فساد العلماء
تغير العلماء وانحرافهم بل انجرافهم إلى النهل من لذات الحياة الدنيا وسطوتها، ونصب شباك العلم لاصطياد المنفعة المادية والمعنوية الدنيوية من أعظم الجرم بل هو أشد خيانة. فهؤلاء الذين يشترون دنياهم ويرمون بدينهم، ويأخذون الفانية ويتركون الباقية، وإن تلبسوا للناس وظهروا بمظاهر التقى والوداعة والألفة والمحبة، إلا أن أحوالهم لا تغيب عن رب العباد.
قال الشعراني:"وكان الفضيل بان عياض رحمه الله يقول:لو صحت النية في العلم لم يكن عمل أفضل منه، ولكنهم تعلموه لغير العمل به، فجعلوه شبكة لصيد الدنيا".
ولما رأيت هذه الكلمة العظيمة تذكرت ما قاله الحريري في مقاماته في وصف أحوال بعض الشيوخ المنتفعين:
لبست الخَميْصَةَ أبْغي الخَبيصَةَ=وأَنْشَبْتُ شِصِّي في كُلِّ شِيْصة
وصَيَّرْتُ وعظيَ أُحبولَةً=أُريغُ القنيصَ بها والقنيصة
وألجأَني الدهر حتى ولجتُ=بلطفِ احتيالي على الليث عِيْصَه
على أنني لم أهَبْ صَرْفَهُ= ولا نبَضَتْ لي منه فريصَة
ولا شَرَعتْ بي على موردٍ=يُدنِّسُ عِرضيَ نفْسٌ حريصَة
ولو أنصَفَ الدَّهرُ في حكمهِ=لما ملَّك الحكمَ أهلَ النقيصة
ويقول الحريريُّ بعد ذلك:"ادنُ فكُل، وإن شئتَ فقُم وقُلْ"، أي إن شئت فشاركنا ما نحن فيه من هذا التلاعب والغش والمكر، وإلا فارغب عنا وابتعد وقل ما بدا لك فما تؤثر فينا كلماتك ولا نتراجع من هجماتك، وهكذا أهل الباطل دائما يرحبون بمن يشاركهم في غيهم وإثمهم، لكي يخففوا على أنفسهم، ويجدوا لهم تسلية باجتماع بعض الناس معهم على الإثم، فقد بلغت بهم الوقاحة إذن مبلغها.
وكم هي كلمات الفضيل مؤثرة لما دخل عليه سفيان الثوري عليه يطلب الموعظة، فقال له:"وبماذا أعظكم معاشر العلماء؟ كنتم سرجا يستضاء بكم في البلاد، فصرتم ظلمة، وكنتم نجوماً يهتدى بكم في ظلمات الجهل، فصرتم حيرة، يأتي أحدكم إلى أبواب هؤلاء الولاة فيجلس على فرشهم، ويأكل من طعامهم ويقبل هداياهم، ثم يدخل بعد ذلك إلى المسجد فيجلس فيه ثم يقول:حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، والله ما هكذا يطلب العلم". فبكى سفيان حتى خنقته العبرة، وخرج.
وكان الفضيل بن عياض يقول:"إذا رأيتم العالم أو العابد ينشرح صدره لذكره بالصلاح عند الأمراء وأبناء الدنيا فاعلموا أنه مراء".
وكان سفيان بن عيينة يقول:"إذا رأيتم طالب العلم كلما ازداد علما كلما رغب في الدنيا وشهواتها فلا تعلموه، فإنكم تعينونه على دخول النار بتعليمكم إياه".
فهيهات أن نتردد إذا نظرنا في كثير من طلاب العلم والعلماء يتسابقون إلى معرفة ذوي الجاه وغنى والسلطان، يتقربون إليهم ولو كان ذلك بعداء أهل الحق، بل لا يترددون إذا كان الثمن القدح في مشايخهم الذين تلقوا العلم عليهم وإنكارهم. وعدم التردد في القدح فيهم والحط من شأنهم، وليت شعري ما الذي يدفع هؤلاء إلى ما يقومون به إلا التنازع من أجل إرضاء من ينفقون عليهم، ويطلبون رضاهم، وينزلون على أوامرهم، ولن نتوقع من أمثال هؤلاء أن يعترفوا بذنبهم، فسحقا لأصحاب السعير، فهيهات أن يتبرأ المعاند من ذنبه، إلا بحطام رأسه، وفوات ما كان يتوقعه من مكاسب من تلك الطريق.

تعليق