال: (لا نتكلَّفُ له تأويلاتٍ في كلامِهِ) وهذا قولٌ فاسد، فالاعتذارُ للمسلم في خطئه مقدَّمٌ واجب، وكلام عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب مرفوض وهو معدودٌ في غلو الوهابية الذين لا يقبلون للمسلمين عذرًا ويكثرون مِن سوء الظنون بهم، فينبغي أن يُحمَلُ قول المسلم على أحسنِ المحامل، ولا يُــلــزَمُ المسلم بالــقـولِ الفاسدِ إلاَّ إذا كان صريـحًا جدًّا أو إذا سئل عنهُ فالتزمَ بمعناه الظاهر نصًّا، وهذا معلومٌ لا حاجَةَ إلى التدليل عليه فهي مِن مسائل الآداب الشرعيَّة.
          وكذلك قولُهُ في حقِّ الصوفــيَّـة: (ولا نُعَوِّلُ ونستعين ونستنصِرُ ونتوكَّلُ في جميع أمورنا إلاَّ على الله)، قولٌ مبنيٌّ على الخطأ والشذوذ في مسألة التوسل، وهي مسألةٌ شذَّ فيها ابن تيمية وتبعهُ عليها الوهابيَّة، والمقام لا يحتمل بيانها.
          وقـــد روى الـــبـخــاري أنَّ الـــنبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "هل تــنـصــرون وتُـــرزَقـــون إلاَّ بـضــعــفـائكم ؟" [رواه البخاري في كتاب الجهاد، برقم (2896)].

          والقول الراجح:
          هنا لا شكَّ هو القول الثاني. وهو قولٌ تشهد له النصوص العامَّة الدالَّة على جواز إطلاق الأسماء المحدثة على أيِّ أمرٍ، ولو كان مِن الدين.

          والعلماء قد أطلقوا الأسماء المحدثة اجتهادًا مِنهم على أمورٍ دينيَّة كثيرة، دخلت في الفقه الإسلامي مِن غير نكير، ففي باب الصلاة مِن الفقه الكثير مِن التسميات الـمحدثــة، فأركان الصلاة وواجباتـها أسـماءٌ لـم نـجد لـها في الــنــصــوص ذكرًا، وكذلك الحالُ في باب الصيام وبابِ الحج، فنجد أنَّ العلماء قد أطلقوا في هذه الأبواب وغيرها أسماء ومصطلحات محدثة، ولـم يُطالبوا أنفسهم بدليلٍ على هذه التسميات لأنَّ معانيها قد ثبتت بالقرآن والسنَّة، وكذلك أبوابُ الطلاق والقضاء والفرائض، فيها الكثير مِن المصطلحات والأسماء المحدثة، ولو مكثنا لتعديد الأسماء المحدثة في أبواب الفقه لما فرغنا مِنها إلاَّ وقد أستهلكنا في ذكرها المجلدات الكبار، فهذه تسمياتٌ اجتهاديَّة مبنيَّةٌ على المعاني الثابتة بالنصوص.

          تعليق

          • صالح عبدالرحمن الجبرين
            طالب علم
            • Feb 2015
            • 29

            #6
            (5) المبحث الخامس: التعريف بالخوانق أو مصطلح "الرباط" في علم التصوف:
            الرُّبُطُ وتُسمَّى الخوانق: هي الأبنيةُ التي وقفت ليسكنها فقراءُ الصوفية وطلاب العلم مِنهم، والخوانقُ جـمعُ خانقاه، ولا يبني هذه الأبــنــيـةُ في الغالب إلاَّ السلاطين أو الأغــنــياء مِن الـمسلمين وَقْـــفًا لله عـــزَّ وجل، على فقراء الصوفــيَّـة وطلاب العلم مِنهم لــيــسكنوها ويستعينوا بدخلها على الآخرة، ويَصرِفُ الواقِفُ في العادة على هذه الخوانق ما يُقوِّمِها، كما يصرف على ساكنيها نفقتهم. وكان للسلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله فيما نعلم النصيب الأكبر في بناء الخانقات للصوفية.
            ويُسمَّى الخانقاه كذلك بـــ "الرباط"، وجمعها "رُبُط"، وهو مأخوذ مِن الرباط الذي هو ملازمة ثغر العدو. قال ابن منظور في "لسان العرب": (والرباطُ والمرابطةُ: ملازمةُ ثغر العدو، وأصله أن يربط كل واحد مِن الفريقين خيله، ثم صار لزوم الثغر رباطًا) [كتاب "لسان العرب" لابن منظور الأفريقي ج7/ص341].
            قلتُ: فسُمِّي الرباط بهذا الاسم لأنَّ سكَّانه مِن الفقراء الزهَّاد أشغلوا أكثر أوقاتهم في العبادة وطلب العلم، فكأنَّهم مرابطين.
            وقد يُفرِّق البعض بين الرباط وبين الخانقاه، ولا أرى أنَّ هذا سديد، فالاختلاف في التسمية فقط.

            وقد كان الأئمة وأهل العلم والفقه وأهل الهدى والورع يسكنون الرُّبُط إذا تغربوا للعلم، وكان أهل الفضل مِن أغنياء المسلمين والولاة يبنون الربط.
            ولذلك نجد في كثير من تراجم أعلام المسلمين قولهم: "خطب علينا الإمام الفلاني في الرباط"، أو: "وجلس الشيخ الفلاني في الرباط ناحية كذا"، أو نحو هذه العبارات، وهم يعنون هذا.

            وقد روى البخاري في صحــيـحِــهِ وَصْفَ أبي هريرة لأهل الصفة في حديثٍ طويل، جاء فيه قول أبي هريرة رضي الله عنه: "وأهلُ الصُّفَّة أضيافُ الإسلام، لا يأوون على أهلٍ ولا مال ولا على أحدٍ، إذا أتَتْهُ صدقةٌ بَعَث بها إليهم ولم يَتَناول مِنها شيئًا، وإذا أتَتْهُ هديَّةٌ أرسَلَ إليهم وأصاب مِنها وأشرَكَهم فيها" [رواه البخاري في كتاب الرقاق، برقم (6452)].
            وقال الحافظ أبو نعيم: (وكان عدد قاطني الصفة يختلف على حسب اختلاف الأوقات والأحوال، فربما تفرَّق عنها وانتقص طارقوها مِن الغرباء والقادمين فيقل عددهم، وربما يجتمع فيها واردوها مِن الورَّاد والوفود فينضم إليهم فيكثرون، غير أنَّ الظاهر مِن أحوالـهم والمشهور مِن أخبارهم غلبة الفقر عليهم، وإيثارهم القلَّة واختيارهم لـها، فلم يجتمع لهم ثوبان، ولا حضرهم مِن الأطعمة لونان) انتهى [كتاب "حلية الأولياء" لأبي نعيم ج1/ص412].

            بل حتى علماء الحنابلة كانوا يسكنون الرُّبُط، كأبي الخطاب الكلوذاني رحمه الله، بل وحتى مَن نُقِمَ عليه بدعة التجسيم مِن علماء الحنابلة كابن قدامة المقدسي والحافظ عبدالغني المقدسي وغيرهما، كلهم كانوا يسكنون الرُّبط ويَرِدُونَ عليها.
            قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في ترجمة الشيخ محمود بن عثمان الأزجي الحنبلي رحمه الله: (وكان يُطالعُ الفقه والتفسير، ويَجلس في رباطِهِ للوعظ.
            وكان رباطهُ مجمعًا للفقراء وأهل الدين، وللفقهاء والحنابلة الذين يرحلون إلى أبي الفتح بن المني للتفقه عليه، فكانوا ينزلون بهِ، حتى كان الاشتغال فيه بالعلم أكثر مِن الاشتغال بسائر المدارس.
            وكان الرباط شعث الظاهر، عامرًا بالفقهاء والصالحين، سكَنَهُ الشيخ موفق الدين ابن قدامة المقدسي، والحافظ عبدالغني، وأخوه الشيخ العماد، والحافظ عبدالقادر الرهاوي، وغيرهم مِن أكابر الرحالين لطلب العلم) انتهى [كتاب "الذيل على طبقات الحنابلة" لابن رجب الحنبلي ج2/ص63].

            الرَّد على مَن أنكر الرُّبُط والخوانق:
            قد ادَّعى بعضُ الوهابيَّة اليوم أنَّ الرُّبُط بدعةٌ في الدين، وأنَّها لا تجوز، وأخذوا في تنفير الناس عن الخوانق وإرهابهم عن الإنفاق عليها، وادَّعوا أنَّه لا أجر يُبتَغى مِنها ولا خيرَ يُرتجى مِن ساكنيها.
            وهؤلاء قائلوا هذه المقالة شرذمةٌ في الأُمَّة، شذوذهم عن إجماع المسلمين لا يَخفى، ويُبطِلُ مَذهَبَهم في هذه المسألة صريحُ السنَّة، حيث إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كما تقدَّمَ بَنَى صُفَّةً عند مسجِدِه لفقراء الـمهاجرين الذين لا أهل لـهم ولا مال، وقد كانت الصفة التي بناها لـهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم مأواهم ومسكنهم، وكان عليه الصلاة والسلام يُنفِقُ عليهم فيرسل إليهم الصدقات والعطايا.
            والذي يظهر لي أنَّ هذا الفريق مِن الوهابيَّة قد تأثر بأبي إسحاق الشاطبي المتوفـى سنة تسعين وسبع مئة 790هـ، وهو صاحب كتاب "الاعتصام" وكتاب "الموافقات". وهو رحمه الله متعصبٌ متشددٌ في دين الله مِن كبار المتأثرين بابن تيمية، سمَّى أشياء في كتابه "الاعتصام" بدعًا وهي مما أجمع أهل السنَّة على جوازها.
            والمقصود أنَّ الشاطبي اعتبر "الرباط" بدعة، وليس هناك فيما أعلم أحدٌ يقول بقوله هذا قبله وقبل زمانه، وإن كان هناك ثمة مَن يقول بقوله قبل زمانه فهم بلا شك قلة قليلة.
            قال الشاطبي في كتابه "الاعتصام" عند كلامه عن الـــرُّبُــط: (ثـم إنَّ كثيرًا ممن تكلم على هذه المسألة مِن المصنِّفين في التصوف تعلَّقوا بالصُّفَّةِ التي كانت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع فيها فقراء المهاجرين ...) حتى قال:
            (وكان الغالب على أهل المدينة العمل في حوائطهم وأموالهم بأنفسهم، فلم يكن لغيرهم معهم كبير فضل في العمل، وكان مِن المهاجرين مَن أشركهم الأنصار في أموالهم، وهم الأكثرون ...) حتى قال:
            (ومِنهم مَن لم يجد وجهًا يكتسبُ بهِ لقوتٍ ولا لسُكنى، فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في صفةٍ كانت في مسجده، وهي سقيفةٌ كانت مِن جملتهِ، إليها يأوون وفيها يقعدون، إذ لـم يجدوا مالاً ولا أهلاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحض على إعانتهم والإحسان إليهم ...) حتى قال:
            (فالذي تـحصَّل، أنَّ القعود في الصفة لـم يكن مقصودًا لــنــفــســهِ، ولا بناء الصُّفَّة للفقراء مقصودًا، بحيث يقال: إنَّ ذلك مندوبٌ إليه لـمَن قدر عليه. ولا هي شريعةٌ تُطلَبُ بحيث يُقَال: إن ترك الاكتساب والخروج عن المال والانقطاع إلى الزوايا يُشبهُ حالة أهل الصفة ...) حتى قال:
            (فالتشبيهُ بأهل الصفة إذن في إقامة ذلك المعنى واتخاذ الزوايا والرُّبُط لا يصح. فليَفْهَم الموفق هذا الموضع، فإنَّه مزلة قدمٍ لـمَن لم يأخذ دينه عن السلف الأقدمين والعلماء الراسخين) انتهى [كتاب "الاعتصام" للشاطبي ص121].
            قلتُ: بل ما زلَّ إلاَّ صاحب هذه البدعة التي هي إنكار الرُّبُط.

            فأمَّا دعواهُ أنَّ قاطني الصُّفَّة لم يقطنوها إلاَّ لغلبة الفقر عليهم وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لـم يَـبنِهَا إلاَّ للحاجة، وأنَّ الصفة لـم تكن مقصودةً لنفسها، فهي دعوى مردودة، لمخالفتها النصوص الصريحة الصحيحة، والشاطبي رحمه الله كما يظهر لي كان ضعيفًا مِن جهة الاطلاع على النصوص والآثار.

            فمِن النصوص التي جاءت بفضيلة الحالة التي كان عليها أهل الصُّفَّة، وحثِّ النبي صلى الله عليه وسلم أهلها بملازمتها وعدم الاغترار بما زاد عنها، وأنَّ سكناها لـم يكن قدرًا محتمًا فحسب بل كان لبعضهم اختيارًا وتفضيلاً:
            * عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلَّى بالناس يَـخِرُّ رجالٌ مِن قاماتهم في الصلاة مِن الخصاصة، وهم أصحاب الصُّفَّة، حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين أو مجانون، فإذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرفَ إليهم، فقال: "لو تعلمون ما لكم عــنــد الله لأحـــبـــبـــتم أن تزدادوا فــاقــةً وحاجة"، قال فضالة: وأنا يــومــئــذٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الترمذي: هذا حديثٌ صحيح [رواه الترمذي في السنن في كتاب الزهد، برقم (2368)]. قلتُ: وهو صحيحٌ كما قال.
            وهذا نصٌّ صحيحٌ صريحٌ لا يحتمل التأويل ولا التوجيه إلاَّ عند مطبوع القلب، فهو نصٌّ في أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صحَّح حالهم وبيَّن فضله، فطلبُ هذا الحال محمود شرعًا، بدليل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أنَّهم لو علموا حقيقة الثواب المترتب على الحال الذي هم فيه لأحبوا الازدياد مِنه، فهو نصٌّ صريح.

            * ومِن النصوص كذلك: ما رواهُ الحاكم في المستدرك، عن طلحة النَّصْري [في المطبوع عندي (البصري) وهو خطأٌ فاحش، فلا يوجد صحابي بصريٌ فيما أعلم، وهذا الصحابي اسمه طلحة بن عمرو النصري. قال ابن عبدالبر: له صحبةٌ وكان مِن أهل الصفة، وقد قيل فيه: طلحة بن عبدالله. انظر "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبدالبر ج2/ص15]، قال: كان الرجل منَّا إذا قدم المدينة فكان له بها عريف، نزل على عريفهِ، و إن لـم يكن له بها عريفٌ نزل الصفة، فقدمتُ فنزلتُ الصُّفَّة، فكان يَـجرِي علينا من رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم كل يوم مدٌّ مِن تمرٍ بين اثنين، ويكسونا الخنف، فصلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض صلاة النهار، فلمَّا سلَّمَ، ناداه أهل الصفة يمينًا وشـمالاً: يا رسول الله أحرقَ بطوننا التمر، وتَـخرَّقت عنَّا الخنف. فمَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منبره، فصعده، فحمد الله وأثنى عليه، ثـم ذكر الشدة ما لقي من قومه، حتى قال: "ولقد أتى عليَّ وعلى صاحبي بضع عشرة وما لـي وله طعامٌ إلا الـبــريــر"، قال: قلت لأبـي حرب: وأيُّ شيءٍ الـبــريــر؟ قال: طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم تَـمرُ الأراك. "فقدمنا على إخواننا هؤلاء مِن الأنصار، وعظم طعامهم التمر، فواسونا فيه، والله لو أجد لكم الخبز واللحم لأشبعتكم منه، ولكن عسى أن تدركوا زمانًا حتى يُغدَى على أحدكم بـجفنةٍ ويُــرَاح عليه بأخرى"، قال: فقالوا: يا رسول الله أنـحن اليوم خير أم ذاك اليوم؟ قال: "بل أنتم اليوم خير، أنتم اليوم متحابُّون، وأنتم يومئذٍ يضرب بعضكم رقاب بعض"، أراه قال: "متباغضون".
            قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يُخرِّجاه. وقال الذهبي: صحيح [رواه الحاكم في المستدرك في كتاب الهجرة، برقم (4290)].
            قلتُ: وهذا نصٌ كذلك واضحٌ في أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يجعل حالهم هذه أفضل مِن حالهم إذا كان يُغدى عليهم بجفنة ويراح عليهم بأخرى، وهو كنايةٌ عن الملاءة أو حسن المعيشة.

            * ومِن النصوص كذلك: حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحنُ في الصُّفَّة، فقال: "أيُّكم يُحِبُّ أن يغدو كل يوم إلى بُطحان أو إلى العقيق، فيأتي مِنهُ بناقتين كوْماوين في غير إثمٍ ولا قطيعةِ رحم؟"، فقلنا: يا رسول الله نُحبُّ ذلك. قال: "أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلَمُ أو يقرأ آيتين مِن كتاب الله عزَّ وجل خيرٌ له مِن ناقــــتـــيــن ، وثلاثٌ خيرٌ له مِن ثلاث ، وأربعٌ خيرٌ له مِن أربع ، ومِن أعدادهنَّ مِن الإبل!" رواه مسلم [رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، برقم (803)].
            قلتُ: وهذا كذلك صريحٌ في أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَرَفَ أصحاب الصفة عن الحلال المحض مِن المال الجيِّد، أَوَترى أنَّ المال المذكور في الحديث حرام؟ بل هو حلال وطريقهُ كما وصفه عليه الصلاة والسلام طريقٌ حلال، فلم كان صرفهُم عنه إذن؟ وليس هناك جوابٌ معقول على هذا التساؤل في الحديث إلاَّ أنَّه عليه الصلاة والسلام أراد تنزيههم عن الانغماس في الدنيا، فأراد الإشارة إلى حسن حالهم وفضله.
            قال الحافظ أبو نعيم رحمه الله معلِّقًا على هذا الحديث: (فحديث عقبة يُصرِّحُ بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يردُّهم عند العوارض الداعيةِ إلى تـمنِّي الدنيا والإقبال عليها، إلى ما هو أليَقُ بـحالـهم، وأصلحُ لبالهم، مِن الاشتغال بالأذكار، وما يعود عليهم مِن منافع البيان والأنوار، ويُعصَمُونَ بهِ مِن المهالك والأخطار، ويَستَروِحونَ إليه مما يَرِدُ مِن الأماني على الأسرار) انتهى [كتاب "حلية الأولياء" لأبي نعيم ج1/ص413].

            والخلاصة: أنَّ إنكار الشاطبي للرُّبُط لا عبرةَ بِهِ، وكذلك إنكار فريقٍ مِن الوهابيَّة لا عبرة به، ودعوى أنَّ أهل الصفة سكنوها إجبارًا لا اختيارًا أو استحسانًا لها دعوى باطلةٌ بالنصوص الصريحة السالفة، وقد تقدَّم عن علماء الإسلام المهتدين سكناها واستحسانها، وهي أمرٌ مشروعٌ بالاتفاق قبل هؤلاء الناس المنكرين.

            وياويح هــؤلاء الفريق مِن الوهابــيَّــة الذين فـي زمـانـــنـا لـمَّا استنكروا الرباط، وعدَّوه مِن البدع، فهم مع بدعــتـهم هذه التـي هي إنكار الـمشروع فـي الدين، أضافوا على أنفسهم خصلةً ذميمة وهي البخل، فلا تجدُ مَن يكفل طلبة العلم الـمهاجرين أو الـمنقطعين مِن الفقراء العبَّاد، إلاَّ قليل، بل حتى المسافرين مِن عامَّة الناس، فلا تجد سنَّة الضيافة قائمة في هذا القطر مِن نجد، كله لضعف العلم الشرعي واستيلاء البدعة على عقول الناس، وتسلط علماء السوء عبَّاد الدينار والدرهم. ومَن يُكفَلُ مِن طلبة العلم مِن الأعاجم القادمين إلى ديارهم فإنَّه يُكفَل بمنصبٍ في جامعةٍ أو نحوها على أن يكون مؤيِّدًا لهم في بدعتهم، أي يكرم مقابل ذمته، فأسأل الله أن يحرر نجدًا مِن سفهاء الأحلام الجفاة، فتعود كما كانت سنيةً منزهةً لله متسامحة.

            ونعود إلى الخوانق، فنقول: والبعضُ الآخر مِن الوهابيَّة يُجيزُ الخوانق بشرط استحقاق الساكن لـها ما وُضِعَت مِن أجلِهِ. وهؤلاء على حسب اطلاعي قلة.
            قال الشيخ عبدالرحمن بن قاسم النجدي وهو مِن شيوخ الوهابية: (ويَصِحُّ -أي الوقف- على الصوفــيَّـة بشرطِهِ، فـمَن كان مِنهم جـمَّاعًا للمال ولـم يتخلَّق بالأخلاق المحمودة، ولا يتأدَّب بالآداب الشرعيَّة، وغَــلَــبَـت عليه الآداب الوضعيَّة أو فاسقًا، فقال الشيخ وغيرهُ: لا يستحق شيئًا) انتهى [كتاب "حاشية الروض المربع" لابن قاسم ج5/ص538].
            وهذا القول الذي ذكره ابن قاسم هو الحق، فأي مذهبٍ أقبحُ مِن تحريم الوقف على الصوفــيَّـة الذين هم فقراء الإسلام وعبَّادُ المسلمين وزهَّادهم، وإنَّما اختاروا الفقر لأنفسهم رغبةً عن الدنيا، وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ المسلمين إنَّما يُنصَرون ويُسقَونَ بـهؤلاء.
            قال الإمام السبكي رحـمــه الله: (فقُلْ لفقيرِ الخانقاه: إن دخلتها لـــتَــــسُــدَّ رُمقَك وتستعين على التصوُّف، فهذا حقٌّ، وإن أنتَ دخلتها لتجعلها وظيفةً تُحَصِّلُ بها الدنيا، ولستَ مُتَّصفًا بالإعراض عن الدنيا، والاشتغال غالب الأوقات بالعبادة، فأنتَ مُبطِلٌ، ولا تستحقُّ في وقفِ الصوفــيَّـة شيئًا، وكلُّ ما تأكلُهُ مِنها حرامٌ، لأنَّ الواقِفَ لـم يقفها إلاَّ على الصوفيَّة، ولستَ مِنهم في شيء.
            وقد كثر مِن جماعةٍ اتِّخاذ الخوانِق أسبابًا، والدلوق المرقَّعَة طرائق للدنيا، فلـم يتخلَّقوا مِن أخلاق القوم بغير لباس الزور، وهؤلاء المتشبِّهة الذين يقول فيهم الشافعي رضيَ الله عنه فيما نُقِلَ عنه: رجلٌ أكول نئومٌ كثير الفضول.
            وقال الإمام أبو الـمظــــفَّر الــسـمــعــاني: نعوذ بالله مِن العقرب والفَار، ومِن الصوفـي إذا عَـــرَف باب الــدار. وقال شيخنا أبو حـــيَّــان فـي هـؤلاء: أكَلَةٌ بَطَلَة سَطَلَة، لا شُغْلَ ولا مَشغلة.
            فهؤلاء القوم إذا اتـخذوا الخوانق ذريعةً للباس الزور وأكل الحشيش، والانهماك على حُطَام الدنيا، لا سَتَرهم الله وفضحهم على رؤوس الأشهاد.
            ولكن فيهم ولله الحمد مَن لا يَدخل الـخانقاه إلاَّ ليقطَعَ علائــــقَـــهُ ويَـــشــتــغِــلَ بربِّهِ ويَرضى بـما يتهيَّأ مِنها مُعينًا له على سدِّ رمقِهِ وسترِ عورتِهِ، فللهِ درُّه) انتهى كلام السبكي [كتاب "معيد النعيم ومبيد النقم" للسبكي ص125].

            تعليق

            • صالح عبدالرحمن الجبرين
              طالب علم
              • Feb 2015
              • 29

              #7
              (6) المبحث السادس: التعريف بمصطلح الكشف والتجلي:
              الكشف اصطلاحٌ أحدثَهُ العلماء، وهو اسمٌ يتضمَّنُ معنًى صحيحٍ في الشرع، وعليه فإنَّ حُكمَهُ كحُكمِ التصوف، والتجلي مرادفٌ للكشف ولا فرق بينهما.
              قال الجرجاني في تعريف الكشف: (هو الاطلاعُ على ما ورَاءَ الحجاب مِن المعاني الغيبيَّة والأمورِ الحقيقيَّة وجودًا وشهودًا) انتهى [كتاب "التعريفات" للجرجاني ص184].
              قلتُ: ولا مانِعَ في الشرع مِن أن يطَّلع المسلم على بعض الأمور الغيبيَّة، فقد جاءت النصوص بتجويز حصول ذلك.
              والأمور الغيبيَّة قد أخبر الله أنَّها مغيَّبةٌ عن الناس، ولم تُسمَّ غيبية إلاَّ لأجل تغييب الله لها عن عباده، ولكنَّ الحكم العام قد يدخلهُ التخصيص كما هو متقرِّرٌ عند سائــر العلماء فـي أصول الفقه، فـــقــد يُـــطْـــلِـــعُ الله مَن يشاء مِن عبادِهِ على أمرٍ مِن أمور الغيب كرامةً لهُ مع بقاء الحكم العام وهو أنَّ الأمر مِن الغيب.
              وقد جاء في صحيح مسلم عن ابن عبَّاس رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "أيُّها الناسُ إنَّه لـم يَبقَ مِن مُبشِّرات النبوَّة إلاَّ الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو تُرَى له" الحديث [رواه مسلم في كتاب الصلاة، برقم (479)].
              فنصَّ هنا على الاطلاع على الغيب بقولِهِ "مبشرات النبوَّة" وهذه الجملة لا تنصرف إلاَّ إلى هذا المعنى.
              قال الإمام أبو العبَّاس القرطبيُّ رحمه الله: (وذلك أنَّ الرؤيا لا تكونُ مِن أجزاء الــنــبــوَّة إلاَّ إذا وَقَـــعَــت مِن مسلمٍ صادق صالـح، وهو الذي يُـــنَـاسِـبُ حــالــه حال النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأُكرِمَ بـــنــوعٍ مـــمَّــا أُكرِمَ بِهِ الأنبياء، وهو الاطلاع على شيءٍ مِن علم الغيب، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّه لـم يَبْقَ مِن مبشِّرَاتِ النبوَّةِ إلاَّ الرؤيا الصالحة في النوم يراها الرجل الصالح أو ترى له") انتهى [كتاب "المفهم لما أشكل مِن تلخيص كتاب مسلم" لأبي العباس القرطبي ج6/ص13].

              وقد وَرَدَت الكثيرُ مِن الأخبار عن السلف الصالح بالكشوفات الغيبيَّة، فكان ممَّا رُوِيَ:
              * ما كُـــشِـــفَ لأنـــس بـــن الـــنـــضـــر رضي الله عنه مِن رائحة الـجــــنَّـــة يوم أحد، وأنس بن النضر هو عم أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد رَوَى البخاري ومسلم واللفظ له عن أنس بن مالك رضي الله عنه حديث عمِّه، فكان ممَّا جاء فيه أنَّ أنس بن النضر قال يوم أحد: "واهًا لريح الجنَّة أجدهُ دون أُحُد"، فقاتلهُم حتى قُتِل. متفقٌ عليه [رواه البخاري في كتاب المغازي، برقم (4048)، ومسلم في كتاب الإمارة، برقم (1903)].
              قلتُ: فهذا كشفٌ مِن الكشوفات عن أمرٍ مِن أمور الغيب، فرائحة الجنَّة مِن الغيب الذي لا يطلع عليه البشر حال الحياة، وكانت هذه كرامةً لأنس رضي الله عنه.

              * وما كُشِفَ للصدِّيق رضي الله عنه مِن علم الغيب، حيث أخبر رضي الله عنه أنَّ مولودَهُ أنثى قبل أن تولد، وأوصى لـها بناءً على علمِهِ بـها، ولـم يُــوصِ بــنـاءً على احـــتـمـالٍ أو تخرُّص، وقد روَى ذلك عنهُ مالك في موطَّئهِ بسندٍ صحيح، ورواهُ اللالكائيُّ في "كرامات الأولياء". قال مالك في الموطَّأ: (عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبيِّ رضي الله عنها، أنَّها قالت: إنَّ أبا بكر الصديق كانَ نَحَلها جادَّ عشرين وَسْقًا مِن مالِهِ بالغابة، فلـمَّا حضرته الوفاة قال: والله يا بُنيَّة ما مِن الناسِ أحدٌ أحب إلـيَّ غِنًى بعدي مِنكِ، ولا أعز علـيَّ فــقــرًا بعدي مِنك، وإنِّـي كنتُ نـحلـــتُــكِ جادَّ عشرين وسْقًا، فلو كنتِ جَدَدْتِيهِ واحتَزْتِيهِ كان لك، وإنَّما هو اليوم مال وارث، وإنَّما هما أَخَواكِ وأُختاكِ فاقتسموه على كتاب الله. قالت عائشة: فقلتُ: يا أبت، والله لو كان كذا وكذا لتركتُهُ، إنَّما هي أســمـــاءُ فـــمَــن الأُخرى؟ فقال أبو بكر: ذو بطنِ بنتِ خارجة، أُراها جارية) انتهى [رواه مالك في الموطأ في كتاب الأقضية، برقم (2189)].
              قال اللالكائيُّ رحمه الله معلقًا على هذه الرواية: (هذه كانت زوجَةُ أبي بكر وهي حبيبَة بــنـتُ خـــارجـــة بن زيـــد مِن بـــنـي زهـــيــر مِن بــنـي الحارث بن الخزرج، وكانت حاملاً حين توفـي أبو بكر رضي الله عنه، فولَدَت بعدهُ أم كلثوم، فتزوَّجها طلحةُ بن عبيد الله رضي الله عنه، فصدَّق الله ظنَّ أبي بكر الصديق رضي الله عنه بما قالَهُ، وجَـــعَـــل ذلك كرامةً لهُ فيما أخـــبَــــرَ بِهِ قـــبـــلَ ولادتـها، وأنَّها أنثى، وليست بذكر) انتهى [كتاب "كرامات الأولياء" للالكائي، وهو ضمن كتاب "شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة" للالكائي ج9/ص124].

              * ومِن الأخبار كذلك: إقرارُ الصدِّيق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صحَّةِ كشفٍ مِن الكشوفات لأمرٍ مِن أمور الغيب، وذلك الكشفُ كان لرجلٍ مِن المسلمين، فقد صحَّ أنَّ ثابت بن قيس رضي الله عنه لـمَّا استشهد في يوم اليمامة ظهر لصاحبٍ لهُ في منامِهِ، وأوصاهُ بوصايا ووصفَ له أشياء سيجدها كما وصفها له، وذكر له بأنَّ هذا ليس منامًا بل حقيقة، فأخبرَ الرجل أبا بكر الصديق رضي الله عنه بمنامِهِ فأنفذ وصيَّتَهُ ووجدَ ما وصَّى بهِ كما وصَفَهُ في المنام.
              وقد روى هذه القصة الحاكم في مستدركِهِ مختصرةً وقال: صحيحٌ على شرط مسلم، ولم يُخرِّجاه. ووافقهُ الذهبي.
              ورواها بإسنادٍ صـحــيـح مــطــوَّلــة، فقال: (حدَّثــنـاهُ أبو العبَّاس مـحمد بن يعقوب، حدَّثنا بـحر بن نصر الـخولانـي، حدَّثنا بشر بن بكر، حدَّثني عبدالرحـمن بن يـــزيـــد بن جــابـــر، حدَّثني عطاء الـخراسانـي، قال: قدمتُ المدينَة فأتيتُ ابنةَ ثابت بن قيس بن شـمَّاس، فذَكَرَت قصَّة أبيها ...)، فذكر عطاء قصَّةَ أبيها حــتـى قالت: (فلـمَّا كان يوم اليمامَة مع خالد بن الوليد استُشهِدَ، فرآهُ رجلٌ مِن المسلمين فـي مَنامِهِ، فقال: إنِّـي لـمَّـا قُـــتِــلـتُ انــتَـــزَع درعي رجلٌ مِن المسلمين وخــبَّـأهُ في أقصى العسكر وهو عندَهُ، وقد أكبَّ على الــدرع بـــرمـــة، وجــعَـــلَ على الـــبُـــرمَـــةِ رَحْــلاً، فــائــتِ الأمــيـر فـأخــبـرهُ، وإيَّـــاك أن تقول: هذا حُلْمٌ فتُضيِّعَهُ، وإذا أتيتَ المدينَة فائت فقل لـخليفةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ عليَّ مِن الدَّينِ كذا وكذا، وغلامي فلان مِن رقــيــقــي عـــتـــيـق، وإيَّاك أن تقول: هذا حلمٌ فتُضيِّعَهُ. فأتاهُ فأخبرَهُ الـخبرَ فــوَجَـــدَ الأمـــرَ على ما أخبرَهُ، وأتى أبا بكر فأخبرَهُ، فأَنفَذَ وصيَّتَهُ، فلا نَــــعْـــلَـــمُ أحدًا بعد ما ماتَ، أُنفذت وصـــيَّـــتـــه غــيـر ثابت بــن قــــيـــس بــن شـــمَّــاس) [رواه الحاكم في المستدرك في كتاب معرفة الصحابة، برقم (5036)]. قلتُ: وهذا إسنادهُ متصلٌ ورواتُهُ ثقاتٌ لا ينتطح في هذا عنزان.
              وما رُوِيَ مِن كشف الغيب لعبادِ الله كثير، صنَّفها العلماء مع كرامات الأولياء، فكل كشفٍ كرامَة وليست كل كرامةٍ كشف.
              قال الشيخُ ابن تيمية رحمه الله: (الخارقُ كشفًا كان أو تأثيرًا، إن حَصَلَ بِهِ فائدةٌ مطلوبةٌ في الدين، كان مِن الأعمال الصالحة المأمور بها دينًا وشرعًا، إمَّا واجبٌ وإمَّا مستحب، وإن حصَلَ بهِ أمرٌ مباحٌ كان مِن نِعَمِ الله الدنيويَّة التي تقتضي شكرًا ...) إلى آخر ما قال رحمه الله [مجموع فتاوى ابن تيمية ج11/ص319].

              واعلم أنَّه لم يُنكر كرامات الأولياء إلاَّ المعتزلة وبعض الوهابيَّة اليوم، وقد ردَّ علماء الـمسلمين مِن السلف والـخلف مِن أهل السنَّة والجماعة على منكري الكرامات، واعتبروا المخالف خارجًا مِن مسمَّى أهل السنَّة والجماعة، حيث إنَّ القول بإثبات الكرامات أصل مِن أصول الدين عند أهل السنَّة.

              فإن تــعــسَّـــفَ مـــتـــعـــسِّـــفٌ مِن هؤلاء الـمُنكِرين للكشوفات فقال: هذا الكشفُ لا فرق بينَهُ وبين التكهن والشعوذة وما تمليه الشياطين على السَّحَرَة.

              قلنا: هذا اعتراضُ مَن لا يُحسِنُ الاعتراض، فإنَّ أهل السنَّة والجماعة جميعهم يُثبِتُ الكرامات والتي مِنها الكشف، والكرامَة لا تظهر إلاَّ على الصالحين الصادقين مِن عباد الله المتبعين للكتاب والسنَّة في الجملة، فأمَّا الكفار والمبتدعة مِن أهل الأهواء والكذبة والفساق فهؤلاء لا تجري على أيديهم الكرامات، فهذا الفرق بين الكشوفات للصالحين مِن أولياء الله والكهنة المشعوذين.
              قال البيهقي رحمه الله: (وإنَّما لا يجوز ظهور الكرامات على الكاذبين، فأمَّا على الصادقين فإنَّه يجوز، ويكون ذلك دليلاً على صدقِ مَن صدَّقَهُ مِن أنبياء الله عزَّ وجل. وقد حكى نبيُّنا صلى الله عليه وسلم مِن الكرامات التي ظهرت على جريج الراهب، والصبي الذي ترك السحر وتبع الراهب، والنفر الذين أووا على غارٍ مِن بني إسرائيل فانحطَّت عليهم الصخرة، وغيرهم ما يدلُّ على جواز ذلك. وقد ظهر على أصحابِهِ في زمانِهِ وبعد وفاتِهِ، ثـمَّ على الصالحين مِن أُمَّتِهِ ما يُوجِبُ اعتقاد جوازِهِ، وبالله التوفيق) انتهى [كتاب "الاعتقاد" للبيهقي ص239].
              فهذا الضابطُ في التفريق بين الكرامَة أو الكشف وبين السحر والكهانة.

              وقد بيَّن هذا الشيخ ابن تيمية رحمه الله، فكان مما قال: (بل قد اتَّفقَ أولياء الله على أنَّ الرجل لو طار في الـهواء أو مشى على الماء لـم يُغترَّ بِهِ حتى يُنظَرَ متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقتهِ لأمرِهِ ونهيِه.
              وكراماتُ أولياء الله تعالى أعظم مِن هذه الأمور، وهذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها وليًّا لله، فقد يكون عدوًّا لله، فإنَّ هذه الخوارق تكون لكثيرٍ مِن الكفَّار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين، وتكون لأهل البدع، وتكونُ مِن الشياطين، فلا يـجوزُ أن يُــظَـنَّ أنَّ كل مَن كان له شيءٌ مِن هذه الأمور أنَّه ولي لله، بل يُـــعـــتَـــبَـــرُ أولياء الله بصفاتِـهِم وأفعالـهم وأحوالـهم التي دلَّ عليها الكتابُ والسنَّة، ويُعرَفون بنور الإيمان والقرآن، وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة) انتهى [مجموع فتاوى ابن تيمية ج11/ص214].

              تعليق

              • صالح عبدالرحمن الجبرين
                طالب علم
                • Feb 2015
                • 29

                #8
                (7) المبحث السابع: التعريف بمصطلح الـمَشَاهِد، وتُسمَّى بالمزارات:
                المشهد في اللغة: هو محضَرُ الناس.
                والمشهد في اصطلاح التصوف: الأبنيةُ التي تُبنَى فوق وحول قبور الأولياء وأضرحتهم، سواءٌ كانت قببًا أو أسوارًا، وهذه المشاهد أو المزارات يَفِدُ إليها الناس للدعاء غالبًا وطلب البركة، لأنَّ قبور الأولياء مِن المواطن المباركة، فبركاتهم حاصلةٌ في حياتهم وبعد مماتهم.

                فإنَّ البركة مِن حيث تعلقها على أربعة أنواع:
                1- بركةٌ في الذوات الصالحة، كالأنبياء والأولياء ونحوهم.
                2- وبركةٌ في الأزمنة، كرمضان وليلة القدر وعشر ذي الحجة وآخر ساعةٍ مِن كل يوم جمعة ونحوها.
                3- وبركةٌ في الأمكنة، كمسجدي مكة والمدينة والروضة الشريفة ومساكن الأنبياء والأولياء وقبورهم لأنَّها مسكنٌ لهم كذلك وسائر ما علم أنَّ بركة الأنبياء والأولياء قد حلَّت بهِ.
                4- وبركةٌ في الجماد، وهذا بابٌ واسع، فهو كل ما اتصل بالأنبياء والأولياء وعُلِمَ أنَّ بهِ بركة، كشعرٍ أو عودٍ أو عصًا أو ثوبٍ أو نعلٍ أو غطاءٍ أو نحو ذلك.

                وسنتكلَّم بشيءٍ مِن التفصيل على التبرك قريبًا في مبحثٍ مستقل، والمراد هنا بيان أنَّ المشاهد التي هي مواضع قبور الأنبياء والأولياء فيها البركة، وأنَّ زيارة هذه المشاهد مِن المستحبات.

                اعتراض الوهابية على المشاهد:

                وقد زلَّت الــوهـابــــيَّــة فأنكروا المشاهد وجواز زيارتها، واعتبروا بناء المشاهد والبناء على الأضرحة مِن الأعمال الشركيَّة. وقد توصلوا إلى هذه الحقائق مِن أمرين في غاية الفساد:
                1- الأمر الأول: ظـــنُّــهم أنَّ الزائرين للمشهد إنَّما يعبدون صاحب القبر نفسه، وهذا كذب يشهد ببطلانِهِ الواقعُ المشاهد وما يحكيهِ العلماء، وسيأتي المزيد مِن التفصيل فيه فيما بعد.
                2- الأمر الثاني: الفهم الفاسد للنصوص، فقد استدلوا بأدلةٍ مِنها:
                * عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبيًّ صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم مِنه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، قالت عائشة: فلولا ذلك لأبرز قبرهُ، غير أنَّه خُشِيَ أن يُتَّخذ مسجدًا [رواه البخاري في كتاب المغازي، برقم (4441). ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (529)].

                * وعن جابر رضي الله عنه قال: "نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن تُجصَّصَ القبور وأن يُكتَبَ عليها وأن يُبنَى عليها وأن تُوطَأ" [رواه الترمذي في السنن في كتاب الجنائز، برقم (1052)]. قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
                ورواهُ مسلم، ولم يذكر فيه الكتابة [رواه مسلم في كتاب الجنائز، برقم (970)].

                * وعــن أبـي الــهـــيَّـــاج الأسدي قال: قال لـي علي بــن أبـي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تَدَعَ تمثالاً إلاَّ طَمَستَهُ ولا قبرًا مُشْرِفًا إلاَّ ســوَّيــتَــه" [رواه مسلم في كتاب الجنائز، برقم (969)].

                * وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ أم حبيبَة وأم سَلَمَة ذَكَرتَا كنيسةً رأينَها بالحبَشَة، فـــيــهـا تــصــاويــر، فذكرتا للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنَّ أولئك إذا كان فـــيــهـم الـــرجـــل الصالـح فمَاتَ بَـــنَــوا على قـبــرِهِ مسجِدًا، وصوَّروا فـــيـــهِ تلك الــصـــور، فــأولـــئـك شِــــرَارُ الـخـلــق عند الله يَومَ القيامَة" [رواه البخاري في كتاب الصلاة، برقم (427). ورواه مسلم في كتاب المساجد، برقم (528)].

                والرد المفحمُ على هؤلاء الوهابية:

                أنَّ هذه الأحاديث لا تدل على الظاهر المتبادر إلى أذهانهم، وهم غلاةٌ بادروا إلى تخطئة سائر علماء الملة في هذا.
                فلفظُ "مسجد" هنا مصدرٌ دخلت عليه ميمٌ زائدة، ويُسمَّى عند البعض بالمصدر الميمي، وهو ما يدلُّ على مكانٍ مَّا، فلفظ "مسجد" مِن الفعل: سَجَدَ يسجُدُ والمصدر سجودًا فالمصدر مِن الفعل سَجَدَ هو سجود، واسم المصدر المكاني مِن السجود هو "مسجد". والأمثلة على المصادر الدالة على المكان كثيرة، نحو: "مَصْرع" وهي البقعة التي صرع فيها إنسان، ونحو: "مَنْزِل" وهي البقعة التي ينزل فيها إنسان. وهذه الألفاظ ورَدَت في السنَّة كثيرًا واستعملها النبيُّ صلى الله عليه وسلم للدلالة على المكان كما هو معلومٌ مِن اللغة.
                فقولهُ عليه الصلاة والسلام في الحديث السالِف: "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، لا يدل على البناء الذي يشيدُهُ المسلمون للصلاة، بل لفظ "مساجد" هاهنا يُرَادُ بهِ موضع الصلاة الذي يُسجَدُ فيه، ومِنه الحديث الصحيح المتفق عليه، عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحدٌ قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مَسْجِدًا وطهورًا، فأيَّما رجلٌ مِن أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحدٍ قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يُبعَث إلى قومِهِ خاصةً وبُعِثتُ إلى الناس عامَّة" [رواه البخاري في كتاب التيمم، برقم (335). ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (521)].
                فقوله عليه الصلاة والسلام: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" يريد بهِ أنَّهُ شُرِعَت له الصلاة في أي بقعةٍ مِن الأرض، فالأرضُ كلها مسجدٌ أي موضع صلاة. فهذا الحديث يُفسِّرُ الحديث السالف الذي تعلَّق بهِ هؤلاء الوهابيَّة المتنطِّعون.

                فإن اعترضَ الوهابيَّة بقولهم:

                الحديث الآخر يفسر لفظ "مَسَاجِد"، وهو قوله: "إنَّ أولئك إذا كان فـــيــهـم الـــرجـــل الصالـح فمَاتَ بَـــنَــوا على قـبــرِهِ مسجِدًا"، قالوا: فنصَّ على البناء، وبيَّن أنَّهم شرار الخلق.

                والجواب:
                أنَّ المسألة عند أهل العلم لا علاقة لها بالبناء، بل هي مسألة تحريم الصلاة في المقبرة لئلا تكون ذريعةً إلى عبادة مَن في القبر، على خلافٍ أيضًا، وإنَّما ذكر البناء في ذلك الحديث لأنَّ البناء على القبر مِن لوازم عبادة صاحب القبر، أمَّا إذا لم يكن بني على القبرِ ليصلى إليه وكان بينه وبين القبلة حاجزًا، فتكون علة خوف عبادة صاحب القبر منتفية، فقوله عليه الصلاة والسلام: "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، دليلٌ على تحريم الصلاة في المقبرة لئلا تكون الصلاة إلى المقابر ذريعة إلى عبادتها.
                وهذا يفسره الحديث الآخر الصحيح: عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" [رواه أحمد في المسند، برقم (7352)] وإسنادهُ صحيح.
                ورواه مالك في الموطأ مرسلاً عن عطاء وزاد فيه: "وثنًا يُعبَد" [موطأ مالك ج1/ص243].
                فهذا الحديث يُفسر الحديث الآخر بلا يدع ريبةً، فقد فسَّر اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد بدعائهِ أن لا يجعل الله قبره وثنًا يُعبَد، وهذا دليلٌ على أنَّ المراد هو الصلاة للقبر، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد نهيٌ عن الصلاة إليها لئلا يكون ذلك ذريعةً للشرك، وليس البناء مقصودٌ في الحديث لذاته.

                وهذا هو فهم كافة العلماء، فإنَّهم جميعًا جعلوا حديث البناء واتخاذ المساجد في مسألة الصلاة في المقبرة.
                قال ابن عبدالبر رحمه الله في شرح الحديث السالف عن البناء: (هذا يُـحَرِّمُ على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد، وقد احتجَّ مَن لم يرَ الصلاة في المقبرة ولم يُجِزها بهذا الحديث) انتهى [كتاب "التمهيد" لابن عبدالبر ج1/ص104].
                وقال ابن عبدالبر كذلك في شرح حديث "لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد": (وكانت العرب تُصلي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أُمَّتهِ أن تصنعَ كما صنَعَ بعضُ مَن مضى مِن الأُمم، كانوا إذا مات لهم نبيٌّ عكفوا على حول قبرهِ كما يُصنَعُ بالصنم، فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُصلَّى إليهِ ويُسجَدُ نحوه ويُعبَد، فقد اشتدَّ غضبُ الله على مَن فعل ذلك"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحَذِّرُ أصحابَهُ وسائر أُمَّتِهِ مِن سوء صنيعِ الأُمَمِ قبله، الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم واتخذوها قبلةً ومسجدًا، كما صنعت الوثنيَّة بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويُعَظِّمونها، وذلك الشرك الأكبر) انتهى [كتاب "التمهيد" لابن عبدالبر ج2/ص332].
                وقال ابن عبدالبر كذلك في "الاستذكار" شارحًا حديث "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد": (وليس فيه حكمٌ أكثرَ مِن التحذير أن يُصلَّى إلى قبره وأن يُتَّخذَ مسجدًا، وفي ذلك أمرٌ بأن لا يُعبَد إلاَّ الله وحده) [كتاب "الاستذكار" لابن عبدالبر ج2/ص347].
                فهذا كلام ابن عبدالبر صريحٌ في أنَّ الكلام على الأحاديث مخرَّجٌ في مسألة الصلاة في المقابر أن تكون ذريعةً إلى الصلاة إليها. وكذلك قال سائر علماء الملة قبل الوهابية الذين هم تبعٌ لابن تيمية رحمه الله، أوَّل مَن أحدث هذه البدع.
                وقال الإمام ابن دقيقٍ العيد: (هذا الحديث يدل على امتناع اتخاذ قبر الرسول صلى الله عليه وسلم مسجدًا، ومِنهُ يُفهَمُ امتناع الصلاة على قبره) [كتاب "إحكام الأحكام" لابن دقيق العيد ص508].
                فهذا ابن دقيق رحمه الله يعبر عن المسألة بقولهِ (اتخاذ قبر الرسول مسجدًا)، ولم يقل بناء مسجد على قبر الرسول، لأنَّه يعني بالاتخاذ ما فسَّرهُ بعدُ، مِن العبادة والصلاة إليه.
                وقال الصنعاني نقلاً عن الإمام البيضاوي: (قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلةً يتوجَّهونَ في الصلاةِ نحوها، اتخذوها أوثانًا، لَعَنَهم ومَنَعَ المسلمين مِن ذلك، قال: وأمَّا مَن اتخذَ مسجدًا في جوارِ صالحٍ وقصَدَ التبرك بالقرب مِنهُ لا لتعظيمٍ ولا لتوجهٍ نحوَهُ، فلا يدخل في ذلك الوعيد) انتهى ["سبل السلام" للصنعاني ج2/ص141].

                والعجيب أنَّ الصنعاني أوردَ هذا النقل، ولم يُحسِن الرد عليه، بل ردَّ عليه بما هو أوهى مِن بيت العنكبوت، فقال: (قوله "لا لتعظيمٍ له"، يُقَال: اتخاذ المساجد بقربِهِ وقصد التبرك بهِ تعظيمٌ له).
                قلتُ: وهذا خلطٌ مِنهُ وهو مِن أثر النقد التيمي المشبَّع برائحة النصوص دون فوزٍ بمحاسنها الحقيقية، فكلامِ الوهابية وسائر مَن تأثر بابن تيمية دائمًا يكون ظاهره الاتباع وباطنهُ الخلط وسوء الفهم. والنقض لجوابهِ سهلٌ، فنقول: فرقٌ بين تعظيم الاحترام والتوقير، وتعظيم التأليه، فالمنهي عنه هو التأليه، والحمد لله.

                وقد استدل بعض أهل العلم ممَّن نافح عن إساءة الوهابية للصوفية على جواز بناء الأبنيةِ والمساجد على قبور الصالحين، بقولِ ربنا تبارك وتعالى في قصة الفتية أصحاب الكهف: {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتَّخذنَّ عليهم مسجدًا}[سورة الكهف 21].
                قلتُ: ولا أرى أنَّ هذا الاستدلال سديد، لأنَّ الآية لا تدلُّ على المدَّعى، فالله لـم يأمر في هذه الآية ببناء الـمسجد على مكان الفتية، بل إنَّه حكى فعل القوم، وقد اختلف الـمفسرون مِن السلف في الذين بنوا على مكان أصحاب الكهف، هل هم الـمشركون أم الـمسلمون، وقد ذكر اختلافهم ابن جرير في تفسيرِهِ، وروى عن السلف أقوالهم بأسانيدهِ. وعلى هذا فالاستدلال بهذه الآية محتملٌ، ولا أرى إيراده. بل يكفي ما سبق، فهو أقوى.

                فإن اعترض الوهابية بقولهم:
                مما يدل على بطلان تأويل الصوفية للحديث فعل الصحابة، فالصحابة لم يبنوا على القبور، بل وردَ عنهم النهي عن ذلك.
                فروى ابن أبي شيبة في "المصنف": (عن أبي هريرة رضي الله عنهُ أنَّه أوصى أن لا يضربوا على قبرهِ فسطاطًا).
                وعندهُ عن أبي سعيد الخدري كذلك، قال: (لا تضربوا عليَّ فسطاطًا) ["مصنف ابن أبي شيبة" ج3/ص216].

                والجواب مِن وجهين:

                1- الوجه الأوَّل: أنَّ أبا سعيدٍ وأبا هريرة رضي الله عنهما لم ينهيا عن إقامة الفسطاط على القبور، بل نهيا عن فعل ذلك بقبرهما، والكلام عن المسألة ذاتها، وهذا نهيٌ مخصوص، وهو محمولٌ على تواضعهما وزهدهما في أن يُعلَمَا فيتبرك بهما، وكل ذلك ليس فيه تحريم لذات الأمر.

                2- الوجه الثاني: أنَّه روي عن الصحابة والسلف فعل ذلك. فقد ثبت عن السلف مِن الصحابة ومَن تبعهم في القرون الثلاثة الفاضلة قصد قبور الأنبياء والأولياء وزيارة مشاهدهم للتبرك والعناية بها بالبناء ونحوه. ولا يسعنا في هذه الرسالة استيعاب أكثر ما وردَ عنهم في هذا الباب، لكن نذكر بعض ذلك.

                * فروى ذلك الطبراني في "المعجم الكبير" بسندٍ صحيح، عن محمد ابن الحنفية التابعي عن الصحابي ابن عباس، فقال: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبدالرزاق، عن الثوري، عن عمران بن أبي عطاء، قال: شَهِدْتُ محمد ابن الحنفيَّة، حين مات ابن عباس بالطائف، فكبَّر عليه أربعًا، وأخذه مِن قبل القبلةِ حين أدخله القبر، وضرب عليه فسطاطًا ثلاثة أيَّام) ["المعجم الكبير" للطبراني ج5/ص164]، وهذا إسناده صحيح رجالهُ أئمة.

                * وهذا أبو بصيرٍ رضي الله عنهُ، لما توفي بنى الصحابةُ على قبرِهِ مسجدًا، وقد نقل خبرهُ ابن عبدالبر في "الاستيعاب" عن الإخباري الثقة موسى بن عقبة، فقال: (وكتبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندلٍ وأبي بصيرٍ ليقدما عليه ومَن معهما مِن المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي جندلٍ، وأبو بصيرٍ يموت، فماتَ وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدِهِ يقرؤه، فدفَنَهُ أبو جندلٍ مكانَهُ وصلى عليهِ، وبنى على قبرهِ مسجدًا) [كتاب "الاستيعاب" لابن عبدالبر ج3/ص81].
                وليس بين يدي كتاب المغازي لموسى بن عقبة، فأنظر في إسنادِهِ، ولم ينقل ابن عبدالبر إسناد هذا الخبر، لكنه نقله مستحسنًا.

                * وهذا معروف الكرخي رحمه الله إمامٌ مِن أئمة السلف الصالح وقد توفي سنة مئتين مِن الهجرة 200هـ، كان السلف يتبركون بقبرهِ.
                فروى الإمام أبو بكرٍ الخطيب في تاريخهِ بسندٍ صحيح، عن عبدالرحمن بن محمد الزهري المتوفى سنة ست وثلاثين وثلاث مئة 336هـ أنَّه حث على التبرك بهِ، فقال الخطيب: (أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمَكي، قال: حدثنا أبو الفضل عُبيدالله بن عبدالرحمن بن محمد الزهري، قال: سمعتُ أبي يقول: قبرُ معروفٍ الكرخي مجرَّبٌ لقضاء الحوائج، ويُقال: إنَّه مَن قرأ عندهُ مئة مرةٍ {قل هو الله أحد} وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجتهُ) [كتاب "تاريخ بغداد" لأبي بكر الخطيب ج1/ص445].
                قلتُ: وهذا عبدالرحمن الزهري إمامٌ مِن أئمة السلف أهل القرون الفاضلة، فإنه ولد في القرن الثالث سنة سبعٍ وخمسين ومئتين 257هـ فهو مِن أهل هذا القرن، وتوفي في أول الرابع سنة ستٍ وثلاثين وثلاث مئة 336هـ، يشهد بهذه البركة في قبر الإمام معروف.
                وهذا الإسناد عنه صحيح بلا ريب، ورجالهُ:
                1- أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي/ ترجم له الخطيب وقال: (كتبنا عنهُ وكان صدوقًا ديِّنًا فقيهًا على مذهب أحمد بن حنبل، وله حلقةٌ للفتوى في جامع المنصور) [كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب ج7/ص63].
                وقال السمعاني: (وكان صدوقًا ثقة) [كتاب "الأنساب" للسمعاني ج1/ص343].
                2- عبيدالله بن عبدالرحمن بن محمد الزهري أبو الفضل/ قال الخطيب: (كان ثقة)، وذكر عن الأزجي أنَّه قال: (شيخٌ ثقةٌ مجاب الدعوة) [كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب ج12/ص97].
                3- عبدالرحمن بن محمد الزهري/ قال الخطيب: (كان ثقة) [كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب ج11/ص587].
                وروى الخطيب كذلك عن الإمام الحسين بن إسماعيل الـمَحَامِلي وهو إمامٌ مِن أئمة السلف مِن أقران ابن أبي حاتم الرازي، مِن أهل القرن الثالث وتوفي في أوَّل الرابع سنة ثلاثٍ وثلاثين وثلاث مئة 330هـ، فروى الخطيب عنه بإسنادٍ صحيح أنَّه شهد بهذه البركة في قبر معروف وحثَّ عليها.

                قال الخطيب: (حدثني أبو عبدالله محمد بن علي بن عبدالله الصوري، قال سمعتُ أبا الحسين محمد بن أحمد بن جُـمَيع يقول: سمعتُ أبا عبدالله الـمَحَاملي يقول: أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنةٍ، ما قَصَدَهُ مهمومٌ إلاَّ فرَّجَ الله هَـمَّهُ) [كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب ج1/ص445].
                فهذا الإمام الـمَحَاملي يشهد ببركة ذلك المكان ويحث عليه.
                وهذا إسنادٌ صحيح، ورجالهُ:
                1- أبو عبدالله محمد بن علي بن عبدالله الصوري/ قال الخطيب: (وأقام ببغداد يكتب الحديث، وكان مِن أحرص الناس عليه وأكثرهم كتبًا له وأحسنهم معرفةً به، ولم يقدم علينا بغداد مِن الغرباء الذين لقيتهم أفهم مِنه بعلم الحديث، وكان دقيق الخط صحيح النقل) [كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب ج4/ص172].
                2- أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسين بن جُـمَيع/ نقل الذهبيُّ عن الصوري أنَّه قال: (وكان شيخًا صالحًا ثقة)، ونقل الذهبي كذلك عن الخطيب أنَّه قال: (ثقة) [كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي ج17/ص155].
                3- الحسين بن إسماعيل أبو عبدالله الـمَحَاملي/ قال الخطيب: (وكان فاضلاً صادقًا ديِّنًا) [كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب ج8/ص537]. وقال السمعاني: (كان فاضلاً صادقًا ديِّنًا ثقة) [كتاب "الأنساب" للسمعاني ج5/ص89].
                فهؤلاء أئمة السلف يقرون ببركة قبر معروف ويحثون على التبرك به.

                وكذلك قال عن معروف جمعٌ مِن الأئمة، كالإمام أبو عبدالرحمن السلمي صاحب الحاكم المتوفى سنة اثنا عشر وأربع مئة مِن الهجرة 412هـ، قال في ترجمةِ معروفٍ الكرخي رحمه الله: (وقبرهُ ببغداد ظاهرٌ يُستَشفَى بهِ ويُتَبَرَّكُ بزيارتهِ) [كتاب "طبقات الصوفية" لأبي عبدالرحمن السلمي ص85].

                ويقول الإمام أبو بكر الخطيب المتوفى سنة 463هـ في ترجمةِ الإمام "معروف": (كان أحد المشتهرين بالزهد والعزوف عن الدنيا، يغشاه الصالحون، ويتبرك بلقائهِ العارفون). ثم قال في نهاية الترجمة: (ودفن في مقبرةِ باب الدير، وقبرُهُ ظاهرٌ معروفٌ هناك، يُغشى ويُزَار) [كتاب "تاريخ بغداد" لأبي بكر الخطيب ج15/ص263-275].

                ولقد سمعتُ سفيهًا مِنهم يقول بعد أن أخرسه الله بالآثار الصحيحة: العبرةُ بالكتاب والسنَّة وفعل البشر ليس بحجة!
                فنقول له: أَوَتزعم أنَّ الصحابة وسلف الأمة لم يتبعوا الكتاب والسنَّة؟ فتلك رزيَّةٌ كبرى، أو تلجأ إلى ما هو أردى فتزعم أنَّ الصحابة وسلف الأمة كانوا جهلةً لم يصلهم العلم بهذا الشرك؟ وهذا طعنٌ في رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يلزمُ مِنهُ أنَّه قصَّر في تبليغ أصحابهِ أعظم قضيةٍ كلفه الله ببلاغها.

                تعليق

                • صالح عبدالرحمن الجبرين
                  طالب علم
                  • Feb 2015
                  • 29

                  #9
                  القول في مغالاة الوهابية بإزالة المشاهد والأضرحة:
                  وهذا عَمَلٌ خبيثٌ، زلَّت فيه أقدام كثيرٍ مِن الوهابيَّة بالتأويلِ الفاسد، فأنزل الله بمَن زلَّ مِنهم في هذا العذاب الأليم، وجعل عاقبتهم الوخيمة مذكورةً في التاريخ يتناقلها الناسُ إلى يومنا هذا.

                  وقد جاءت النصوص بالأمر بتعظيم حرمة قبر المسلم واحترامِهِ، وممَّا في ذلك مِن الأحاديث:
                  * ما رواهُ البخاري في صــحــيـحِــهِ عــن أبــي هــريــرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأَن يَجلِسَ أحدكم على جَـمْرَةٍ فتحرق ثيَابَهُ فتَخلُصَ إلى جِلْدِهِ، خيرٌ لهُ مِن أن يجلِسَ على قَبْرٍ" [رواه البخاري في كتاب الجنائز، برقم (971)].
                  فهذا يا عباد الله في الجلوس، فكيف بنبشِ القبر وإزالتِهِ؟
                  وقد عَنْوَن الإمام ابن حبَّانَ رحمه الله في صحيحِهِ لـهذا الحديث بقولِهِ: (ذِكْرُ الزَّجْرِ عن الجلوس على القبور تعظيمًا لـحُرْمَةِ مَن فيها مِن المسلمين) انتهى [صحيح ابن حبَّان في كتاب الجنائز، برقم (3155)].
                  وابن حبَّان مِن أئمة المسلمين المهتدين، وعللَّ النهي عن الجلوس لتعظيم حرمة مَن فيها، وهذا يقتضي أن يكون الإمام مشركًا عند الوهابية ومَن تأثر بهم، وفي أقل الأحوال قبوريًّا كما هو معروفٌ مِن ألفاظهم التي ينبزون بها أهل الحق.
                  وقال الترمذي في السنن: (قال الشافعي: أكرهُ أن يُرفَع القبر إلاَّ بقدرِ ما يُعرَف أنَّه قبرٌ، لكيلا يُوطَأ ولا يُجلَسَ عليه) انتهى [ذكره الترمذي في السنن في كتاب الجنائز، ص221].

                  * ومِن النصوص كذلك: ما رواهُ ابن حبَّان فـي صـحـــيــحِـــهِ بـــســـنــدٍ صحيح، عن عائشة رضي الله عنها عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "كسْرُ عظمِ الميِّت ككسرِهِ حيًّا" [صحيح ابن حبان في كتاب الجنائز، برقم (3157)].

                  أقول:
                  وليس عند هؤلاء القوم في استباحتهم هذا العمل الشنيع الذي هو إزالة قبر المسلم الذي بُنيَ عليه الـمشهد حجةٌ صحيحة قاطعةٌ للنزاع عن الله وعن رسولهِ صلى الله عليه وسلم، فلـم يحتجوا إلاَّ بأمرين:
                  1- الأمر الأوَّل: استدلوا بأصلِ سدِّ الذرائع.
                  2- الأمر الثاني: استدلوا بفعل عمر رضي الله عنهُ عندما قطع الشجرة التي بايعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تحتها أصحابَهُ لـمَّا رأى عمر أنَّ الناسَ قد أقبلوا عليها للصلاة تحتها طلبًا للبركة في صلاتهم.

                  والرَّدُّ عليهم بأن نقول:
                  أولاً: أمَّا سَدُّ الذرائع: فلا يــصحُّ الاستدلالُ بِهِ في هذا الموضِع، لأنَّ سدَّ الذرائع لا يـجــري على الأمور الـمـســـنــونَــةِ أو الــواجـــبــة في الدين، بل يـجــري على المباحات مِن أمور الدنيا فقط، واحترام قبر المسلم إنَّما هو مِن الأمور الواجبةِ في الدين بالنصوص السابقة التي أفادَت الأمر، والأمرُ للوجوب، وتعليمه لئلا يُـمــتَـــهَــن مِن السنن الــتـي ورَدَ النصُّ الصريح بـها، واحــتـرام قــبـر المسلم إنَّما هو كذلك مِن حقوق الموتى على الأحياء، ولـم يقل أحدٌ مِن الفقهاء بأنَّ سدَّ الذرائع يجري على ما شرعه الله في الدين، إنَّــما يـجــري على المباحات مِن أمور الدنيا، فيا له مِن فهم سقيم يُولِّد اللازم الفاسد في الدين، إذ يَلزَمُ مِن قول القائل بصحة تحريم أو صحة منع الأمر المسنون أو الواجب في الدين إذا كان ذريعةً إلى الحرام، نسبَةَ النقص في اللهِ عزَّ وجل حيث شرع لعبادِهِ سنَّةً أو واجبًا عَلِمَ أنَّه يُفضي إلى حرامٍ حرَّمهُ عليهم.
                  قال الإمام بدر الدين الزركشي رحمه الله: (وهي المسألةُ التي ظاهرها الإباحة ويُتَوصَّلُ بها إلى فعل المحظور) [كتاب "البحر المحيط في أصول الفقه" للزركشي ج4/ص382].
                  وهؤلاء الوهابية ينتحلون مذهب الحنابلة، وقد قال الـمرداوي الـحــنــبلي: (سَدَّ أحـمــدُ ومالك الذرائــع، وهو: مــا ظــــاهـــرهُ مباحٌ ويُـــتَــــوَصَّـــلُ بِـــــهِ إلـى مـحــــرَّم، وأباحَهُ أبـــو حـــنـــيــفــة والشافعي) [كتاب "التحبير شرح التحرير" للمرداوي الحنبلي ج8/ص3831].
                  فتبيَّن بهذا أنَّ سدَّ الذرائع في المباحات لا في الشرائع الواجبة أو المسنونة التي شرعها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتبيَّن بهذا أنَّ القوم أهل تمويهٍ وتخليط.

                  فلا يجوز إذن بأيِّ حالٍ مِن الأحوال انتهاكُ حرمة قبر المسلم بإزالتِهِ أو بإزالة ما يميِّزُهُ ليُحتَرَم بحجَّة سدِّ ذريعة الشرك أو سدِّ ذريعة البدع التي زعمها القوم مِن الوهابيَّة، لأنَّ الله أعلمُ مِنهم ومنَّا ولـم يأمر بذلك زَمَن التشريع، وقد انتهى التشريع بموتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وشريعة الله تــنــصُّ على أنَّـــه ســبـحــانــه أمر على لسان نبيِّهِ باحترام قبر المسلم وتنزيهه، ووازنَ القضيَّة لئلا يغلو أقوامٌ في أصحاب القبور، فأمَرَ بعدم اتخاذ القبور مساجد أي بعدم الصلاة إليها عليه سدًّا للذريعة، فقد سدَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الذريعَة قبلهم ووازن المسألة مِن الجانبين جانبُ الإفراط الذي هو الغلو في صاحب القبر، وجانب التفريط الذي هو انتهاك حرمة قبر المسلم، فلا تحلُّ الزيادة على السنَّة بالتشريع، وما زادوا عليها مِن جواز إزالة الأضرحة فهو بدعة.

                  ثانيًا: وأمَّـــا الأثـــر الــذي اســـتــدلـــوا بهِ عن عمر رضي الله عنه، في قطع الشجرة: فيُجابَ عنهُ مِن ثلاثة أوجه:
                  1- الوجهُ الأوَّل: أنَّ الأثر المذكور لا يدلُّ على المدَّعَى، بل لا يَدُلُّ إلاَّ على بلادَةِ الـمُدَّعي، فأين مــنــزلة الشجرة التي هي جـمادٌ مِن مــنــزلةِ مسلمٍ له حــقوقٌ وحرمة؟ أفلا يعقل القوم؟ كيف يـجعلون امتهان الشجرة التي هي جمادٌ ليس له حقٌّ ولا حرمة، كامتهان المسلم صاحب القبر وهو له حقٌّ وحرمة؟ فالاستدلال إذن باطلٌ صريحٌ في البطلان.

                  2- الوجهُ الثاني: لقد بحثتُ عن هذا الأثر، ولـم أجد مَن رواه سوى ابن وضَّاح في كتاب "البدع" وابن أبي شيبة في "المصنف"، وهو منقطعُ الإسناد عندهما، وفي إسنادِ ابن وضَّاح كذلك علة أخرى وهو عيسى بن يونس فهو مجهول حال.
                  قال ابن وضَّاح: (سمعتُ عيسى بن يونس مفتي أهل طرسوس يقول: أمَرَ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بُويِعَ تحتها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقطعها لأنَّ الناسَ كانوا يذهبون فيُصلُّونَ تحتها، فخافَ عليهم الفتنة.
                  قال عـــيــسى بــن يُـــونـــس: وهــو عـــنــدنـا مِن حــديــث ابـــن عــون عن نافع) انتهى [كتاب "البدع" لابن وضاح ص79].
                  وعيسى بن يونس الطرسوسي هذا لـم يذكر أحدٌ مـمَّن ترجم له جرحًا ولا توثيقًا، فقد ذكرهُ الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" ولم يذكر جرحًا ولا تعديلاً، وذكره الذهبي في "ميزان الاعتدال" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً. ولم أجد مَن ذكر حالَهُ، فهو إذن مجهول الحال بقواعد أهل الحديث.
                  والإسناد كذلك منقطعٌ، فنافع لـم يسمع مِن عمر رضي الله عنه، وإنَّما سمع مِن ابنِهِ عبدالله بن عمر. فالانقطاع وجهالة الحال موجبان لتضعيف هذا الخبر.
                  وأمَّا إسنادُ ابن أبي شيبة في "المصنَّف"، فقد قال: (حدثنا معاذ بن معاذ، قال: أنبأنا ابن عون، عن نافع، قال: بلَغَ عمر بن الخطَّاب أنَّ ناسًا يأتون الشجرة التي بويِعَ تحتها. قال: فأمرَ بها فقُطِعَت) [كتاب "المصنف" لابن أبي شيبة ج2/ص269]. وهذا كذلك منقطع، فنافع لم يسمع مِن عمر ولم يلقَه إنَّما سمع مِن ابنِهِ عبدالله بن عمر.

                  3- والوجهُ الثالث: على تقدير صحَّةِ هذا الأثر وعلى تقدير أنَّ الشجرة الجماد كالإنسان المسلم في الحق والحرمة ليسوغ هتك قبر المسلم قياسًا على الشجرة، فالخبرُ أيضًا لا يدلُّ على المدَّعى، حيث إنَّ عمل عمر رضي الله عنه بسدِّ الذريعة إنَّما كان عملاً، ولم يكن قولاً، والاستدلال بالفعلِ دون صريح القول استدلالٌ ضعيفٌ إذا كان الفعلُ محتمِلاً التأويل، ولذلك عُدَّ القولُ أقوى في الدلالة مِن الفعل، لأنَّه يقطع الـــنـــزاع بـــبـــيـان المراد، ولـمَّا نظرنا إلى الخبر الذي استدلوا بِهِ وجدناهُ عملاً مجرَّدًا عن القول، وكان العملُ مختصًّا بقضيَّة الشجرة ولـم يتعدَّ إلى غيرِهِ مِن آثار النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فهل وَجَد القوم قولاً لعمر رضي الله عنه ينصُّ فيه: أن امـحوا وأزيلوا كل أثرٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم لئلا يكون ذريعةً للغلو فيه؟
                  وأشد مَن ذهب في هذه المسألة مالك رحمه الله، فقد روي عنه أنَّه كره ما كان ذريعةً للتعظيم، ولم يحرمه. فالـخبــرُ إذن لا يُوجِبُ سدَّ الذريعة فـي كلِّ أثرٍ مِن آثار النبيِّ صلى الله عليه وسلم، إنَّما يدلُّ على اختصاص القطع بهذه الشجرة، فلعلَّ عمر رضي الله عنه إنَّما رأى أمرًا مهولاً استدعى مِنه استثناء أمر الشجرة.

                  تعليق

                  • صالح عبدالرحمن الجبرين
                    طالب علم
                    • Feb 2015
                    • 29

                    #10
                    (8) المبحث الثامن: التعريف بالتبرك، ورد الشبهة حوله:
                    البركةُ في اللغة: النماءُ والزيادة.
                    والتبريك للشخص: الدعاء بحصول البركة له.
                    والبركة في اصطلاح العلماء والصوفية: ثبوت الخير الإلهي في الشيء.

                    والدليل على أنَّ ذات الإنسان وروحَهُ قد يخرج مِنها أو يَفضُلُ مِنها أثرٌ مؤثِّر:
                    * ما رواه ابن ماجه بسندٍ صحيح، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: مرَّ عامرُ بن ربيعَةَ بسهلِ بن حنيف وهو يغتسل، فقال: لم أر كاليوم، ولا جلدَ مخبَّأة. فما لبث أن لُبِطَ بهِ، فأُتِيَ بِه النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقيل له: أدْرِك سهلاً صريعًا. قال: "مَن تتَّهمون؟"، قالوا: عامر بن ربيعة. قال: "علامَ يقتلُ أحدكم أخاهُ؟ إذا رأى أحدكم مِن أخيهِ ما يُعْجِبُهُ فليَدْعُ له بالبركة"، ثم دعا بماءٍ فأمرَ عامرًا أن يتوضَّأ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيهِ وداخلة إزارهِ، وأمرَهُ أن يَصُبَّ عليه [رواه ابن ماجه في كتاب الطب، برقم (3509)].
                    قلتُ: فهذا دليلٌ على أنَّه قد يخرج أثرٌ مِن الإنسان مِن روحِهِ ونفسِهِ فيحل في شيءٍ مِن الأشياء، كماءٍ ونحوه، وهذا في الإنسان عمومًا كما دلَّ عليه الحديث، وفضْلَةُ الأولياء المؤثرةِ مِن باب أولى.

                    والتبرك بآثار النبيِّ صلى الله عليه وسلم والأولياء مِن بعدهِ فـي الأصلِ مستحبٌ عند سائر العلماء، وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه بأسانيد عديدة أنَّه كان يتَّبِعُ آثار خُفِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا سار بناقتِهِ بل ويُــثـنـي ناقتَهُ ويقول: لعلَّ خُفًّا يَقَعُ على خُفٍّ. وصحَّ عن الإمام أحمد رحمه الله أنَّه كان يتبرَّكُ بشعرةٍ مِن شعر النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان يحملها معه، فأُخِذَت مِنه لـمَّا عُذِّبَ رحمه الله في فتنة الـمعتزلة، والقصة مشهورة، وليس المقام هنا يصلح لسرد كل ما ورد عن السلف والأئمة في التبرك. لكن نذكر بعض ذلك.

                    فمِن الأدلَّة على ندب حفظ آثار الأنبياء والصالحين للتبرك بها:
                    1- ما رواه البخاري، عن محمود بن الربيع الأنصاري: أنَّ عتبان بن مالك كان يؤمُّ قومَهُ وهو أعمى، وأنَّه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنَّها تكون الظلمة والسيلُ وأنا رجلٌ ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتَّخذُهُ مصلًّى. فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أين تحبُّ أن أصلي؟" فأشار إلى مكانٍ مِن البيت، فصلَّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم [رواه البخاري في كتاب الأذان، برقم (667)].
                    وهذا الحديث روي في الصحيحين مِن وجوهٍ كثيرة.
                    قال ابن عبدالبر في شرحه لهذا الحديث: (وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووَطِئها وقامَ عليها) [كتاب "التمهيد" لابن عبدالبر ج3/ص63].

                    2- ما رواه الشـــيخان البخاري ومسلم، عن أبـي هريرة رضي الله عنه قال: أُرسِلَ ملك الـموت إلى موسى عليه السلام، فلمَّا جاءهُ صكَّهُ فــفـقـأ عينَهُ، فرجَعَ إلى ربِّهِ فــقال: أرسلتني إلـى عبدٍ لا يريدُ الموت. قال: فردَّ الله إليه عينَهُ وقال: ارجع إليه فقل له يضع يدَهُ على متنِ ثور، فله بـما غطَّت يدُهُ بكلِّ شعرةٍ سَنَة. قال: أي ربِّ ثـمَّ مه؟ قال: ثمَّ الموت. قال: فالآن. فسَألَ الله أن يُدنِيَهُ مِن الأرض المقدَّسَة رَمْيَةً بحجَر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلو كنتُ ثمَّ لأريتُكُم قبرَهُ إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر" [رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، برقم (3407). ورواه مسلم في كتاب الفضائل، برقم (2372)].
                    قلتُ: وهذا دليلٌ صحيحٌ صريحٌ في أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أرادَ أن يريهم قبر موسى عليه السلام، وليس ذلك إلاَّ للتبرك فذلك هو مقصود هذه القصَّة، وإذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم رغب في دلالة أصحابه إلى موضع القبر فهذا دليلٌ على أنَّ رؤية آثار الأنبياء سنَّةٌ مِن السنن، ولا يُفهَم مِن رغبته صلى الله عليه وسلم إلا ذلك، لأنَّ الاعتبار بالقبور تستوي فيه جميع القبور، فالاعتبار ليس مراد، فليس لأحدٍ بعد هذا الحديث أن يزيل قبور الأنبياء أو آثارهم وقد جعلها النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن محال البركة.

                    3- ومِن الأدلة كذلك ما وردَ فـي صحيح مسلم، عن عبدالله مولـى أسـمـاء بنت أبـي بكر قال: أرسلَتْني أسماءُ إلى عبدالله بن عمر، فقالت: بلغني أنَّك تُـحَـرِّمُ أشــيــاءَ ثـــلاثــة: الـــعَـــلَــمُ فـي الــثـوب، ومِيْــــثَـــرَةُ الأرجُوَان، وصومُ رجبٍ كله. فقال لـي عبدالله: أمَّا ما ذكرتَ مِن رجب فكيف بـمَن يوصم الأبد؟ وأمَّا ما ذكرتَ مِن العَلَمِ فـي الثوب فإنِّـي سـمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سـمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّما يلبسُ الحريرَ مَن لا خلاقَ له" فـــخـــفــتُ أن يكون العلَمُ مِـــنــهُ، وأمَّا ميــثَـــرَةُ الأُرجوان فـــهـــذه مـــيـــثـــرةُ عبدالله. فإذا هي أرجــــوان، فرجـــعــتُ إلـى أسـمــاء فخبَّرتـها، فقالت: هذه جُــــبَّــــةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرَجَت إليَّ جُــــبَّـــة طـــيـالــســـة كسروانـــيَّـــة، لـها لِـــبـــنـةُ ديـــبــاج، وفـــرجَــــيْـــها مكفوفين بالديباج، فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قُبِضَت، فلمَّا قُبِضَت قَبَضْتُهَا، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يلبسها، فنحنُ نغسلها للمرضى يُستشفى بـها [رواه مسلم في كتاب اللباس والزينة، برقم (2069)].
                    قلتُ: وهذا حديثٌ صحيح صريحٌ في تبرك السلف الصالح بآثار النبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته، ممَّا يدل على ندب حفظها.

                    4- ومِن الأدلة كذلك ما رواهُ ابن أبي شيبة في "المصنف" بإسنادٍ صحيح لا شبهة فيه ولا مرية، قال: (حدثا معاذ، عن ابن عون، عن محمد -أي ابن سيرين التابعي الجليل- قال: كانوا يكرهون أن يُغيِّروا آثار الأنبياء) [رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ج2/ص270].
                    قلتُ: وهذا أثرٌ صحيح لا شبهة فيه، فرواته أئمةٌ مجمعٌ على توثيقهم لم يختلف فيهم أحد، وهو متصلٌ بلا ريب، وهو دليل واضحٌ على أنَّ منهج الصحابة هو كرهُ تغيير آثار الأنبياء. وابن سيرين إمامٌ تابعيٌ وهو إنَّما يحكي عن الصحابة، فمن هذا الذي يظنُّ أنَّ منهجَهُ أقوم مِن منهج الصحابة؟

                    فهذه الآثار وغيرها مما يطول ذكره هنا، كلها تدلُّ على أنَّ حفظ آثار الأنبياء جائزٌ للتبرك بها، وفي أقل الأحوال للاعتبار بها، فحفظها سنَّةٌ قائمة كان عليها السلف الصالح.

                    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

                    تعليق

                    يعمل...