تحفة العلماء العاملين بشرح أسماء رب العالمين
تأليف: الشيخ يوسف بن زكريا الأنصاري الخزرجي الشافعي
[COLOR="Blue"][SIZE="5"]قال الفقير يوسف بن الفقير زكرياء الأنصاري الخزرجي الشافعي لطف الله به في الدارين وجعله في بركة خير الفريقين وغفر له ولوالديه ولمشائخه ولجميع المسلمين آمين آمين آمين.
الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد وأتمه على كل حال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المنقذ من الضلال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل.
وبعد، فقد سألني بعض الأعزة عليّ من الفضلاء المترددين إليّ أن أضع على أسماء الله الحسنى شرحا يحل ألفاظها ويجل حفاظها، فأجبته إلى ما سأل وقصد، مستعينا بالله الواحد الصمد، ضامّا إليه من النفائس والفوائد ما تقر به أعين أولي البصائر والعوائد، راجيا بذلك جزيل الأجر والثواب، من فيض مولانا الأكرم الوهاب. وسمّيته "تحفة العلماء العاملين بشرح أسماء ربّ العالمين". واللهَ أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، ووسيلةً للفوز بجنات النعيم.
وهي التسع والتسعون التي اشتمل عليها رواية أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لله عز وجل تسعة وتسعون اسما، مائة إلا واحدة، إنه وتر ويحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة. وهي: هو الله الذي لا اله إلا هو. الرحمن. الرحيم. الملك. القدوس. السلام. المؤمن. المهيمن. العزيز. الجبار. المتكبر. الخالق. البارئ. المصور. الغفار. القهار. الوهاب. الرزاق. الفتاح. العليم. القابض. الباسط. الخافض. الرافع. المعز. المذل. السميع. البصير. الحكم. العدل. اللطيف. الخبير. الحليم. العظيم. الغفور. الشكور. العلي. الكبير. الحفيظ. المقيت. الحسيب. الجليل. الكريم. الرقيب. المجيب. الواسع. الحكيم. الودود. المجيد. الباعث. الشهيد. الحق. الوكيل. القوي. المتين. الولي. الحميد. المحصي. المبدئ. المعيد. المحيي. المميت. الحي. القيوم. الواجد. الماجد. الواحد. الأحد. الصمد. القادر. المقتدر. المقدم. المؤخر. الأول. الآخر. الظاهر. الباطن. الوالي. المتعالي. البر. التواب. المنتقم. العفو. الرؤوف. مالك الملك. ذو الجلال والإكرام. المقسط. الجامع. الغني. المغني. المعطي. المانع. الضار. النافع. النور. الهادي. البديع. الباقي. الوارث. الرشيد. الصبور. »
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم إلى قوله: « يحب الوتر » ، وما بعده حديث حسن رواه الترمذي وغيره.
وبعضهم وهو الشيخ الصالح محمد الشيباني رحمه الله ونفعنا به وببركاته زاد على ذلك هذه العقيدة المباركة، وهي قوله: " الذي تقدس عن الأشباه ذاته، وتنزه عن مشابهة الأمثال صفاته، واحد لا من قلة، موجود لا من علّة، بالبرّ معروف، وبالإحسان موصوف، معروف بلا غاية، وموصوفة بلا نهاية، أوّل قديم بلا ابتداء، وآخر مقيم بلا انتهاء، لا ينسب إليه البنون، ولا يفنيه تداول الأوقات ولا توهنه السنون، كل المخلوقات تحت قهر عظمته، وأمره بالكاف والنون، بذكره أنس المخلصون، وبرؤيته تقرّ العيون، وبتوحيده ابتهج المسبّحون، هدى أهل طاعته إلى صراط مستقيم، وأباح أهل محبته جنات النعيم، وعلم عدد أنفاس مخلوقاته بعلمه القديم، ويرى حركات أرجل النمل في جنح الليل البهيم، يسبحه الطائر في وكره، ويمجده الوحش في قبره، محيط بعمل العبد سره وجهره، وكفيل للمؤمنين بتأييده ونصره، وتطمئن القلوب الوجلة بذكره وكشف ضره، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، أحاط بكل شيء علمًا، وغفر ذنوب المذنبين كرمًا وحلمًا، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".
اللهم اكفنا السوء بما شئت وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير، يا نعم المولى ونعم النصير، غفرانك ربنا وإليك المصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، جل وجهك وعز جارك، يفعل الله ما يشاء بقدرته ويحكم ما يريد بعزته، يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت، بجاه محمد صلى الله عليه وسلم أغثنا يا رحمن يا رحيم لا إله إلا أنت، بجاه محمد صلى الله عليه وسلم أغثنا يا غياث المستغيثين لا إله إلا أنت، بجاه محمد صلى الله عليه وسلم انصرنا يا خير الناصرين لا إله إلا أنت، بجاه محمد صلى الله عليه وسلم ارحمنا يا أرحم الراحمين. رحمة الله عليكم وبركاته أهل البيت إنه حميد مجيد، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.
قوله: « تسعة وتسعون » ذِكره هذا العدد بهذا اللفظ لا يدل على الحصر. وتخصيصها بالذكر لكونها أشهر لفظا وأظهر معنا.
قوله: "اسمًا"، الاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمّى؛ لأنه يتألف من أصوات مقطعة غير قارة، ويختلف باختلاف الأمم والأعصار، ويتعدد تارة ويتحد أخرى، والمسمّى لا يكون كذلك. وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمّى، لكنه لم يشتهر بهذا المعنى. وقوله تعالى: ( سبح اسم ربك) و ( تبارك اسم ربك ) المراد به اللفظ؛ لأنه كما يجب تنزيه ذاته وصفاته عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب.
أو الاسم فيه مقحم، كما في قول الشاعر:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذرا
وإن أريد به الصفة على ما هو رأي الأشعري انقسم انقسام الصفات عنده إلى ما هو نفس المسمّى، وإلى ما هو غيره، وإلى ما ليس هو ولا غيره.
قوله: "مائة إلا واحدة" بدل من قوله: "تسعة وتسعون" بدل الكل من الكل.
وفائدة قوله: "مائة إلا واحدة" بعد قوله: "تسعة وتسعون" أن هذا العدد وإن لم يبلغ المائة في الظاهر فحكمه حكم المائة، وحكم المائة أنه عدد جامع لأصول الأعداد كلها، وأصولها ثلاثة: آحاد، وعشرات، ومئون. فبيّن أن نقصان واحد من مائة لا يرفع حكم المائة وحكم كمالها. ولهذا قال من قال: إن نقصان رطل أو رطلين لا يبطل حكم قوله صلى الله عليه وسلم « إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ».
وفائدته أيضا التوكيد، كقوله تعالى: ( فصيام ثلاثة أيّام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة ) وقوله تعالى: ( ولا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيرا لكم، إنما الله إله واحد ).
وفائدته أيضا أن يكون أبعد من الخطأ وأسلم من التصحيف؛ لأن تسعة وتسعين تشتبه في الكتابة بسبعة وسبعين وبتسعة وسبعين، وبسبعة وتسعين، فأزال هذا الاشتباه بقوله: "مائة إلا واحدة".
وفائدته أيضا المبالغة في المنع عن الزيادة بالقياس، وتأنيث واحدة على تأويل الكلمة أو التسمية أو الصفة.
قوله: "من أحصاها"، قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي رحمه الله: أي من حفظها. هكذا فسره البخاري والأكثرون. ويؤيده أنّ في رواية في الصحيح « من حفظها دخل الجنة ».
وقيل: معناها: من عرف معانيها وآمن بها.
وقيل: معناها: من أطاقها بحسن الرعاية لها، وتخلَّق بما يمكنه العمل بمعانيها.
و"الله"، علَمٌ على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد. و"الـ" لازمة له، لا لتعريف ولا غيره.
ولفظ "الله" ليس بمشتق كما نقل عن الشافعي والخليل وسيبويه وابن كيسان. والأكثرون على أنه مشتق، ونقل عن الخليل وسيبويه أيضا.
وأصله على القول بأنه مشتق "إله" كـ"إمام"، فلمّا أدخلت عليه حرف التعريف وهي الألف واللام حذفت همزته نقلا أو تخفيفا لكثرة وقوعها في الكلام، فاجتمعت لامان فأدغمت الأولى في الثانية كراهية اجتماع المثلين، وصار حرف التعريف فيه كأنه عوض من الهمزة المحذوفة التي هي فاء الكلمة.
وقيل: أصله غير ذلك.
وهو عربي عند الأكثر، قال الإمام الغزالي رحمه الله: "وزعم بعضهم أن أصل هذه اللفظة أعجمي، وهو بعيد؛ لجريانها على أوزان العربية ومطابقتها لمعاني الاشتقاق". انتهى.
وقد بسطت الكلام على ذلك في كتابي المسمّى بـ"تيسير الفتاح العليم بتفسير القرآن العظيم" يسّر الله لنا إكماله وإتمامه، وأدام علينا أفضاله وإنعامه بجاه الشفيع في أمّته يوم القيامة.
قوله: "الذي لا إله إلا هو"، قال العلامة البيضاوي: "نفى بكلمة "لا" الإلهية عمّا سواه".
هما صفتان بنيتا للمبالغ من رحم. و"الرحمن" أبلغ من "الرحيم"؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى كما في قطع وقطّع، ولقولهم: "رحمان الدنيا والآخرة، ورحيم الآخرة". وقيل: "رحيم الدنيا". و"الرحمن" أعمّ منه أيضا؛ لشموله المسلم والكافر، بخلاف "الرحيم"، فإنه خاص بالمسلم.
والرحمة لغة: رقة في القلب. وهي كيفية نفسانية تستحيل في حقه تعالى، فتحمل على غايتها، وهي الإنعام، فتكون صفة فعل، أو الإرادة فتكون صفة ذات.
وقال بعضهم: "الرحمن" لأهل الافتقار، و"الرحيم" لأهل الافتخار؛ إذا شهدوا جلاله طاشوا وافتقروا، وإذا شهدوا جماله عاشوا وافتخروا.
وقيل: "الرحمن" بما ستر في الدنيا، و"الرحيم" بما غفر في العقبى.
وقال عبد الله بن مبارك: "الرحمن": الذي إذا سُئل أعطى، و"الرحيم": الذي إذا لم يُسأل غضب.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: « من لم يسأل الله يغضب عليه ». والشاعر نظم هذا المعنى فقال:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنَيّ آدم حين يُسأل يَغضبُ
وقيل: الرحمن بالإنقاذ من النيران، والرحيم بإدخال الجنان.
وقيل: الرحمن بإزالة الكروب والعيوب، والرحيم بإنارة القلوب بالغيوب.
وقيل: الرحمن يكشف الكروب، والرحيم يغفر الذنوب.
وقيل: الرحمن بغفران السيئات، والرحيم بقبول الطاعات.
وقيل: الرحمن بتعليم القرآن. دليله: قوله تعالى ( الرحمن علّم القرآن )، والرحيم بتشريف التكليم والتسليم. دليله: قوله تعالى ( سلام قولا من رب رحيم ).
وقال بعضهم: قوله "الله" للسابقين، وقوله الرحمن للمقتصدين، وقوله الرحيم للظالمين. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد من هذه الأسماء الثلاثة أن يلاحظ من الله تعالى قدرته، ومن الرحمن نعمته، ومن الرحيم عصمته ومغفرته. وقيل غير ذلك.
فإن قلت: ما معنى كونه تعالى رحمانا ورحيما وأرحم الراحمين، ومن شأن من هو متصف بذلك أن لا يرى مبتلا أو معذبا أو مريضا وهو يقدر على إزالة ما به إلا ويبادر إليها، وهو تعالى لم يفعل ذلك لأن المشاهَد أن الدنيا طافحة بالأمراض ونحوها على عباده، ولم يزالوا مبتلين بالرزايا والمحن مع أنه قادر على إزالة كل بلية.
قلت: أجيب بأن عدم إزالته تعالى ذلك عمّن ذكر ليس لعدم شفقته ورحمته عليهم، بل فعله ذلك هو الشفقة والرحمة عليهم؛ كما أن الطفل الصغير قد ترق له أمّه فتمنعه عن الحجامة مثلا مع كونه محتاجا إليها، والأب العاقل يحمله عليها قهرا، والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب، والعاقل يعلم أن إيلام الأب إيّاه بالحجامة مثلا من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته عليه، وأن الأم عدوّ له في صورة صديق، وأن الألم القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرّا بل خيرًا، والرحيم يريد الخير للمرحوم لا محالة.
وليس في الوجود شرّ إلا في ضمنه خير، لو رفع ذلك الشرّ لبطل الخير الذي هو في ضمنه؛ فاليد المتآكلة مثلا قطعها شر في الظاهر، وفي ضمنها الخير الجزيل وهو سلامة البدن، ولو ترك قطع اليد لحصل بسببه هلاك البدن ولكان الشرّ أعظم، وقطع اليد لأجل سلامة البدن شر في ضمنه خير، ولكن المراد الأوّل السابق إلى نظر القاطع: السلامة التي هي خير محض، ثم لمّا كان السبيل إليه قطع اليد قُصد قطع اليد لأجله، وكانت السلامة مطلوبة لذاتها أوّلا والقطع مطلوبا لغيره ثانيا لا لذاته، فهما داخلان تحت الإرادة ولكن أحدهما مراد لذاته والآخر مراد لغيره، والمراد لذاته قبل المراد لغيره. ولأجله قال تعالى « سبقت رحمتي غضبي ». فغضبه إرادته للشرّ، والشر بإرادته، ورحمته إرادة للخير، والخير بإرادته، لكن أراد الخير للخير نفسه، وأراد الشر لا لذاته، بل لما في ضمنه من الخير. فالخير مقضي بالذات والشرّ مقضي بالعَرَض، وكل منهما بقَدر، وليس في ذلك ما ينافي الرحمة أصلا، فتأمل !
(بكسر اللام): الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود.
وقيل: من ملَك نفوس العابدين فأقلقها، وملك قلوب العارفين فأحرقها.
وقيل: من إذا شاء ملّك وإذا شاء أهلك.
وقيل: من لا ينازعه معارض، ولا يمانعه مناقض؛ فهو بتقديره منفرد، وبتوحيده متوحد. ليس لأمره مردّ ولحكمه ردّ.
وقيل: من دار لحكمه الفلك، وسبّح بتقديسه الملك.
وقيل: الذي يحوز الشيء ويستولي عليه ويصرفه فيما يريده. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه ما قيل: من لاحظ الملك فنا عن المملكة، فالأعراض لا تشغله، والشواهد لا تقطعه، والعوائد لا تحجبه.
وأمّا الملَك (بفتح اللام) فهو مفرد الملائكة، وأصله ملاك من الألوك وهو الرسالة، كشمائل جمع شمال وإلحاق التأنيث الجمع.
وحكي عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى أنه قال: بينما أطوف بالبيت، إذ رأيت رجلا وقع في قلبي أنه من عباد الله المخلصين، فدنوت منه فقلت: هل تقول شيئا ينفعني الله به؟ فقال: هل تدرون ما قال ربكم؟ فقلت: لا. فقال، قال: أنا الحي الذي لا يموت، هلمّوا أطيعوني أجعلكم أحياء لا تموتون، أنا الملك الذي لا أزول، هلموا أطيعوني أجعلكم ملوكا لا تزولون، أنا الملك إذا أردت شيئا قلت له كن فيكون. قال: ثم نظرت فلم أجد أحدا، فظننت أنه الخضر عليه الصلاة والسلام.
وحكي أن بعض الأمراء قال لبعض الصالحين: سل حاجتك! قال: أوَلي تقول ولي عبدان هما سيداك!؟ قال: ومن هما؟ قال: الشهوة والغضب، غلبتُهما وغلباك، وملكتهما وملكاك.
هو على فعّول (بالضم) من أبنية المبالغة. وقد تفتح القاف وليس بالكثير. ولم يجئ منها إلا قدّوس وسبّوح وذرّوح.
والقدّوس من القُدس (وهي بضم الدال وإسكانها): الطهارة والنزاهة، وهو من صيغ المبالغة. والطهارة في حقه: النزاهة عن سمات النقص وموجبات الحدوث.
وسمّيت "الأرض المقدسة" مقدسة لطهارتها عن أوضار الشرك. وسمّي جبريل "روح القدُس" (بضم الراء) لتنزّهه فيما يبلغه عن الله.
وقيل: القدوس: من تقدس عن الحاجات ذاته، وتنزه عن الآفات صفاته.
وقيل: من تقدس عن المعاصي، وأخذ الأشرار بالنواصي.
وقيل: الذي قدّس قلوب أوليائه عن السكون إلى المألوفات، وآنس أرواحهم بفنون المكاشفات. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه: التنزه عما يشينه في أمر دنياه وأخراه.
(هو بفتح السين التحتية) وقيل: الذي سلمت ذاتُه عن الحدوث والعيب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر المحض. فيرجع معناه إلى التنزيه. ويباين القدوس باشتمال القدوس على مبالغة.
وتنزيهه في الملك عدمُ احتياجه إلى مُعين أو وزير أو ظهير أو مشير.
وقيل: معناه: المسلِّم على عباده، فيرجع إلى الكلام القديم؛ قال تعالى: ( سلام قولا من رب رحيم ).
وقيل: معناه: المسلِّم عباده من المعاطب والمهالك. فيرجع إلى القدرة وأسماء الأفعال. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه بالمعنى الأول: أن ينزه نفسه عن كل لهوٍ، ولسانه عن كل لغوٍ، وقلبه عن كل غيرٍ ويأتي ربه بقلب سليم. وبالمعنى الثاني: إفشاء السلام. وبالمعنى الثالث: دفع المضار.
وأمّا السِّلام (بالكسر) فهو الحجارة. وبالضم عروق ظاهر الف.
الإيمان لغة: مطلق التصديق؛ قال تعالى: ( وما أنت بمؤمن لنا ) أي: بمصدق لنا. قال سيدي ووالدي شيخ مشائخ الإسلام والمسلمين غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين: "وجمهور الأشاعرة على تغاير الإيمان والإسلام؛ لأن الإيمان إذعان القلب، والإسلام انقياد الظاهر. لكن الإيمان شرط للإسلام النافع حيث لا مانع. وقول كثير: الإيمان والإسلام واحد، أرادوا به الإتحاد في المَاصْدَق؛ إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا الإتحاد في المفهوم، لكن التصديق بالقلب أمر باطن يحتاج إلى علامة. فالمؤمن الذي يحكم بإسلامه: من صدًّق بقلبه ما جاء من عند الله تعالى ونطق بالشهادتين. ومن نطق بإحداهما فقط ليس من أهل القبلة فلا يُحكم بإسلامه. والكلام على ذلك طويل لكن هذا القدر كاف للمتأمل". انتهى.
ومعناه في حقه تعالى: تصديقه نفسه وكتبه ورسله. فيرجع معناه إلى الكلام القديم.
وقيل: إنه مأخوذ من الأمن، وهو المُؤَمِّن عباده من المخاوف. فيرجع إلى القدرة وصفات الأفعال. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه بالمعنى الأوّل: تحقيق اتصافه بحقائق الإيمان. وبالمعنى الثاني: أن يأمِّن غيرَه أذاه؛ قال صلى الله عليه وسلم: « المؤمن من سلم المسلمون من لسانه ويده ». وقال صلى الله عليه وسلم: « ليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه ».
وأحق العباد باسم المؤمن من دعا عباد الله إلى معرفة الله وطاعته، وزجرهم من الاشتغال بما يضاد ذلك. وهذا هو وصف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإليه الإشارة بقوله: ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ).
وحكي أن مناديا ينادي يوم القيامة: ألا من كان سمّي نبي من الأنبياء فليدخل الجنة ! ويبقى قوم فيقال لهم: ما أنتم؟ فيقولون: لم يكن اسمنا اسم نبي ولكنا مؤمنين. فيقول الله سبحانه وتعالى: أنا المؤمن وأنتم المؤمنون، فادخلوا الجنة برحمتي.
تأليف: الشيخ يوسف بن زكريا الأنصاري الخزرجي الشافعي
بسم الله الرحمان الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون
[COLOR="Blue"][SIZE="5"]قال الفقير يوسف بن الفقير زكرياء الأنصاري الخزرجي الشافعي لطف الله به في الدارين وجعله في بركة خير الفريقين وغفر له ولوالديه ولمشائخه ولجميع المسلمين آمين آمين آمين.
الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد وأتمه على كل حال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المنقذ من الضلال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل.
وبعد، فقد سألني بعض الأعزة عليّ من الفضلاء المترددين إليّ أن أضع على أسماء الله الحسنى شرحا يحل ألفاظها ويجل حفاظها، فأجبته إلى ما سأل وقصد، مستعينا بالله الواحد الصمد، ضامّا إليه من النفائس والفوائد ما تقر به أعين أولي البصائر والعوائد، راجيا بذلك جزيل الأجر والثواب، من فيض مولانا الأكرم الوهاب. وسمّيته "تحفة العلماء العاملين بشرح أسماء ربّ العالمين". واللهَ أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، ووسيلةً للفوز بجنات النعيم.
وهي التسع والتسعون التي اشتمل عليها رواية أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لله عز وجل تسعة وتسعون اسما، مائة إلا واحدة، إنه وتر ويحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة. وهي: هو الله الذي لا اله إلا هو. الرحمن. الرحيم. الملك. القدوس. السلام. المؤمن. المهيمن. العزيز. الجبار. المتكبر. الخالق. البارئ. المصور. الغفار. القهار. الوهاب. الرزاق. الفتاح. العليم. القابض. الباسط. الخافض. الرافع. المعز. المذل. السميع. البصير. الحكم. العدل. اللطيف. الخبير. الحليم. العظيم. الغفور. الشكور. العلي. الكبير. الحفيظ. المقيت. الحسيب. الجليل. الكريم. الرقيب. المجيب. الواسع. الحكيم. الودود. المجيد. الباعث. الشهيد. الحق. الوكيل. القوي. المتين. الولي. الحميد. المحصي. المبدئ. المعيد. المحيي. المميت. الحي. القيوم. الواجد. الماجد. الواحد. الأحد. الصمد. القادر. المقتدر. المقدم. المؤخر. الأول. الآخر. الظاهر. الباطن. الوالي. المتعالي. البر. التواب. المنتقم. العفو. الرؤوف. مالك الملك. ذو الجلال والإكرام. المقسط. الجامع. الغني. المغني. المعطي. المانع. الضار. النافع. النور. الهادي. البديع. الباقي. الوارث. الرشيد. الصبور. »
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم إلى قوله: « يحب الوتر » ، وما بعده حديث حسن رواه الترمذي وغيره.
وبعضهم وهو الشيخ الصالح محمد الشيباني رحمه الله ونفعنا به وببركاته زاد على ذلك هذه العقيدة المباركة، وهي قوله: " الذي تقدس عن الأشباه ذاته، وتنزه عن مشابهة الأمثال صفاته، واحد لا من قلة، موجود لا من علّة، بالبرّ معروف، وبالإحسان موصوف، معروف بلا غاية، وموصوفة بلا نهاية، أوّل قديم بلا ابتداء، وآخر مقيم بلا انتهاء، لا ينسب إليه البنون، ولا يفنيه تداول الأوقات ولا توهنه السنون، كل المخلوقات تحت قهر عظمته، وأمره بالكاف والنون، بذكره أنس المخلصون، وبرؤيته تقرّ العيون، وبتوحيده ابتهج المسبّحون، هدى أهل طاعته إلى صراط مستقيم، وأباح أهل محبته جنات النعيم، وعلم عدد أنفاس مخلوقاته بعلمه القديم، ويرى حركات أرجل النمل في جنح الليل البهيم، يسبحه الطائر في وكره، ويمجده الوحش في قبره، محيط بعمل العبد سره وجهره، وكفيل للمؤمنين بتأييده ونصره، وتطمئن القلوب الوجلة بذكره وكشف ضره، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، أحاط بكل شيء علمًا، وغفر ذنوب المذنبين كرمًا وحلمًا، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".
اللهم اكفنا السوء بما شئت وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير، يا نعم المولى ونعم النصير، غفرانك ربنا وإليك المصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، جل وجهك وعز جارك، يفعل الله ما يشاء بقدرته ويحكم ما يريد بعزته، يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت، بجاه محمد صلى الله عليه وسلم أغثنا يا رحمن يا رحيم لا إله إلا أنت، بجاه محمد صلى الله عليه وسلم أغثنا يا غياث المستغيثين لا إله إلا أنت، بجاه محمد صلى الله عليه وسلم انصرنا يا خير الناصرين لا إله إلا أنت، بجاه محمد صلى الله عليه وسلم ارحمنا يا أرحم الراحمين. رحمة الله عليكم وبركاته أهل البيت إنه حميد مجيد، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.
قوله: « تسعة وتسعون » ذِكره هذا العدد بهذا اللفظ لا يدل على الحصر. وتخصيصها بالذكر لكونها أشهر لفظا وأظهر معنا.
قوله: "اسمًا"، الاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمّى؛ لأنه يتألف من أصوات مقطعة غير قارة، ويختلف باختلاف الأمم والأعصار، ويتعدد تارة ويتحد أخرى، والمسمّى لا يكون كذلك. وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمّى، لكنه لم يشتهر بهذا المعنى. وقوله تعالى: ( سبح اسم ربك) و ( تبارك اسم ربك ) المراد به اللفظ؛ لأنه كما يجب تنزيه ذاته وصفاته عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب.
أو الاسم فيه مقحم، كما في قول الشاعر:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذرا
وإن أريد به الصفة على ما هو رأي الأشعري انقسم انقسام الصفات عنده إلى ما هو نفس المسمّى، وإلى ما هو غيره، وإلى ما ليس هو ولا غيره.
قوله: "مائة إلا واحدة" بدل من قوله: "تسعة وتسعون" بدل الكل من الكل.
وفائدة قوله: "مائة إلا واحدة" بعد قوله: "تسعة وتسعون" أن هذا العدد وإن لم يبلغ المائة في الظاهر فحكمه حكم المائة، وحكم المائة أنه عدد جامع لأصول الأعداد كلها، وأصولها ثلاثة: آحاد، وعشرات، ومئون. فبيّن أن نقصان واحد من مائة لا يرفع حكم المائة وحكم كمالها. ولهذا قال من قال: إن نقصان رطل أو رطلين لا يبطل حكم قوله صلى الله عليه وسلم « إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ».
وفائدته أيضا التوكيد، كقوله تعالى: ( فصيام ثلاثة أيّام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة ) وقوله تعالى: ( ولا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيرا لكم، إنما الله إله واحد ).
وفائدته أيضا أن يكون أبعد من الخطأ وأسلم من التصحيف؛ لأن تسعة وتسعين تشتبه في الكتابة بسبعة وسبعين وبتسعة وسبعين، وبسبعة وتسعين، فأزال هذا الاشتباه بقوله: "مائة إلا واحدة".
وفائدته أيضا المبالغة في المنع عن الزيادة بالقياس، وتأنيث واحدة على تأويل الكلمة أو التسمية أو الصفة.
قوله: "من أحصاها"، قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي رحمه الله: أي من حفظها. هكذا فسره البخاري والأكثرون. ويؤيده أنّ في رواية في الصحيح « من حفظها دخل الجنة ».
وقيل: معناها: من عرف معانيها وآمن بها.
وقيل: معناها: من أطاقها بحسن الرعاية لها، وتخلَّق بما يمكنه العمل بمعانيها.
وقوله: "الله"،
هو أعظم الأسماء المذكورة؛ لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الهيئة كلها، بخلاف سائر الأسماء، فإن آحاده لا يدل إلا على آحاد المعاني من علم أو فعل أو قدرة أو غيرها؛ ولأنه أخص الأسماء، إذ لا يطلق على غيره لا حقيقةً ولا مجازًا، بخلاف سائر الأسماء فإنه قد يسمّى به غيره مجازًا كالقادر والعليم والرحيم.و"الله"، علَمٌ على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد. و"الـ" لازمة له، لا لتعريف ولا غيره.
ولفظ "الله" ليس بمشتق كما نقل عن الشافعي والخليل وسيبويه وابن كيسان. والأكثرون على أنه مشتق، ونقل عن الخليل وسيبويه أيضا.
وأصله على القول بأنه مشتق "إله" كـ"إمام"، فلمّا أدخلت عليه حرف التعريف وهي الألف واللام حذفت همزته نقلا أو تخفيفا لكثرة وقوعها في الكلام، فاجتمعت لامان فأدغمت الأولى في الثانية كراهية اجتماع المثلين، وصار حرف التعريف فيه كأنه عوض من الهمزة المحذوفة التي هي فاء الكلمة.
وقيل: أصله غير ذلك.
وهو عربي عند الأكثر، قال الإمام الغزالي رحمه الله: "وزعم بعضهم أن أصل هذه اللفظة أعجمي، وهو بعيد؛ لجريانها على أوزان العربية ومطابقتها لمعاني الاشتقاق". انتهى.
وقد بسطت الكلام على ذلك في كتابي المسمّى بـ"تيسير الفتاح العليم بتفسير القرآن العظيم" يسّر الله لنا إكماله وإتمامه، وأدام علينا أفضاله وإنعامه بجاه الشفيع في أمّته يوم القيامة.
قوله: "الذي لا إله إلا هو"، قال العلامة البيضاوي: "نفى بكلمة "لا" الإلهية عمّا سواه".
قوله: "الرحمن الرحيم"،
هما صفتان بنيتا للمبالغ من رحم. و"الرحمن" أبلغ من "الرحيم"؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى كما في قطع وقطّع، ولقولهم: "رحمان الدنيا والآخرة، ورحيم الآخرة". وقيل: "رحيم الدنيا". و"الرحمن" أعمّ منه أيضا؛ لشموله المسلم والكافر، بخلاف "الرحيم"، فإنه خاص بالمسلم.
والرحمة لغة: رقة في القلب. وهي كيفية نفسانية تستحيل في حقه تعالى، فتحمل على غايتها، وهي الإنعام، فتكون صفة فعل، أو الإرادة فتكون صفة ذات.
وقال بعضهم: "الرحمن" لأهل الافتقار، و"الرحيم" لأهل الافتخار؛ إذا شهدوا جلاله طاشوا وافتقروا، وإذا شهدوا جماله عاشوا وافتخروا.
وقيل: "الرحمن" بما ستر في الدنيا، و"الرحيم" بما غفر في العقبى.
وقال عبد الله بن مبارك: "الرحمن": الذي إذا سُئل أعطى، و"الرحيم": الذي إذا لم يُسأل غضب.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: « من لم يسأل الله يغضب عليه ». والشاعر نظم هذا المعنى فقال:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنَيّ آدم حين يُسأل يَغضبُ
وقيل: الرحمن بالإنقاذ من النيران، والرحيم بإدخال الجنان.
وقيل: الرحمن بإزالة الكروب والعيوب، والرحيم بإنارة القلوب بالغيوب.
وقيل: الرحمن يكشف الكروب، والرحيم يغفر الذنوب.
وقيل: الرحمن بغفران السيئات، والرحيم بقبول الطاعات.
وقيل: الرحمن بتعليم القرآن. دليله: قوله تعالى ( الرحمن علّم القرآن )، والرحيم بتشريف التكليم والتسليم. دليله: قوله تعالى ( سلام قولا من رب رحيم ).
وقال بعضهم: قوله "الله" للسابقين، وقوله الرحمن للمقتصدين، وقوله الرحيم للظالمين. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد من هذه الأسماء الثلاثة أن يلاحظ من الله تعالى قدرته، ومن الرحمن نعمته، ومن الرحيم عصمته ومغفرته. وقيل غير ذلك.
فإن قلت: ما معنى كونه تعالى رحمانا ورحيما وأرحم الراحمين، ومن شأن من هو متصف بذلك أن لا يرى مبتلا أو معذبا أو مريضا وهو يقدر على إزالة ما به إلا ويبادر إليها، وهو تعالى لم يفعل ذلك لأن المشاهَد أن الدنيا طافحة بالأمراض ونحوها على عباده، ولم يزالوا مبتلين بالرزايا والمحن مع أنه قادر على إزالة كل بلية.
قلت: أجيب بأن عدم إزالته تعالى ذلك عمّن ذكر ليس لعدم شفقته ورحمته عليهم، بل فعله ذلك هو الشفقة والرحمة عليهم؛ كما أن الطفل الصغير قد ترق له أمّه فتمنعه عن الحجامة مثلا مع كونه محتاجا إليها، والأب العاقل يحمله عليها قهرا، والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب، والعاقل يعلم أن إيلام الأب إيّاه بالحجامة مثلا من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته عليه، وأن الأم عدوّ له في صورة صديق، وأن الألم القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرّا بل خيرًا، والرحيم يريد الخير للمرحوم لا محالة.
وليس في الوجود شرّ إلا في ضمنه خير، لو رفع ذلك الشرّ لبطل الخير الذي هو في ضمنه؛ فاليد المتآكلة مثلا قطعها شر في الظاهر، وفي ضمنها الخير الجزيل وهو سلامة البدن، ولو ترك قطع اليد لحصل بسببه هلاك البدن ولكان الشرّ أعظم، وقطع اليد لأجل سلامة البدن شر في ضمنه خير، ولكن المراد الأوّل السابق إلى نظر القاطع: السلامة التي هي خير محض، ثم لمّا كان السبيل إليه قطع اليد قُصد قطع اليد لأجله، وكانت السلامة مطلوبة لذاتها أوّلا والقطع مطلوبا لغيره ثانيا لا لذاته، فهما داخلان تحت الإرادة ولكن أحدهما مراد لذاته والآخر مراد لغيره، والمراد لذاته قبل المراد لغيره. ولأجله قال تعالى « سبقت رحمتي غضبي ». فغضبه إرادته للشرّ، والشر بإرادته، ورحمته إرادة للخير، والخير بإرادته، لكن أراد الخير للخير نفسه، وأراد الشر لا لذاته، بل لما في ضمنه من الخير. فالخير مقضي بالذات والشرّ مقضي بالعَرَض، وكل منهما بقَدر، وليس في ذلك ما ينافي الرحمة أصلا، فتأمل !
قوله: الملِك
(بكسر اللام): الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود.
وقيل: من ملَك نفوس العابدين فأقلقها، وملك قلوب العارفين فأحرقها.
وقيل: من إذا شاء ملّك وإذا شاء أهلك.
وقيل: من لا ينازعه معارض، ولا يمانعه مناقض؛ فهو بتقديره منفرد، وبتوحيده متوحد. ليس لأمره مردّ ولحكمه ردّ.
وقيل: من دار لحكمه الفلك، وسبّح بتقديسه الملك.
وقيل: الذي يحوز الشيء ويستولي عليه ويصرفه فيما يريده. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه ما قيل: من لاحظ الملك فنا عن المملكة، فالأعراض لا تشغله، والشواهد لا تقطعه، والعوائد لا تحجبه.
وأمّا الملَك (بفتح اللام) فهو مفرد الملائكة، وأصله ملاك من الألوك وهو الرسالة، كشمائل جمع شمال وإلحاق التأنيث الجمع.
وحكي عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى أنه قال: بينما أطوف بالبيت، إذ رأيت رجلا وقع في قلبي أنه من عباد الله المخلصين، فدنوت منه فقلت: هل تقول شيئا ينفعني الله به؟ فقال: هل تدرون ما قال ربكم؟ فقلت: لا. فقال، قال: أنا الحي الذي لا يموت، هلمّوا أطيعوني أجعلكم أحياء لا تموتون، أنا الملك الذي لا أزول، هلموا أطيعوني أجعلكم ملوكا لا تزولون، أنا الملك إذا أردت شيئا قلت له كن فيكون. قال: ثم نظرت فلم أجد أحدا، فظننت أنه الخضر عليه الصلاة والسلام.
وحكي أن بعض الأمراء قال لبعض الصالحين: سل حاجتك! قال: أوَلي تقول ولي عبدان هما سيداك!؟ قال: ومن هما؟ قال: الشهوة والغضب، غلبتُهما وغلباك، وملكتهما وملكاك.
قوله: القدوس
هو على فعّول (بالضم) من أبنية المبالغة. وقد تفتح القاف وليس بالكثير. ولم يجئ منها إلا قدّوس وسبّوح وذرّوح.
والقدّوس من القُدس (وهي بضم الدال وإسكانها): الطهارة والنزاهة، وهو من صيغ المبالغة. والطهارة في حقه: النزاهة عن سمات النقص وموجبات الحدوث.
وسمّيت "الأرض المقدسة" مقدسة لطهارتها عن أوضار الشرك. وسمّي جبريل "روح القدُس" (بضم الراء) لتنزّهه فيما يبلغه عن الله.
وقيل: القدوس: من تقدس عن الحاجات ذاته، وتنزه عن الآفات صفاته.
وقيل: من تقدس عن المعاصي، وأخذ الأشرار بالنواصي.
وقيل: الذي قدّس قلوب أوليائه عن السكون إلى المألوفات، وآنس أرواحهم بفنون المكاشفات. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه: التنزه عما يشينه في أمر دنياه وأخراه.
وقوله: السَّلام
(هو بفتح السين التحتية) وقيل: الذي سلمت ذاتُه عن الحدوث والعيب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر المحض. فيرجع معناه إلى التنزيه. ويباين القدوس باشتمال القدوس على مبالغة.
وتنزيهه في الملك عدمُ احتياجه إلى مُعين أو وزير أو ظهير أو مشير.
وقيل: معناه: المسلِّم على عباده، فيرجع إلى الكلام القديم؛ قال تعالى: ( سلام قولا من رب رحيم ).
وقيل: معناه: المسلِّم عباده من المعاطب والمهالك. فيرجع إلى القدرة وأسماء الأفعال. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه بالمعنى الأول: أن ينزه نفسه عن كل لهوٍ، ولسانه عن كل لغوٍ، وقلبه عن كل غيرٍ ويأتي ربه بقلب سليم. وبالمعنى الثاني: إفشاء السلام. وبالمعنى الثالث: دفع المضار.
وأمّا السِّلام (بالكسر) فهو الحجارة. وبالضم عروق ظاهر الف.
قوله: المؤمن
الإيمان لغة: مطلق التصديق؛ قال تعالى: ( وما أنت بمؤمن لنا ) أي: بمصدق لنا. قال سيدي ووالدي شيخ مشائخ الإسلام والمسلمين غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين: "وجمهور الأشاعرة على تغاير الإيمان والإسلام؛ لأن الإيمان إذعان القلب، والإسلام انقياد الظاهر. لكن الإيمان شرط للإسلام النافع حيث لا مانع. وقول كثير: الإيمان والإسلام واحد، أرادوا به الإتحاد في المَاصْدَق؛ إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا الإتحاد في المفهوم، لكن التصديق بالقلب أمر باطن يحتاج إلى علامة. فالمؤمن الذي يحكم بإسلامه: من صدًّق بقلبه ما جاء من عند الله تعالى ونطق بالشهادتين. ومن نطق بإحداهما فقط ليس من أهل القبلة فلا يُحكم بإسلامه. والكلام على ذلك طويل لكن هذا القدر كاف للمتأمل". انتهى.
ومعناه في حقه تعالى: تصديقه نفسه وكتبه ورسله. فيرجع معناه إلى الكلام القديم.
وقيل: إنه مأخوذ من الأمن، وهو المُؤَمِّن عباده من المخاوف. فيرجع إلى القدرة وصفات الأفعال. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه بالمعنى الأوّل: تحقيق اتصافه بحقائق الإيمان. وبالمعنى الثاني: أن يأمِّن غيرَه أذاه؛ قال صلى الله عليه وسلم: « المؤمن من سلم المسلمون من لسانه ويده ». وقال صلى الله عليه وسلم: « ليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه ».
وأحق العباد باسم المؤمن من دعا عباد الله إلى معرفة الله وطاعته، وزجرهم من الاشتغال بما يضاد ذلك. وهذا هو وصف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإليه الإشارة بقوله: ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ).
وحكي أن مناديا ينادي يوم القيامة: ألا من كان سمّي نبي من الأنبياء فليدخل الجنة ! ويبقى قوم فيقال لهم: ما أنتم؟ فيقولون: لم يكن اسمنا اسم نبي ولكنا مؤمنين. فيقول الله سبحانه وتعالى: أنا المؤمن وأنتم المؤمنون، فادخلوا الجنة برحمتي.
تعليق